عن حياة النضال: رسالة من المنفلوطي إلى تولستوي

 

MustafaLutfial-Manfaluti

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

مصطفى لطفي المنفلوطي  أديب مصري نابغ في الإنشاء والأدب، انفرد بأسلوب نقي في مقالاته، قام بالكثير من الترجمة لبعض روايات الأدب الفرنسي الشهيرة بأسلوب أدبي فذ، وصياغة عربية وصقلها في قالب أدبي.

 

في مطلع القرن العشرين اهتم الكُتاب العرب بتولستوي ومؤلفاته الأدبية، وتابعوا أهم تطورات حياته و مؤلفاته الفلسفية، وبوجه خاص تحدث الأدباء العرب عن نضال تولستوي ضد الأغنياء والملكية الخاصة.
ومن ضمن أولئك الأدباء، مصطفى لطفي المنفلوطي (1876-1924) وهو أديب وشاعر مصري، ولديه مؤلفات أدبية كثيرة  أشهرها كتابي (النظرات والعبرات ) أبلغ ما كُتب في العصر الحديث. وترجم عدة روايات فرنسية شهيرة، صاغها بأسلوبه الخاص صياغة عربية في غاية الروعة.
في كتاب النظرات  كتب المنفلوطي مقالة بعنوان ( إلى تولستوي) وهي رسالة مفتوحة كتبها عندما عَلِم بأمر عزلة تولستوي، فبعد معاناته من التهاب رئوي حاد وقبل وفاته بتسعة أيام ترك تولستوي بيته سرًا بصحبة سكرتيره، لينفصل عن حياته العائلية ويرتاح من شجار زوجته الدائم.

854

ليو تولستوي (1827-1910)  مؤلف وأديب ويُعدّ من أعمدة الأدب الروسي في القرن التاسع عشر، ذاع صيته في روسيا والعالم؛ نظرًا لإبداعاته الأدبية التي تعدُّ الأعظم على مرِّ التاريخ، لاسيما روايتي (الحرب والسلم) و(آنا كارنينا). ويعدّ تولستوي روائي ومصلح اجتماعي وداعية سلام ومفكر أخلاقي.

ابتدأ المنفلوطي مقالته بتعزية لتولستوي بسبب حالة الضيق واليأس التي كان يعيشها من أقرب الناس له، ومن المجتمع الذي لطالما كرَّس قلمه لإصلاح أخلاقه وقيمه.

حدثنا الناس عنك، أنك ضقت بهذا المجتمع الإنساني ذرعًا بعد أن أعجزك إصلاحه وتقويمه، فأبغضته وعفت النظر إليه، وأبغضت لبغضه كل شيءٍ حتى زوجك وولدك، ففررت بنفسك منه إلى غاب تسمع زئير سباعه؛ أو دير تأنس برنة ناقوسه وأسجلت أن لا تعود إليه، فعذرناك، ولم نعتب عليك؛ لأنك قاتلت فأبليت حتى لم يبقَ في غمدك سيف، والعدو كثيرٌ عدده صعب مراسه، والشجاعة في غير موطنها جنون، والوقوف أكثر من ثمانين عامًا أمام عدو لا أمل في براحه ولا مطمع في زياله عناد. وهل كان يكون مصيرك إلا مصير الفلاسفة من قبلك الذين قاتلوا حتى قُتلوا قبل أن يروا منظرًا من مناظر الصلاح والاستقامة في المجتمع البشري يعزّون به أنفسهم عن أنفسهم.

تحدث المنفلوطي عن الصراع بين تولستوي والقيصر، فتولستوي لم تعجبه حياة الشقاء والفقر التي يعيشها معظم الناس؛ بسبب قوة الإقطاع التي تضطهد الشعب، فطلب من القيصر المساواة بين الناس عندها غَضِب القيصر منه وأدى ذلك إلى ملاحقة تولستوي بدلاً من الإصغاء إلى نصائحه.

