تودوروف تساءل؛ كيف نتعامل مع المختلفين؟

تودوروف

تزفيتان تودوروف (1939-2017)، فيلسوف ومنظِّر أدبي  بلغاري – فرنسي، طلب اللجوء السياسي في فرنسا أثناء دراسته فيها وأقام ولا زال ، له كتب مهمة مشهورة في النظرية الأدبية والنظرية الثقافية و مثل (مقدمة الشاعرية) و(الأدب في خطر) و (روح الأنوار) و(الخوف من البرابرة).

في كتابه (نحن والآخرون) والذي ترجمته الأستاذة (ربى حمود) إلى اللغة العربية، يتساءل (تودوروف) في خاتمة كتابه؛ “كيف يمكن، كيف ينبغي أن نتصرف تجاه أولئك الذين لا ينتمون إلى الجماعة التي ننتمي إليها؟”

يعتمد الدرس الأول الذي تعلمناه على التخلي عن تأسيس استدلالاتنا على تمييز من هذا النوع. على أن الكائنات الإنسانية قامت باستدلالات من هذا النوع، منذ أبد الدهر، واكتفت بتغيير موضوع المديح، […] حكم البشر على أنفسهم بأنهم أفضل مَن في العالم، وقدّروا أن الآخرين سيئون أو خيّرون تبعًا لبعدهم أو قربهم منهم؛ وعلى العكس من ذلك، […] وجدت الكائنات الإنسانية أن الشعوب الأبعد هي الشعوب الأسعد والأكثر إثارة للإعجاب. في حين أنها لم تجد في تجمعاتنا الخاصة إلا الانحطاط، وفي الحالتين، نحن أمام وهم بصري؛ “نحن” لسنا بالضرورة صالحين، ولا “الآخرون” كذلك.

يلخّص حديثه قائلًا:

كل ما يمكن قوله بهذا الخصوص هو أنه في الانفتاح على الآخرين وفي رفض إقصاءهم دون دراسة، حسنة يمتاز بها الإنسان عن غيره.

ثم يتساءل بعد ذلك: “ما معنى انتماءنا إلى تجمّع ما؟ وكيف نبرر أحكامنا؟”. ويجيب قائلًا:

ليست الكائنات الإنسانية مجرد أفراد منتمين إلى نوع واحد بحد ذاته، بل إنها تنتمي أيضًا إلى تجمعات خاصة ومتنوعة، تولد هذه الكائنات فيها وتتصرف. التجمّع الأقوى حاليًا هو ما يُسمى بالأمة، ونعني بهذا التطابق الكامل تقريبًا بين الدولة والثقافة. الانتماء إلى الإنسانية مختلف تمامًا عن الانتماء إلى الأمة، كان (روسو) يقول: “الإنسان ليس المواطن”، حتى أنه يوجد بين الاثنين نزاع كامن، قد يصبح علنيًا في اليوم الذي نجد فيه أنفسنا مجبرين على الاختيار بين قيم الإنسانية وقيم الأمة. يُحكم على الإنسان ضمن هذا المعنى للكلمة، انطلاقًا من مبادئ أخلاقية، بينما ينشأ سلوك المواطن من وجهة نظر سياسية.

لا يمكن إقصاء أي من وجهي الحياة الإنسانية هذين، ولا يمكن اختزال الواحدة في الأخرى، من الأفضل أن نعي دومًا هذه الثنائية المأساوية أحيانًا. وفي الوقت نفسه، فإن الفصل الجذري بين عناصرها ووضعها في أفلاك لا تتواصل في ما بينها أبدًا، قد يكون وخيم العواقب أيضًا. […] لا تنطبق الأخلاق على السياسة، لكنها تستطيع وضع حواجز لا يحق للسياسة أن تتخطاها. إذ لا يعفينا الانتماء إلى الإنسانية من الانتماء إلى الأمة، ولا يمكن أن يحل محله، لكن على الأحاسيس الإنسانية أن تتمكن من احتواء منطق الدولة.

يتابع حديثه بعد ذلك، فيقول:

وجود شيء ما، لا يعني أنه يجب أن يكون. على كل حال، يعمد الفرد وبشكل جيد جدًا إلى التصحيح بنفسه، فلا يخلط بين الحب والعدالة، إنه يحب ابنه أكثر من ابن جاره، لكن عندما يوجد الاثنان في بيته، فهو يعطيهم حصصًا متساوية من الحلوى. ثم أن الشفقة ليست أقل طبيعية من الأنانية، ومن خصوص الكائن الإنساني أن يرى ما هو أبعد من مصلحته، ولهذا فإن الشعور الأخلاقي موجود.

ويكمل حديثه في موضع آخر، قائلًا:

لا يتحدد ما هو إنساني، حقًا، بهذه السمة الثقافية أو تلك حتمًا. فالكائنات الإنسانية تتأثر بالسياق الذي تأتي من خلاله إلى العالم، ويتغير هذا السياق تبعًا للزمان والمكان. العنصر المشترك بين مجمل الكائنات الإنسانية هو القدرة على رفض هذه التحديات، وبتعبير فيه أقل قدر من الرسمية، سنقول أن الحرية هي السمة المميزة للنوع الإنساني.

