كيف تجد صوتك الفني؟ (بين فولدز) يكتبُ عن التعاطف والإبداع وشجاعة أن تعرف نفسك

ما يمكن أن يقدمه الفنان واضح لأي شخص عدا للفنان نفسه.

“أفضل ما يمكن قوله عن حياتي حتى الآن هي أنها كانت حياة كفاح، وأفضل ما يمكن قوله عني هو أنني لم أتظاهر بما لم أكن عليه في الحقيقة” هذا ما كتبته عالمة الفلك (ماريا ميتشل) في مذكراتها في ذروة حياتها المهنية المُجددة فيما كانت تتأمل فن عثور المرء عن غاية حياته.
بعد قرن من الزمان عرض (إي إي كامينجز) نصيحته المدهشة للفنانين الشباب : “ألا تكون أحدًا سوى نفسك في عالم يبذل قصارى جهده ليلًا ونهارًا ليجعلك شخصًا آخر يعني أن تحارب في أصعب معركة يمكن لأي إنسان أن يخوضها”.

هذه بالطبع هي المعركة الدائمة لكل شخص مبدع في أي مجال- وهي ما أسماها (جيمس بالدوين) “صراع الفنان لأجل تحقيق نزاهته” وقد تكررت هذه المعركة مرارًا وتكرارًا على نطاق أجيال وحضارات وخاضها كل مبدع ذو رؤية كـ(سافو) و(شكسبير) إلى (كامينجز) و(بالدوين). إنها معركة لا يمكن كسبها إلا بشجاعة الابتكار بدلًا من إرضاء أذواق الآخرين وذلك لتعزيز رؤية الفرد وحساسيته الفريدة ضد المد المتصاعد للتقاليد وما هو متفق عليه. وهكذا ففي أي مجموعة من الأعمال التي تتميز بالأصالة الحقيقية يرتبط الإبداع بالشجاعة ارتباطًا لا انفصام فيه، حيث يتحول الإبداع دون شجاعة إلى أحلام يقظة غير مثمرة وتتحول الشجاعة دون إبداع إلى غطرسة لا تطاق.

كل ذلك وأكثر هو ما يستكشفه الموسيقي (بين فولدز) في مذكراته الجميلة (حلم حول حشرات مضيئة؛ حياة من الموسيقى ودروسٌ رخيصة)، وهو فنان ذو رؤية تكسر التقاليد وذو شجاعة إبداعية عنيدة ، وتعكس مذكراته روحه الظريفة اللامعة الأصيلة والمتعاطفة  ووعيه الذاتي الرحيم والذي غالبًا ما تصاحبه عبقرية متواضعة تتوارى في الظلال هربًا من التواجد في حالة وهج المسرح القاسية وتسليط الأضواء والاهتمام الذي يتخللها. 

حتى عنوان الكتاب يُوصي بنزع سلاح انتقاص الذات، مما يجعل الكتاب عفويًا وممتعًا للغاية. بالتأكيد الدروس ليست رخيصة بالمعنى الحرفي فهي تعليم مُكلّف نتج عن محنٍ لا تُعد ولا تُحصى وتم تلقّي هذه الدروس وتمريرها بإخلاص لا ادعاء فيه وروح مرحة، هذه الدروس سجل أصيل غير محسن لانتصارات فوضوية للنضج والنزاهة الفنية ، وهي بمثابة توكيد تم اختباره ويبث الحياة في نفس القارئ لكون مثل هذه الانتصارات تنتظر أي شخص موهوب بما فيه الكفاية ومستعد بما يكفي للمخاطرة بالإذلال وانفطار القلب والفقر والكدح الذي لا نهاية له ورفض المؤسسة المتكرر من أجل تحويل رؤية مستبعدة الحدوث إلى شيء يغير المشهد الفني للواقع.

في تقليد الحالمين ذوي الرؤية الذين تلقوا ومرروا للآخرين تجربة رمزية من الطفولة أضاءت طريقهم الإبداعي – مثل (بابلو نيرودا) واليد التي تخللت السياج، و(ألبرت أينشتاين) والبوصلة، و(باتي سميث) والبجعة والشراع الأزرق، يفتتح مثلهم (فولدز) بأول حلم يتذكره والذي حلم به عندما كان في الثالثة من عمره:

كانت أحد أوقات الغسق الرطبة في الجنوب التي عرفتها حين كنت طفلًا. أحد تلك الليالي التي كنت أتطلع فيها إلى أن يبرد الجانب السفلي للوسادة، حتى يمكنني قلبها لأحصل على شيء منعش لأريح رأسي عليه لدقيقة أو نحو ذلك. وصف الرفاق قديمًا هذا الطقس بأنه “قريب”. في حلمي كنت مع مجموعة من الأطفال وكنت ألعب في الفناء الخلفي لمنزل عائلتي في جرينسبورو في جنوب كارولينا.

أضاءت اليراعات أو “الحشرات المضيئة” كما كان يسميها الرفاق القدامى في تتابع مذهل وألقت بريقًا حول الفناء الخلفي. بطريقة ما كنت الشخص الوحيد القادر على رؤية هذه الحشرات المضيئة ولكن إذا أشرت إليها أو ألقيت بها في جرّة فسيتمكن حينها الآخرون من رؤيتها أيضًا، وقد جعلهم هذا سعيدين.

كان هذا واحدًا من تلك الأحلام التي تشبه الأفلام، أتذكر لقطة بانورامية عريضة مظللة لمجموعة أطفال، كانت أشبه بتجربة خارج الجسد فيما كنت أقف خارج اللقطة في الأمام. كان هناك ضحك مبتهج فيما كانت سماء سيينا المحترقة منقطة بحشرات مضيئة لم يستطع أحد رؤيتها حتى أريتهم إياها مشيرًا إليها. وأتذكر لقطة أخرى أقوى لوجوه الأطفال وهي تضيء فيما كنت أسلمهم الجرات المتوهجة باليراعات التي قبضت عليها داخلها. شعرت بحاجتهم إليّ وبأنني موهوب في شيء ما.
صنع الفن في أساسه هو تتبع ما يضيء لك ووضعه في جرة لتتشاركه مع الآخرين.

يتفكر (فولدز) مليا ويقول بأن الفنانين مهووسون بالسعي وراء اللمعان والضوء كما أنهم مفعمون بحيوية الدافع الذي لا يمكن كبته لمشاركة هذا الضوء مع الآخرين- ويدل على ذلك إصرار (آني ديلارد) بأن كرم الروح هو أعظم قوة تبعث الحياة في الفن. يكتب (فولدز):

نريد أن نعطي شكلًا لما نشعر به فيما نسرع خلال اللحظات في اليوم الواحد ، ما كان واضحًا ولكنه ضاع في الصخب. نريد أن نعرف أن شخصًا آخر لاحظ هذا الشكل الذي شككنا أنه كان يحوم فوق محيطنا. ونريد لهذا الشكل ووميض تجربة الحياة المشتركة أن يُحبس في زجاجة، وأن يُشغل على شاشة كبيرة، ويزين حائط غرفة معيشتنا، أو يُغنى لنا عبر مكبر صوت. إنه يذكرنا بأين كنّا وما شعرنا به ومن نحن ولماذا نحن هنا.
نرى جميعًا شيئًا يومض في السماء في وقتٍ ما ولكن يتطلب الأمر الكثير من العمل لوضع الوميض في زجاجة. ربما لهذا السبب يصبح البعض منّا فقط فنانين. لأننا مهووسون ومثاليون ومنضبطون أو طفوليون بما يكفي للخوض في كل ما هو ضروري مكرسين الحياة للبحث عن هذا الوميض المراوغ قبل كل شيء.

يجادل بأن الفنانين ليسوا مخترعين ولكنهم يكشفون عن الحقيقة والجمال فهم أشخاص “يشيرون إلى الأشياء التي كانت موجودة هناك دائمًا، والتي كانت تنّقط السماء دائمًا” جاعلينها مرئية للجميع ليتمتعوا بها. ويضيف:

مهمتي هي أن أرى ما يومض في الظلام وأن أشحذ المهارة المطلوبة لوضعه في جرة ليراه الآخرون. تلك الساعات الطويلة من الممارسة والمقاييس المملة واجتياز الألحان الميتة المخبأة خلف الأعين بحثًا عن تلك التي لا تزال تنبض بالحياة، وكل ذلك الفشل المُحبط طوال الطريق، والنقد الداخلي والآتي من الآخرين وكل الأشياء غير اللامعة التي ترافق إتقان الحرفة.  كل هذا لأجل تلك اللحظة التي ترى فيها جرة تضيء وجه شخص ما.

ولكن بالنسبة إلى (فولدز) الذي ولد لعائلة من الطبقة العاملة في الجنوب حيث كان أكثر شيوعا وقبولًا أن يصبح مقاولًا من أن يصبح ملحنًا، ربما كانت الشرارة الإبداعية ستنطفئ في وقتٍ مبكر لولا والدته. فبعد أن نشأت والدته في دار للأيتام وتميزت بنزعة إبداعية متمردة أصبحت محامية دفاع عن ميول ابنها الابداعية القوية.

وكطفل غير عادي مهووس بالموسيقى وعلم الفلك، شديد التركيز وغير قادر على التكيف مع المقاطعة كان بين الصغير يمضي ثماني ساعات في اليوم مبتهجًا أمام المسجل متأملًا كل نوتة موسيقية. وجدت جدته أن هذا الأمر مثير للقلق الشديد وأرسلته إلى طبيب نفسي للأطفال والذي اعتقد أن بين يمر بتحدٍ في نموه وأوصى بإيقافه لمدة عام أو عامين عن المدرسة. رفضت والدته التشخيص بشكل قاطع مستشعرة موهبة استثنائية لدى طفلها. وبدلًا من ذلك سمحت له بقضاء أيامه مع المسجل وبدأت تقرأ له كل ليلة لسنوات وألحقته بالصف الأول قبل أوانه بعام كامل. يكتب (فولدز) متأملًا الحادثة:

رأت فشلي في اختبار الطبيب كدليل على اتقاد مخيلتي. لقد ذكرتها بنفسها.

