العنف في الحوار عند طه عبدالرحمن

 طه عبدالرحمنطه عبد الرحمن، من مواليد عام 1944. وهو فيلسوف مغربي، متخصص في المنطق وفلسفة اللغة والأخلاق. ويعد أحد أبرز الفلاسفة والمفكرين في مجال التداول الإسلامي العربي منذ بداية السبعينيات من القرن العشرين.

في كتابه (الحق العربي في الاختلاف الفلسفي)، يميز (طه عبد الرحمن) بين عنفين اثنين يمكن حصولهما في الحوار:
  1. العنف الأشد “القمع“: والمقصود به إنهاء الاختلاف بين المتحاورين بالقوة. وهو على ضربين اثنين: 
    1. العنف المادي: وهو الذي تستخدم فيه قوة اليد “المِقمعة” لإلحاق الأذى الخَلقي بالغير.
    2. العنف المعنوي: وهو الذي تستخدم فيه قوة اللسان لإلحاق الضرر الخُلقي بالغير.
  2. العنف الأخف “الحسم“: وهو فض الاختلاف بتحكيم طرف ثالث، حكمًا كان أو حاكمًا أو وسيطًا، أو باللجوء إلى الحل الوسط أو بإجراء القرعة.
يقول في “العنف الأخف“:

فلما كانت نهاية الاختلاف لا تأتي على يد المتنازعين نفسهما بفضل أدلتهما الخاصة، وإنما على يد طرف ثالث سواهما أو بطريق غير تدليلي، جعلهما ذلك يشعران بأنهما غير قادرين على تحمل مسؤوليتهما في رفع الاختلاف بينهما؛ وفي هذا الشعور من التأديب لهما ما هو أشبه بالتعنيف، إلا أنه، إن جاز التعبير، عنف فيه لطف.

ثم يبين أن الاختلاف في الرأي لا يندفع بالقمع حتى لو كان بواسطة الحسم، يقول:

أما الاختلاف في الرأي داخل دائرة الحوار النقدي، فلا يندفع أبدًا بواسطة القمع، بل إن ممارسة القمع قد تزيد في حدة هذا الاختلاف، حتى لا سبيل إلى الخروج منه، نظرًا لأن الطريق الموصل إلى هذا الخروج إنما هو طريق الإقناع؛ فكل واحد من المتحاورين يسعى إلى أن يقتنع الآخر برأيه اقتناعًا منبعثًا من إرادته، لا محمولًا عليه بإرادة غيره، فالإقناع والإقماع ضدان لا يجتمعان؛ كما أن الاختلاف في الرأي لا يندفع بواسطة الحسم، لأن أحد المتحاورين على الأقل قد يجد في نفسه حرجًا مما حُسم به، فلا يُسَلّم، وإنما يندفع، على العكس من ذلك، بارتفاع الحرج والإقرار بالصواب الذي ظهر على يد محاوره، وهو بالذات مقتضى «الإذعان»؛ وعلى هذا، فالحسم لا ينفع في تحصيل الإذعان الضروري للخروج من الاختلاف.

ثم يؤكد أن المنازعة التي تضاد الجماعة وتضعفها إنما هي المنازعة التي تلجأ إلى العنف، يقول:

يتضح أن المنازعة التي تضاد الجماعة وتضعفها إنما هي المنازعة التي تلجأ إلى العنف، قمعًا كان أو حسمًا، لأن المعنَّف لا بد أن ينتهي به الأمر، إما إلى أن يهلك أو ينشق أو يتآمر، وفي كل واحد من هذه الأحوال الثلاثة يتسبب في خلخلة الجماعة، زيادة أو نقصانًا؛ أما المنازعة التي ينبني عليها الاختلاف، فإنها تُوافق الجماعة كل الموافقة وتقويها أيما تقوية، إذ تقضي بأن تقوم علاقات التعامل فيها، من جهة، على فعل الإقناع الذي يحمل تمام الاعتبار لذات الغير، ومن جهة ثانية، على فعل الإذعان الذي يحمل تمام الاعتبار للصواب؛ ولا بد لمثل هذه المنازعة أن تكون خادمة للجماعة بم يورثها مريدًا من التماسك في البنية الجامعة والتناصح في المصلحة العامة؛ ولولا أننا ننفر مما تجتره الألسن تحت ضغط الإعلام، لقلنا: “يكسبها مزيدًا من الشفافية“.