قلتَ للقيصر:

أيها الملك إنك صنيعة الشعب وأجيره لا إلهه وربه، وإنك في مقعدك فوق عرشك لا فرق بينك وبين ذلك الأكّار في المزرعة، وذلك العامل في المصنع، كلاكما مأجور على عمل يعمله فيسدده، وكلاكما مأخوذ بتبعة زلَـلِه  وسقطه، فكما أن صاحب المصنع يسأل العامل هل وفّى عمله ليمنحه أجره، كذلك يسألك الشعب هل قمت بحماية القانون الذي وَكل إليك حراسته فأنفذته كما هو من غير تبديل ولا تأويل؟ وهل عدلت بين الناس، فآسيت بين قويّهم وضعيفهم، وغنيّهم وفقيرهم، وقريبهم وبعيدهم؟ وهل استطعت أن تستخلص عقلك من يدي هواك فلم تدع للحب ولا للبغض سلطانًا على نفسك يعدل بك عن منهج العدل ومحجته؟ ..
فما سمع منك هذه الكلمات حتى أكبرها وأعظمها؛ لأنه لم يجد بين الكثير الذي يعاشره من يُسمعه مثلها، فحقد عليك ونقم منك وأزعجك من مكانك واستعان على مطاردتك بأولئك الذي أذل نفوسهم، وأفسد ضمائرهم بظلمه وجوره من قبل؛ ليعدهم لمقاتلة الحق ومصارعته في أيام خوفهِ وقلقه.

من مواقف تولستوي الجريئة، معارضته للكنيسة، وهي إحدى القوى التي تعتمد عليها الدولة في اضطهاد الشعب وسلبه حقوقه، وما كان من الكنيسة إلا أن تُعلن إبعاده نظرًا لآرائه المتعارضة معها، فكفّرته.

وقلتَ للكاهن:

إن المسيح عاش معذّبا مضطهدا لأنه لم يرضَ أن يقر الظالمين على ظلمهم، وأبى أن يخفي ذلك المصباح الذي في يده تحت ثوبهِ، بل رفعهُ فوق رأسه غير مبالٍ بنقمة الملوك على ذلك النور الذي يكشف سوءتهم، ويهتك سترهم، وأنت تزعم أنك خليفته وحامل أمانته والقائم بنشر آياته وكلماته، فما هذه الجلسة الذليلة التي أراك تجلسها تحت عروش الظالمين، وماهذه اليد التي تضعها في أيديهم؛ كأنك تأخذ عليهم العهود والمواثيق أن يقتلوا ويسلبوا باسمك، وفي حمايتك وحماية الكتاب المقدس!
ذلك ماقلت للكاهن؛ فكان جوابه أن أرسل إليك كتاب الحرمان، وهو يعلم أنك لا تعترف له بالقدرة على إعطاء أو منع، ولكنه أراد تشويه سمعتك والغضّ منك وإغراء العامة بك وصرف القلوب عنك، فكان ذلك كل ما استفدتَ من نصيحتك وعظتك.

اختتم المنفلوطي رسالته بإن ليس بوسع أي أحد إصلاح المجتمع، مادام ذاك المجتمع راضيًا بجهله وفساده وعبوديته.وهكذا انتهى الحال بـ تولستوي ولم يستجب لندائه أحد.


فهنيئًا لك أيها الرجل العظيم ما اخترتَ لنفسك من تلك العزلة المطمئنة، فقد نجوتَ بها من حياة لا سبيل للعاقل فيها إلا أن يسكت؛ فيهلك غيظًا أو ينطق؛ فيموت كيدًا.
إن الحكيم يستطيع أن يحيل الجهل علمًا والظلمة نورًا والسواد بياضًا والبحر برًا والبر بحرًا، وأن يتخذ نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء، ولكنه لا يستطيع أن يحيل رذيلة المجتمع الإنسانيّ فضيلة وفساده صلاحًا.

ما أهمية (كونديرا) اليوم؟ مقالة مطوّلة مترجمة

في ثمانينات القرن الماضي، كان الجميع يقرأ (كائن لا تحتمل خفته) و(كتاب الضحك والنسيان). لكن الآن وقد قام بنشر روايته الأولى منذ اثني عشر سنة، ما هي سمعة الكاتب التشيكي اليوم، وهل تأثرت فعلا بسبب صورة المرأة فيها؟

في الصفحة الأولى من رواية (ميلان كونديرا) الجديدة التي نشرت في فرنسا السنة الفارطة وقد صار عمر كاتبها 85 سنة، رجل يتنزه في شارع باريسي في شهر جوان، “وقد كانت الشمس تنبثق من بين السحب“. اسم الرجل (آلان)، لكننا لا نعرف شيئا عن عمره ولا مظهره الخارجي، لكننا نعلم أنه مثقف، لأن رؤية سرر [جمع سرّة] الفتيات المكشوفة التي اعترضته في الشارع تلهمه سلسلة من التأملات، كل واحدة من هذه التأملات تحاول أن “تصف وتعرف خصوصية توجه إيروتيكي ما“.