جلبت طفولته دروسًا أخرى من الحياة اليومية والتي ستختمر لاحقًا في جوهر أخلاقياته الفنية. تواجد في ثقافة الجنوب المهذبة بعض المتعصبين ذوي المكانة الباعثين على الأسى وكان (فولدز) بالكاد يحتمل الالتقاء بهم. ولكن تلك اللقاءات أصبحت أرضية اختبار للعلامة الأهم للفنان “التعاطف” [لكيلا ننسى لم تدخل كلمة “التعاطف” في المعجم الحديث إلا قبل قرن من الزمن لوصف الفعل التخيلي لإسقاط الذات في عمل فني] وفي الجيل الذي تلى (كارل ساجان) وضع الناس في الاعتبار ما الذي يتطلبه الأمر لتجاوز ثنائية [“نحن” ضد “هم”] وتجسير المسافة بين الإدانة والتعاطف، يكتب (فولدز) موضحًا هذا:

باحترام أكثر الشخصيات وضاعة ككائنات بشرية بمنحهم التعاطف الذي نستطيع تقديمه و وتحميلهم مسؤولية خياراتهم أيضًا. لا يمكنك حقًا إدانة الوحش لكونه وحشًا، إنه يحاول فقط أن يكون أفضل وحش يستطيع أن يكونه. بالتأكيد من الأسهل صنع صورة كاريكاتورية لشخص لا تريد أن ترتبط به ولكن كلما زاد عدد الخطوط التي يمكنك تخطيها  كلما اقتربت من الموضوع وأصبحت كتابتك للأغاني أفضل وأكثر تعقيدًا وفعالية. تعلمت من الأثرياء ماديًا إلى الأثرياء بعقولهم أن ألتقي بالناس كل واحد على حدة.

يتأمل (فولدز) هذا الدرس والذي شكّل فيما بعد عملية كتابته للأغاني:

قف في أكبر عدد ممكن من أحذية الآخرين حتى تلك التي تعتبرها بغيضة ومنفرة حتى لو كان ذلك للحظة واحدة فقط.
إذا كنت ستصبح سائحًا كن سائحًا محترمًا. لاحظ، بلّغ، تخيل وابتكر واستمتع بذلك، ولكن لا تكتب أبدًا عن شخصية أو عن وجهة نظرها لأن الجميع هم الشخص الأكثر أهمية في العالم ،على الأقل بالنسبة لذلك الشخص. ضع نفسك على قاعدة صلبة من الصدق ومعرفة الذات حتى تأتي كتابتك من وجهة نظرك الفريدة. اعلم أين تقف وما هي عيوبك، اعرف نفسك. عندها يمكنك نسج ما تشاء وكتابة كل الحكايات الطويلة التي تريد. إن ذلك فن.

أخيرًا، التعاطف ووجهة النظر هما كل شيء، ولا ينبغي أخذ أي منهما كمسلمات. في النهاية هناك دائمًا شخص ما يعتقد أنك الوحش. تذكر أن الأرض تحت قدميك يمكنها أن تتحرك ويجب أن تخضعها للتساؤل دائمًا.

هذا السؤال حول كيفية تثبيت الذات بحزم على “أساس الصدق ومعرفة الذات” هو أمر أساسي لسعي المرء لإيجاد هدفه الإبداعي وتوجهه، أو ما يسميه (فولدز) “الصوت الفني” ويكتب عنه قائلًا:

ما أقصده بالصوت الفني هو بصمة الإبهام الفنية  أي الأشياء المتفردة التي تجعل الفنان فريدًا. إنه ليس علمًا دقيقًا والعثور عليه هو عملية مؤلمة دائمًا. أعتقد أن الأمر يجب أن يكون متعلقًا بالاقتطاع. إنها ليست مسألة طهي شخصية أو أسلوب بقدر ما هي نزع ما يغطي الجوهر وبما هو موجودٌ من الأساس هناك.

يكتب (فولدز) بما يتماشى مع النظرة الثاقبة لعالم الأعصاب الكبير (أوليفر ساكس) حول دور التقليد الحاسم لتطوير الأصالة: 

في بعض الأحيان الأصالة هي مجرد النصوج والانتهاء من مرحلة التقليد. يمر معظم الفنانين بفترة يشبهون فيها موسيقييهم المفضلين، وبمجرد أن يتعلموا من ذلك سيمكنهم النضوج وتجاوز ذلك. في بعض الأحيان يكون الاقتطاع هو التخلص من فكرة خاطئة حول كيفية أداء الموسيقى في الحقيقة أو كيفية صنع الفن. أيًا كان ما ستقتطعه فإن الصوت الفني الذي ستكتشفه سيكون في الوضع المثالي شيئًا لم تره أو تسمعه من قبل.

يكتب (فولدز) مرددًا صدى (نيتشه) الذي أصر قائلًا “لا أحد يستطيع أن يبني لك الجسر الذي عليك أنت فقط أن تبنيه لتعبر نهر الحياة”:

هذا البحث المستحيل عن الصوت هو في النهاية حول أن تكون نفسك. إنه صدق النفس.  وفي تلك اللحظات التي يظهر فيها الصوت الفني وجهه، سيصعب تخيل ما كان صعبًا جدًا في عملية العثور عليه. ولكن يصعب حقًا الوصول إليه. إضافة إلى التحدي المتمثل في البحث عن شيء لا يوجد لديك مثال سابق عليه.
ما يجب أن يقدمه الفنان واضح بالنسبة لأي شخص سوى الفنان نفسه. ليس من العمق الرهيب أو التجريد القول بأن الطريقة التي نسمع فيها صوتنا الناطق فيما يتردد صداه في جمجمتنا  هي ليست ذات الطريقة التي نسمع فيها أصوات الآخرين. لن نحصل أبدًا على فرصة الالتقاء بأنفسنا كما يلتقي بنا الآخرون. الأمر ذاته ينطبق على الصوت الفني، إنه شيء تشعر به في الظلام.

(حلم حول حشرات مضيئة) هو كتاب ممتع في مجمله، يضيء عناصرًا من حياة (فولدز)، الكرم الغامر لأحد كبار السن من عازفي البيانو الذي اكتشف موهبة نادرة لدى المراهق الوغد، والغباء الحصري لحب الشباب، والولادة المنظورية لأطفاله، وتجربة الاقتراب من الموت والتي تتضمن طائرة وسرقة  وكارثة في الأسنان، جمع دروس ثرية عرضت دون قصد حول حياة الفن وفن الحياة. [الكتاب الصوتي مبهج بالتحديد لأن (فولدز) يرويه بنفسه وهو مزين ببعض المؤثرات الصوتية والمقاطع الموسيقية ويضم مفاجئة ساحرة من قبل (أماندا بالمر)].


[المصدر]

تطوّر معنى “الأدب” في اللغة العربية

في كتاب (التوجيه الأدبي)، والذي قام بكتابته عدد من الأدباء والمفكرين العرب في القرن الماضي، وهم (طه حسين) و(أحمد أمين) و(عبدالوهاب عزام) و(محمد عوض محمد)، تطرّق المؤلفون إلى تعريف كلمة “الأدب” وتطور معانيها الخاص والعام، في اللغة العربية.

دلّت مادة الأدب منذ أقدم العصور العربية الإسلامية على معنيين مختلفين ولكنهما مع ذلك متقاربين. الأول؛ رياضة النفس بالتعليم، والتمرين على ما يُستحسن من السيرة والخُلق. والثاني؛ التأثر بهذه الرياضة والانتفاع بها واكتساب الأخلاق الكريمة واصطناع السيرة الحميدة.

فالأب الذي يأمر ابنه بالخير وينهاه عن الشر ويحمله على ما يُستحسن ويرده عمّا يُكره مؤدِّب لابنه. والابن متأدب بأدب أبيه.

طرأ تغيير مهم بعد ذلك في القرن الأول للهجرة، أو كما يصفه المؤلفين:

ثم تطوّرت هذه الكلمة بعض الشيء فاستُعملت بمعنى التعليم، وأصبح لفظ المؤدب يرادف لفظ المعلِّم الذي يتخذ التعليم صناعة ويكسب به رزقه عند الخلفاء والأمراء ووجوه الناس. وأصبح لفظ الأدب يدل على ما يلقيه المعلم إلى تلميذه من الشعر والقصص والأخبار والأنساب وكل ما من شأنه أن يُثقف نفس الصبي ويهذبها ويمنحها حظًا من المعرفة.

وغلب استعمال كلمة الأدب والتأديب بهذا المعنى أثناء القرن الأول للهجرة، في كل ما من شأنه التثقيف والتهذيب من أنواع العلم ما عدا العلوم الدينية؛ فقد كان المسلمون يعنون بها عناية خاصة تقوم على التحفظ في روايتها عن رجال وقفوا أنفسهم على ذلك من الصحابة والتابعين. بحيث كان للمسلمين في ذلك العصر نوعان من الثقافة؛ إحداهما دينية وهي القرآن والحديث وما يتصل بهما، والأخرى غير دينية وهي الشعر والأخبار والأنساب وما يتصل بها، وهذه الأخيرة هي التي كانت تسمى أدبًا.

