تأملات الإمبراطور ماركوس أوريليوش

Prisoners-9420081718850

الإمبراطور الروماني السادس عشر ماركوس اوريليوس انطونيوس (١٢١-١٨٠)، حكم الإمبراطورية الرومانية بين الأعوام ١٦١م حتى ١٨٠م، إلا أن شهرته كفيلسوف فاقت شهرته كإمبراطور يحكم امبراطورية مترامية الأطراف. عُرف (اوريليوس) رجلا وفيلسوفا دمثا وودودا، ومع أن منهجه الفلسفي وسم قناعاته التي مالت نحو التسامح والتعاطف، إلا أن واجباته كإمبراطور قادته لطريق مغاير مال نحو الحزم والشدة. بهذا يمثل (اوريليوس) مفارقة الفيلسوف-الملك الذي يطبق القانون ويدير النظام، لكنه في الوقت ذاته يرنو نحو نظرة كونية للعالم تستصغر البلابل السياسية التافهة.

اتبع (اوريليوس) مبادئ الفلسفة الرواقية التي آمنت بأن الكون كُلٌّ عضوي، وكل فرد لديه دور يؤديه في هذا الكون. وجوهر الوجود الإنساني هو المنطق والتفاعل الاجتماعي. وبأن واجبنا كبشر هو وضع العقل في خدمة العدالة، وبأن الأخلاق هي دليل مسار الحياة. كما آمن الرواقيون بالمواطنة العالمية وبالعدالة. وهي الأفكار التي أثرت بفلسفات (اسبينوزا) و(كانط). تتمثل مبادئ الرواقية في كثير من كتابات الإمبراطور، جاء في مذكراته الشهيرة التي حملت عنوان (تأملات ماركوس اوريليوس):

تذكر دائما بأن الكون وجود حي كُلي، جوهره واحد وروحه واحده. وتأمل كيف أن كل شيء ينتهي إلى مرجعية واحدة، مرجعية الوجود الحي الكُلي، وكيف أن كل شيء يتحرك بوحدة، وأن الموجودات نتائج موجودات أخرى، وتأمل دوران الخيوط المتواصل وبُنية الشبكة.

ويقول أيضًا:

تأمل كيف أن كل شيء يتبوأ مكانه من خلال التغيير. وعوّد نفسك على فكرة أن طبيعة الكون لا تحب شيئا كما تحب تغيير ما كان والإتيان بجديد يشبهه. فكل شيء موجود ما هو إلا بذرة ما سيأتي. وإن كانت فكرتك عن البذور هي فقط ما يُزرع في التراب أو في الأرحام، فاعلم أنها فكرة رثة.

العنوان الأصلي لنص (تأملات ماركوس اوريليوس) هو: “إلى نفسي”، فلم تكن التأملات موجهه للعامة، هي فقط مذكراته الخاصة التي كتبها بخط يده خلال حروبه الطويلة للدفاع عن حدود الإمبراطورية. أراد (اوريليوس) تقييم نفسه والسعي وراء الحقيقة والعناية بصحته الروحية وذلك بوعظ نفسه وتذكيرها بالقيم التي آمن بها. من مذكراته لنفسه:

أفضل وسيلة للثأر لنفسك هي بأن لا تكون مثل مرتكب الإساءة.

وفي موضع آخر:

امح الأوهام من فكرك، توقف عن محاولة التحكم بكل شيء. حدد نفسك بحاضرك. استوعب جيدا الأحداث التي تمر بك أو بغيرك. فكر بساعتك الأخيرة. دع السيئة التي ارتكبها الإنسان تبق في زمن ارتكابها.

ويقول:

استقبل الجاه والثروة دون غطرسة، واستعد لتركها تذهب.

ثم يوصي نفسه فيقول لها:

لا تُصْدر فعلا واهنا، ولا تتحدث بلا هوادة، ولا تجنح لأفكارك، ولا تدع نفسك تنازع نفسها، ولا تكن رخوا، ولا تنغمس في العمل دون أن تقسم لنفسك وقتا للنقاهة.

ويتبع:

لا تقم بفعل دون غاية، وليكن فعلك وفقا لمبادئ الفن الكاملة.

كما يقول:

لا تتصرف وكأنك ستعيش عشرة آلاف عام، فالموت يطوف فوقك. في حياتك افعل الخير ما استطعت.

