البحث عن يوم سيء للكتابة

 

هايدي داري، وهي مُدوّنة، نشرت قبل أشهر نصًا أسمته “البحث عن يوم سيء للكتابة”، أقوم بترجمته لكم بشكل حصري على ساقية. تقول (هايدي داري) في تدوينتها الجميلة:

أريد أن أستيقظ لأكتب بسرعة. ولكن.. “اللعنة“، جهازي لن يسمح لي بذلك حتى ينهي تحديثاته البرامجية كل صباح.

لعنة شاشة التكنولوجيا وتثاقلها الصباحي، والذي عليّ أن أنتظرها كمقيدة حتى تسمح لي بالبدء بالكتابة.

وليتها تصنع لي ما أريد. أريد منها مثلاً:

توثيق وحفظ حالتي المزاجية الرائعة، قبل أن يعصف بي أي أمر خارج الكتابة وداخل الحياة.

أريد منها تخزين إلهامي، والحفاظ على سخونته وتدفقه حتى أعود له.

أحتاج منها الأفراج الفوري لتركيزي عندما تكتمل مشاهدي الفنية في ذهني وتكون جاهزة لتحويلها للغة.

هل يمكن ذلك؟

لا يمكنني وضع جميع أفكاري بنفس سرعتها الذهنية أسفل ورقة وبالقلم.

أحتاج إلى الشاشة الضوئية. ولوحة المفاتيح. والف سرعة مضاعفة من حركة نقر أصابعي.

أخاف أن يذهب مزاجي الآن. وأنا أفكر في متعة وسيلان كل ذلك الحلم.

ولكن سأحاول – أعلم أن الكلمات لا تزال هناك. يجب أن أتنفس بعمق وأسمح للإحباط بالتبدد حتى أتمكن من تحويل روحي من السخط والغضب إلى التأمل والهدوء.

وإن لم يحدث ذلك، فحتماً سيكون اليوم سيء.

يوم سيء بحيث يمكنك تذّكر وتجميع كل أيامك وذكرياتك الجيدة في سلة محكمة.

يوم سيء حتى يعكس لك مقدار تعاستك الآن كمقياس يجعلك تبحث، وتشك، وتساءل، وتراجع جدوى كل ما عشته حتى الآن، وأدى إلى هذه اللحظة.

يوم سيء يعني بركان بارد وخامل سيفور ببطء وسينفجر بك وإبداعك في النهاية.

يوم سيء رائع. بحيث يمكنك فيه على الأقل الحفاظ على غيظك لتكتب كلمات جيدة.

أبحث عن يومك السيء.. أقبض عليه، وتوسله..

للأسف قد يفشل أسبوع كامل من عمري ويذهب مع مخلفات أعمال حياتية جديدة ومرهقة كل مرة، ما هو الثمن الذي يجب دفعه يا ترى؟ للتخلي عن تلك الثواني الثمينة، الساعات، والأسابيع المتصلة بصراع الوجود مع شكليات قد تستنزف كل شيء.

لذلك سأحاول أن أمتص هذا اليوم الأخير كبطانية دافئة، أستوعبه بأفكاري العزيزة والمجرَّبة باستمرار، أفكاري التي تعترضها الهموم والمخاوف من كل مخلوق على وجه العالم.

سأختبئ خلف يومي السيء، وأكتشف مشهد ذاتي الداخلي بعناية، مثل عالم أو فيلسوف عتيق – سأتحرك بلطف، سأبحث عن شيء ما، سأراقبه، سأجد دفتر ملاحظات ببساطة وسأبدأ بالكتابة، وتذوق ما كتبت من بعيد. لا يمكنني أبداً التنبؤ بما سيأتي بعد كل ذلك الانتباه. لن أبحث أو أسعى لمعنى محدد ومحتوم سلفاً. سأعرف فقط أنني أستمتع بالرضا النهائي للتفكير والانعكاس الروحي والكتابة دون عائق من التزامات أو قلق أو يوم سيء.