لماذا لم يقم شينوا أتشيبي بتدريس الكتابة الإبداعية؟

شينوا أتشيبي

تشينوا أتشيبي (1930 – 2013)، روائي نيجيري من قومية الإغبو، وهو أول روائي بارز من القارة السوداء كتب بالإنجليزية. تتناول كتاباته المخلّفات المأساوية للإمبريالية البريطانية على المجتمعات الإفريقية. حلّل أتشيبي العلاقات الأسلوبية بين الأدبين الأفريقي والإنجليزي. وقد استحوذت أعماله على اهتمامات النقد الأدبي. وُلد أتشيبي في أوجيدي في شرقي نيجيريا، وتلقَّى تعليمه بالكلية الحكومية في أومواهيا وبكلية إبادان الجامعية، وعمل بالإذاعة والخدمة المدنية أيضًا. وعمل مؤخرًا بالتدريس في الجامعات النيجيرية، وجامعات الولايات المتحدة الأمريكية.

في حوار صحفي له مع صحيفة Paris Review الشهيرة، والذي ترجمته الأستاذة (لطفية الدليمي) في كتابها (فيزياء الرواية)، سُئل (أتشيبي): هل قمت يومًا بتدريس الكتابة الإبداعية؟”، فأجاب بالنفي. مما جعل الصحفي يسأله: “ولم لا؟”، فكان جوابه:

لأنني لا أعرف كيف يمكن إنجاز هذا العمل، وأنا أعني كلامي. أنا حقًا لا أعرف. كل ما أقوله هو أن هذه المفردة “الكتابة الإبداعية” توفر عملًا  للكاتب. لا تضحك لملاحظتي هذه، فهي شديدة الأهمية، لأن كثيرًا من الكتّاب يحتاجون عملًا  آخرًا يعتاشون منه في هذه الأوقات العصيبة وغير المستقرة اقتصاديًا. لا أعلم كيف يمكن للمناهج في مادة الكتابة الإبداعية أن تكون مفيدة للطالب، ولا أقصد بهذا أنها عديمة الفائدة، ولكن أقصد بالتحديد أنني لم أرغب يومًا في أن أرى أحدًا يعلمني كيف أكتب، فتلك ذائقتي الخاصة بي حصريًا.

ثم سأله الصحفي بعد ذلك: “إلى أيّ مدى يمكن للكتّاب كما ترى أن يزجّوا أنفسهم في خضم الموضوعات العامة؟ فكان الجواب:

لست أريد هنا أن أضع قانونًا عامًا ملزمًا للجميع، ولكنني أعتقد أن الكتّاب هم في ذات الوقت مواطنون، وهم في أغلب الأحوال بالغون ومدركون لتفاصيل الأمور. كان موقفي على الدوام، أن الفن الجيد والجاد وجد دومًا لأجل خدمة الإنسانية، لا لإدانتها، ولا أعرف كيف يمكن للفن أن يُدعى “فنًا” إذا ما تسبب في إحباط الإنسانية وقهرها.

في الصداقة والصديق من الشرق والغرب

27409858

“مثل الفن والفلسفة: لا تبقينا الصداقة على قيد الحياة، ولكنها تعطي لهذه الحياة معنى”  -سي. اس. لويس

لنتأمل في طبيعة الصداقة واختلاف هذ المفهوم الذي يضيق ويتسع من شخص لآخر. فانتشار العلاقات المشوشة في حياتنا اليوم عبر منصات التواصل الاجتماعي والإفراط في استخدام كلمة “صديق” أدى إلى تآكل المعنى الأرسطي للصداقة وضغط الفسحة الوجودية المتسعة بين المعرفة والصداقة.