وأخيرًا، وليس آخرًا:

ابق متيقظا كي لا تتحول لقيصر، وبأن لا يتم صبغك بهذه الصفة، فهذه أمور تحدث لك ولا تُحدثها أنت. حافظ على نفسك بسيطا، طيبا، نقيا، جديا، لطيفا، عطوفا، نشيطا في كل أفعالك. اسع لأن تكون كما تريد الفلسفة أن تكون. أطع الآلهة وساعد الناس. الحياة قصيرة. الورع والروح الاجتماعية هي ثمار الحياة الدنيا.

في فضاءات الكتابة، عبدالسلام بنعبدالعالي (ج.2)

ben-abdelaali

عبدالسلام بنعبدالعالي (مواليد 1945)، كاتب ومفكر مغربي حاصل على دكتوراه في الفلسفة، وهو أستاذ جامعي بجامعة محمد الخامس بالرباط، له كثير من المقالات والدراسات العلمية، وقد نشرت له مجموعة كتب. من بينها؛ (منطق الخلل)، (في الانفصال)، (الفلسفة السياسية عند الفارابي). كما ترجم العديد من الكتب عن الفرنسية مثل: (أتكلم جميع اللغات لكن بالعربية) للكاتب (عبدالفتاح كيليطو) و(أسئلة الكتابة) – للكاتب (موريس بلانشو).

الجزء الأول من المقالة (هنا)

بين النص والتعليق

يناقش (بنعبدالعالي) مسألة الكتب الشارحة لكتب أخرى، وفيما يذكر هذه المسألة يستشهد بالمقالات والتعليقات أدناها، مالذي نراه في التعليق؟ لا يعدو أن يكون تأييدًا أو نقدًا، أو كما يقول: هي إما تعليقات معلم يوضح السلبيات، أو تعليقات تلميذ شاكر لمعلمه. يتراءى لنا حين نفكر في الكتب التي تشرح كتبًا أخرى، أننا أمام كتاب أقل من الأصل، أو هو دونه في المستوى، وقد شاع بيننا -تأييدًا للمستشرقين على حد قول المؤلف- أن مفكريننا ماهم في أحسن الأحوال إلا شرّاح معلّقون لمعلمين –غربيين طبعا- سبقوهم، باعتبار الأفضلية لكُتّاب المتن طبعًا، والأفضلية للمعلم الأول، والتنقيص للشارح أو المعلق، المعلمَين بعد المعلم الأول. ماذا يقول بنعبدالعالي في هذا السياق:

غني عن التأكيد أن الشعرية المعاصرة، بل ربما الفكر المعاصر في مجمله، لم يعد يعتمد هذه التفرقة بين من يكتب ومن يعلق من جهة أخرى، بين من يؤلف ومن يشرح، من يفكر ومن ينتقد. فما دُعي موتًا للمؤلف صوحب في الوقت ذاته ببعث من ظلّوا ظلًا له كالقارئ والناقد والمترجم، والمعلّق. وهكذا فربما لن نجانب الصواب إن جزمنا أن كبار المفكرين المعاصرين هم مجرد معلّقين… أن نعلّق على مفكر هو أن نجعل فكره يمتد، هو أن نجعل الفكر يمتـد… قد يكون من المتعذر أن نقول إن ماكتبه (بلانشو) في الترجمة مثلا هو مجرد تعليق على كتاب (بنيامين)، كما قد يتعذر الجزم ما إذا كان ماكتبه (دولوز) هو “مجرد” تعليق حول مؤلفات (فوكو) … فنحن أمام كوكبة من الكتّاب تكتب النص نفسه، كل يعمل على أن يجعل النص يمتد ويمتد، إلى حد أنه يتعذر علينا أن نحدد من المعلق ومن المعلّق عليه، من الأول ومن يليه، من المؤلف ومن الشارح، من الكاتب ومن الناقد.


السرقات الأدبية

عن رأي (بنعبد العالي) حول السرقات الأدبية، يقول:

كتب (بلانشو): “من الذي سيولي عنايته لقول جديد؟ قول لم يُنقل؟ ليس المهم أن نقول قولًا، وإنما أن نكرر القول، وأن نقوله كل مرة وكأنه سيقال للمرة الأولى.”