ما سيأتي من هذا التأمل سيكون أقل أهمية من إدراك أن العمل نفسه يعمل بجد.

سأبدأ صباحي بالسينما, هناك فيلم:  (The Hours) سأشاهده وليس للمرة الأولى، بل لأني شاهدته كثيراً، هذا الفيلم الذي ينتهي، ولكنه يبقى و يشبه قوة المحادثة مع نفسي حيث عبء الحياة، والهروب الجميل للخيال والأبداع. أنا أعيش هذه الأشياء أيضاً. ليس كل الوقت، وليس كل يوم, ولكن مع كل يوم سيء، ولا أعلم عدد تلك الأيام الجميلة.

عندما أكون متعبة داخلياً حتى النخاع، هذه المشاعر ستنير وتتألق في كل زاوية من أفكاري.

وهذه لحظات من العزلة اللازمة، وهي في الواقع تغذيتي الذهنية الوحيدة، من أجل نهوض تفكيري وسلامه الداخلي.

لكل شكوايّ الخاصة واللعينة حول ضرورة أن أنتبه لأعمال أخرى لكسب لقمة العيش، أدرك ضرورة ذلك أيضاً. ولكن أسمحوا لي، سأنزوي راكدة، آسنة، وفاسدة مثل نظرتكم لأي يوم سيء في حياتكم. إلى ضجري وكآبتي. اسمحوا لي لأنني أعرف بهذا الشعور أنني على استعداد كامل للكتابة ولعدة أشهر مرهقة.

من يعرف هذا الوقت منكم؟ ربما ليس يومكم, ولكنه قادم.. أشعر بذلك سوف يأتي..

أشعر بوصول هذه اللحظة مثل التغيرات في الطقس وإعلانه عن موسم جديد. شكل قصتي الذي سينقض عليّ بسرعة خاطفة مثل سمكة زلقة، تتجاوزني بعد أن تلمس أقدامي الحافية تصعد لكاحلي وكامل جلدي, وتلعق قلبي، بينما أنا مثبتة في الوحل. أشعر بتلك اللحظة الزلقة وكأنها زعنفة تكشطني بتلك النظرة العابرة.

ولكن كما ترون، هذه سمكة الهامي الخاصة. والتي لم يسبق لأحد غيري رؤيتها. يمكنك أن تتخيل تلك اللذة الباهرة واللاهثة لأفكارك وهي تشعرك بوميض خروجها من سطح بحرك الخاص، تلك اللحظة عندما تفضح السمكة نفسها للهواء؟ هل تعرف شعور دفء وراحة القبض على شيء جميل وفاتن؟

أنها أفكارك العظيمة داخل يومك السيء, والذي ما يزال داخلك..

أنني أعيش من أجل أشيائي الكثيرة، وليس أقلها تلك اللحظات التي يكون فيها العالم واليوم سيء وخامل. ولكنني في الحقيقة، أكون منهمكة قدر أقصى ما استطعت، بصنع أكثر الأعمال الضرورية والحميمية. وإلا كيف يمكن للمرء إنتاج تلك الأسماك الأسطورية وفي يوم سيء؟


[المصدر]

من مفهوم الـ “أنا” عند جوديث بتلر

judith-butler-foto-540x304

جوديث بتلر (مواليد 1956)، هي فيلسوفة أمريكية، لها إسهامات في مجالات الفلسفة النسوية، الفلسفة السياسية، والأخلاق. وهي أستاذ في قسم الأدب المقارن والبلاغة في جامعة كاليفورنيا – بركلي. حصلت بتلر على دكتوراة الفلسفة من جامعة يال عام 1984، وكان لها إسهامات في تأثيرات ما بعد البنوية في النظرية النسوية الغربية حول تحديد ماهية “المصطلحات الافتراضية” للنسوية. في كتابها الشهير (الذات تصف نفسها) تقول:

أحاول أن أبدأ قصة عن نفسي، أبدأها من مكان ما وأحدد الزمن في محاولة للشروع في متتالية أقدم بها روابط سببية  أو بنية سردية في الأقل. أسرد، وأقيد نفسي في أثناء السرد، أصف نفسي، أقدم وصفي إلى آخر على شكل قصة يمكن لها أن تلخص كيف ولماذا أنا ما أنا عليه أيضًا.
لكن جهدي في تلخيص الذات يخفق، وهو يخفق بالضرورة، لأن ال”أنا” التي أقدمها منذ السطر الأول بوصفها صوتًا سرديًا تعجز عن تقديم وصف للكيفية التي أصبحت بها “ أنا “ يمكن أن تروي نفسها أو تروي هذه القصة على وجه خاص. وبينما أنا أصنع تتابعًا وأربط حدثًا بآخر، مقدمة حوافز تنير المسار، مستجلبة النماذج المتواترة، مؤشرة إلى بعض الأحداث أو لحظات الإدراك بوصفها ذات أهمية محورية ، بل ومحددة نماذج متكررة معينة أعدها أساسية، لا أعمل بذلك على توصيل شيء عن الماضي، بالرغم من أن ذلك جزء مما أفعل دون شك.أنا أعيد تمثيل الذات التي أحاول وصفها؛ هناك إعادة تكوّن لل “ أنا “ السردية في كل لحظة يستحضرها السرد نفسه. أي أنني، بكلمات أخرى، أستخدم تلك ال “أنا “ – أتوسع في تقديمها وأقيم علاقة بينها وبين جمهور واقعي أو متخيل – استخدامًا يختلف عن رواية قصة عنها، بالرغم من أن الرواية تبقى جزدًا مما أفعل. أيّ أجزاء “ الرواية” يقوم بمهمة التأثير على الآخر وإنتاج ال “ أنا من جديد؟.

ثم تكمل حديثها قائلة:

كما أن فعلاً تمثيليًا وخطابيًا تؤديه هذه الـ”أنا“، فإن هنالك حدًا لما تستطيع الـ”أنا” المباشرة بسرده. هذه الـ”أنا” مقولة وملفوظ بها، وبالرغم مما يبدو من أنها تمثل الأرضية الثابتة للسرد، فهي أشد اللحظات بعدًا عن الأرض الثابتة في السرد. أما القصة التي لا تستطيع الـ”أنا” روايتها فهي قصة نشوئها بوصفها أنا لا تتكلم حسب بل تتقدم بوصف لذاتها. بهذا المعنى يتواصل سرد القصة، لكن الـ”أنا” التي تروي القصة والتي يمكن أن تظهر فيها بوصفها الراوي بضمير المتكلم، تمثل نقطة عتمة تقطع التتابع، وتتسبب في انقطاع أو انفجار في وسط القصة لما يتعذر على السرد استيعابه. لذلك فقصة ذاتي التي أرويها، القصة التي تقدم الـ”أنا” التي هي أنا على الواجهة، وتدرجها في تتابع مناسب لشيء يسمى حياتي، تخفق في تقديم وصف لنفسي في لحظة تقديمي لها. في الواقع ماهو موجود يقدمني بوصفي شخصًا لا وجود أو إمكانية لتقديم وصف له. أنا أقدم وصفًا لذاتي، ولكني أحار في الوصف عندما يتعلق الأمر بتشكل الـ”أنا” المتكلمة القادرة على سرد نفسها. كلما زاد ما أرويه تعزز الدليل على تضاؤل قدرتي على الوصف. إن الـ”أنا” تدمر قصتها الخاصة، على الضد من كل نواياها.

لا تستطيع الـ”أنا” أن تقدم وصفًا نهائيًا وكافيًا لذاتها لأنها لا تستطيع أن تعود إلى مشهد المخاطبة الذي أطلقها، وهي لا تستطيع أن تروي كل الأبعاد البلاغية لبنية المخاطبة الذي يحدث الوصف نفسه في نطاقها. لا يمكن أن ترد هذه الأبعاد البلاغية لمشهد المخاطبة إلى سرد. وهو أمر يتضح في سياق التحويل، أو بالأحرى في نموذج التواصل الذي يوفره التحويل، فهنا يكون المرء متلقيًا للكلام بين حين وآخر، كما أنه يتكلم، وهو مايتم على شكل مخاطبة مباشرة أو غير مباشرة على الدوام.