(ألكساندر نيهماس) أستاذ العلوم الإنسانية المختص بالفلسفة اليونانية في جامعة برنستون في كتابه “عن الصداقة” يبدأ بالحديث عن المكانة الرفيعة التي خُصَّتْ بها الصداقة “philia” في الفكر اليوناني، فالمؤسسة الأرسطية ترى أن الصديق ذاتٌ أخرى، كما أنها ترتكز على فكرتين رئيستين: الأولى أن الصداقة من أعظم متع الحياة. والثانية تقسيمها إلى:

  1. الصداقة النفعية: تتحدد قيمتها بمقدار ما يمكن أن يجني فيها الفرد مقابل ما يعطي (الفائدة هي الغاية) غالبا هذا النوع يرتبط بعالم السوق، وكلما كان الشخص نافعاً أكثر توسعت دائرة أصدقائه لرغبتهم بالاستنفاع منه، وهذا النوع من الصداقة يموت بانتهاء المنفعة.
  2. الصداقة الممتعة: تتحدد قيمتها بحسب الشعور بالأنس والمرح (المتعة هي الغاية). غالبا ما تسود بين الشباب أو في العلاقات العاطفية. هذه الصداقة تنتهي بانتهاء المتعة.
  3. الصداقة الفاضلة: تعني محبة الانسان الفاضل المتشبع بالقيم الأخلاقية لشبيهه في الفضيلة لذاته. هذه الصداقة التي تقوم على المحبة تتجاوز صداقة المتعة وصداقة المنفعة بالمعنى الفلسفي: أي أنها تحتفظ بالمنفعة والمتعة وتتحرر منهما في نفس الوقت. ورغم أنها الأكثر دواماً إلا أنها أيضاً الأندر. و هنا تتجلى الصياغة الأرسطية الشهيرة في تعريف الصديق: “الصديق إنسان هو أنت، إلاّ أنَّه بالشَّخص غَيرُك”

مقارنة بالخلافات التي تحدث حول مفاهيم الحقيقة أو العدالة أو الجمال، تعتبر الصداقة منطقة هادئة معزولة في البحار الفلسفية الثائرة فقد هيمنت أفكار أرسطو على المناهج الفلسفية. أما بالنسبة للفلاسفة المحدثين فتركيزهم غالبا ما يكون حول تأثير الصداقة على قيم الأخلاق والعدالة.

لا يمكننا الحديث عن الصداقة في الفلسفة دون التطرق لمقالات (ميشيل دي مونتين) الشهيرة “في الصداقة” التي نشرت عام 1580 وكانت تحاول تفسير صداقة مونتين الحميمة مع أتين دي لابويسيه، وهي كما يصفها:

صداقة لا يمكن أن تقارن بغيرها أو أن تمتد إلى ثالث. لأن كلًّا منّا يعطي نفسه بالكامل لصديقه فلا يبقى للآخرين شيء.

أما عند الشاعر (إمرسون) – أحد أبرز دعاة الفلسفة المتعالية والفردانية – فكانت الركيزتان الأساسيتان للصداقة هما الصدق والحنان. فالصديق هو من نستطيع أن نتعامل معه ببساطة دون مجاملات ونفكر أمامه بصوت عال. ويرى أن المحادثة بين الصديقين هي اكتمال الصداقة، لكن ما إن يدخل معهما فرد ثالث إلا وتختفي الكلمات التي تخرج من القلب. نعم قد يتحدّث ثلاثة أصدقاء ولكنها محادثة لا تكون بتكامل وصدق الاثنين. وهكذا تصبح كل صداقة بين اثنين يتشاركان في الآراء والاهتمامات أيضا نوع من الانفصال عن المجموع. يشاركه الرأي (سي. أس. لويس) الكاتب والباحث الإيرلندي، فيكتب:

بينما يبحث العشاق عن الخصوصية، فإن الأصدقاء يجدونها تحيط بهم كحاجز بينهم وبين الآخرين، سواء أرادو ذلك أم لا. […] وفي دائرة الأصدقاء الحقيقيين كل فرد يكون على طبيعته ببساطة. فهي علاقة جرّدت إلى العقل. وكما تحفل الإيروس بالأجساد المجردة، فإن الصداقة تحفل بالشخصيات المجردة. وبالتالي روعة اللامسوؤلية في الصداقة: فليس علي واجب لأن أكون صديقًا لأي شخص.