ماهي السرقة الأدبية والحالة هذه؟ هي أن نكرر القول دون أن يبدو كأنه يقال لأول مرة… السرقة هي فشل المحتوى في أن يلبس شكلا جديدًا، هي عجز الأسلوب أن يرقى إلى إعادة صياغة المضمون. إنها كتابة مخفقة، ولكنها تظل من صميم الكتابة، من صميم كل تأليف سواء كان موسيقى أو نحتًا أو صياغة. الكتابة لا مفرّ لها من أن تكرر القول، ولا محيد لها عن النقل. السرقة “لعنة” كل كتابة، حتى أن (ابن رشيق) لا يتردد في “العمدة” في الجزم بأن لا أحد من الشعراء يقدر أن يدعي السلامة منها.

كل كتابة هي كتابة فوق كتابة، كل كتابة طرس شفاف. فكأن النصوص تكتب ذاتها.


النسيان من أجل الكتابة:

يقول (بورخيس): “ما ندعوه إبداعًا هو مزيج من نسيان ماقرأناه ومن تذكره”، ويضيف (بنعبد العالي) عن فضل النسيان الذي اعتُقد لوقت طويل أنه ليس أكثر من إهمال وإغفال:

عندما نُصح كل مقبل على نظم الشعر قديما أن يحفظ ديوان الأشعار عن ظهر قلب، لينساها فيما بعد، فليس ذلك إلا لكون النسيان قوة حارسة “بفضلها يحافظ على سرّ الأشياء”. فكل شاعر هو، مبدئيا، منقب في الآثار التي طواها النسيان أو كاد، كل شاعر مصارع لقوة جبارة هي قوة النسيان. فالشاعر، كما يؤكد (بلانشو)، يتكلم كما لو كان يتذكر، لكن إن كان يتذكر فبفعل النسيان.

 

10 نصائح عن أسلوب الكتابة من نيتشه

نيتشه

فريدريش فيلهيلم نيتشه (1844-1900) فيلسوف وشاعر ألماني. كان من أبرز الممهّدين لعلم النفس وكان عالم لغويات متميزاً. كتب نصوصاً وكتباً نقدية حول المبادئ الأخلاقية والنفعية والفلسفة المعاصرة المادية منها والمثالية الألمانية. وكتب عن الرومانسية الألمانية والحداثة أيضاً. عموماً بلغة ألمانية بارعة. يُعدّ من بين الفلاسفة الأكثر شيوعاً وتداولاً بين القراء.

تحت عنوان “نحو تعليم الأسلوب الفني” قامت (لو أندرياس سالومي) بنشر النصائح العشرة للكتابة والتي أرسلها (نيتشه) لها كوصايا، حيث قام بكتابتها ضمن سلسلة من الرسائل لتقوم (سالومي) بنشرها بعد حوالي عشرين عاماً.
يقول (نيتشه) في نصائحه:
  1. الحياة هي أهم ضرورة يجب أخذها بالحسبان، فالكتابة نمط حياة يجب أن يحيا.
  2. يجب أن يكون أسلوب الكتابة ملائماً للجمهور الذي تود مخاطبته (حسب قانون العلاقة المتبادلة).
  3. يجب على الكاتب أولاً أن يحدد بدقة ما الذي سيقوله وما الذي سيقدمه، وذلك قبل أن يبدأ بالكتابة. ففي هذه الحالة يجب أن تكون الكتابة أشبه بعملية محاكاة.
  4. بما أن الكاتب يفتقد للأساليب التي يجب عليه امتلاكها كمتحدث أو محاور، فيتوجب عليه أن يستخدم في نموذجه العام نوعاً معبراً من التقديم الضروري، فالنسخة المكتوبة ستكون أكثر ضعفاً.
  5. إن غنى النص بالإيماءات يعكس مدى غنى الحياة. حيث يجب على المرء أن يتعلم ضرورة الإحساس بكل شيء تماماً مثل الإيماءات أو الإشارات، وذلك مثل ما يتعلق بطول الجملة، موضع علامات الترقيم، اختيار الكلمات، مواضع التوقف وتسلسل الحوارات.
  6. كن حذراً عند استخدام النقاط. فالأشخاص الذين يتمتعون بنفس طويل أثناء التحدث هم المخولون باستخدام تلك النقاط. فمعظم الأشخاص يرون أن تلك النقاط هي شكل من أشكال التكلّف أو التصنّع.
  7. إن أسلوب الكتابة يجب أن يقدم ما يعتقد به الكاتب بفكرة معينة، ولا يجب عليه تقديم ما يفكر به فقط بل ما يشعر به أيضاً.
  8. كلما كانت الحقيقة التي يريد أن يقدمها الكاتب أكثر تجريداً، وجب عليه أن يقوم بإغواء الحواس أولاً.
  9. إن الاستراتيجية التي يستخدمها كاتب النثر الجيد تتألف من عملية اختيار وسائله التي تجعله يقترب من الشعر دون الوصول إليه.
  10. إن حرمان القارئ من أكثر الاعتراضات وضوحاً ليس بالأسلوب الذكي أو الجيد. فالأسلوب الذكي يقتضي ترك القارئ ليعبر بمفرده عن جوهر الحكمة لدينا.