مارغريت دوراس، في الكتابة والكتب.

duras_feature_final

مارغريت دوراس (1914-1993) شاعرة وكاتبة وكاتبة مسرحية ومخرجة فرنسية. اشتهرت في فرنسا والعالم الفرنكفوني بالتنوع الأدبي والمعاصرة، كما كانت كاتبة للقصص القصيرة وسيناريوهات الأفلام وهي تعتبر من أهم الأدباء الفرنسيين في النصف الثاني من القرن العشرين.

في كتابها (أن تكتب؛ الروائي والكتابة)، تتحدث عن نفسها إذا كتبت، وعن الكتابة والكتب في إلماحة رائعة تقول فيها:

كتابتي تتم كل صباح، ولكن بغير توقيت مضبوط. اللهم لوقت المطبخ، إذ أعرف متى يلزم أن أتحرك، ومتى يغلي الإبريق، أو لتجنب احتراق. وكذلك الشأن مع الكتب. أقسم بهذا. لم أكذب في حياتي، قط. ولا في حياتي كذبت. اللهم على الرجال. أبداً لم أكذب. ويرجع السبب إلى تخويف أمي لي بحكاية الغولة التي تقتل الأطفال الكذابين.

تتابع حديثها قائلة:

أظن أن هذا ما نراه عبر الكتابة: إنها مفبركة، منظمة، مقننة، تكاد تصبح متطابقة. حيث الكاتب يقوم بوظيفة المراجعة، وإذن يغدو بمثابة شرطيه الشخصي. أعني بهذا البحث عن الشكل الحسن، أي الشكل السائد أكثر، الأشد وضوحاً والأقل هجومية. وما زالت هناك أجيال ميتة تصنع كتباً محتشمة، بل وبين الشباب أيضاً، ممن يضعون كتباً لطيفة، بدون أية امتدادات، بلا ليل ولا صمت، وبعبارة أخرى بلا قيمة حقيقية. كتب نهار، أسميها، لتزجية الوقت، وأثناء السفر، لكنها لا تنقش في التفكير أبداً وتقول الحداد الأسود لحياة بأكملها، والمدار المشترك لكل تفكير.

ثم تتحدث في موضع آخر:

لا أعرف ما هو الكتاب. لا أحد يعرف. لكننا نعلم أن هناك كتاباً. وحين لا يوجد شيء، نعرف ذلك معرفتنا أننا لم نمت بعد.

لكل كتاب, كما لكل كاتب معبر صعب، لا يمكن اجتنابه. وعليه أن يتخذ القرار بترك الخطأ في الكتاب ليبقى كتاباً حقيقياً، لا يكذب. أما الوحدة، فلا أعرف ماذا تمسي بعدئذ. ما أعتقد هو أن الوحدة تصبح بدهية، وعلى المدى البعيد تنقلب مبتذلة، وهذا جيد.

تتحدث أيضًا عن الجنون في الكتابة، فتقول:

ثمة جنون للكتابة في أنفسنا، جنون أحمق للكتابة، ولكن ليس من أجل هذا نكون في الجنون. على العكس.

الكتابة هي المجهول، فقبل أن نكتب لا نعرف شيئا عن ما نكتب. وهذا بيقظة تامة.

وهو مجهول ذاتنا، رأسنا وجسدنا. ليس ولا تفكيراً، فأن تكتب هو نوع من المقدرة لدينا إلى جانب شخصنا، ومواز له، لشخص آخر، يظهر ويتقدم, غير منفصم, موهوب الأفكار، بالغضب، وأحياناً معرض من تلقائه هو للهلاك.

لو كنا نعلم شيئا عن ما سنكتب، قبل الشروع، قبل الكتابة، فلن نكتب أبداً، فلا فائدة.

وختامًا، تقول (مارغريت):

أن تكتب، هو أن تحاول معرفة ما سنكتب لو كتبنا. لا نعرف ذلك إلا في ما بعد. قبل، هو السؤال الأكثر خطورة الذي يمكن طرحه، لكنه الأكثر جرياناً، أيضاً.

الكتابة تحصل كالهواء، هي عارية، هي الحبر، وتمر مثل أي شيء لا يمر في الحياة، لا أكثر، الحياة.

 

هل مات الأدب الروسي؟

dstofsky

 

تراجع الأدب الروسي – بعد تفكك الاتحاد السوفيتي – عن موقعه المتقدم في العالم عموما، وفي العالم الناطق بالإنجليزية خصوصاً. ويُقال ان القارئ الأميركي – من الجيل الجديد – يكاد يجهل هذا الأدب تماماً، ولا يستطيع أن يذكر اسم كاتب روسي معاصر واحد. والسبب الرئيسي لهذا التراجع هو ان الادب الروسي اصبح اليوم ادباً محلياً بكل معنى الكلمة. 
الأدب المحلي الذي يكون مفهوما وقريبا من شعب واحد فقط، وغير ممتع بالنسبة الى بقية االشعوب، يتحول – في أفضل الأحوال – الى مجرد مصدر لعلماء الأنثروبولوجيا ولا يهم القاري الأجنبي. أما الأدب المحلي، الإنساني الطابع، الذي بعبر عن روح العصر، ويثير أحاسيس مشتركة بين البشر وتجاوباً فكرياً يتفاعل في كل بيئة مجردة من المكان والزمان، فهو الذي بجذب انتباه القارئ بصرف النظر عن العرق والمعتقد واختلاف الثقافات.