ومن ثم تغيّرت دلالة الكلمة في القرن الثاني والثالث:

فلما كان القرن الثاني والثالث، نشأت علوم اللغة العربية ونمت واستقلّت بأسمائها؛ فكان النحو والصرف واللغة، وأصبح الأدب يدلّ على الكلام الجيد من المنظوم والمنثور، وما كان يتصل به ويفسره من الشرح والنقد والأخبار والأنساب وعلوم اللغة العربية. وأُلّفت في الأدب بهذا المعنى كتب معروفة مشهورة منها كتاب (الكامل) لـ(أبي العباس محمد بن يزيد المبرد)، وكتاب (البيان والتبيين) لـ(أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ)، وكتاب (طبقات الشعراء) لـ(محمد بن سلام)، وكتاب (الشعر والشعراء) لـ(ابن قتيبة).

تُختتم المقالة بعد ذلك بتحديد معنيين لكلمة “الأدب”:

ومن هنا نستطيع أن نقول إن لكلمة الأدب معنيين مختلفين؛ أحداهما الأدب بمعناه الخاص، وهو الكلام الجيّد الذي يُحدث في نفس قارئه وسامعه لذة فنية سواء أكان هذا الكلام شعرًا أو نثرًا. والثاني الأدب بمعناه العام، وهو الإنتاج العقلي الذي يصوّر في الكلام ويُكتب في الكتب. فالقصيدة الرائعة، والمقالة البارعة، والخطبة المؤثرة، والقصة الممتازة؛ كل هذا أدب بالمعنى الخاص؛ لأنك تقرؤه أو تسمعه فتجد فيه لذة فنية كاللذة التي تجدها حين تسمع غناء المغنّي وتوقيع الموسيقى، وحين ترى الصورة الجميلة والتمثال البديع. فهو إذًا يتصل بذوقك وحسّك وشعورك ويمسّ ملكة تقدير الجمال في نفسك. والكاتب في النحو أو في الطبيعة أو في الرياضة أدب بالمعنى العام، لأنه كلام يصوّر ما أنتجه العقل الإنساني من أنواع المعرفة، سواءً أحدث في نفسك أثناء قراءته أو سماعه هذه اللذة الفنية أو لم يحدثها.

لقاء مجلة (الثقافي) الاسبانية، مع الروائي أمين معلوف

أمين معلوف، ولد في لبنان ويعيش في فرنسا منذ سنة 1976، كتب العديد من الروايات وترجمة أعماله إلى سبع وثلاثين لغة.

ننقل لكم، ترجمة حصرية لنص الحوار الذي نشرته مجلة ” الثقافي (El cultural) مع الكاتب اللبناني (أمين معلوف)، والتي قابله فيها الصحفي (أندريس سيوان).

خلاص البشرية يمر عبر استعادة أيديولوجية عالمة.


نشر الكاتب اللبناني (أمين معلوف) (غرق الحضارات)، وهو دراسة دقيقة وواضحة، يبدأ من غروب العالم العربي، ليصل إلى نهاية أيديولوجيات القرن العشرين والانزلاق المدمر الذي وصل إليه في كل جهات وثقافات الكوكب.

بعدد مرور كل عقد من الزمن، و لمدة 30 عام، يطل الكاتب والأكاديمي (أمين معلوف) على هاوية الذاكرة وعلى المقاطع المأساوية للتاريخ الحديث للخوض في قراءة مريرة للماضي في محاولة لفهم التأسفات على الحاضر وخصوصا تحديات المستقبل. إذا كان الكاتب اللبناني في عام 1998 توقّع في كتاب سابق (الهويات القاتلة) وجود قومية فاعلة سياسية بارزة اليوم، وفي عام 2009 توقف عند اضطراب العالم من خلال فقدان القيم اليوم بلا منازع، فهي الآن تعتبر مواضيع الساعة مثل الآلية، الذكاء الاصطناعي، التدهور البيئي، التطرف الإسلامي والخطر الذي يتربص بالمشروع الأوروبي وهذا ما يملأ صفحات (غرق الحضارات) الصادر عن دار النشر Alianza.

انطلاقًا من ذكريات طفولته وعائلته، والتي تبدأ عند نهاية العالم العربي الاستعماري، والتي أثارها الأدب السكندري العالمي  لـ(قسطنطين كفافيس)، أعظم شعراء اليونان المعاصرين، و(أونغاريتي)، الشاعر الإيطالي المولود بالإسكندرية 1888، يتتبع الحائز على جائزة أمير أستورياس (2010) رحلة مثيرة وعاطفية عبر “التاريخ الكارثي للعالم العربي في النصف الثاني من القرن العشرين”. انطلاقا من  حلم لبنان المجهض في شبابه، إلى الجهادية اليوم، مرورا عبر مصر العربية الناصرية أو الثورة الخمينية الإسلامية، التي كان شاهدا عليها، يحلل (معلوف) العواقب المأساوية للصدام الحضاري الذي تنبأ به (صموئيل هنتنغتون) الذي نشهده اليوم. دون أن يغفل تحديات المستقبل: “رغم أن غرق مجتمعاتنا هو شيء واقع لا محالة، البشرية لن تسمح بزوال كل الإنجازات التي تحققت”.


في منتصف القرن العشرين، تبنت العديد من الدول العربية، بقيادة مصر (جمال عبدالناصر) قومية اشتراكية أو شيوعية، لماذا فشل هذا النموذج ومعه مفهوم العروبة؟

إنها قضية معقده، ولكن بشكل عام، فشلت النزعة القومية العربية من وجهتين. السبب الأول هو أنه بنت نفسها على المعركة ضد الغرب، وهذا شيء طبيعي تماما، لأن المستعمرين كانوا الغربيين، ولكن ذلك دمر التعايش. السبب الثاني أنها اعتمدت على النموذج السوفياتي، والذي، كما راينا في وقت لاحق في U.R.S.S. نفسها، لا يمكن إلا ان تفشل. فقد أفلست سياسيا لأنها كانت تقوم علي السلطوية وتقييد الحريات، واقتصاديا لأنها كانت تقوم علي شكل مركزي وبيروقراطي للغاية على اشتراكية غير فعاله للغاية. واضطرت قوى التغيير في العالم العربي إلى اعتماد نموذج معطل، فعانت من عواقب هذا الاختيار.

ومع ذلك، فان هذا النموذج لم يكن هو السبيل الوحيد. تتذكرون في كتابك (لبنان) عندما كنت شابا، و الذي كان مثالا على تعايش متعدد الأعراق والطوائف، لماذا فشل هذا النموذج في وقت كان بإمكانه أن يكون منارا في المنطقة؟ هل كانت قوة هذا التكامل هي سبب ضعفه؟

إن فشل التجربة اللبنانية يرجع إلى عوامل مختلفة تماما، وكذلك مضادة. وما كان كارثيا بالنسبة للبلاد هو انها أرادت تنظيم علاقات بين مجتمعاتها العديدة بطريقه مشروعة فقط علي الورق، ولكنها في الواقع كانت مضرة تماما. كان النموذج يريد الاعتراف بوجود مختلف المجتمعات المحلية، وأعتقد أن ذلك لا غنى عنه، ولكن الطريقة التي تم بها ذلك، مع نظام التحصيص، في دولة مركزية ضعيفة عانت بشكل متزايد من ضغوط قوية من طرف كل الجماعات، كل ذلك أدّى إلى الفشل بعدم القدرة علي بناء شعور حقيقي من الانتماء، والولاء الوطني. وبعد عقود من الحرب، نشهد اليوم ظاهرة في شوارع بيروت، وهي ثورة ضد هذا الوضع الراهن. يحتج الناس علي انهم انقسموا إلى مجتمعات محليه وتم استغلالهم، وآملُ ان يؤدي ذلك إلى تغيير كان ينبغي أن يحدث قبل 40 سنة.

في 1967، كانت بداية نهاية العالم العربي ذو الاتجاهات التحديثية، ماذا كان دور الحرب مع إسرائيل والهزيمة التي تلتها؟

كانت حرب 67 بداية لنهاية قومية عربية سعت رغم انها ليست علمانية بحتة، إلى تحقيق المساواة بين جميع الطوائف وفصل الدين عن الحياة السياسية. ومنذ ذلك الحين، أصبحت النزعة القومية تستند أساسا إلى الدين، وكان الصراع بين العرب والإسرائيليين عاملا حاسما في هذا التطور، لأنه كان ذريعة لجميع أولئك الذين لا يريدون تغييرا حقيقيا. ولكن الأخطر من الصراع نفسه هو السبيل للرد عليه. في كتابي أتحدث عن حالات مثل كوريا الجنوبية، والتي لما يقرب من 70 تواجِه تقسيم البلاد مع ديكتاتورية شيوعية محطمة في الشمال والتي تجعلهم في خطر الحرب الدائمة. ولكن هذا لم يمنعهم من الحسم بأن الأولوية هي التنمية والتعليم والتقدم … مشكلة العالم العربي هي اننا لم نقل في اية لحظة سنحرز تقدما و سنري كيف نحل هذا الأمر. كان هناك هاجس مشلول للغاية و مُفقرٌ مستمر حتى اليوم.

منذ تلك السنوات بدأ العالم العربي ينجرف تدريجيا نحو الأصولية، ولكن كيف وصل مِن “زمن الخليفة الحكم” – تعبير لـ(جمال عبد الناصر)- إلى هذا العالم العربي التقليدي والراديكالي الذي نراه اليوم ؟

حتى الستينات من القرن العشرين، كانت الحركات الإسلامية تقريبا غير موجودة وبدون أدني تأثير علي الحياة السياسية والاجتماعية. كان النجم اللامع هو (عبد الناصر) والأيديولوجية المسيطرة هي القومية العربية. الحقيقة أن (عبدالناصر) كان ذو نفوذ كبير في المنطقة، ولقرون، عانت المنطقة من فشل يوازي هزيمة 67، كل ذلك أدى لتشويه العروبة كرد فعل، وعادت المصداقية للحركات التي عانت كثيرا من (عبدالناصر).