[المصدر]

القيادة أم المحادثة؟ يركز العقل على شيء واحد في الوقت ذاته.

جوركر رانبورغ (مواليد 1953)، هو بروفيسور سويدي في علم النفس.

في شهر أغسطس من عام 2016، نُشرَت مقالة على موقع جامعة ينكوبينج التي يعمل، تتحدث عن استعمال الهاتف النقال أثناء قيادة السيارة، من ناحية سيكلوجية، أو نفسية، ننقلها لكم بترجمة حصرية. تقول المقالة:

 

القيادة أم المحادثة؟ يركز العقل على شيء واحد في الوقت ذاته.

أتعتقد أنه يمكنك المراسلة وقيادة السيارة بشكلٍ جيد؟ أثبتت دراسة جديدة أن العقل يركز فقط على شيء واحد في الوقت ذاته.

عندما ننشغل بشيء يتطلب استخدام حاسة البصر، فإن العقل يقلل من حاسة السمع ليسهل علينا الأمر. هذه هي نتيجة الدراسة التي أجراها باحثون من جامعة ينكوبينج بالتعاون مع باحثين آخرين. وقد أعطت النتائج الباحثين فهمًا عميقًا بما يحدث داخل العقل حينما نركز على شيء ما.  

يقول بروفيسور علم النفس (جوركر رانبورغ) من جامعة ينكوبينج والمتخصص في أبحاث الإعاقة: إن العقل ذكيٌّ جدًا، فهو يساعدنا على التركيز فيما نحتاج القيام به، ويحجب في نفس الوقت الملهيات الخارجة عن نطاق أداء المهمة.  لكن العقل أيضًا لا يستطيع التعامل مع مهام كثيرة، فهو فقط يمكنه استخدام حاسة واحدة في الوقت ذاته بكامل طاقته.  ولهذا فإن فكرة التحدث على الهاتف أثناء قيادة السيارة ليست فكرة جيدة”.

وقد تحقق هو وزميله مما يحدث في أدمغتنا حينما ننهمك بأداء مهمة بصرية، فاستخدموا كمثال طالبًا يُجري امتحانًا، بينما الآخر شخصٌ يقود السيارة. وأرادا أيضًا رؤية كيف سيتغير تركيزهما حينما يزداد الضجيج في الخلفية.

شارك اثنان وثلاثون طالبًا من جامعة ينكوبينج في هذه الدراسة التي نُشرت في مجلة آفاق في علم أعصاب الإنسان، وقد أُعطي بعض الطلاب مهمة صورية ليعملوا عليها، منهم من يعمل في محيط هادئ والبعض الآخر مع خلفية ضوضائية مشتتة. والتقطت أثناء عملهم صورٌ لدماغهم بكاميرا تستخدم التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي. ومن ثم اختبر الباحثون أيضًا وظيفة ذاكرة الطلاب قصيرة الأمد باستخدام اختبار الذاكرة في تذكر الحروف.

أظهرت النتائج أن نشاط الدماغ يستمر في القشرة السمعية دون أيّة مشاكل طالما نعرضه للصوت وحده. لكن في المقابل إذا أُعطي الدماغ مهمة صورية كاختبار تحريري مثلاً، فإن استجابة الأعصاب في القشرة السمعية تتضاءل ويغدو السمع ضعيفًا. وكلما ازدادت صعوبة المهمة، فإن استجابة الأعصاب للصوت ستتضاءل أكثر من ذلك. السبب أن الإدراك العالي يمتلئ على شكل مهمة صورية حتّى تضعف استجابة الدماغ للصوت ليس في القشرة فقط، بل وفي أعضاء من الدماغ التي تتحكم بالمشاعر أيضًا. لكن لم تشارك مثل هذه المعلومة في حل المهمة.