نتائج غير متوقعة لإلغاء الرقابة

مما يثير الدهشة حقاً، ان الغاء الرقابة واطلاق حرية التعبير والنشر، في اواخر حقبة (البريسترويكا ) لم يؤد الى ازدهار الأدب الروسي المعاصر، كما كان متوقعاً، بل على النقيض من ذلك أدى الى شيوع أدب التسلية الجماهيري الإستهلاكي، وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن الرقابة أمر مفيد، لأن ثمة أسباب سياسية واقتصادية واجتماعية وتكنولوجية، وراء ظاهرة الأدب المحلي الأستهلاكي وفي مقدمتها عزوف السواد الأكبر من الشباب عن قراءة الكتب الجادة المطبوعة وتفضيل الكتب الألكترونية أو سماع تسجيلها الصوتي عبر الأجهزة الذكية، فالسماعات لا تفارق الشباب الروس حتى في عربات المترو في موسكو وسان بطرسبورغ.
الأدباء الذين كانوا ينشرون نتاجاتهم سراً داخل البلاد “أدب الأندر غراوند” كما  يسميه الروس، لم يعد لديهم ما يعارضون به العهد الجديد، وأدب “الواقعية الأشتراكية” عفا عليه الزمن، وطوى النسيان أغلب كتّابه البارزين، الذين كانوا نخبة صغيرة مرفهة في العهد السوفيتي، تتمتع بامتيازات شبيهة بامتيازات القادة السياسيين في المكافآت والسكن والمعالجة في مستشلفيات خاصة، وارتياد المنتجعات الجميلة على البحر الأسود صيفا، ودور الراحة في المناطق المشمسة ذات المناخ المعتدل في جنوب البلاد شتاءاً. وكانت كتبهم المنشورة بأعداد هائلة تدر عليهم عائدات كبيرة. وبعد تعويم “الروبل” في عام 1992 فقدوا كل مدخراتهم التي تحولت الى أوراق لا قيمة لها. فعلى سبيل المثال كان الشاعر السوفيتي الشهير (يغور إيسايف) (1926 – 2013 ) – الحائز على أرفع جائزة أدبية سوفيتية لمرتين، وهي جائزة (لينين)، وعلى وسام بطل العمل الإشتراكي –له نفوذ كبير في اتحاد الكتّاب السوفيت، وعضوا في هيئات تحرير كبريات المجلات الأدبية، ولكنه وجد نفسه على حين غرة من دون عمل في العهد الجديد، ومرّ بضائقة مالية شديدة، بعد انهيار سعر الروبل ورفض دور النشر الخاصة الجديدة – التي حلت محل دور النشر الحكومية السوفيتية – نشر أي ديوان جديد له. كما أن المكافآت لقاء نشر قصائده في المجلات الأدبية أصبحت ضئيلة وتافهة، لا تكفي لشراء كغم واحد من اللحم، وعانى الأمرين في تحصيل لقمة العيش، فلجأ الى تربية الدجاج في مزرعته في إحدى ضواحي موسكو لكسب ما يمسك عليه حياته وحياة اسرته. وتوقف عن كتابة الشعر.
ان مصير أغلب كتّاب الواقعية الأشتراكية لا يختلف كثيراً عن مصير الشاعر (إيسايف)، وقد طواهم النسيان، وأصبحوا في ذمة التاريخ.
 الادباء المهاجرون اخذوا ينشرون نتاجاتهم داخل روسيا ايضا، وعاد العديد منهم الى الوطن بعد غيبة طويلة، ومنهم الأدباء الذين اسقطت عنهم الجنسية السوفيتية. ولكن سرعان ما  زال سحرهم في العهد الجديد، فإلإمبراطورية، التي كانوا يحاربونها، لم تعد لها وجود.
وجاء جيل جديد من الأدباء الشباب، ضائع لا يعرف ماذا يريد، وتحولت مهنة الكتابة الأستهلاكية الخفيفة الى تجارة رابحة، لأولئك الذين يبحثون عن اسهل الطرق للحصول على المال، و كانوا في السابق يمارسون مهناً اخرى، ولا يفكرون يوما في إتخاذ الكتابة الأدبية مهنة لهم. ونزل الى الميدان الأدبي ضباط بوليس ورجال مخابرات متفاعدون، يستمدون من خبراتم الوظيفية وتجاربهم الحياتية، حبكات رواياتهم البوليسية والتجسسية، ولم يقتصر الأمر على الجنس الخشن، بل اقتحمت صحفيات ونساء من شرائح ومهن شتى، وحتى ربات بيوت مجال الادب بسلاسل من الروايات الغرامية والبوليسية والخيالية، التي لقيت رواجاً كبيرا لدى الجمهور الباحث عن ادب اللذة.
وفي الوقت الذي كان فيه الجمهور القاريء في الحقبة السوفيتية يتابع الإصدارات الجديدة لعدد محدود من الأدباء المعروفين، ثمة اليوم مئات الأدباء من الجنسين – معظمهم في مدينتي موسكو و سان بطرسبورغ – وقد تحوّل كل منهم الى آلة لأنتاج رواية كل شهر أو شهرين للحصول على أكبر قدر من المال. وهم أعضاء في عدة  إتحادات جديدة للأدباء تشكلت بعد إلغاء اتحاد الكتاب السوفيت. وهي “الإتحادات الجديدة” تتناحر اليوم فيما بينها على ممتلكات الإتحاد السابق من بنايات ودور سكن في قرية الكتّاب (بريديلكينا) في ضواحي موسكو .