الكاتبة (ماريا بوبوفا) من موقع brainpicking تصوّرت مفهوماً للصداقة بدوائر متحدة المركز من الترابط البشري:

  • unnamed-1الغرباء: يقطنون معنا العالم ولم نلتقي بهم. 
  • المعارف: في ثقافتنا تقترن بهم كلمة “صديق” تربطنا معهم مصالح أو ظروف مشتركة.
  • أناس نعرفهم و نودّهم.
  • أرواح أليفة: نألفهم بسبب تقارب القيم والمباديء. يربطنا حسن الظن والتعاطف والاحترام المتبادل. ولكننا لا نريهم إلاّ الجزء المثالي المصقول من أنفسنا دون تناقضاتنا الذاتيه و ضعفنا الشخصي.
  • الصداقات الحميمة: اولئك الذين نشاركهم ضعفنا و عيوبنا بحرج ولكن دونما خوف من أن يصدرو علينا أحكاما قيمية، تربطنا بهم حميمية نفسية وعاطفية. الصديق الحقيقي هو من نستطيع تجريد أنفسنا أمامه من مثاليتها المزعومه لنكشف عن ذواتنا الناقصه الحقيقية الحساسة ونحن واثقين بأن ذلك لن يقلل من مودته لنا.

الصداقة الحميمة هي تلك التي تتغلل في عمق نفوسنا وتساهم في بناء تصورنا عن الحياة. ودائرة أصدقائنا المقربين تساهم في تأسيس هويتنا والتعبير عن شخصياتنا وتشكيل فرادتنا. علاقتنا بهم تجعلنا (نحن وهم) مختلفين عن (الآخرين) وهذا مما يشكلّ نفوسنا إلى حد بعيد. نحن عبر هؤلاء الأصدقاء نجد الفسحة والقوة لرفض تشكيل المجتمع لنا. وهكذا نستطيع تفهّم هدف (فوكو):

هذه الأيام ليس الهدف أن نكتشفَ أنفسنا، بل أن نرفضَ ماصرنا إليه. أن نعزز أشكالاً جديدة من الذاتية عبرَ التمرد على ما فُرض علينا لعدة قرون.

و الصداقة كفيلة بتوفير السياق لمثل هذا التمرد. فعلاقة مع صديق جديد هي وسيلة لمقاربة الذات، الآخرين، و كذلك الحياة. كما أن المناقشات مع الأصدقاء هي مساحة للتعبير بصراحة عن أفكارنا وطرقا مختلفة للحد من عشوائيتنا دون خجل.

ما يفرّق الصداقة عن علاقة عابرة، هو أنه في الصداقة لا يمكن أن نحدد بوضوح لماذا نحبّ الصديق لأننا لا نستطع فصل ما يعجبنا فيه عن ذاته. و يرى مونتين أن أي محاولة لشرح أسباب محبتنا لصديق بالاستشهاد بفضائله مآلها الفشل:

لا يكمن الجواب في ميزات صديقي، وإنما في العلاقة بينها وبيني.

أما (كانط) فقال شيئا مشابها عن الأشياء الجميلة: “فنحن لا نستطيع أن نوضّح تماما لم نرى شيئًا ما جميلاً. هناك دائما ما لا نستطع وصفه والتعبير عنه بالكلمات. و كذلك الصداقة لا يمكن التفسير بأسباب واضحة لم نحن أصدقاء مع أصدقائنا. فنحن نحبهم لأنهم هم و أيضاً – كون الذات الإنسانية غير ناجزة – لما نأمل أن نكونه بسبب علاقتنا بهم”. وهكذا كانت إجابة (مونتين):

إذا ألححت علي كي أقول لم أحب صديقي، فلا يمكنني أن أزيد على: لأنه هو و لأني أنا.