من يمكن إذن أن يكون كاتب هذا المقطع غير (ميلان كونديرا)؟

اثنتان من الاستعارات الأساسية في رواياته حاضران بقوّة منذ الصفحة والنصف الأولى:

أولا، أهميّة النظرة الذكوريّة المركّزة على جسد المرأة، و”المفتونة” به، ثم نسج نظرية دقيقة حوله، انطلاقا مما يرى.

ثانيا: النتيجة التي تأخذنا إليها تلك النظرية، والتي تتجسد في “مركز قوة الإغراء الأنثوي” ليس فقط من وجهة نظر “رجل ما“، بل من وجهة نظر “حقبة زمنية“.

مما يؤكد لنا طموح هذا الروائي، الذي كرّس أعماله من أجل صياغة علاقات وروابط بين الوعي الفردي وبين الراهن والمتغيّرات التاريخية والسياسية.

(حفلة التفاهة) إذن هي بالتأكيد رواية كونديريّة بامتياز، إن لم نعتبرها من كلاسيكياته. إنه كتاب لكاتبٍ شيخ، وبما أنه يحتوي على وميض مؤشرات على ضرب من النشوة والحكمة المرحة، سيكون من المفاجئ ألا تتضمن روحا خريفيّة.

في لمحة على أغلفة روايات (كونديرا) في دار فابير للنشر Faber editions نجد مجموعة من أقوال الإطراء التي كتبها كلّ من (إيان ماكيوان) و(سلمان رشدي) و(كارلوس فوينتس)، وأغلب هؤلاء قد تخطّى العقد الثالث من العمر، حيث يذكّروننا أن شهرة الكاتب كانت في ذروتها في الثمانينات، عندما كان الجميع يقرؤون (كتاب الضحك والنسيان) و(كائن لا تحتمل خفته).

لم بدت تلك الكتب ضرورية ولا غنى عنها في ذلك الوقت؟

هل كان ذلك لملاءمتها بصفة عابرة لروح العصر آن ذاك، أم أنها تحتوي على شيء أكثر متانة وقدرة على الاستمرار؟ كيف سيحكم التاريخ إذن عليها؟

من المنصف القول أن سمعته ستبقى دائما مرتبطة برواياته الكبرى الثلاث، التي كتبها في المرحلة الوسطى من مسيرته وهي: (كتاب الضحك والنسيان)، (كائن لا تحتمل خفته)، و(الخلود).

قبلها، كان هناك ثلاث روايات ساخرة وهي: (المزحة)، (الحياة في مكان آخر) و(فالس الوداع)، والتي استدعى فيها بشكل واضح أجواء ما بعد الحرب والحكم الشيوعي في تشيكوسلوفاكيا، دون أن يغفل فيها عن إضفاء النفس المميّز لأعماله عليها.

بعد ذلك، نجد ثلاثية متكوّنة من ثلاث روايات كتبها على شكل نوفيلات صغيرة؛ وهي (البطء)، (الهويّة)، و(الجهل)، والتي تدل عناوينها على منحاها الفلسفي إلى جانب طبيعتها كأعمال روائية متخيّلة.

تلك الكتب التي كتبها في أواسط مشواره، هي الشاهدة على عثور (كونديرا) ليس فقط على صوته الروائي الفريد، بل وكذلك الأسلوب الأمثل. إنها روايات الاغتراب، المكتوبة في المنفى.

غادر (كونديرا) تشيكوسلوفاكيا سنة 1975 بعد أن تم تسريحه من وظيفته كمدرس وحرمانه من حقه في العمل، ومصادرة رواياته من المكتبات العامة، وقد تزامن قدومه إلى باريس مع حصول تغيرات هامة في التوجه الأدبي.

تخلّى (كتاب الضحك والنسيان) عن الاسترسال التقليدي لخط السرد، واكتشف عوضا عنه، تركيبة من الحكايات المترابطة في ما بينها، من خلال حضور بعض الشخصيات أحيانا، لكن بشكل أكبر، من خلال تواتر مجموعة من الثيمات والمصطلحات، والرموز ..