أدب الـ(غرافومانيا)  

لم يعد للأدب الروسي صلة بالواقع ويتسم بطابع  شديد الغرابة بالنسبة الى القاريء الأجنبي، وتسود فيه ما تسمى الـ(غرافومانيا)، أي هوس الكتابة السطحية التي غالبا ما تكون فضفاضة ومملة، حول أحداث عادية وأبطال لا يتميزون بشيء.
البعض من اشهر الكتاب الأستهلاكيين الروس المعاصرين لا يجيدون حتى اللغة الأدبية الروسية، ونتاجاتهم مكتوبة بلغة سوقية أسوأ من لغة الصحافة الصفراء، مما ينم عن ذوق فاسد. ولولا البهارات الأيروتيكية مثل الوصف التفصيلي للعلاقات الحميمة وشتى أنواع التجارب الرذيلة لما قرأ أحد كتاباتهم.
أما الأدب الروسي الخالي من البهارات الأيروتيكية والعبارات الفاحشة – الذي يمكن إعتباره إمتداداً للتقاليد الأدبية الروسية –  فإنه يتناول عددا من القضايا، التي لم تعد تهم القاريء الغربي. مثل التعصب القومي الروسي، أو العيش وفق معايير الكنيسة الأرثوذكسية ، أو الإنسان في مواقف استثنائية؛ الحرب، والمعتقل. ويقصد بالحرب هنا المعارك الطاحنة التي جرت بين الجيشين الأحمر والهتلري خلال الأعوام الأربعة الأخيرة (1941-1945) من الحرب العالمية الثانية، التي يطلق عليها الروس اسم “الحرب الوطنية العظمى”. وقد كتب عنها عدد لا يحصى من الروايات والدواوين الشعرية في العهد السوفيتي. أما وصف جحيم المعتقلات، ومعسكرات العمل الأجباري الشاق فلم يعد فيه أي جديد بعد روايات (سولجنتسن) و(حكايات كوليما) لـ(فرلام شالوموف).
وتحتل موضوعة تفكك الإتحاد السوفيتي والحنين الى المجد الأمبراطوري الغابر مساحة واسعة في الأدب الروسي الجديد – فما زالت الإمبراطورية حية في الأذهان، وحتى في الروايات الخيالية – لأن روسيا مرّت في العقدين الأخيرين بسنوات عصيبة، تغيرت فيها، ليس اسلوب الحياة فقط، بل المعايير الأجتماعية والقيمية والجمالية أيضاً. ولا أحد اليوم يعرف بمن يثق، وبماذا يتفاخر، وماذا يفعل، وكيف يحيا لاحقاً. وثمة ثلاثة إتجاهات في هذا المجال :
  • محاولة فهم ووصف ما حدث وما يحدث الآن، على أنقاض الإمبراطورية المنهارة.
  • التعبير الفني عن مجتمع استهلاكي وضياع المثل العليا التي كانت تستشرفها النخب المثقفة.
  • الإنسان الروسي الجديد، الذي يتعلق بأذيال المطامع المادية و لديه المال ووسائل الترفيه، ولكن حياته كئيبة. وأخذ يتساءل من جديد – السؤال الروسي التقليدي – ما العمل ؟