ويقول جوركر رانبورغ: هذا البحث الرئيسي متعلقٌ بكيفية عمل الدماغ، وتقترح النتائج عدة سبلٌ محتملة للمزيد من العمل. وقد تكون المعرفة المكتسبة مهمة في التصميم المستقبلي للإسعافات السمعية. والاحتمالية الأخرى هي أن بحثنا سيشكل الأساس من أجل العمل على النظر في كيفية تأثير ضعف السمع على طريقة حلنا المهام الصورية.

أما الآخرون الذين شاركوا في العمل فهم باتريك سورغويست من جامعة جافل، وأوريان دالستروم وتوماس كارلسون من جامعة ينكوبينج. وقد مولت مؤسسة الذكرى المئوية للبنك السويدي ومجلس الأبحاث السويدي هذا المشروع.

 


[المصدر]

جحا، بين بَله الطرفة و حنكة المتصوفة

1483439123517

 

يعد الملّا  (نصر الدين) أو (جحا) شخصية كلاسيكية من إبداع الدراويش بغية تجميدهم في لحظة واحدة مواقف بحاجة إلى حالات ذهنية معتمة معينة إلى الضوء، وتشكل حكايات (جحا) إحدى أغرب المآثر في تاريخ الميتافزيقيا، تمر معظمها على أنها  “نُكت” ولكنها غير ذلك منطوية على العديد من مستويات العمق و الحكمة تمضي بوعي المتصوف خطوة أبعد على طريق الإدراك .


يجهل الناس إلى أين يتجهون طلبًا للإستنارة، ونتيجة لذلك فلا غرابة هناك إذا ارتبطوا بأي معتقد أو انغمسوا في كافة أنواع النظريات، و رسخ في يقينهم أنهم يملكون القدرة على التمييز بين الصدق و الزور، و(جحا) عَلم هذا الدرس بطرق عدة منها:

أحد الجيران وجد (جحا) راكعًا على ركبتيه يبحث عن شيء ما
– ماذا ضاع منك يا (ملا)؟
رد (جحا):
– مفتاحي.
بعد عدة دقائق من البحث، سأله الجار:
– أين سقط منك؟
– في البيت.
– إذًا فلماذا – بحق السماء – لا تبحث عنه هناك؟
– النور هنا أكثر!

هذه هي إحدى أشهر حكاياته ويستخدمها كثير من الصوفيين في تعليقهم على أولئك الذين يسعون وراء مصادر غريبة بحثًا عن الإستنارة.


يعد الحشد التدريجي للوعي إحدى خصائص المنهج الصوفي الذي ينتهجه (جحا) فتعد ومضة التنوير الحدسية التي تأتي بها حكاياته ماهي بصفة جزئية إلا استنارة صغرى في حد ذاتها و ليست تجربة ذهنية، لكنها أيضًا حجر عبور نحو إعادة بناء إدراك باطني في ذهن مأسور أخضعته دون رحمة لتشريط أنساق التدريب التي تفرضها الحياة المادية و مع ذلك فما زال طوع المرء أن يتلقى نكت (جحا) بعد فصلها من عباراتها التكنيكية عن قيمتها الفكاهية و في هذه الحالات قد تفقد كثيرًا من تأثيرها، مثالًا على ذلك :

أخذ (جحا) ذات يوم حملًا  مع الملح إلى السوق، فعبر حماره خلال جدول من الماء فذاب الملح و عند وصول الجحش للضفة الأخرى استبد به المرح فالحِمل خف عن ظهره، لكن الغضب ملك فؤاد (جحا) وفي اليوم التالي ملأ ” جحا ” ظهر حماره بالصوف ، فكاد أن يغرق بعدما تشبع الصوف بالماء، و هنا صاح (جحا) بلذة إنتصار:
– هيه! هذا درس لك، عندما تظن أنك سوف تكسب شيئًا في كل مرة تتخذ فيها طريق الماء.