كان (كونديرا) مع مغادرته بلده الأم وكأنه قد حرر نفسه كذلك من قيود الكتابة التقليدية، وقد اتسمت الرواية بانسيابية لافتة، وبهدوء لذيذ في انتقالها من سرد للأحداث إلى أسلوب كتابة المقال، ثم العودة إلى السرد.

عدم الفصل بين الشكل والمضمون: يعتبر من أهم الأشياء التي يمكن أن نتعلمها من أعمال (كونديرا).

في كتابته في نوفيلا (البطء) عن أشهر كتب (بيير شادرلو دولاكلوس)، يفكر (كونديرا):

الطريقة التي كُتبت بها العلاقات الخطرة في شكل سلسلة مراسلات، ليست محض طريقة تقنيّة يمكن استبدالها بأخرى بسهولة. الشكل هنا إذن هو ناطق عن نفسه، ويخبرنا أن كل ما تعيشه الشخصيات، إنما تعيشه من أجل أن تتحدث عنه، وتنقله وتعترف به وتكتبه. في عالم كهذا، حيث يقال كل شيء، يصبح السلاح الأكثر توفرا في المتناول والأكثر فتكا هو الإفصاح.

هذه الملاحظة بالطبع لا تصدر فقط عن مؤرخ أدبي فذ، بل عن شخص عاش تحت رقابة البوليس السري. الكتابة، وما يمكن أن “تفشي” عن الكُتّاب، تمثل إحدى أكثر المواضيع الملحّة في أعمال (كونديرا)، منذ ظهور (المزحة).

في (كتاب الضحك والنسيان)، تعيش (تامينا)، وهي مهاجرة تشيكية، في مدينة غربية غير مسماة، وهي مستعدة لفعل المستحيل في سبيل أن تستردّ إحدى عشر وثيقة من مذكراتها الضائعة التي تركتها في بلدها الأم، لكنها تواجه في المقابل عراقيل كثيرة لعل من أهمها عدم قدرة الغربيين على فهمها: “من أجل أن تسهّل فهم الناس هنا لأي شيء عن حياتها, كان عليها أن تقوم بتبسيط الأشياء“.

تعمد إذن إلى إخبارهم أن المذكرات المقصودة هي عبارة عن “وثائق سياسية“، والحال أنها لم تكن سوى كتبا لذكرياتها، كانت تريد استعادتها ليس لأسباب سياسية، وإنما بسبب إحساسها بأن ذاكرتها عن حياتها السابقة قد بدأت تتلاشى، وهي بذلك تأمل في أن “تعيد لها جسدها الضائع. ما يدفعها لفعل ذلك ليس الرغبة في الجمال، بل هي الرغبة في الحياة“.

من خلال هذه القصة، والقصص الأخرى المرتبطة بها، يسلط (كتاب الضحك والنسيان) الضوء على نقاط في حياتنا حيث تتقاطع الهويّة، بكونها البناء المكوّن لذواتنا عن طريق الذاكرة، مع القوى السياسية التي هي في صراع معها.

إنها ثيمة لا يمكن فصلها عن سياق الظروف التي عاشها (كونديرا)، وهي الحقبة الشيوعية السوفييتية، وهو سياق كان قد فتن، وفي بعض الأحيان أربك المراقبين الغربيين في السبعينات والثمانينات، وهو ما فتحت عليه روايات (كونديرا) نافذة فريدة، من خلال عرض تعقيداتها بأسلوب ساخر لا مثيل له، وسوداويّة وصرامة فكريّة كبيرة.

في أعقاب تلك الروايات، أتى كتاب آخر كان من بين مهامه أن يفسرها: (فن الرواية)، وهي مجموعة متكونة من سبع مقالات طرح (كونديرا) من خلالها تصوّره عن التقاليد الروائية الأوروبية وموقعه هو ضمنها.

النص المفتاح الذي استعمله في تحليله هذا كان (السائرون نياما)، لـ(هيرمان بروخ)، وهي ثلاثية روائية كان القليل من القراء البريطانيين يعرفونها في ذلك الوقت، ولعلهم صاروا أقل بكثير في أيامنا هذه، إذ لم يعد حتى في مقدور القارئ أن يعثر على نسخة مطبوعة منها في بريطانيا اليوم.