وفي رأي (معلوف)، منذ 1977/1978 هذه الإسلاموية أضحت من الصعب إيقافها، عندما جاءت تلك الحركة إلى السلطة في بلد كبير وقوي مثل إيران وعندما اندلعت الحرب الافغانية الأولي، حيث ولدت الجهادية التي كانت في ذلك الوقت  ضد الاتحاد السوفيتي ومن ثم ، قليلا قليلا، أصبحت “ضد الغرب”. دورة من الأحداث التي كان يمكن التنبؤ بها والتي  يوجه فيها الكاتب اللوم لجميع الأطراف علي قدم المساواة. “ساهم السوفييت في تدخلهم الأخرق وغير المنتظم في أفغانستان، وكذلك الغربيين، وخاصه الأميركيين، من خلال تشجيع الجهاد لمواجهة الاتحاد السوفياتي”.

حول الجهاد الحالي، يرى (أمين معلوف) أنه رغم هزيمة الدولة الإسلامية  “يمكن بزوغ حركات جديدة من نفس النوع، فهذه الجماعات المتطرفة، غالبا ما تكون مستعملة من أطراف أخرى لأهداف سياسية”. لكن يعتقد الكاتب الأكاديمي أن الغرب أعطى أهمية مبالغ فيها لهذه المجموعة.

“لقد سقط الغرب في فخ الوهم الذي أوجدته تلك الحركة، التي اتخذت اسما مزيّفا جدا، كما لو كانت خلافة أو دولة، وهذا أمر سخيف. انها ببساطة جماعة راديكالية، شبيهة بتنظيم القاعدة، والتي بسبب عدم استقرار العراق وسوريا استقرت في أحد أقاليم البلدين. وأعتقد ان الغرب قد أعطاها الكثير من الأهمية ليتكون قادرة علي إعلان انتصار ما في يوم من الأيام “.

سنة 1979، سنة لها أهمية داخل كتابك، السنة التي تُسمي بالثورة المُحافِظة. ماذا يمثل لك أشخاص كـ(آية الله الخميني) أو (مارغريت تاتشير)؟ وأي عالَم ظهر حينئذ؟  

ظهر العالم الذي ما زلنا نعيشه الآن، والذي تشكلت احداثه منذ 40 سنه مضت، تزايد التطرف الإسلامي وادعاءات الهوية، كما تجلي منذ ذلك العام، وخاصة بعد الثورة الإيرانية، أصبحت يوما بعد يوم عاملا رئيسيا في راس المال السياسي. وعلاوة علي ذلك، ننظر إلى (تاتشر)، ومن ثم (ريغان) في الولايات المتحدة ، وصعود الليبرالية اقتصاديا وسياسيا والحركات المحافظة والقومية التي بدأت منذ ذلك الحين حيث لا يمكن وقفها، والآن نفس الدور يظهر في الهند والبرازيل وإيطاليا والمملكة المملكة المتحدة ، الولايات المتحدة…

كما تشير إلى ذلك، وخارج العالم العربي، فإن الغرب أيضا قلق. علي سبيل المثال، كنتَ قد حذَرتَ منذ سنوات، مع الجبهة الوطنية، أن الشعوبية السياسية الأوروبية ليست أمرا عابرا، لماذا تجذَّرَت إلى هذا الحد؟

أعتقد ان العامل الحاسم في ظهور الحركات الشعوبية وديمومتها هو تصور وجود تهديد. تهديد اقتصادي واجتماعي، وخاصة خطر قادم من العالم العربي. التهديد الذي يمكن ترجمته في أعمال العنف الإرهابية، والهجرة الجماعية، وهذا هو الشيء الأول الذي يغذي صعود السياسيين الشعبويين. وبما ان هذه ليست ظواهر عابرة، حيث ان الوضع في العالم العربي لا يبدو انه سيستقر في العقود المقبلة، فإن غذاء الشعبوية الغربية سيظل موجودا لفتره طويلة.

الوجه الأكثر مرارة لهذه المشكلة هو أزمه اللاجئين. كنتَ مهاجرا من دولة عربيه كانت تعيش في حرب أهلية، هل خانت أوروبا قيّمَها ؟

بمعنى آخر، صحيح انه في هذا العصر الذي حققت فيه الإنجازات التقنية تحسينات لا يمكن تصورها، أصبح العالم أكثر انغلاقا مما مضي. وهذا نتيجة للشعور السالف الذكر بالتهديد، وأيضا لسقوط نعمة القيم التقليدية لليسار الغربي، وخاصه الاوروبي، التي هو بالتأكيد في أزمة. فكرة العالمية واحترام تنوع الثقافات التي جعلت من أوروبا بوتقة انصهار الأجناس التي كانت في العقود الأخير، قد اختفت لصالح الرأسمالية التي بعد اختفاء الشيوعية أبانت عن أسوأ وجه لها، والأكثر استغلالا للإنسانية، وهذا أمر يحتاج إلى تغيير ولا يمكن أن يحصل إلا من خلال الضغط الداخلي للراي العام.

الاتحاد الأوروبي نفسه، مفهوم أوروبا، معرض للخطر، كما نراه الآن بخروج  بريطانيا من “البريكست”، لماذا يتجه العالم بأسره نحو التجزؤ، لماذا نعود إلى القبيلة ؟

إن هذه ظاهرة عالمية، واعتقد ان السبب الرئيسي يكمن في اختفاء النقاش الفكري بين الرأسمالية والشيوعية الذي حدد جزءا كبيرا من القرن العشرين. وقد اُستعيض عن ذلك بادعاءات الهوية الساخطة والعنيفة في كثير من الأحيان والتي تُجزِّئ جميع المجتمعات، وهذا تراجع أخلاقي وفكري. وفي أوروبا فإِن ما تحقق بعد الحرب العالمية الثانية، كان أكثر دراماتيكية، بحيث كان مشروع الاتحاد الأوروبي هو الأكثر جمالا الذي أنتجه العالم في القرن الماضي. ويجب أن ينتصر. من أجل ذلك ينبغي اتخاد قرارات حاسمة، مثل المدى الذي ستُدمج فيه البلدان ودورها في العالم. وقد يدرك الناس والقادة ذلك ويسعون إلى تحويل المؤسسات، لكنها ستكون عمليه طويلة ومعقدة.

تختتم الكتاب بالتحذير، وان كان مع لهجة من الأمل، فالأخطار المختلفة هي أكثر في الحاضر من تلك المستقبلية، مثل الآلية، وتغير المناخ، والذكاء الاصطناعي… هل مازال ممكنا العودة إلى الطريق الصحيح ؟

أرى أنه من المستحيل تجنب فترة من الاضطرابات، والتي اسميها غرقاً. سيحدث، نعم، ولكن بعدها يجب البناء، لن يكون ذلك نهاية العالم. إذا فكرتُ في شعوري العميق، أود ان أقول اننا سنمضي فترة صعبة للغاية ولكننا سنستعيد عافيتنا وسنحاول بناء الأشياء علي أسس أفضل. نحن بحاجه إلى البقاء هادئين، لأنه يتعين علينا بناء عالم قادر علي العمل. ليس ثمة حلول إعجازية، لكن ينبغي التفكير في طرق جديدة للتعايش، وهو أمر مُلزم لنا. ليست هناك عوالم أخرى من غير عالمنا هذا لنتقاسمها، لذا ينبغي تنظيم العيش بيننا. وهذا ليس سهلا، ذلك يتطلب الاحترام المتبادل ورؤية للإنسانية والهوية تحتاج إلى عمل أكثر. كما يتوجب علينا ان نحاول استعادة أيديولوجية عالمية، شيء يضم جميع الحضارات كما فعلت في السابق الاشتراكية والشيوعية، دون السقوط في مطابتهما. انه عمل هائل ينتظرنا، وقبل كل شيء، مفتوح للأجيال الشابة، التي ستعيش في السنوات  الأربعون أو الخمسون المقبلة.


[المصدر]

 

قصة حياتي: كيف يشكل السرد شخصياتنا؟

 

 هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

في رواية (بول مورّاي) (سكيبي يموت) تجيء لحظة يعاني فيها بطل الرواية (هاورد) من أزمة وجودية فيقول: “ليست هذه الصورة التي تخيلتها لحياتي”. 

فيرد صديق: “ما الذي توقعته؟”

يتأمل (هوارد) السؤال: “أعتقد- يبدو هذا أحمقًا- لكني أظن أنني اعتقدتُ بوجود منحنى سردي أكثر في حياتي”.

لكن هذه الفكرة ليست حمقاء على الإطلاق. بالرغم ربما من حقيقة أن حياة الواحد المعروضة منذ بدايتها حتى نهايتها لن تمثل سردًا لمراقبها من الخارج، إذ أن الطريقة التي يختارها الآخرون لقص حكاية حياتهم للآخرين والأهم لأنفسهم لا تتبع دومًا تقريبًا منحنى سردي. فحين تروي قصتك فيما أصبحت وفيما كنت قبلها تصبح القصة بذاتها جزءً من هويتك.

يكتب (دان مكادمز) بروفسور علم النفس في جامعة نورث ويتسرون مشاركًا (إريكا مانزاك) في فصل لدليل الشخصية وعلم النفس الإجتماعي لجمعية علم النفس الأمريكية:

لا تعكس قصص حياة الواحد شخصيته ببساطة. هذه القصص هي الشخصية، أو بدقة أشد هي الأجزاء المهمة من الشخصية بالإضافة إلى الأجزاء الأخرى كالسمات المزاجية، الأهداف، القيم.

في مجال علم النفس السردي ليست قصة حياة الشخص سيرة ذاتية على موقع ويكيبيديا تتضمن الحقائق والأحداث التي حصلت فيها، لكنها الطريقة التي يجمع فيها الشخص بين هذه الحقائق والاحداث في داخله، كيف ينتقيها أجزاءً ثم يعيد نسجها ليكون لها معنى. يصبح هذا السرد شكلًا من أشكال الهوية: فالأشياء التي يختارها ليضمنها في القصة، والطريقة التي يرويها فيها يمكن أن تشكل هويته وتعكسها. ليست قصة حياة الشخص محض إخبارٍ بما حدث، بل هي تطرح سبب أهميته، وما تعنيه لما عليه الشخص الآن، ولما سيصبح عليه، ولما سيحدث بعدها.