حديث المازني، عن متاعب الكتابة

المازني

إبراهيم عبد القادر المازني (1889-1949) شاعر وناقد وصحفي وكاتب روائي مصري من شعراء العصر الحديث، عرف كواحد من كبار الكتاب في عصره كما عرف بأسلوبه الساخر سواء في الكتابة الأدبية أو الشعر واستطاع أن يلمع على الرغم من وجود العديد من الكتاب والشعراء الفطاحل حيث تمكن من أن يوجد لنفسه مكاناً بجوارهم، على الرغم من اتجاهه المختلف ومفهومه الجديد للأدب، فقد جمعت ثقافته بين التراث العربي والأدب الإنجليزي كغيره من شعراء مدرسة الديوان.

كتب (المازني) مقالة بعنوان “متاعب الطريق” ضمّنها كتابه (قبض الريح)، وهو يعرض فيها رأيه في الجهد الذي يُعانيه الفنّانون عامّة والكتّاب خاصّة في عملهم، والذي قد يغفل عنه أكثر القرّاء والمتذوقين، فهم كما يقول مُعاصِره مصطفى صادق الرافعي (1937-1880): “والنّاس يحسبون أنّ الإنسان يستطيع أن يكتب في كل وقت ومع كل حالة كأنّه مطبعة ليس إلا أن تدور فيخرج الكتاب.. هذا غير صحيح؛ فلا بدّ من أحوالٍ هادئة مؤاتية ما دمنا في أمر الفنّ والابتكار وإيجاد ما ليس موجودًا”.

يقول (المازني):

… والأديب شبيع بالعاشق، يعرض له الخاطر فيستهويه ويسحره ولا يجري في باله في أول الأمر شيء من المصاعب والعوائق ولا يتمثّل له سوى فكرته التي اكتظّت بها شِعاب نفسه، ولا ينظر إلا إلى الغاية دون المذاهب، ويشيع في كيانه الإحساس بالأثر الذي سيحدثه، وقد يتصوّر الأمر واقعًا ولا يندر أن يتوهّم أنه ليس عليه إلا أن يتناول القلم فإذا به يجري أسرع من خاطره، وإذا بالكتاب تتوالى فصوله وتتعاقب أبوابه، وتصفّ حروفه ويُطبع ويُغلّف ويُباع، ويُقِبل عليه النّاس يلتهمونه وهم جَذِلون دَهِشون مُعجبون، وإذا بصاحبه قد طَبَق ذكره الخافقين وسار مسير الشمس في الشرق والغرب وخلد في الدنيا إلى ما شاء الله!!

يكبر كلّ هذا في وهمه لحظة تطول أو تقصر، ثمّ يهمّ بالعمل ويعالج أداءه فيتبيّن أن عليه أن ينضج الفكرة ويتقصّى النظرة ويلمّ بهذا ويعرّج على ذاك، ويستطرد هنا ويمضي إلى هناك، ويدخل شيئًا ويخرج خلافه.. ثم أن يصبّ ذلك في قوالب ملائمة ينبغي أن يُعنى بانتقائها، وأن يتوخّى في الأداء ضرورات تَقسره عليها طبيعة الخواطر والمسائل: هذه تتطلّب إيضاحًا وتلك لا معدى في سوقها عن تحرّي القوّة في العبارة أو اللين أو السهولة أو الجمال أو غير ذلك. وأحرِ به حين يُكابد كل ذلك أن تَفتُر حرارته الأولى وأن يدبّ الملل في نفسه، وأن يضجره أن يضطر إلى أن يقطع الطريق خطة خطوة، ويكتب الفكرة الرائعة الجليلة التي استغرقته وفَتَنَته كلمة كلمة، ويتناول منها جانبًا بعد جانب، وأن يعاني في أثناء ذلك مشقّات التعبير ومتاعب الأداء، وأن يُذعن لأحكام الضرورات فلا يستعجل فيفسد الأمر عليه، بل يكرّ أحيانًا إلى ما كتب ويُعيد فيه نظره ويُجيل قلمه مرة وأخرى وثالثة إذا احتاج الأمر إلى ثانية أو ثالثة، ويصبر على برح ذلك وعنائه وتنغيصه وتغثيته يومًا وآخر، وأسبوعًا وثانيًا، وشهرًا وعامًا وأكثر من عام أو أعوام إذا دعت الحال.