في هذه الكتب، قدّم بروخ كذلك تركيبة متكوّنة من عديد الأساليب المختلفة، التي رآها (كونديرا)؛ “تعددا في العناصر، كالقصيدة، والسرد، والأقوال المأثورة، والروبرتاج والمقالة. وهي بذلك تشكل توليفة بوليفونية متماسكة“.

على ضوء ذلك، فإنه من الصّعب ألا نلاحظ أن جميع أعمال (كونديرا) التي كتبها في المهجر، كانت عبارة عن محاولة، وقد كانت ناجحة، لمواصلة المشروع الذي بدأه (بروخ)، بما أنّ عمله الخاص على مزج تلك العناصر كان على حد كبير من السّلاسة والإقناع.

لكن هل حقق كونديرا ذلك على حساب شيء آخر مهم، وهو الحقيقة السيكولوجية عن الحياة؟

رواياتي ليست روايات سيكولوجية“، يؤكد في كتاب (فن الرواية).

هي بصفة أدقّ تقع خارج الحقل الجمالي للرواية المصنّفة عادة سيكولوجية“.

كان هذا موقفه السّلبي، أي ما لم تكنه رواياته، لكن لمّا كان عليه أن يحدد ماهيتها، كانت إجابته أكثر تعقيدا:

كل الروايات في جميع الأزمنة، هي معنيّة بالبحث في اللغز البشري .. وأنا بتصنيفي أعمالي خارج ما يسمّى الرواية السيكولوجية، لا أروم بذلك تجريد شخصياتي من عالم داخلي نفسي، بل ذلك فقط يعني أن لرواياتي معضلات وأسئلة أخرى تسعى للوصول إليها في المقام الأوّل. إن إدراك الذات في رواياتي يتطلّب الإمساك بجوهر إشكاليتها الوجودية, أي إدراك رمزها الوجودي.

هذا “الرمز الوجودي“، يواصل التوضيح، قد يتم التعبير عنه بواسطة سلسلة من الكلمات المفاتيح. بالنسبة إلى (تيريزا) في (كائن لا تحتمل خفته)، على سبيل المثال، هذه الكلمات هي: “الجسد، الروح، الدوار، الضعف، الأنشودة، الفردوس“.

مفتونين بالذكاء الفلسفي لهذه الرواية، ومن دون شك مأخوذين بالنفس الإيروتيكي فيها، خاصة بالنسبة للقراء الذكور، تقبّل عشاق (كونديرا) استعماله للرمز الوجودي كوسيلة لنحت الشخصيّات، أو حتّى نستعمل مصطلحات أكثر قربا من مجال النقد الأدبي التقليدي، ساهم ذلك في أن ينسيهم ما في الرواية من ضعف في وصف للشخصيات. لكن الحال أنّ الشخصيات لطالما عاشت في ذاكرة القارئ أكثر من الأفكار.

منذ سنوات قليلة في هذه الصّحيفة، كتب (جون بانفيل) مقالا مهما يعيد فيه تقييم (كائن لا تحتمل خفته) بعد عقدين من صدورها. النبرة التي تكلم بها كانت شغوفة لكن مع بعض الرّيبة: “كنت مندهشا من قلّة ما استطعت تذكره“، يقول أيضًا: “كما يحيل العنوان، لقد انساب الكتاب خارجا من ذاكرتي كما لو كان بالونا مملوءا بالهواء الساخن ينسلّ من حبله ويحلق بعيدا … لم أستطع الاحتفاظ بأي شيء عن الشخصيات، ولا حتى أسماؤها“.

لكنه اعترف أن الرواية استطاعت مع ذلك أن تحافظ على أهمّيتها السياسية، حيث أضاف: “لكن أهميّتها (السّياسية) في المقابل لا يمكن مقارنتها بالإحساس بالحياة، والتي لا يمكن أن ينقلها لنا سوى العظماء من الرّوائيين“.

من خلال كتاباته، لا يبدو أن (كونديرا) يعتبر نفسه جزءا من تلك الزمرة من “الروائيين العظام” التي أشار لها (بانفيل) ضمنيا، فالعديد من الروائيين المفضلين لديه؛ (ستيرن)، (ديدرو)، (بروخ)، (موزيل)، (غومبروفيتش)، ينتمون فعلا إلى ذلك الاتجاه في الكتابة الساخرة والمبهمة، التي تتحمّل أكثر من تأويل، والتي يكون فيها الكتّاب أنفسهم واعين تماما بكل ضروب التناقضات والانزلاقات والآليات التي تنطوي عليها عملية خلق العوالم المتخيّلة، ما يجعل من كتبهم في مرحلة ما، أعمالا مضادّة لنفسها، أو على الأقل تقوم باستجواب نفسها.