تراجع وانعزال

تشير الأحصاءات الحديثة  الى أن ما يترجم من الأدب الروسي الى اللغة الإنجليزية لا يتجاوز 3% من اجمالي الأعمال الآدبية الأجنبية المترجمة الى هذه اللغة الأساسية في عالمنا المعاصر. ويكفي أن نقول أنه خلال العقدين الأخيرين لم يدخل أي كتاب روسي الى قائمة جائزة  افضل كتاب أجنبي مترجم.
في حين حصل عليها اعمال ادبية مترجمة الى الانجليزية من آداب بلدان اوروبا الشرقية الأخرى التي تحتل مكانة متواضعة في الأدب العالمي.  
وعموما فإن نصيب الأعمال الأدبية الروسية من الجوائز الأدبية العالمية والأوروبية – منذ انهيار الإمبراطورية – جد قليل، رغم ان مشاهير الأدباء الأستهلاكيين الروس يحصلون بإستمرار على الجوائز الأدبية الروسية المتعددة، التي يصعب حصرها لكثرتها، وتتحكم فيها دور النشر والإشهار الروسية الكبرى.
الروايات الروسية المعاصرة تنشر في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا بأعداد قليلة من قبل دور النشر الصغيرة أوالجامعية، وليس دور النشر الشهيرة، مثل (بنجوين) أو (راندوم هاوس)، أو (فارار وجيرو)، ولا تعرض في المكتبات والمتاجر الشهيرة– ما عدا بعض روايات لـ(ودميلا اوليتسكايا) و(ميخائيل شيشكين) – والأخير يقيم بشكل دائم في سويسرا – بل في المكتبات الجامعية او على مواقع الأنترنيت، مثل موقع (امازون).
أحياناً يمكن العثور على بعض روايات الخيال العلمي للكاتبين الروسيين (بوريس اكونين) و(فيكتور بيليفين) في هذه المكتبة او تلك، ولكن ليس ثمة رواية روسية واحدة ضمن قوائم الكتب الأكثر رواجاً. والعالم لا يتابع نتاجات الكتاب الروس المعاصرين – كما كان الأمر في الماضي –  ولا يسوق كل النسخ المطبوعة منها رغم محدوديتها.
يقول اصحاب دور النشر  الروسية، والكتاب الروس انفسهم ان ذلك ناجم عن ضعف الدعاية والترويج للأدب الروسي المعاصر في الدول الغربية. ولكن هذا الزعم غير دقيق بدليل ان الكتاب الروس الأستهلاكيين يقومون بتكليف المترجمين الغربيين بترجمة نتاجاتهم الى الأنجليزية، كما يقومون بحملات دعائية مكثفة في الدول الغربية لترويج وتسويق نتاجاتهم، ولم يبق في جعبتهم من سبيل الا وسلكوه لأغراء القاريء الغربي، دون ان يحرزوا تقدما كبيرا في هذا المجال، لأنهم يلحون عليه اقتناء وقراءة ما لا يحتاج اليه .
النقاد الروس – الذين يدورون في فلك دور النشر الروسية الكبرى – يعزون سبب ذلك الى السياسة، ويقولون أن روسيا لم تعد عدوة أو منافسة للغرب، ولهذا فالأدب الروسي المعاصر لا يحظى بإهتمام كبير في الغرب، ولكن هذا تضليل متعمد، الغرض منه الأيحاء بأن الأدب الروسي اليوم بخير، وان السياسة الغربية الحالية ازاء روسيا هي التي تمنع انتشار الأدب الروسي في الغرب، ولكننا نعلم أنه لا توجد أي رقابة على الأعمال الأدبية في الغرب، لا يالنسبة الى الأدب الروسي ولا أي أدب آخر. فمن يرتاد متاجر الكتب في العواصم الغربية يجد الكثير من الطبعات الحديثة للأعمال الأدبية لعمالقة الأدب الروسي الكلاسيكي (تولستوي)، (دوستويفسكي)، (تشيخوف)، (تورغينيف). وكذلك العديد من الكتب المكرسة لتحليل الوضع السياسي الراهن في روسيا البوتينية. وهذا يقودنا الى استنتاج جلي وهو أن القاريء الغربي ما يزال مهتما بما يحدث في روسيا اليوم، ولكنه لم يعد يهتم بالادب الروسي الإستهلاكي، الذي لا يعبر عن الواقع الروسي الراهن.
بعد (برودسكي) و(سولجنتسن) لا يوجد كاتب أو شاعر روسي واحد يحظى بنفس القدر من أعجاب القراء في الغرب. الجمهور الذي يقرأ الأدب الروسي، حتى اليوم، يتألف أساساً من المهاجرين والمغتربين الروس في الدول الغربية، وحفنة من المهنيين في كل بلد غربي، ومعظمهم من أساتذة وطلاب أقسام اللغة الروسية أو الأدب الروسي، وكذلك الأجانب من خريجي الجامعات والمعاهد الروسية.
يقول اصحاب دور النشر الغربية أنهم يريدون روايات روسية عن الواقع الروسي، ولكن مثل هذه الروايات نادرة في الأدب الروسي المعاصر. ولم يظهر في روسيا خلال العقدين الأخيرين أي عمل أدبي ممتع ورفيع المستوى فناً وفكراً، يمكن أن يجذب انتباه القاريء الغربي العادي، ويثير اهتمام النقاد الغربين ويدخل ضمن قائمة الكتب الأكثر رواجاً، كما هو الحال مع الأعمال الأدبية الخالدة  لعمالقة الأدب الروسي الكلاسيكي.