في الحكاية الأصلية نجد أن مصطلحين تكنيكيين تم إستخدامهما: الملح و الصوف
فكلمة “ملح” تعتبر مرادفة لـ“الصالح و الحكمة” و الحمار هنا يرمز للانسان وخلال التخلص من الصالح العام يشعر المرء بالارتياح بعد ان انزاح ماكان يثقل كاهله، لكن ذلك يؤدي لفقدان غذائه فـ(جحا) عجز عن بيع أي ملح وشراء العلف، أما كلمة “صوف” تنطوي بطبيعة الحال على كلمة “صوفي” وفي الرحلة الثانية يجد الحمار كاهله ينوء تحت عبء أثقل، فهكذا يريد المعلم (جحا) وقد زاد الوزن على امتداد الطريق للسوق فكانت النتيجة النهائية أحسن بعد أن باع (جحا) الصوف مبلل وصار أثقل و قبض ثمن أعلى مما كان ليأتيه من بيع الصوف جاف.


تكشف إحدى حكايات (جحا) أيضًا عن كيفية توصل الصوفي للنتائج الصحيحة خلال آلية خصوصية “منهج مغلوط، بالنسبة إلى غير المتأهلين”، وهو الأمر الذي يفسر كثيرًا مما يبدو غرائب من جانب الصوفيين:

مثل رجلان أمام (جحا) عندما كان يعمل قاضيًا. و قال أحدهما:
– هذا الرجل عض أذني، و أطلب منه تعويضًا مناسبًا.
رد الآخر:
– هو الذي قضمها بنفسه!

قام (جحا) بتأجيل القضية و انسحب إلى غرفة المداولة فقضى نصف ساعة يحاول قضم أذنه بنفسه ولم ينجح إلا في السقوط على الأرض مرة تلو سابقتها مما أدى لجرح جبهته، فعاد لقاعة المحكمة و أصدر حكمه:

– افحصوا الرجل الذي قُضمت أذنه، فإذا وجدتم أن جبهته مجروحة أشد من جروحي، يكون هو من فعلها بنفسه، وبذلك تكون القضية مرفوضة وإلا يكون الرجل الآخر هو من فعلها و عندئذ يحصل المعضوض على تعويض قدره ثلاث قطع من الفضة.

توصل هنا (جحا) لقرار صحيح بوسائل غير منطقية، فنجده تبنى دور الأحمق “درب الملامة عند الصوفي” ونجده مصورًا بشكل متطرف طريقة تفكير البشري العادي.


نفت الصوفية الافتراض الذي يقول بأن مجرد كون المرء لا يزال على قيد البقاء فإنه ذلك يُمكنه من الإدراك، فقد يكون المرء حي من الناحية الإكلينيكية و لكنه ميت من الناحية الإدراكية، ولن يُمكّنه المنطق و لا الفلسفة من بلوغ الإدراك، كما تصوره لنا القصة الآتية :

كان (جحا) يفكر بصوت عالِ:
– كيف يتأتى لي أن أعرف ما إذا كنت حيًا أم ميتًا؟
فقالت له زوجته:
– لا تكن مغفلًا ، لو كنت ميتًا لكانت أطرافك باردة.
و بعد ذلك بقليل تصادف أن كان (جحا) يسير في غابة بمنتصف الشتاء، فتذكر أن يديه و قدميه باردة و فكّر:
– أنا الآن بكل تأكيد ميّت، فصار علي أن أتوقف عن العمل لأن الجثث لا تعمل.
و لما لم يكن في وسع الجثث أن تسير فلقد توقف عن المشي و تمدد على العشب، و سرعان ما ظهرت ذئاب شرعت بمهاجمة حماره الذي كان قد قيده في إحدى الأشجار، و هنا قال (جحا) من وضعه المستلقي:
– نعم، واصلوا ما أنتم فيه منتهزين فرصة موت صاحبه! وآه لو كنت على قيد الحياة، لم أكن لأسمح لكم بأخذ راحتكم على هذا النحو مع حماري!


إذا بدت هذه نكتة و حسب لشخص ما ، فإن هذا الشخص يكشف عن حاجته إلى المزيد من العمل الذاتي ، يصوره (جحا) كاريكاتوريًا في الحوار الآتي :

سأل رجل غبي (جحا):
– ماذا يفعلون بالقمر عندما يشيخ؟
جاء الجواب مناسبًا:
– إنهم يقسِّمون كل قمر إلى أربعين نجمة!