الشخصيات النسائية في روايات (كونديرا)

من هنا تبدو لنا مكانة كونديرا ضمن هذه النخبة من الكتاب العظام مضمونة، مع ضرورة التنبيه إلى تفصيل مهم، وهو أن روح “الإحساس بالحياة” غائبة بطريقة لافتة في تصويره لشخصياته النسائية.

لطالما قامت الحركة النسوية باتهام (كونديرا)، لكن تلك التهمة لم تبلغ أوج بلاغتها إلا مع (جوان سميث) في كتابها Misogynies أو (كراهية النساء) حيث تتمسّك أنّ “العداء هو الصّفة الأساسية في ما يكتبه (كونديرا) عن النّساء”.

ومضت الكاتبة في ضرب أمثلة عدّة، من بينها تلك التي جاءت في (كائن لا تحتمل خفته) وفيه يتحدّث الراوي عن لقاء سري جمعه بناشرة بإحدى المجلات، كانت بنشرها لمقالاته تعرض نفسها للخطر.

ولأنّها متوتّرة بسبب هذا اللّقاء، تفقد الناشرة السيطرة على أحشائها، تدخل الحمام بصفة متكررة. كردة فعله حيال ذلك، كان الانطباع الذي أبداه الراوي غريبا وصعب التفسير: “رغبة جامحة في اغتصابها .. أردت أن أحتويها كلّيا، بخرائها وبروحها العصيّية على الوصف

لا شك أن هذا المقطع متهجّم، لكنني شخصيا أراه إدانة للرجال أكثر من أي شيء آخر!

في مقابل أمثلة الإدانة التي قدمتها (سميث)، يتوجّب علينا أن نعرض عدد من الشخصيات النسائية خاصة في الروايات الأخيرة لـ(كونديرا)، حيث تبدو هذه متساوية في حضورها مع الرجال.

بالنسبة لي فإن رواية (الجهل) هي بشكل ما المفضلة لدي من بين أعماله الأخيرة، لعدة أسباب لعلّ أهمها كون بطلتها (إيرينا)، وهي شخصية مركبة ومرهفة، يقدّم لنا سلوكها في المنفى بمزيج من الهزل والتعاطف. لكن حتى هنا، في نهاية الكتاب، تبدو لنا الصورة النهائية لـ(إيرينا) متلصّصة والتعامل معها يكون كشيء لا كشخص. (voyeuristic, objectifying)

حيث تنام عارية “مباعدة بين ساقيها بلامبالاة“، بينما يثبت عشيقها نظره على ما بين فخذيها و”يراقب لوقت طويل ذلك المكان الحزين“.

لماذا يشعر (كونديرا) بالحاجة لعرض نسائه بهذا القدر من الدقّة والقسوة؟

وانطلاقا من ذلك، كيف كان له أن يكتب كتابا من 150 صفحة عن الرواية الأوروبية دون أن يذكر فيه أيّ روائية باستثناء (أغاثا كريستي

لا أستطيع منع نفسي من التفكير، في أنه إذا كان هناك ما يمكن أن يقوّض سمعة (كونديرا) في المستقبل، فلن يكون ذلك أي غياب لـ”الإحساس بالحياة” في رواياته، أو كون أعماله قد تبلورت في ظروف سياسية قد يتم نسيانها؛ بل سيكون ذلك طغيان المركزية الذكورية لديه.

لقد تجنبت كلمة “العداء للنساء” لأنني لا أعتقد أنه يكره النّساء، أو أنه معادٍ لهم بشكل ثابت، لكنه حتما يرى العالم من وجهة نظر ذكورية خالصة، وهذا يمثل نقيصة تؤخذ عليه، رغم ما استطاع أن يحققه من انجازات كروائي وككاتب.

لحسن الحظ، تعتبر (حفلة التفاهة) الأقل تشوّها بهذه النزعة من بين كل ما كتب تقريبا، ورغم أنها ليست عملا جوهريا في مسيرته، لكنها قد تمثل نقطة جيّدة للإقبال مجددا على قراءته، بالنسبة لمن نفروا في الماضي من الإشكاليات الجنسية، السياسية، والتي جعلت حتى أفضل كتبه تنطوي على تلميحات غير مريحة.