مائة صنف من السجق وفكرة واحدة

اجرت الصحفية والمترجمة الفنلندية (كريستينا روتكيرش) – التي تكتب باللغتين السويدية والفنلندية – لقاءات صحفية مع احد عشر كاتبا روسيا مشهورا تحدثوا خلالها عن سيرهم الذاتية واعمالهم واساليبهم وتجاربهم في الكتابة (بوريس اكونين)، (يفجيني غريشكوفيتش)، (أدوارد ليمونوف)، (يوري ماملييف)، (فيكتور بيليفين)، (لودميلا بيتروشيفسكايا)، (نينا سادور)، (فلاديمير سوروكين)، (تاتيانا تولستايا)، (لودميلا اوليتسكايا)، (ميخائل شيشكين). وقد جمعت (روتكريش) نصوص هذه اللقاءات في كتاب صدر قبل بضع سنوات في ستوكهولم باللغة السويدية بعنوان (لقاءات مع أحد عشر كاتبا روسياً)، ثم قامت بترجمة الكتاب الى اللغة الفنلندية ونشره تحت عنوان (مائة صنف من السجق وفكرة واحدة). ان عنوان هذا الكتاب هو (باروديا) أي محاكاة ساخرة وتهكم على روسيا، التي تسعى لبناء اقتصاد السوق. حيث تجد في متاجرها اليوم أصنافاً كثيرة من السجق، الذي كان شحيحاً في الحقبة السوفيتية. ولكن الأدب الروسي يعاني اليوم من ظاهرة الـ(غرافومانيا)، وشحة الأفكار الملهمة .. وبين احد عشر كاتبا لا يوجد من يكتب الأدب الحقيقي سوى (شيشكين)، و(اوليتسكايا)، التي يعرفها القاريء العربي بعد ترجمة روايتها الممتعة (سونيشكا) الى اللغة العربية. وهي روايتها الأولى التي نشرت في موسكو عام 1992 وترجمت الى العربية بعد حوالي ربع قرن. ولـ(أولتسكايا) روايات وقصص كثيرة، وتحظى أعمالها بشعبية واسعة في روسيا والعالم حيث ترجمت الى أكثر من 25 لغة أجنبية، وحصلت على عشرات الجوائز الروسية والأوروبية، بينها جائزة (البوكر) في عام 2001. 
شحة الأفكار والبؤس الإبداعي لنجوم الأدب الأستهلاكي هي نتيجة طبيعية لأنعزالهم عن الواقع الأجتماعي. هذا الواقع الحافل بالتناقضات الحياتية والإنسانية التي يمكن أن يستمد منها الكاتب الروائي والقصصي آلاف الحبكات الممتعة. ولكن للسوق قوانينها، وهذا هو الحال في كل بلد يتحول فيه الأدب الى سلعة في السوق، ولا يقتصر الأمرعلى روسيا وحدها. 

سخرية فولتير تهزم أعداء التنوير

فولتير

النقد الساخر سمة تغلب على طابع النقد في العصر الحديث، سواءً كان هذا النقد بنَّاءً أو هدَّاماً، وهذا الأسلوب في النقد ليس خاصَّاً بعصرنا هذا، وإنما هو قديم قِدم الفلسفة ذاتها، حيث كان (سقراط) يستخدم أسلوب السخرية أو التهكم في حواره مع تلاميذه وذلك من خلال إثارة الشكوك حول الأفكار والمعتقدات الخاطئة التي يؤمن بها غالبية الأفراد أو المجتمع بهدف ايصالهم للحقيقة، إلا أن أشهر من ارتبط اسمه بالنقد الساخر هو الفيلسوف الفرنسي (فولتير)، والذي يُعد أشهر شخصية في عصر التنوير.

حيث يقول (نيتشه) عن (فولتير):

لا بد للأسود الساخرة من أن تجيء، وجاء (فولتير) فأذل الطغاة بسخريته.

ولم يكن (فولتير) يدع السخرية إلا عندما يتعلق الأمر بحياة الإنسان وكرامته وحريته، وخصوصاً عندما يكون ذلك كله باسم الدين! وما كانت رسالته (اسحقوا العار) إلا نتيجة الظلم ممَّن يدَّعون أنهم يقودون الناس للحق والنجاة وأنهم موكَّلون من الله بحفظ الدين!

ويُشاع عند الكثيرين بأن (فولتير) كان ملحداً! وهو في حقيقة الأمر لم يكن كذلك، فنجده يقول:

لو لم يكن الله موجوداً لوجب اختراعه، إلا أن الطبيعة بكاملها تدعونا قائلةً إنه موجود.

ويبدو لي أن (فولتير) لم يكن ضد الدين كجانب روحي مهم في حياة الإنسان، ومعظم ما صدر منه من أقوال قد يعتقد البعض أنها ضد الدين، لم تكن ضد الدين بقدر ما هي ضد أفكار من يعتقدون أنهم هم من يمثِّل الدين ويتحدَّثون باسم الله!