و بما أننا لا نزال مع مسيو مونتين، فجدير بالذكر أن الصفات التي نحبها أو نبغضها في صديق ما ليست فقط “لأنه هو” ولكنها أيضا ترتبط بما أنا عليه “لأني أنا” و بالتالي عندما يتخلى عني صديق فإنه لا يرفضني فقط فأفقد معه جزءًا من ذاتي، ولكنه أيضاً يرفض ما أصبح عليه “هو” عبر علاقتنا معاً.

أمّا إذا انتقلنا إلى الشرق فإننا نجد تباينا في آراء حكمائنا العرب في أمر الصداقة والصديق. فمنهم من استشكل وجود الصديق وعدّه “اسم لا حقيقة له” مثل الغول والعنقاء. ومن ثم اعتبر أن أغلب من يعدّون أصدقاء – إن هو حقق أمرهم – وجد أنهم مخاليط ومعارف وما أدركوا منازل الأصدقاء. فقد قيل لأحدهم: ألك صديق؟ فقال: لا، ولكن أليف. وقال (جعفر بن يحيى) لبعض نُدمائه: كم لك من صديق؟ قال: صديقان. فقال: إنك لمثرٍ من الأصدقاء. وكتب رجلٌ إلى صديقٍ له:

أما بعد، فإن كان إخوان الثقة كثيراً، فأنت أوّلُهم، وإن كانوا قليلاً فأنتَ أوثقهم، وإن كانوا واحداً فأنت هُو.

كما تباين الحكماء في ماهيّة الصديق: أهو المؤالف لك أم المخالف؟ أهو تؤام عقلك أم بديله؟ وأغلبهم كان على القول بمبدأ “المؤالفة”. فمثّل الصديق كالرقعة في الثوب. وهذا ما نجده في قول (جعفر الخلدي): “مجالسة الأضداد ذوبان الروح، ومجالسة الأشكال تلقيح العقول”. وقيل كل صاحب يقال له “قم” فيقول “الى أين؟” فليس بصاحب. وسئل حكيم من صديقك؟ فقال:

الذي إذا صرتُ إليه في حاجةٍ وجدته أشدّ مسارعةً إلى قضائها منّي إلى طلبها منه.

أما من المحدثين، فوصف (زكي مبارك) الصديق الحق بقوله:

هو الذي يستطيع أن يغزو قلبك بأشعة روحانية، توحي إليك أنه أنيسك في النعماء وحليفك في الضراء، وأن وداده الصحيح هو القبس الذي تستضيء به عند اعتكار الظلمات.

وقال (الرافعي):

الصديق هو الذي إذا حضر رأيت كيف تظهر لك نفسك لتتأمل فيها، وإذا غاب أحسست أن جزءاً منك ليس فيك.

أما (جبران) بشاعريته الشفافة فيصف الصديق في (النبي) بقوله:

إن صديقك هو كفاية حاجتك. هو مائدتك و موقدك. لأنك تأتي إليه جائعاً، وتسعى وراءه مستدفئا. ولا يكن لكم في الصَّداقة من غاية ترجونها غير أن تزيدوا في عمق نفوسكم.

ومن أجمل ما قيل في الشوق إلى الصديق قول (ابن ثوابة):

“لبثتُ بعدكَ بقلبٍ يودُّ لو كان عيناً فيراكَ، وعينٍ تودُّ لو كانت قلباً فلا تخلو من ذكراك”

وأما في حاجة الإنسان إلى الحفاظ على الصداقة فتقول الرقيقة مي زيادة:

مهما تنكَّر لنا معنى الصداقة الصافي، ومهما غدر بنا الغادرون فعلمونا الحذر، إلا أننا لا نستطيع إنكار احتياجنا العميق إلى الصديق؛ لأن لدينا مرغمين كمية من المودة والوفاء والتسامح والغفران والتضحية لا بد من تصريفها وإنفاقها لتزيد بالعطاء غنًى، وعند من نصرفها وعلى من ننفقها إلا على الأشخاص الذين نراهم قمينين بأنبل ما عندنا من فكر، وأصدق ما لدينا من عاطفة؟ أيها الذين ربطت الحياة بينهم بروابط المودة والإخاء والتآلف الفكري والنبل الخلقي، حافظوا على صداقتكم تلك وقدِّروها قدرها! فالصداقة معين على الآلام ومثار للمسرات. وحسبكم أنتم أنكم بإيمانكم بالصداقة توجدون الصداقة، وبممارستكم أساليب الصداقة إنما تكوِّنون خميرة الصفاء والصلاح والوفاء.

اعتقد بعض القدماء أن الصداقة تربط الكون كله معا. ولكن نحن الأكثر تواضعا، نعتقد أن الصداقة لا تفعل أكثر من أن تربط بعض الأفراد. اولئك الذين يستطيعون أن يقولو لبعضهم: “أحبك لأنك أنت ولأني أنا”.

مصادر أخرى:

  • التوحيدي، أبو حيان: الصداقة والصديق
  • الشيخ، محمد: كتاب الحكمة العربية: دليل التراث العربي إلى العالمية

الإضراب عن الطعام، وإرادة الموت

أمين معلوف

أمين معلوف، ولد في لبنان ويعيش في فرنسا منذ سنة 1976، كتب العديد من الروايات وترجمة أعماله إلى سبع وثلاثين لغة، في كتابه (بدايات الذي يسرد فيه تاريخ أهله، واستحضار ذاكرتهم، وإحياء مصير (عشيرة بني معلوف) التي سوف تنتشر من لبنان إلى كافة أرجاء المعمورة، وصولاً إلى الأمريكيتين وكوبا. يروى في صفحات هذا التاريخ حادثة وقعت في عام 1923، حيث أعلن أسد ابن أخت من أخوات بطرس (جد أمين معلوف)، ومن ألمع تلاميذه في المدرسة العمومية، أعلن لأهله، أنه لا ينوي العمل في المؤسسة العائلية، وسوف ينتسب إلى الجامعة لدراسة الأدب. وتكريس حياته للشعر. وكان هذا التمرد على تقاليد العائلة يقوده إلى مأساة ظلت عالقة في الأذهان لفترة طويلة.

يروي (أمين معلوف):

لم ترق هذه المشاريع لأمه التي أكانت أخت بطرس، أو لأبيه، فكلاهما كان يفضل أن يتوجه نحو طموحات أقل غرابة. ولكانا رضخا للأمر الواقع، كما قيل لي، لو وافق الأخ البكر للوالد الذي كان يمارس، حسب التقاليد والأعراف، السلطة الحقيقية في هذا الفرع من الأسرة. ولكن العم رفض رفضاً قاطعاً، وأعلن لابن أخيه الذي تجرأ على مناقشته: “لن تذهب إلى أي مكان! سوف تعمل هنا، ومعنا، ومثلنا! أصبحت رجلاً الآن، وآن الأوان لتكسب خبزك كفاف يومك”. فأجاب الشاب: “لن آكل الخبز بعد اليوم!”.

مات ذلك شاب في  28تموز/يوليو 1923. عندما بدأ الإضراب عن الطعام، لم يذعن أهله، مقتنعين أنه سوف يستسلم في نهاية المطاف. ثم بدلوا رأيهم، إذ أيقنوا أنه كف بالفعل عن تناول الطعام، وراح ينحل ويهزل، ووعدوه بعدم معارضة مشاريعه. ولكنه كان قد تخطى الخط الخفي الفاصل بين الرغبة بالعيش والرغبة بالموت.