[المصدر]

عالم الاجتماع (السيد ياسين)؛ الإرهاب كأعلى صوت لعراك العولمة


هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

في خضم معارك التجليات الحديثة لمابعد الحداثة تأتي العولمة أولاً لفرض الهيمنة على العالم، في حين يتجذر التراث داخل الذات كصورة هويّة،
بمثابة قالب ينصب فيه مجموع الانوات، بلغة أخرى اتحاد “الأنا” مع “نحن” حيث أنها تتكون من منظومة متماسكة من المفاهيم العقائدية والتراثية، الخبرات وكل الأوضاع التي مرت بها الجماعة والتي أفرزت سلوك علمي وفكري يطبع الجماعة بصفات معينة خاصة بها دون جماعات أخرى مما يجعلها متميزة عنها في اللغة، الدين، الثقافة،لتحقيق المكانة والتميز الاجتماعي و الإنتماء الذي هو أحد الحاجات الخمس التي ذكرها (أبراهام ماسلو) في هرم الحاجات الضرورية للإنسان لتوليد الإحساس بالأمان.

ولكي نفهم الإرهاب وطبيعته وأسبابه، لابد لنا في البداية أن نحلل وندرس بعمق ظاهرة التطرف الأيديولوجي، من حيث تعريفه ومصادره ونتائجه وطرق مواجهته.
في الفكر العلمي العالمي دراسات متعددة عن التطرف الأيديولوجي والإرهاب، بحيث يحار الباحث أي دراسة يعتمد عليها إن أراد أن يقدم تعريفاً للتطرف الأيديولوجي وأبعاده المتعددة بغير أن يغوص في خضم النظريات العلمية المتعمقة بلغتها الصعبة، التي ليس من السهل على القارئ العادي أن يلم بها ويفهمها.

عالم الاجتماع المصري (السيد ياسين) رحمه الله [1933-2017]، مهتم بالتحليل السياسي و السوسيولوجي والسيكولوجي للتطرف الإيديولوجي يذكر إنه “لا يمكن فهم الظاهرة الإرهابية إلا بوضعها في سياقها العالمي ونعني التوصيف الدقيق للتحولات الكبرى التي حدثت في العالم منذ أواخر القرن العشرين
أهم هذه التحولات على الإطلاق هو الانتقال من نموذج المجتمع الصناعي الذي عاش قروناً منذ قيام الثورة الصناعية إلى النموذج المعلوماتي العولمي ويمكن القول إن هذا النموذج الجديد لم يكن يمكن خلقة إلا بعد أن قامت ثورة الاتصالات الكبرى بمفرداتها الأساسية، وهي البث الفضائي التلفزيوني، والذي جعل البشر في كل أنحاء الأرض، على رغم تعدد الثقافات، يعيشون أحداث العالم السياسية والاقتصادية والثقافية في الزمن الواقعي لها مما جعل العالم كله متصلاً بعضه ببعض.
يُطرح سؤال عن آلية فهم مجتمع المعلومات العالمي بما يتضمنه من آليات تقع على المستوى الفردي ثم الإجتماعي والسياسي؟
يسلط الضوء (ياسين) على مقتضب جوهر نظرية كاستلز:

لقد نشأ بعد اختراع الإنترنت صراع ثنائي القطبية بين «الشبكة والذات»
ويقصد بالشبكة : التشكيلات التنظيمية الجديدة التي قامت على أساس الاستخدام الواسع المدى للميديا الاتصالية المتشابكة والتي تميز أكثر القطاعات الاقتصادية المتقدمة، وينطبق ذلك على الشركات الكبرى المتنافسة تنافساً شديداً، وكذلك بالنسبة للمجتمعات المحلية والحركات الاجتماعية، وأبرزها الحركات السياسية الاحتجاجية المضادة للنظم الشمولية والسلطوية، إضافة إلى الحركات المتطرفة بمختلف تنوعاتها، والتي أصبحت تملأ ساحة المعمورة.
وعن الذات: فيُرمز لها بالأنشطة التي يحاول فيها الناس تأكيد هوياتهم، وخصوصاً أننا نعيش عصر العولمة الذي يسعى إلى توحيد النظام الاقتصادي العالمي في ضوء فلسفة الليبرالية الجديدة، كما يطمح إلى فرض ثقافة عالمية غربية المنشأ قد تؤدي إلى زوال الثقافات الوطنية المحلية.