فنجده يقول معلِّقاً على أفعال رجال الدين المسيحي، الكهنة والرهبان:

إنهم الكهنة الذين يعيشون على كدكم وتعبكم في راحة وكسل، ويثرون على حساب كدحكم وبؤسكم، ويتنافسون على شراء الذمم واقتناء العبيد، ويوحون لكم بالتعصب المذموم، ليتمكَّنوا من سيادتكم والسيطرة عليكم، وينشرون بينكم الخرافات والأساطير ليس من أجل أن تخافوا من الله بل لكي تخافوهم.

ويُعذر (فولتير) في مهاجمته لرجال الدين المسيحي في تلك الحقبة الزمنية، حيث قد وجد ممثليها لصوص في هيئة قديسين! إلا أنه استطاع بقلمه تعريتهم وبيان جهلهم وتوضيح حقيقتهم القائمة على خداع الناس واستغلالهم من خلال الدين.

ومن المؤكد أن فولتير قد اطَّلع على أعمال (أوغسطينوس) الذي حاول توظيف الفلسفة لخدمة الإيمان المسيحي ومحاولة الاستدلال على صحتها من خلال المنهج الفلسفي، لكن لا يمكن لفيلسوف يتميَّز بالذكاء الحاد والعمق الفلسفي كـ(فولتير) أن يقبلها! وتلك القضية، قضية الدين والحياة، هي التي يواجهها عالمنا العربي، وهي التي نتج عنها تيارين متطرفين، تيار متشدِّد يدعو للإرهاب وإقصاء كل مخالف باسم الدين، وتيار يرفض فكرة الدين من الأساس، لذا فإنه عندما نؤمن ويؤمن المجتمع بأن الدين علاقة بين الفرد وخالقه فقط، حينها سيُحفظ للدين مكانته وقداسته، وسيكون الدين بذلك محمياً من اللصوص الذين يستخدمونه لأغراض دنيوية وتحقيق مصالح شخصية أو حزبية، إقحام الدين في كل شيء ينتج عنه الفشل في كل شيء، فقد فشل (أوغسطينوس) وكذلك (توما الأكويني) في بناء فلسفة برؤية مسيحية! وذلك بطبيعة الحال لا يستقيم، فالفلسفة منهج عقلي تأملي بالدرجة الاولى، والأديان بطبيعتها تحوي الكثير من الأمور التي تتطلب التسليم دون السؤال عن الماهية أو الكيفية حتَّى يكون إيمان الشخص مستقيماً، وفيما يخص السياسة فقد شاهدنا فشل تجربة حزب الإخوان في حكم مصر، ولا زلنا نرى مصائب وجرائم نظام ولاية الفقيه في إيران، لذا فإن الدواء الشافي لِما يعاني منه العالم العربي والإسلامي يكمن في شعار (الدين لله والوطن للجميع)، شعار منسجم مع الإنسانية والحياة بأبعادها المختلفة، شعار يكفل الكرامة والحرية للجميع، شعار يتبنَّاه كل من لم يتلطَّخ عقله بأفكار الكراهية والتطرف بشتَّى صوره، شعار يؤمن به كل من يحترم إنسانيته، شعار آمن به فولتير لأنه يدرك قيمة الإنسان.

(فولتير) بسيط في إنسانيته، عميق في فكره، أبت فطرته السليمة الانقياد والانصياع لأوامر اللصوص والدجالين كما انقاد الكثير من القطيع في زمانه، قادته تلك الفطرة إلى التسليم والإيمان بوجود إله واحد لا شريك له، استمد إيمانه ومعرفته بالخالق من خلال فطرته السليمة وعقله المستنير، لم يستمد إيمانه من رجال الدين كما فعل الكثير في زمانه ويفعل الكثير في زماننا هذا!

وفي كل حقبة زمنية سيكون هناك (فولتير) وسيكون هناك أعداء للتنوير، ورغم كل تلك الصعوبات والظروف التي تعرَّض لها (فولتير)، إلا أنه انتصر في النهاية، وخلَّد التاريخ اسمه، إلى درجة أن عصر التنوير ارتبط باسمه!

بقوة الإرادة تتحقَّق المعجزات، وإلا فهل يُعقل أن رجل واحد بسخريته وقلمه استطاع أن يغيِّر أوروبا بأكملها!

نجح (فولتير) في تحقيق رسالته لأنه صاحب مبادئ وليس صاحب انفعالات تتشكَّل وتتغيَّر بتغير الظروف، نجح (فولتير) في تبديد الخرافة والجهل لأنه خاطب الجماهير بلغة العقل والمنطق لا بلغة العواطف والمشاعر، فيلسوف أحبه البسطاء والعامة قبل النخبة والصفوة، أحبه الفقراء والاغنياء على السواء، أحبوه لأنهم عرفوا حقيقته المتمثِّلة في تجرده عن ذاته وإرادته الحقيقية في الإصلاح وايمانه بالمبادئ التي انطلق منها ومات وهو مؤمن بها ولم يتنازل عن واحدة منها.

وكل الذين وقفوا ضده لم نسمع عنهم ولا نعرف اسمائهم حتَّى! فقط بقي (فولتير) رمزاً تنويرياً شامخاً، تلك هي سُنَّة الحياة، ما ينفع البشرية سيبقى ويُذكر, وما يضر البشرية سيندثر ويُنسى، “فأمَّا الزبد فيذهب جفاء، وأمَّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”.