وفي أثناء ذلك كم خالجة عزيزة يضطر أن ينزل عنها ويدعها مدفون في طيّات نفسه لعجزه عن العبارة عنها وتصويرها وإبرازها في الثوب الذي ينسجم عليها ويجلوها للقارئ كما هي في ذهنه، أو لأن كلمة واحدة-واحدة لا أكثر-تنقصها لتستوفي حقها من التعبير الذي يكفل لها الوضوح أو الحياة؟ كم معنى يتركه ناقصًا أو غامضًا وهو يحسّه تامًا ويتصوّره في ضميره كأجلى ما يكون؟

وما كل امرئ يدخل في مقدوره أن يحتمل هذا المضض كلّه.

ومن الكتاب من لا يكاد يلتقي بأول صخرة في الطريق حتى ينكص راجعًا وهو يشعر بمرارة الخيبة بعد الغبطة التامّة التي أفادته إياها الفكرة حينما نشأت، ويروح يطير من فكرة إلى أخرى ولا يكاد يصنع شيئًا لأن العوائق التي لم يقدّرها تغلبه، والوعور التي لم يتوقّعها تهيضه، والمشقات التي لم يفكر فيها تُسئمه.

وهو هنا يتساءل: هل يُفكر النّاس بالنَصَب الذي يلاقيه الفنّان في إبداع فنّه؟

وكم من الناس يفكرون فيما يُقاسيه الأديب؟! أين ذاك الذي يُطالع الكتاب أو الديوان ويعنى بأن يصوّر لنفسه الجهد الذي بذله صاحبه والغصص التي تكبّدها وصبر عليها: جهد التفكير والأداء، وغصص النجاح والفشل على السواء؟

إنه لا يُقدر ذلك إلا من عانى هذه المآزق وخاض غمراتها وذاق مرارتها.

وشبيه بهذا أن يقف رجل من الأوساط العاديين أمام صورة يتأمّلها ويُدير فيها عينيه ويُعجب بها أو لا يُعجب، وهو لا يدري أنّها ليست ألوانًا وأصباغًا مزجها المصوّر (=الرسّام) وزاوج بينها وساوقها، بل قطعة حية من نفسه إذا نظر إليها صاحبها كرّت أمام عينه سلسلة طويلة من الألم واللذة والندم والغبطة والغيظ والكمد والسخط والرضا والأمل والخيبة ومن أسبابها ودواعيها المباشرة وغير المباشرة.

وبعد ذلك يُدلي برأي في العلاقة بين مدى الإحساس بالفكرة والقدرة على التعامل مع مصاعب تجسيدها في الفنّ:

ويظهر أنه ليس أعون على المُثابرة والصبر من خفّة الإحساس ومن أن يكون المرء بحيث لا تهتاج آماله أو مخاوفه إلى درجة من الألم والإلحاح لا تُحتمل ولا يسع المرء معها رفقًا بنفسه وإبقاء عليها إلا أن يفرغ من الأمر الذي يُعالجه ولو خسر في سبيل ذلك غايته. وأعني أن يكون المرء هادئ النفس، قليل الاكتراث، قادرًا على الانتظار، مُطيقًا للصبر، راضيًا عن نفسه، مستعدًا للارتياح إلى كل ما عسى أن يشغله؛ يستوي عنده أن يكتب في الفلسفة أو يصف حوانيت الباعة، وأن يستكشف القطب الشمالي أو يهتدي إلى حانة تبيع الويسكي بأثمان زهيدة ومقادير كبيرة، مادام هو الذي يفعل هذا أو ذاك، وما دام رضاه عن نفسه لا يُضعفه سبب من الأسباب.