يقول (جونثان أدلِر) الأستاذ المشارك في علم النفس في كلية أولين للهندسة:

أحيانًا في حالات التوحد الحادة لا يشكل المصابون بناءً سرديًا لحيواتهم، لكن النمط الافتراضي لإدراك الإنسان هو النمط السردي.

حين يتحدث الأشخاص للآخرين عن أنفسهم عليهم تقريبًا أن يحكوها سردًا، إنها الطريقة التي يتواصل بها البشر. لكنهم حين يفكرون بحيواتهم بينهم وبين أنفسهم فدومًا ما يسلك ذلك منحنى سرديًا، بحبكة تسير من نقطة إلى أخرى. وهناك مثل مأثور يقول بأن داخل كل شخص كتاب. (كريستوفر هيتشنز) قال مرة: الداخل “هو بالضبط أينما أظن يجب أن يظل في معظم الأحيان”. هل هناك أي شخص في هذا العالم بقصة حياة ليست على شكل قصة أبدًا، ولكنها أقرب لكونها تمثيل مفكك غير تقليدي لوجوده؟

تقول (مونيشا باسباثي) برفسورة علم نفس التنموي في جامعة يوتا: “يستحيل تقريبًا التطرق لهذا السؤال من ناحية علمية”. فحتى لو كنا “حيوانات حكاءة” كما أسمانا (جونثان غوتشل) فما الذي يعنيه هذا من شخص لآخر؟ إذ أن الأمر لا يتمحور فقط حول الاختلافات الفردية في الطريقة التي يفكر بها الأشخاص بقصصهم، بل هناك اختلاف شاسع في الدرجة التي ينخرطون فيها في القص السردي أصلًا.

تقول (كايت مكلين) الأستاذ المساعد في علم النفس في جامعة ويسترن واشنطن: “يكتب البعض في مذكراتهم مستبطنين لذواتهم متعمقين فيها، والبعض الآخر ليس كذلك إطلاقًا”. فرغم أن عادة التدوين المستمر هي طريقة لتوثيق قصة الحياة لكنها لا تشكل دومًا سردًا عميق الانفعال. حين أجريتُ منذ عدة شهور مقابلة مع الكاتبة (سارة مونقوسو) والتي داومت على تدوين يومياتها لمدة خمس وعشرين سنة وما زالت أخبرتني: “لم يكن السرد يومًا أسلوبًا تسرب إليّ بيسر”.

بيد أن جميع الباحثين الذين تحدثت معهم كانوا مقتنعين بأنه ولو لم تكن الفكرة عالمية متعارف عليها بنسبة 100% فإنها تظل على الأقل شائعة جدًا.

تقول (باسباثي):

أعتقد أن جميع البالغين الطبيعيين السلميين يشتركون في قدرتهم جميعًا على تكوين قصة حياة. يمكنهم جميعًا جمع الأجزاء وتكوينها… فلنحظى بعلاقات علينا جميعًا أن نحكي أجزاءً من قصتنا. ولذا من الصعب أن تكون إنسانًا وتنخرط في علاقات دون أن يكون لك نسخة من قصة حياتية تطفو حولك.

لكن الحياة نادرًا ما تتبع في سيرها التعاقب والتوالي المنطقي الذي تتبعه معظم القصص -القصص الجيدة- حيث تجتمع القرائن كلها، وحيث تُطلق الأسلحة المتروكة على رف الموقد في اللحظات المناسبة، ولا الذروة التي تظهر في المشهد الثالث. لذا يبدو السرد طريقة تأطير متناقضة للفوضى الحياتية لحين تذكرك لمنبع القصة مصدرها في الأساس. وفي النهاية فإن المادة الوحيدة التي استطعنا يومًا أن نخلق منها قصصًا هي خيالنا والحياة نفسها.

إذًا حكاية القصص خيالية كانت أم لا، واقعية أو تعج بالتنانين هي طريقة لجعل العالم من حولنا منطقيًا ذو معنى.  

يقول (أدلِر):

الحياة معقدة للغاية، يحدث الكثير والكثير طيلة الوقت في محيطنا وفي حيواتنا، ولنشبث لتجربتنا ونحفظها علينا جعلها ذات معنى، والسبيل إلى ذلك هو بهيكلة حيواتنا قصصًا وحكايا.

إنه التزام صعب، فالناس يحوون بين جنباتهم جموعًا وأعني بالجموع مكتبات. فلربما كان لأحدهم سردٌ حياتيٌ جامع شامل لكل حياته، وقصصٌ مختلفة بسرد مختلف لحياته، وظيفته، حياته العاطفية، عائلته، إيمانه. ولربما كان داخل كل قصة قصصٌ أخرى تتقاطع، تتضارب أو تتضاد مع الأخريات، وكلها محشوة بقصصٍ أدق لأحداث معينة. وليكون قصة حياته عليه أن يتبع ما يسميه الباحثون “استخلاص السيرة الذاتية” لكل الأحداث كما كتب (مكادمز) و(مانزاك):

تمييز الدروس المكتسبة والخبرات المكتسبة من الحياة، وتحديد التطور والتحسن خلال تعاقب الأحداث، وإظهار مدى دقة المراحل الحياتية في تصوير الحقائق الدائمة عن الذات.

كما يُضيف (مكادمز):

لا يُفترض بالقصص أن تكون بسيطة جدًا كالقصص الخيالية، يمكنها أن تكون معقدة، يمكنها أن تكون كروايات جيمس جويس هناك على أرض الواقع.

إذا كنت حقًا كـ(جيمس جويس) فلربما هناك العديد مثله. إذ يحصد الناس القصص المحيطة بهم -الحكايات الخيالية، مقالات الصحف، نوادر العائلة الملفقة- ومن ثم يتماهون معها ويقتبسون منها بينما يصوغون مفاهيمهم وتصوراتهم الذاتية الشخصية. يشبه الأمر شريط موبيوس: القصص هي الحياة، الحياة هي القصص.

إلا أن الناس لا يدونون حياتهم منذ ولادتهم، إذ تستغرق القدرة على صياغة السرد الحياتي زمنًا لأن عملية النمو تمنح الأولوية لممارسات أخرى كالسير والتحدث وإدراك وجود الأشياء وملاحظتها. ويمكن للأطفال رواية قصصٍ عن أحداث بعينها بإرشاد ومساعدة، بينما تخصص معظم فترة المراهقة لتعلم:” ما يُضمن في القصة.. وما يجعل القصة جيدة في المقام الأول” وفقًا لـ(باسباثي)، وإذ تتابع: “لا أعلم كم من الوقت قضيتِ بصحبة الأطفال إلا أنهم لا يدركون حقًا هذه الأفكار. عندي طفل يمكنه أن يحدثك لمدة ساعة كاملة عن لعبة ماين كرافت”. إذ يتعلم الأطفال من الأصدقاء والعائلة والأدب ما يعنيه أن تكون حكاءً جيدًا، ولهذه القدرة على حياكة قصصٍ مدهشة وجيدة قيمة اجتماعية.

يبدأ تعلم صياغة القصص الحقيقي في السنوات الأخيرة من المراهقة والسنوات المبكرة من النضج؛ لأن الأدوات الإدراكية التي يحتاجها الأشخاص لخلق قصة حياتية متسقة ومتماسكة تكون حينها نمت وتطورت. وتتضمن هذه الأدوات التناسق والتماسك السببي أي القدرة على وصف كيف أدى حدث إلى آخر، والتناسق والتماسك الموضوعي أي القدرة على تحديد القيم الشاملة والرئيسية و تعزيز التجدد والتكرار خلال القصة. توصلت دراسة تحلل قصص الحياة لأشخاص بعمر الثامنة، الثانية عشر، السادسة عشر، والعشرين إلى أن أشكال التناسق المضمنة في القصة تزيد بتقدم العمر. وباقتراب القصة الحياتية من فصولها الأخيرة لربما أصبحت محددة أكثر لا تتغير، ففي دراسة لـ(مكلين) تمتع البالغون الأكبر سنًا بدرجة أعلى من التناسق الموضوعي، وحكوا قصصًا أكثر عن الاستقرار، بينما نزع البالغون الشباب والأصغر إلى رواية قصص أكثر عن التغيير.

يعتقد (مكادمز) بأن هذا التطور والنمو ناتجٌ عن تقسيمات الجوانب الثلاث للذات. فالبشر منذ الولادة تقريبًا “ممثلون، لهم سمات شخصية، يتفاعلون مع العالم، لهم أدوارٌ محددة عليهم أن يؤدوها: الابنة، الأخت، طفل الجيران المولود حديثًا والذي سيبكي طيلة الليل ويبقيك مستيقظًا. وحين يبلغون العمر المناسب ليحددوا أهدافهم ويختارونها يصبحون مفوضين، وتظل لهم أيضًا أدوارٌ ليؤدوها ويتفاعلون مع العالم، ولكنهم يتخذون قراراتهم على أمل أن يحصلوا على النتائج المرغوبة. أما التقسيم الأخير فهو المؤلف أي حين يبدأ الأشخاص بحزم أفكارهم عن المستقبل وفرزها بخبرتهم من الماضي والحضر وتحويلها إلى سرد ذاتي.

يمكن أن يشرح هذا المسار التطوري السبب لاستمتاع الأشخاص بأنواع مختلفة من القصص الأدبية والخيالية في أعمار مختلفة. يقول (مكادمز): “حين تكون طفلًا يتمحور اهتمامك في مجمله حول الحبكة، سيحدث هذا وسيحدث ذلك. ولا تكون متماشيًا مع فكرة أن الشخصيات ستتطور”. ولذا على الأرجح لا تعتق جاذبية الشخصيات الكرتونية ولا تكبر.