يقول (أمين معلوف):

روى لي أبي الذي ولد في تشرين الأول / أوكتوبر 1914، وكان في التاسعة أو أقل حينها، تلك المأساة في بعض الأحيان:

–  أذكر ما حصل كما لو كان بالأمس. كان كل أفراد الأسرة يزورون ابن عمتي ويتوسلون إليه أن يتقوت. ويناولونه أطعمة يحبها، كأنما سوف يستعيد الشهية. ويقسمون له، ويقطعون له الوعود .. تجمعوا حول فراشه، وكانت أمه تبكي. ولكنه لم يعد يصغي لأحدهم.

ـ هل أضرب عن الطعام حتى الموت؟

ـ لم ينطفئ ببطء  كالشمعة. ففي أحد الأيام، وكان الجميع يأملون إقناعه، توقف قلبه عن الخفقان.

كان بطرس في بيروت حين نشبت الأزمة. في بادىء الأمر لم يشأ أهل الفتى إخطاره، إذ اعتبرا أنه يتحمل شيئاَ من المسؤولية عن نزوات ولدهما، وخشيا أن يدعمه في عناده، وهو المشهور بمواقفه العنيدة التي أصبحت مضرب مثل في الأسرة. ولما تدهورت الحالة، طلبا مساعدته. بعد فوات الأوان. فالصائم ما عاد يريد الإصغاء إلى أحدهم.

فجعت الاسرة بأكملها بهذه المأساة التي أرخت بظلها القاتم على الأذهان لفترة طويلة. كانت هذه المجاعة المقبولة بملء حرية، والمرفوضة بملء حرية على الذات، ولأسباب مبدئية صرف، تتسم بنبل مقلق، لا سيما بعد حدوثها بعيد انتهاء المجاعة الكبرى التي تسببت لكل أبناء الجبل بصدمة مستديمة. لقد هاجر ابن أخت بطرس نحو الموت كما يهاجر آخرون إلى أمريكا، لأسباب نفسها؛ فقد أضحى محيطهم ضيقاُ، وضيقة أمست طوائفهم، وأفكارهم، ومعتقداتهم، ومؤامراتهم، وانهماكهم الخنوع، وضيقة كذلك عائلاتهم، ضيقة وخانقة. ولابد من الفرار!

دون جدي في أحد دفاتره المرثية التي ألقاها في هذه المناسبة، بعضها نثراً، وبعضها الآخر شعراً، في السطور الافتتاحية، لا يذكر الإضراب عن الطعام بل “الموت المباغت” فقط..

تظهر كل كلمة من كلماته عميق تأثره وغضبه، وفي الوقت نفسه، لم يستطع التحامل على شقيقته المفجوعة ولا على صهره، أو أفراد أسرته، مهما كان ذنبهم. فالمأتم لا يصلح للسجال، وتصفية الحسابات، وإدانة العقلية الضيقة لبعض الأشخاص، وبعضهم الآخر. ولا تصلح المناسبة لقول الحقيقة، كل الحقيقة. بل تصلح للعزاء وتهدئة الخواطر، وبلسمة الجراح.

لم تتجاوز الكلمات الأولى لبطرس هذا الإطار. فبعد الإعلان عن كون بعض الأشخاص يخلفون، إثر مرورهم العابر بيننا، أثراً لا يخلفه الكثيرون غيرهم ممن كتب لهم العيش المديد، خاطب نفسه، بأسلوب المرثيات القديمة:

أمخضب الأجفان وكل ما جرى

ما كان قبل اليوم دمعك أحمرا…

ثم يعدد صفات الفقيد, ببعض الصور البلاغية المألوفة, ” قد عاش كعمر الورد” , وصور أخرى أكثر فرادة… قبل التقدم بخطى وئيدة , نحو الموضوع الذي يقف أمامه اللسان عاجزاً:

“بل جوهر جادت به الدنيا وقد

ندمت فقامت تسترد الجوهرا

إلى أن أعلن, قبل الختام:

أكرهت يا أسد متاعب عيشنا

فتركته وتركتنا متخيراً…

قيلت الكلمة. وأزيح قناع اللياقات: فالفتى  رحل بملء إرادته و” بسببنا ” .