وليس من النادر أن يُرزق هذا الضرب من الناس حظًا من البساطة الطبيعية ترفعهم وتذري منهم. ولكن ما عسى صبر الذين تطغى بهم البواعث القويّة وتلجّ بهم الأشواق الحادّة والرغبات الجامحة وتدفهم إلى محاولة الوثوب وتعجلهم ولا تدع لهم فرصة راحة يروضون بها نفوسهم؟

غنائية أطلانتس المفقودة- إيفان بولاند

exam11012014eavanboland_large

إيفان بولاند، شاعرة إيرلندية ولدت في عام ١٩٤٤. نشأت الشاعرة الإيرلندية في “نيويورك” و”لندن” قبل أن تعود لموطنها الأم لإكمال دراستها الثانوية والجامعية هناك. نشرت (بولاند) مجموعة قصائدها الأولى في عام ١٩٦٢ تحت عنوان “٢٣ قصيدة”. وبالرغم من أن أغلب النساء لم يكنّ شاعرات -في ذلك الوقت- فقد كان هذا الأمر بمثابة التحدي لها.

الثيمة الأساسية لأعمال (بولاند) الشعرية تدور حول الحب، والأساطير، والتاريخ، والتي اجتمعت كلها في قصيدتها: “غنائية أطلانتس المفقودة”، والتي أقدّم لها ترجمة حصرية لموقع ساقية.

بحق الأرض كيف تم هذا؟!

اعتدتُ سؤال قناطر المدينة، وأروقتها، وأعمدتها

بيد أنّي لم أسل كائناتها ولا مركباتها

هل صير يومكم سيئا؟

قلتُ في نفسي: أظن أن العالم كان صغيرًا

أظن حقًا أنّا فقدنا جوهر مدينتنا العظيمة

واشتقنا لأطلال المدينة

تحتَ السماء، وحول نافذة البيت، التقيتُ بك

ولجنا إلى المنزل، وأكلنا الطعام والحلوى

ربما ما حدث أن بذل حكّاؤو الخرافات جهدهم ليخبرونا:

بأن ما ذهب قد ذهب، أبد الدهر. وآنذاك؛ كانت تقاليد قومنا:

بأن يعطوا حزنهم اسمًا

ثم يغرقونه في الماء.


المصدر 

سوزان غرينفيلد، عن شبكات التواصل الاجتماعي والهوية

Baronesssusangre1.jpeg
سوزان غرينفيلد (مواليد 1950)، عالمة وكاتبة بريطانية متخصصة في فسيولوجيا العقل. كتبت (غرينفيلد) العديد من الكتب العلمية المبسطة عن الدماغ البشري لغير المتخصصين، وتعمل حاليًا زميلًا  بحثيًا أول في كلية لينكولن بجامعة أكسفورد، وتترأس فريقًا يبحث في تأثير تكنولوجيا القرن ال21 على الدماغ، والآليات الدماغية المتعلقة بالأمراض التنكُّسِية العصبية مثل؛ الزهايمر والباركنسون. نشرت العديد من الكتب حول العقل والدماغ، منها كتاب (تغيّر العقل: كيف تترك التقنيات الرقمية بصمتها على أدمغتنا)، الذي ترجمه إلى العربية (إيهاب عبدالرحيم علي، ونشره المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت في فبراير 2017.0003556_-_290

في الكتاب ناقشت (غرينفيلد) تأثير التواصل عبر مواقع التواصل الاجتماعي على هوية الإنسان فتقول:

شبكة الإنترنت توفر للأفراد فرصة فريدة للتعبير عن الذات، والتي تشجع الناس على الكشف عن ذواتهم الحقيقية، بما في ذلك الجوانب التي لا يعبّر عنها بشكل مريح وجهًا لوجه. وبسبب هذا التأثير، يمكن النظر إلى التواصل عبر الانترنت على أنه أكثر حميمية وشخصية من الاتصال وجهًا لوجه … وخلافًا  لما يحدث في العالم الحقيقي، تكون هوية الفيسبوك ضمنية أكثر من كونها صريحة؛ يُظهر المستخدمون مشاعرهم بدلًا  من أن يقولوها، من خلال تأكيد ما يحبونه وما يكرهونه بدلًا  من التوسع في سرد سيرة حياتهم، واستراتيجيتاتهم والسبل التي يستخدمونها للتعامل مع المشكلات وخيبات الأمل، وجميع الأمتعة الأخرى للحياة الطبيعية.

وتحدثت عن الفرق بين الذات الحقيقية “وراء الكواليس” والذات الشبكية في “المشهد الأمامي” فتقول:

تُظهر الأبحاث أن الهوية التي تُصوَر على الفيسبوك هي ذات مشيدة عن عمد ومرغوبة إجتماعيًا، يطمح إليها الأفراد لم يتكمنوا حتى الآن من تحقيقها. ومما يثير الدهشة أن التواصل عبر الشبكات الاجتماعية قد أدى الآن إلى ثلاث ذوات محتملة: الذات الحقيقية true self، التي يُعبّر عنها في البيئات المجهولة الهوية من دون قيود القيود التي تفرضها الضغوط الاجتماعية. والذات الفعلية real self، أي الفرد المتوافق المقيد بالأعراف الاجتماعية للتفاعلات التي تتم وجها لوجه. والذات المحتملة possible self، والتي تظهر لأول مرة، والمأمولة، التي تُعرض على مواقع الشبكات الاجتماعية … إن التفاعل من خلال ملف على الإنترنت يمثل فرصة للإعلان عن نفسك من دون تحد من قيود الواقع، بحيث تصبح نسخة مثالية منقحة من ذاتك “الفعلية“. يخشى اختصاصي علم النفس السريري (لاري روزين) أن ثمة فجوة خطيرة قد تنمو بين هذا “المشهد الأمامي” المثالي لذاتك وذاتك الفعلية “وراء الكواليس“، مما يؤدي إلى الشعور بالإنفصال والوحدة.

وتكمل حديثها عن الضغوط النفسية التي تسببها مواقع التواصل الاجتماعي فتقول:

من الممكن أن يفتح الفيسبوك عالمًا بديلًا  يستطيع الفرد فيه الهروب من الواقع وأن يكون الشخص الذي يود أن يكونه. وكذلك فنحن نتعرض للحياة “المثالية” ونحن نقرأ عن الناس الذي يبدو أنهم يمتلكون كل شيئ والذين يبتسمون دائمًا. تزيد هذه الحياة، التي تبدو رائعة، من الضغط الواقع علينا لكي نصبح مثاليين، ومثيرين للإعجاب، وناجحين: وهو هدف يؤول مصيره حتمًا إلى الفشل … من خلال الاعتماد على الفيسبوك لتلبية هذه الحاجة إلى الاستحسان، فإن نظرة المستخدمين إلى أنفسهم لا تتضاءل بصورة مطردة فقط، لكنهم يتوقون أيضًا باستماتة إلى أن يلاحظ الآخرون وجودهم ويتفاعلوا معهم. وهذا بدوره يساعد على اكتساب هوية مبالغ فيها أو مختلفة تمامًا: أي الذات المأمولة والمحتملة.

وناقشت كيف أن ثقافة التواصل الاجتماعي قد تؤهل المستخدمين لإمتلاك عقلية نرجسية فتقول:

يبدو الفيسبوك أداة تحويل كل من المعارف والمقربين والآخرين غير المعروفين إلى جمهور للعروض الذاتية التي تتسم بالفردانية… قد يمثل العرض الذاتي الجماهيري على مواقع الشبكات الاجتماعية واحدة من الطرق التي يقوم بها الشبان اليوم بتفعيل القيم المتزايدة للحصول على على الشهرة والاهتمام.