مؤخرًا قرأ نادي قراءة (مكادمز) رواية (إيثان فروم) للروائية (إديث وارتون) يقول عن ذلك:

قرأتُ الرواية في المدرسة الثانوية وكرهتها، كل ما يمكنني أن أتذكره عنها هو تلك المزلجة التي اصطدمت بالشجرة. ومؤخرًا قرأنها في النادي ويا للعجب إنها مذهلة. اصطدمت المزلجة بالشجرة نعم ولا شك أنه مشهد مهم، ولكن كيف غيرت هذه الحادثة حيوات الأشخاص والمأساة الناتجة عن هذا كله فُقدت كلها حين كنتُ في الثامنة عشر من عمري. ما يُفقد في الثامنة من العمر يُسترجع في الأربعين، وما يحس ذو الثامنة من عمره بأنه قهري وممتع سيدفع ذي الأربعين من عمره للبكاء يومًا ما.

وكاختلاف الأذواق في الكتب أو الأفلام فإن القصص التي نخبرها لأنفسنا عن أنفسنا متأثرة بأكثر من ذواتنا في حقيقة الأمر. إذ يبدو أن الطريقة التي يسرد فيها الأشخاص تجاربهم للآخرين تُشكل الطريقة التي ينتهون فيها لتذكر الأحداث. ووفقًا لبحث (باسباثي) يحدث هذا بعدة حالات، إحداها أن الأشخاص يواءمون القصص لتتناسب مع السياق ومع مستمعيهم. فمثلًا أنا أروي الآن قصة الحادث الذي أصبت فيه سيارتي والدتي بالضرر الآن لأصدقائي باختلاف كبير عما قلته لأمي حين الحادث أي ببكاء أقل.

  أما الحالة الأخرى هي أن فعل الرواية هو تدربٌ على القصة كما تقول (باسباثي): “ويقوي التدرب على القصة الروابط بين بضع معلومات موجودة في عقلك عن القصة ويضعف الروابط بين معلومات أخرى. لذا تصبح الأحداث التي أخبرك بها أقرب إليّ وأيسر في تذكرها واسترجاعها. ولربما كان هذا التأثير دائمًا ثابتًا”. لذا حين يلقي أحدهم بطعم الجملة المعسولة ما هي قصتك؟” في الحانة، فإن ذلك يكون لمسًا للوتر الحساس فينا كرجلٍ شق شريانه السباتي بينما كان يحلق لحيته.

لكن وكما لرواية قصصنا عواقب فهناك عواقب لعدم روايتها. فإن خشي أحدهم من الكيفية التي لربما تفاعل بها الناس مع قصته وأبقاها لنفسه، فإنه أقرب لتفويت الإثراء الناتج عن تبادل المحادثات. تعلق باسباثي على هذا فتقول: “لربما منحك السامع جانبًا آخر لما ترويه لتفكر به، أو لربما اعترف بأن ما تعتقد أنه حملٌ ثقيل وهم ما هو إلا أمرٌ يسير في حقيقة الأمر”. وإن أنت لم تتحدث تتابع (باسباثي) قائلة: “فإن ذاكرتك لربما أصبحت أقل مرونة فيما يخص هذا الحدث وضاءلت فرصتك بالنمو والتحسن”، وهذا هو بالضبط الأساس المنطقي للعلاج النفسي بالتحدث.

وهذا لا يضع في الحسبان كل المحادثات التي خططتَ لخوضها، أو التي تخيلت بتفصيل خوضها ولم تخوضها أبدًا. إن الدرب من الخارج إلى الداخل ثم إلى الخارج مرةً أخرى وعرٌ، مظلم، وضاجٌ بالتعرجات.

متى ما ضُمنت قصص معينة في الثقافة فإنها تصبح سرديات أساسية: مخططات للأشخاص ليتبعوها حين صياغة قصصهم للأحسن أو للأسوأ. وإحدى هذه المخططات هي حياتك النمطية: “التحق بالجامعة، تخرج، توظف، تزوج، أنجب أبناءً”.

هذه المخططات لربما كانت سيناريو مفيد يمنح الأطفال منحنى متوقعًا للحياة، ويعرض لهم أمثلة لأحداث مضمونة من المحتمل أنها ستحدث. لكن مساوئ السرد النمطي موثقة جيدًا: إنها تصم أي شخص لا يتبعها وصمًا نهائيًا، وتخلق توقعات غير واقعية عن سعادة أولئك الذين سيتبعونها. وإن كان هذا المخطط لطاولة من إيكيا لا للحياة فإن كل شخص سيحاول تقريبًا اتباعه سينتهي به المطاف بشيء متذبذب ومشوه، ببعضٍ من المسامير الباقية أسفل الأريكة ذات تأثير سيء على السلامة البنيوية لما بنيته.

تقول (باسباثي):

أظن أن هذا الإطار مهلك تحديدًا لأولئك الذين ينجبون أبناءً، ذلك السرد الحياتي الذي تكون ذروته هو الزواج وإنجاب الأبناء و منذ تلك اللحظة سيكون كل شيء سعيدًا سعادة قاطعة.

تتطور هذه السيناريوهات بتطور الثقافة فمثلًا: في القرون الماضية ما كانت قصص المس الشيطاني في غير محلها، لكنها يستبعد الآن في هذا العصر أن يصف معظم الأشخاص تصرفاتهم بمصطلحات كهذه.

أما الصياغة الأخرى للسرد الشائعة في عددٍ من الثقافات اليوم هي متسلسلة الاسترداد والتعويض ومتسلسلة التدنيس. تبدأ قصة التعويض بحدث سيء وتنتهي نهاية حسنة “قربتنا تلك الإجازة الفظيعة في نهاية الأمر من بعضنا البعض كعائلة”، أما قصة التدنيس فعلى العكس تمامًا “كانت الرحلة البحرية رائعة حتى تسممنا”. ترتبط ثيمة الاسترداد في قصة الواحد الحياتية بدرجات عالية من السلامة النفسية والصحة، بينما تميل ثيمة التدنيس للتزامن مع صحة عقلية أضعف.

للعديد من الأشخاص قصصٌ أصغر لكل حدث تناثر في حياتهم بمجملها، رغم أن تصرفات الشخص، ثقافته، ومحيطه يمكن أن تؤثر فيما ينجذب إليه. كما يمكن أيضًا أن يعد الأشخاص منحى حياتهم الكامل كاسترداد أو كتدنيس، ومنحنى الاسترداد هو الشائع تحديدًا، وتحديدًا في السرد الأمريكي. كتب (مكادمز) في بحث استعراضي للقصة الحياتية:

تطورًا وتحولًا منذ التطهيرية إلى رالف والدو إمرسون إلى أوبرا وينفري.. سعى الأمريكان لتوثيق حيواتهم وكتابتها كحكايا تعويضية للتكفير، للانعتاق والتحرر، للتشافي، لتحقيق الذاتي، ولرفع الارتقاء الاجتماعي. تتحدث القصص عن شخصيات رئيسية لأفراد أبطال -المختارون- قدرهم الواضح هو إحداث تغييرٍ إيجابي في عالم خطر، حتى لو لم يرغب العالم بالخلاص.

 إن قصة التعويض هي تمثيل للتفاؤل الأمريكي -سيكون كل شيء على ما يرام!- و الاستثنائية الأمريكية -أنا قادر على تحسين الأشياء!- وهذه موجودة في الماء والهواء، وفي رؤوسنا. وهذا في حقيقة الأمر أمر حسن معظم الوقت، إذ أظهرت الدراسات أن إيجاد معنى إيجابي في الأحداث السيئة مرتبط بإدراك للذات معقد أكثر ورضى أعمق عن الحياة. وحتى فيما يخص التحكم بالتفاؤل العام توصل مكادمز وزملاؤه إلى أن وجود متسلسلة الاسترداد والتعويض أكثر في قصة الحياة ما زال مرتبط بمستويات أعلى من العافية والسلامة النفسية.

تحدث المشكلة حين لا يكون التعويض ممكنًا، فحكاية التعويض الأمريكية امتيازٌ، أما أولئك غير قادرين على التحكم بظروفهم ولا سبب عندهم لاعتقاد بتحسن الوضع، سيكون التعويض خيارًا غير منطقي وصعب المنال. وهناك ما يحدث لأولئك الذين لا ينالون الخلاص ولا التعويض.

يصعب ربما مشاركة قصة تؤول إلى: “هذا ما حدث، وكان فظيعًا. النهاية”. طلبت (مكلين) في بحثٍ أجرته الأشخاص الذين خاضوا تجربة الاقتراب من الموت أن يحكوا قصصهم للناس وتقول في هذا الخصوص:

تعرض الذين حكوا هذه القصص المعلقة لردات فعل سلبية، فإذا لم يكن للقصة نهاية مبهجة، تعويضية (بغض النظر عن نجاتهم من الموت فقط) سيمتعض المستمعون.

وتتابع قولها:

لقصة التعويض والاسترداد والتحرر قيمتها في أمريكا؛ لأنها طريقة رائعة لرواية القصص لعددٍ من الناس، لكن أولئك غير القادرين على ذلك، غير القادرين على تعويض صدماتهم والتحرر منها لأي سبب هم فيما يشبه القيد المزدوج. فعند كلاهما هذه القصة الحمقاء المعلقة لكنهم أيضًا غير قادرين على نيل قبول الناس أو تصديقهم.

وفي حالة كهذه لأولئك الذين خاضوا العديد من الصدمات لربما كان خيرًا لهم ألا يؤرخوا لها كسيرة لحياتهم وألا يبحثوا فيها أبدًا.  