فْليهنك العيش الذي حاولته

في قصر ذي الملكوت من أعلى الذرى

وعلى ضريحك للمدامع صبب

يسقى به أبداً ويبقى أخضرا.”

أناييس نن، ومعنى الفرح المراوغ

 

أناييس نن

أناييس نن (1903 – 1977). مؤلفة أمريكية بأصول إسبانية-كوبية. وقد قضت بعض من عمرها في إسبانيا وكوبا ولكنها عاشت معظم حياتها في الولايات المتحدة حيث أصبحت هناك مؤلفة معترف بها. ولقد ألفت يوميات استمرت لاكثر من ستين بدءا من أن كان عمرها أحد عشر عاما، وانتهائا قبل مماتها بفترة وجيزة. وقد نشرت أيضا روايات و دراسات نقدية و مقالات و قصص قصيرة.


من أولى وأشهر كتب يومياتها، بين عام (1939-1947) تلك النسخة المبكرة، من الكاتبة التي بدأت في الكتابة بعمر الحادية عشرة فقط، من تلك المذكرة التي طال انتظارها، من المجلدين؛ (الثالث، والرابع)، والتي  تتحرر فيها وتجيب عن غرابتها القديمة، رغباتها وحياتها مع الأصدقاء الحميمين، وقصة انتهاء علاقتها مع الكاتب (هنري ميللر) وما دور الأدباء الشباب في حياتها وقتها. من كل ذلك أخترت لكم ذلك المقطع الصغير، والمتأمل بخصوص، “طبيعة الفرح، والبهجة المراوغة”، والتي كانت كتبتها في ديسمبر من عام 1939، وبعد وقت قصير من اندلاع الحرب العالمية الثانية، تلك الحرب التي أثرت بعمق، في حياة” نن” النفسية، وتخللت عاطفتها:

مراراً، وتكراراً، ما زلتُ أبحر نحو البهجة والفرح. ذلك الشعور الذي لم يكن أبداً في غرفة ما، ومعي وحدي، ولكنه دائماً بالقرب مني، عبر الطرقات في الخارج، مثل تلك الغرف المليئة بالفرح عنما أراها من الشارع، أو ذلك الفرح في الشارع عندما أراه من النافذة.

حسناً. هل يمكنني أن أصل لتلك الفَرحة؟ إنها تتخفى خلف سفر، وتجوال ألعاب السيرك المتنقل. ولكن سرعان مأ أقترب منهم، فإنها لا تعود.

هل يكون الفرح هو الرغوة المتطايرة، والإضاءة من بعيد؟

كم أنا في حاجة، وجوع للنيل منه؛ كنتُ عندما أرقص؛ يكون هو وكأنه في حديقة عصية الوصول. وعندما أكون في الحديقة العامة؛ كنتُ أسمع تفجره من المنازل. وعندما أسافر؛ كنتُ أراه مثل الشفق القطبي، مستقراً في الأرض التي غادرتها للتو.

أين هو؟ عندما أقف على الشاطئ؛ كنتُ أراه يرفرف ويزهر على رايات السفن المغادرة.

ما هو الفَرح؟

آلم أشعر به أبداً؟

أريد فرحة الألوان البسيطة، أريد فرحة مرافق الشارع العامة، أريد لافتاته، وإعلاناته.

لا أريد ذلك الفرح، الذي يأخذ أنفاسي جانباً، ويلقيني نحو فضاء وحدتي، حيث لا أحد سيتشارك هواء رئتي.

لا أريد تلك الفَرحة التي تأتي من ممارسة شربي وحيدة.

لا أريدها.

هناك الكثير من الفَرح. ولكني لا أعرف إلا تلك الفّرحة، تلك التي ربما ستأتي كمعجزة، وتضيئ كل ما حولها.

وتِلك بالذات كانت هي الفَرحة التي تخيلتها (نن) كمعجزة، وعاشتها أخيراً، عندما وصلت  أنباء عن انتهاء الحرب.


[المصدر