الدولة المستحيلة، عند طه عبدالرحمن

طه عبدالرحمن

ألّف الدكتور (وائل حلاق) كتاب (الدولة المستحيلة) يفرِّق فيها بين الحكم الإسلامي ومفهوم الدولة الحديثة فيعتقد أنه لم يكن ثمة دولة إسلامية قط، فالدولة شيء حديث، وإنما كان حكما إسلاميا على أسس أخلاقية وقانونية مختلفة جذريا عن الدولة الحديثة، وأسهب في شرح مفهوم قانون الدولة الحديث وأنه يختلف عن القضاء الإسلامي، فالقاضي يرجع للمفتي والفقيه، الذين يقومون بوظائفهم تحت سلطة الشريعة وليس تحت سلطة قانون الدولة، كما في الدولة الحديثة.

والآن لنعرض رأي الدكتور (طه عبدالرحمن) حول مفهوم الدولة في كتابه (روح الدين)، والتي تتفق إجمالا مع كتاب (الدولة المستحيلة):

لئن كان مصطلح “الدولة” يفيد في استعماله الإسلامي الأصلي مجرّد “انتقال السلطة من حال إلى آخر”، انطلاقا من معناه القرآني الوارد في الآية الكريمة: “وتلك الأيام نداولها بين الناس”، فإن المراد به في الشعار الأصولي المذكور هو مدلوله الاصطلاحي الحديث؛ ومعلوم أن الدولة، بحسب هذا المدلول، هي، على وجه الإجمال، “كيان تدبيري مؤسسي قوامه أرض محروسة وساكنة مراقبة وحكومة متسيّدة”؛ وهذا الكيان لم يولد فجأة، وإنما نتج من تطوّر تنظيمات سياسية سابقة مثل “المدينة اليونانية” و “الجمهورية الرومانية”؛ واستعمال هذا المفهوم الحديث في صيغة شبه تعريفية للإسلام يومئ إلى أنه لا يكفي أن يتضمن هذا الدين جملة من القوانين التدبيرية، بل أيضا يحتاج إلى أن تتخذ هذه القوانين صورة “الدولة” الحديثة لكي يكتمل نظام تدبيره؛ والحال أن القوانين التنظيمية التي اشتملت عليها الشريعة الإسلامية لم تُسطّر نظام تدبير بعينه، وجاءت به أمرا جُمْليا غير مفصَّل، فما الظن بنظام تدبيري صناعي هو ثمرة الفصل بين الدين والسياسة كالدولة الحديثة.
إذا سكتت الشريعة عن تفاصيل هذا النظام، فليس ذلك بسبب الظروف التنظيمية المحدودة التي عرفها مجتمع المدينة، فالشريعة التي فصّلت في تدبير الأسرة، وهي من دقّ الأمور، أقدر على التفصيل في تدبير المجتمع الذي هو من جِلّها؛ ولا هذا السكوت هو لمجرد التوسعة على المكلفين، حتى يُحددوا النظام السياسي الذي يطيقه زمانهم، وإنما السبب في ذلك هو أن الشريعة الإسلامية توفّر للمكلفين أكثر الاختيارات التدبيرية الرشيدة الممكنة التي يكون فيها صلاح دنياهم، حتى يضعوا بأنفسهم من القوانين ما يفي بحاجتهم ويخدم مصالحهم، مسترشدين في ذلك بالقانون الأسمى الذي وضعه الله لهم؛ وكفى دليلا على حكمة هذا السكوت أن نظام الدولة الذي طالما تكلّف الدارسون الكشف عن مبادئه في الشريعة، نرى اليوم أن مؤسساته وقوانينه أخذت تتآكل مع زحف العولمة الاقتصادية وانتشار الحُرّانية (أو الليبرالية) السياسية في المعمور، حتى أصبحت سيادة الدولة على أرضها وساكنتها مهددة بالاضمحلال، وإلا فلا أقل من أنها تشهد تقلّص استقلالها؛ وليس ببعيد أن نرى في الأمد القريب تشكّل تنظيم جديد للتدبير في العالم يختلف عن تنظيم الدولة قد يكون عبارة عن نظام كوني واحد أو يكون، على العكس من ذلك، عبارة عن أنظمة تدبيرية محلية متعددة بديلة للدولة؛ وقد يأتي، في المستقبل، من المقلّدة من يبحث لهذه الأنظمة البديلة، هي الأخرى، عن أصول في الإسلام، مرتكبا مفارقة زمنية كما ارتكبها هؤلاء السابقون بشأن الدولة الحديثة؛ وهكذا، فإن الشرع، ما غفل عن ذكر نظام تدبيري بعينه، ولا بالأولى نسي تفصيل معالمه كلها، وإنما قصد، على الحقيقة، مراعاة المصالح التدبيرية للعباد التي تتطور بتطور الاجتماع البشري، وهذا الأصل هو من أهم أصول الشريعة وأنفعها.