تقول (مكلين): “في المرة الأولى التي اكتشفت فيها هذا الارتباط بين التفكير والتبرير و ضعف الصحة العقلية اعتقدتُ بأني حللتُ البيانات التي بين يدي خطأ”. لكنها وبعد أن حاكت الأبحاث الأخرى نتائجها اقتنعت بوجود رابط، إذ تعتقد أن الأشخاص لربما كبحوا وقمعوا الأحداث الصادمة والمؤذية في دواخلهم بسلوك لربما ليس الاختيار المثالي لكنه يظل “صحيًا“.

وتضيف:

إن الفكرة النمطية هي أنك ستكبح ما يعتمل في داخلك لكنه سيطفو مرة أخرى ويفترسك إن أنت لم تتصالح معه، لكن ذلك يظل في ظل افتراض أن الأشخاص يمتلكون ما يلزم للتصالح مع ما يكبتون.

قابلت (مكلين) في إحدى دراساتها هي وزملاؤها مراهقين يرتادون مدرسة ثانوية للطلاب الأضعف والأكثر هشاشة. كانت إحدى الحالات جوزي ذات السبعة عشر عامًا ابنة لأم عزباء، عانت من إدمان المخدرات والكحول، اضطراب ثنائي القطب، الاغتصاب، ومحاولة الانتحار. أخبرت الباحثين أن ذكراها المحددة لذاتها هي قسم والدتها على عدم إنجاب الأبناء، ومن ثم حنثها به.

قالت (جوزي) حين سردت تلك الذكرى:

أنا الشخص الوحيد الذي أعول عليه في حياتي؛ لأني حاولتُ أن أعول على الآخرين وإما طُعنت في ظهري أو جُرحت وأوذيت، لذا أعرف تمام المعرفة أنني لا أثق سوى بنفسي ولا أعول إلا عليها.

يمكن أيضًا أن تمعن التفكير وتتعمق في أحداث طيبة في حياتك أيضًا تقول (مكلين):

أجريت بعض الأبحاث التجريبية التي أظهرت أنك حين تسأل الناس ليتحدثوا عن تجربة إيجابية تشعرهم بالسوء والتضايق؛ لأنك تدفعهم إلى ما يشبه: “حسنًا لِم تزوجت ذلك الشخص؟”. إن الحكمة والنضج والتعقيد الإدراكي صفات نقدرها لكنها لا تجعلك بالضرورة سعيدًا.

رغم أن البحث المتعمق في سيرة حياة الواحد لربما أوصله إلى أفكار سيئة أو كئيبة، ولكنه لربما أحيانًا أوصل الأشخاص إلى إيجاد معنى فيما حدث. وبينما من المحتمل أن تقدر على تجنب التفكير بحدث معين فمن الصعب أن تترك كل صفحات قصة حياتك غير مكتوبة ولا مدونة.

يعبر (أدلِر) عن رأيه فيقول:

أظن أن فعل صياغة حيواتنا كسرد ما هو فعل إيجابي ولا سلبي، إنه كما هو. غير أن لفعل ذلك سلوكيات سيئة وأخرى جيدة لصحتنا العقلية.

لاحظ (أدلِر) في بحثه طابعين في قصص الناس التي تميل لربطها بصحة وسلامة عقلية أفضل: التمثيل الشخصي، أو الشعور بأنك المتحكم في حياتك، والمشاركة، أو الشعور بأن لك علاقات جيدة في حياتك. والرابط “ضبابي بعض الشيء” كما يصفه (أدلِر)، فهناك علاقة قوية بين المشاركة وبين الصحة العقلية في الوقت ذاته، ولا يتضح كثيرًا إذا ما كان الشعور بالقدرة على المشاركة الآن يتنبأ بصحة عقلية أفضل لاحقًا.

لكن التمثيل الشخصي مرتبطٌ طبعًا وذلك معقول؛ نظرًا لكون الشعور بالعجز واليأس هي الأعراض الأساسية للاكتئاب، ولذلك فإن الشعور بالسيطرة والتحكم مفيدٌ للصحة العقلية. أجرى أدلِر دراسة ممتدة على سبعة وأربعين بالغ يخضعون للعلاج النفسي، طالبًا منهم كتابة سرد شخصي والخضوع لتقييمات للصحة العقلية خلال مدة 12 جلسة علاجية. ولم يكن ما توصل له فقط أن طابع التمثيل الشخصي زاد في قصص المشاركين بمرور الوقت، وأن معدل الصحة العقلية ازداد أيضًا وأن كلاهما كان مرتبط بالآخر، ولكنه أيضًا توصل إلى أن طابع التمثيل الشخصي المتزايد ظهر في القصص قبل أن تتحسن الصحة العقلية للمشاركين.

يقول (أدلِر) عن ذلك:

يبدو الأمر كما لو أنهم خلقوا نسخًا جديدة من ذواتهم وعاشوا وفقًا لذلك.

هناك تحديدًا ما يميز السرد: فصحيح أن التعبير عن أفكار الواحد ومشاعره بخصوص الأحداث السلبية يبدو مفيدًا للسلامة العقلية، أظهرت إحدى الدراسات أن كتابة تلك الأفكار والمشاعر في صياغة السرد أفادت الأشخاص أكثر من إنصات الآخرين لهم.

لكن يستدرك:

لكني لستُ كالسيد الممثل لذاته، التمثيل الشخصي بأي ثمن. لا أعتقد بصحة ذلك. فإذا كنت في المرحلة الرابعة من مرض السرطان لربما كان التمثيل الذاتي حسنًا لك لكن هل هو خيار منطقي؟ ولا أعتقد أن التحرر جيد على الأمد البعيد، لكن في أتون أولئك الذين يعانون حقًا من الأمر لا أعلم إن كان ذلك يفيدهم حقًا.

لكني تساءلتُ: برغم أن التمثيل الذاتي لربما كان نافعًا لك، هل رؤيتك لذاتك كبطل روايتك القوي هو على حساب الشخصيات الأخرى في قصتك؟ هل هناك أثرًا للتعاطف إن نحن عاملنا الآخرين كلاعبين بدلًا من أبطالٍ في قصصهم الشخصية؟

تقول (باسباثي):

تلك حقيقةً فكرة استقرائية مثيرة للاهتمام. لم أعرف أحدًا بحث في الأمر.

كما أظهرت أبحاث (أدلِر) بحتاج الناس لرؤية أنفسهم كممثلين إلى حد معين، وأظهرت أبحاث باسباثي أن للآخرين دورًا كبيرًا في تشكيل القصص الحياتية. أما السؤال الآن على الأرجح ما مدى إدراك الأشخاص لكون تمثيلهم الذاتي غير مطلق.

وفقًا لإحدى الدراسات عادة ما يروي الأشخاص المكترثون -أي الأشخاص الذي يهتمون ويلتزمون بمساعدة الأجيال القادمة- قصة عن أشخاصٍ ساعدوهم في الماضي. ويقترح مكادمز أن النرجسيين عادة أكثر ميلًا للتصرف على النقيض من ذلك “إنهم أشخاص جيدون حقًا في التحدث عن أنفسهم وفي خلق سردٍ عنها، لكنهم غير قادرين على الاستماع لك”.

أما (باسباثي) فتعلق:

إذا كانت قصصنا عن ذواتنا كمنتصرين بها في الحياة وفي تذليل صعابها، وتقلل هذه القصص من دور الآخرين فيها ومن دور الدعم المؤسسية في مساعدتنا على عمل الأشياء، علينا على الأقل أن ننجح في ملاحظة كيف تقييد المؤسسات والآخرين حياة غيرنا. أعتقد أن لذلك إشارات حقيقة لفهمنا للإجحاف والتفاوت في مجتمعنا. فكلما اعتقدت بأن العالم بأكمله مخلوق ليناسبك، كلما قل إدراكك لكونه يناسبك ويسير معك.

إنها مشكلة مُربكة؛ يستخدم الناس القصص لفهم الحياة لكن ما مدى ما تعكسه هذه القصص عن واقع الحياة وحقيقتها؟ وحتى مراعاة حقيقة قدرة الأشخاص المعقدة على رواية القصص كجويس، فإن الانحيازيات، الاختلافات الشخصية، أو العواطف يمكن أن تؤدي بالأشخاص المختلفين لرؤية الحدث نفسه رؤية مختلفة. وباعتبار مدى قابلية تعرض البشر للذكريات الزائفة من سيضمن أن الحبكات في قصة حياة أحدهم حدثت حقًا، أو حدثت بالطريقة التي اعتقد أنها حدثت، أو تسببت بالأثر الذي يعتقد أنها فعلت؟

لا تقتنع (باسباثي) بأهمية دقة القصص الحياتية من عدمها. تتناول العديد من الأبحاث عن الذكريات الزائفة شهادة الشهود، بينما ما يهم حقًا ما إذا كان الشخص يروي القصة كما حدثت بالضبط. لكن ما يهم الباحثين في علم نفس السرد حقًا وفقًا لـ(باسباثي):

ما إذا كان ما يرويه الشخص حقيقيًا في المشهد الجنائي أو القانوني، إن ما يهم حقًا إذا ما كان الشخص قادرًا على صياغة قصة ذات معنى ومتناسقة بناءً على ما حدث. يختلط كل صياغة لسرد ببعضٍ من الكذب، وبعض الكذبات صادقة كفاية.

إن تنظيم الماضي على شكل قصة سردية ليست فقط طريقة لفهم الذات ولكنها أيضًا محاولة لتوقع المستقبل، وهذا مثير للاهتمام؛ لأن رواية القصص تبدو متعارضة جدًا مع وقائع الحياة الحقيقية المنذر بها مجازيًا طبعًا. علمتني الجلسات النقاشية في فصل لمادة الأدب خلال دراستي الجامعية يمكنك أن تعد أي شيء مجازًا إن بذلت أقصى جهدك، عبارة دالة بلا شك. فحتى لو كنتَ تحيا حياتك عشوائيًا قدر الإمكان ستحدث أشياء كافية لتبدأ الأنماط في ولوج حياتك كنظرية القرد اللامحدودة.      