فالأشخاص الذين يسعون لتحقيق الوصول الباطني يتوقعون ذلك بشروطهم هم و من هنا يستبعدون أنفسهم من الأمر قبل بدأه.


لما كانت الصوفية هي التناغم مع الحقيقة الحقيقية أي غير المزيفة، فليس في وسع أحد ‏أن يجعلها ‏تشبه شبهًا كبيرًا ما نأخذ على أنه حقيقة، ‏ولكنه في حقيقة الأمر ‏ليس سوى حكم أكثر بدائية و قصير المدى، ‏وعلى سبيل المثال ترانا نميل ‏إلى النظر ‏إلى الأحداث من منظور أحادي الجانب، كما نفترض – دون أي مبرر – ‏إن الأحداث تقع كما لو كانت تقع في فراغ.
‏ولكن الحقيقة الواقعة أن كل الاحداث ترتبط بكل الأحداث الأخرى ولا يحدث إلا عندما نكون على استعداد لمعايشة علاقاتنا المتبادلة ‏مع كل مجمل منظومة الحياة، ‏أن يكون في وسعنا أن نقدر التجربة الباطنية حق قدرها، وإذا ما نظرت إلى أي تصرف يصدر عنك وعن أي شخص آخر فلا سوف تكتشف أن هناك واحدًا ‏من دوافع عديدة ممكن تقف وراءه، ‏وأنه من المستحيل أن يكون عملًا منعزلًا ؛ ‏إذ يترتب عليه عواقب معينة، كثير منها لم تكن لتتوقعه بحال من الأحوال، ولم يكن بالتأكيد ف طوعك ان تضعه ضمن خططك.
‏وتؤكد نكتة أخرى تروً عن (جحا) هذه الدائرية الأساسية إلى الحقيقة و التفاعلات غير المنظورة بصفة عامة التي تحدث:

‏ذات يوم كان (جحا) يمشي في طريق صحراوي مهجور، وبينما كان الليل يرخى سدوله لمح طابورًا من الفرسان قادمًا نحوه، ‏وبدأ خياله ‏في العمل فخاف أن يكونوا قادمين إلى سرقته أو تجنيد في السلك العسكري واستبد به الخوف حتى قفز على سور قريب وسرعان ما وجد نفسه في جبانة، ‏اما المسافرون الآخرون اللذين كانوا خاليي البال من مثل تلك الأفكار التي طرأت على ذهن (جحا) فاستبد بهم حب الاستطلاع وجدّوا في أثره.
وعندما عثروا عليه ممدًا على الأرض بلا حرام، سأله أحدهم:
– ‏هل لنا أن نساعدك؟ من الذي جاء بك إلى هنا؟
رد (جحا) بعد أن أدرك غلطته :
– ‏الأمر أعقد مما تفترضون فأنا هنا بسبببكم و أنتم هنا بسببي!


بينما كان (جحا) يرمم سطح بيته ذات يوم ناداه شخص ما طالبًا منه أن ينزل إليه في عرض الشارع ، فما كان من (جحا) إلا أن استجاب، و سأله عما يريد فقال:
– بعض النقود.
– ‏لماذا لم تقل لي ذلك وأنا على السطح؟
– إنني أخجل أن أشحذ.
– اصعد معي إلى السطح.
و عندما بلغا السطح انخرط (جحا) من فوره في تركيب البلاط مرة أخرى، كح الرجل في يده فما كان (جحا) إلا أن قال، دون أن يرفع عينيه إليه:
– ليس عندي نقود أسلّفها لك.
– كان بوسعك أن تقول لي ذلك دون أن تجعلني اصعد معك إلى هنا.
– إذن، كيف كنت ستعوضني عن إنزالك لي من على السطح إلى الشارع؟

كثيرة كثرة فائقة هي الأشياء التي تتضح للصوفي في نفس اللحظة مما لا يستطيع الشخص المتوسط إدراكها، فهي أعمال تعتمد على القوى فوق الحسية و هذه الأعمال بالنسبة للصوفي ليست أكثر إعجاز من أي أعمال تعتمد على الحواس العادية بالنسبة إلى العوام، أما كيف تعمل على وجه التحديد فليس بوسعنا أن نصفه، و لكن نستطيع أن نسوق قياسًا متناظرًا إلى هذا الحد أو ذاك.