لكن بغض النظر عن مدى محاولاتك الجادة وبغض النظر عن رغبتك الملحة في ذلك لا وجود لطريقة حقيقية صادقة لمعرفة المستقبل، والعالم لم يخلق بذاته ليمنحك إشارات وتلميحات. إن كنت ميالًا للمبالغ في التفكير وتجرب كل سيناريو ممكن في ذهنك مسبقًا سترى تنبؤً في كل ما حولك. فالطريقة التي ينظر والداك لك فيها تعني شجارًا تحلق في الأفق، المديح من رئيسك يعني أنك سائرًا نحو الترقية، وكل تلك الأشياء التي نسيتها بمرور السن تعني أنك ستصاب بالخرف حين تتقدم في السن.

كتب الروائي (إي إم فوستر) مرةً:

تضج الحياة الحقيقة بالإشارات والعلامات المزيفة التي تقود إلى اللامكان”. وأصبح هذا واضحًا في تدوين المذكرات كما كتبت مونقوسو في كتابها (Ongoingness) الذي تحدثت فيه عن كتابتها لمذكراتها لمدة خمسة وعشرين سنة: “تخيل سيرة ذاتية لا تتضمن فقط سردًا ولكن كل الأحداث التي فشلت في توقعها. فمعظم ما تتضمنه المذكرات لا يتنبأ بأي شيء.

إذًا ما تصنع بكل ما لم يُرتب بدقة؟ يشير دليل إلى أن وجود بعض “الأحادية” في هويتك السردية أفضل نفسيًا من انعدام وجودها. وعلى الأرجح أن الأسهل هو الإلقاء بالأشياء التي تسحبها من الفوضى رغم أنها ستتطلب قليلًا من إعادة التكيف.

لكن (باسباثي) ترفض ذلك:

أفضل أن أرى الأشخاص يبذلون جهدهم وينجحون في محاولاتهم لعدم ترك الأشياء معلقة لعدم قدرتهم على ترتيبها والربط بينها. نحن لا نحاول إلغاء وجود أجزاءٍ من حياتك.

وحتى لو بلغ الأشخاص نهاية مسدودة أو مفاجآت غير متوقعة فإنهم لا يستطيعون كبح جماح التوقعات تعلق (باسباثي): “نحنُ نحاول توقع المستقبل طيلة الوقت”. وتفترض أن السبب في وجود تنبؤات في الأعمال الأدبية في المقام الأول هو بسبب هذه النزعة الإنسانية لها. إن حالة انعدام اليقين حول المستقبل والشك به تجعل الأشخاص قلقين والقصص هي طريقة للتعاطي مع ذلك.

يقول (أدلِر): “ليس المستقبل نسخة مباشرة عن الماضي أبدًا، لذا علينا أن نكون قادرين على جمع بعض مما حدث لنا سابقًا و إعادة تشكيله لما يمكن أن يكونه المستقبل”. فمثلًا بالتجربة يتعلم الواحد أن جملة “علينا أن نتحدث” نادرًا ما تتنبأ بأمرٍ حسن. (للحياة نمطيتها الثابتة).

أجريت بعض الأبحاث التي تتناول العقل تدعم هذا الرابط بين الماضي والحاضر، و تُظهر نتائجها أن بعض مناطق الدماغ تنشط حين يُطلب من الأشخاص أن يتذكروا شيئًا ما وحين يُطلب منهم أن يتخيلوا حدثًا لم يحدث بعد. من ناحية أخرى يواجه مريض فقدان الذاكرة صعوبة أيضًا في تخيل المستقبل.

إذًا وعلى نفس المنوال يبدو أن الطريقة التي يتخيل فيها الواحد مستقبله تؤثر في الطريقة التي يرى فيها ماضيه، وفي نفس الوقت يخبر الماضي عن الطريقة التي يتخيل فيها مستقبله.

يقول (مكادمز):

إذا كنتَ تخطط لصبح طبيبًا وأنت في الخامسة والعشرين من عمرك وبدأت دراسة الطب، وفي بالك توقعات عما ستكونه الخمس إلى عشر سنوات القادمة فإنك على الأرجح شكلت سردًا مبني على ماضيك يساعدك على فهم كيفية وصولك إلى تلك النقطة. ولنقل مثلًا أنك التحقت بكلية الطب وكرهتها وانسحبت منها فإنك على الأرجح في نفس تلك اللحظة ستغير الماضي. إنك تعيد كتابة التاريخ.

تُكتب قصة الحياة بالطباشير لا بالحبر، أي أنها قابلة للتغير كما يقول (أدلِر):

أنت القاص والشخصية الرئيسية في حياتك وذلك يمكن أن يكون أحيانًا إلهامًا: “حسنًا، أنا أحيا هذه القصة، أنا المؤول عن هذه القصة حقيقةً.

سواء كان بمساعدة العلاج النفسي في غمرة أزمة الهوية حين تطارد توقعات وتنبؤات بسرعة روودرنر نحو نفق يتضح أنه مرسوم على الحائط فقط، أو ببطء وبمنهجية يومًا تلو الآخر كما يحدث في كل القصص يتمحور الأمر برمته حول إعادة الكتابة والتشكيل.

“الماضي دائمًا في قبضتنا” كما يقول (مكادمز).

 


[المصدر]

 

 

 

 

 

حديث (جون لوك) عن أهمية التفكير وتحصيل المعرفة

جون لوك (1632 – 1704) هو فيلسوف تجريبي ومفكر سياسي إنجليزي. ولد في رنجتون في إقليم سومرست وتعلم في مدرسة وستمنستر، ثم في كلية كنيسة المسيح في جامعة أوكسفورد، حيث انتخب طالباً مدى الحياة، لكن هذا اللقب سحب منه في عام 1684 بأمر من الملك. وبسبب كراهيته لعدم التسامح البيورتياني عند اللاهوتيين في هذه الكلية، لم ينخرط في سلك رجال الدين. وبدلاً من ذلك أخذ في دراسة الطب ومارس التجريب العلمي، حتى عرف باسم (دكتور لوك).

يُعتبر (لوك) اليوم أحد رؤوس ومؤسسي الفلسفة الليبرالية المعاصرة. وفي كتاب جمع (الأعمال الفلسفية الكاملة)، نقله إلى العربية الأستاذ (عبدالكريم ناصيف)، يقول (لوك) في ختام كتابه، التي حمل عنوان (الفهم البشري)، يقول (لوك) في فصل حمل عنوان “على الناس أن يفكّروا ويحصّلوا المعرفة بأنفسهم” عن التفكّر المستقل في الحقيقة ومنابعها: 

أي انتقاد حين نشك بمبادئ فطرية كهذه، يمكن أن ينصب علينا من الناس الذين نجدهم ميالين لأن يدعوا ذلك بأنه إلغاء للأسس القديمة للمعرفة واليقين، أمر لا يمكن أن أتكلم عنه، فقد أقنعت نفسي، على الأقل، بأن الطريق الذي أتبعه ، لكونه مريحًا وممثلًا للحقيقة، يجعل تلك الأسس أرسخ. كما أنني على يقين من أنني لم أجعل شغلي أن أتبرأ من أية مرجعية أو أتبعها، مؤثرًا العمل بالقول التالي: الحقيقة هي هدفي الوحيد، وحيثما يؤدي بي ذلك، فإن تفكيري سيتبعه من دون تحيز، ومن دون تفكير فيما إذا كان على ذلك الطريق آثار أقدام أخرى أم لا. ذلك لا يعني أنه ينقصني الاحترام الذي تستحقه آراء الناس الآخرين، بل، بالحقيقة، أنا أكنّ أشد الاحترام للحقيقة، وأرجو ألا يظن أحد بأنه نوع من الغطرسة أن أقول إننا، ربما، كنا سنحقق تقدمًا أكبر بكثير في مجال اكتشاف المعرفة التأملية والعقلانية، لو بحثنا عنها في منابعها، في نظرنا للأشياء بذاتها، واستخدمنا تفكيرنا الخاص من تفكير الآخرين لكي نجدها. 

يقول (لوك) بعد ذلك في فصل آخر، حمل عنوان “من أين أتى الرأي بالمبادئ الفطرية”:

حين وجد الناس بعض المقولات العامة التي لا يمكن الشك فيها حالما تُفهم، صار الطريق، كما أعلم، قصيرًا وسهلًا لاستخلاص أنها فطرية. وما إن تم قبول هذا مرة، حتى سهّل الطريق أمام الكسالى وأراحهم من عناء البحث والاستقصاء في كل ما يتعلق بما تم اعتباره ذات مرة فطريًا. ذلك لم يكن بذي فائدة ضئيلة بالنسبة لأولئك الذين عملوا لأن يكونوا أساتذة ومعلمين، وأن يجعلوا هذا مبدأ المبادئ “المبدأ يجب ألا يكون موضع تساؤل”، ولأنهم رسخوا هذا المعتقد ذات مرة، بأن هناك مبادئ فطرية، فقد جعل ذلك أتباعهم مضطرين لأن يتلقوا عقائدهم بعينها كما هي، وهو ما ابتعد بهم كثيرًا عن استخدام عقولهم وملكة الحكم لديهم، كما جعلهم يؤمنون بها ويأخذونها على الثقة من دون مزيد من التفحص، ذلك هو وضع الثقة العمياء الذي يمكن فيه أن يتم التحكم بهم بسهولة أكثر، وكذلك الاستفادة منهم لدى نوع من الناس، لديهم المهارة والكفاءة لأن يطبعوهم بمبادئهم ويقودوهم.