وعن اللاعب الأساسي في عراك هذا الثنائي لمحاولة صد الاعتداء الثقافي العالمي على هوياتهم الدينية أو الثقافية يؤكد لنا المفكر (ياسين):

أن الهوية الوسيلة المثلى ضد موجات العالمية الهادرة التي تحاول القضاء على الخصوصيات الثقافية، وخصوصاً بالنسبة لشعوب العالم الثالث.
ومن هنا بزغت تشكيلات اجتماعية جديدة تدور حول الهويات «الأولية» والتي قد يكون تركيزها على الدين أو السلالة أو القومية. وهذه الهويات ينظر إليها دعاتها وكأنها خلايا بيولوجية اجتماعية جبلية غير قابلة للتغيير، وذلك في مواجهة التغيرات السريعة التي يمكن أن تلحق بالآفاق الاجتماعية.

أما عن نوع أنماط الهوية التي يتبع تعريف كاستلز بأنها عملية بناء المعنى استناداً إلى سمة ثقافية ما أو بالنسبة لمجموعة سمات ثقافية تكون لها الأسبقية بالنسبة لمصادر المعنى الأخرى وتنقسم الى ثلاث:

الأولى هي: هوية إضفاء الشرعية التي تستند إليها المؤسسات المسيطرة في المجتمع لكي تبسط رواق سيطرتها على باقي الفاعلين.

وهناك هوية المقاومة وينتجها هؤلاء الذين يشعرون أن وضعهم أو ظروفهم تؤدي إلى استبعادهم بحكم منطق الهيمنة.

أما الهوية الأخيرة فهي المشروع المستقبلي التي تصوغها الحركات الاجتماعية التي تسعى إلى التغيير الشامل والانقلابي للمجتمع قد تلجأ في مراحل تطورها إلى القيام بالإرهاب الصريح.

والسؤال عن أغنى البحوث في مجال دراسة الإرهاب وقع اختيار المفكر على ماحرره دافيد تاهلر وآخرون في عام 2003 بحث بعنوان “تحسين مستوى فهم العسكريين الأميركيين للبيئات غير المستقرة المهيأة للجماعات المتطرفة التي تمارس العنف: استبصارات من العلم الاجتماعي” 
يبين بعض محتواه (السيد ياسين) فيقول:

المبهر في هذا البحث أنه تضمن مسحاً شاملاً لكل النظريات السائدة في العلم الاجتماعي بفروعه المختلفة، والتي تتعلق ببيئات الصراع القلقة من وجهة النظر العلمية. ليس ذلك فقط ولكن البحث حدد اثني عشر عاملاً من العوامل المرتبطة بالبيئات المعرضة للصراعات وبعد ذلك قدم مصفوفات متكاملة تبين أنواع التفاعل المختلفة بين هذه العوامل، وحلل البحث ثلاث نظريات سوسيولوجية هي:

  1. نظرية الصراع: التوزيع غير المتكافئ للقوة والموارد داخل المجتمعات ينتج الصراعات. وهذه الصراعات لديها القدرة على تغيير العلاقات الاجتماعية القائمة في هذا المجتمع.
  2. نظرية الحركة الاجتماعية:تطرح الإطار التصوري لفهم كيف ولماذا ينشأ العمل الجماعي والخلاف السياسي. إذ تفترض أن الأفراد يلجأون الى العمل الجماعي عبر طرق؛ بتعبئة الموارد، وتوفير الفرص ضمن سياق سياسي عام، وصياغة رسائل وخطابات منظمي الحركة، وتجادل نظرية تعبئة الموارد بأن نشوء الحركات أو أعمال التمرد، تحتاج لوجود مؤسسة والتدفق المستمر للموارد المادية والمالية والبشرية. وبالتالي فإن نجاح الحركة يعتمد على مدى حشد هذه الموارد.
  3. نظرية «الشبكة الاجتماعية» وهي ميدان سوسيولوجي واعد لفهم واستدامة العمل الجماعي، وكذلك التمرد. فتقدم النظرية إطاراً لدراسة بناء الشبكات وقوة العلاقات بين أعضاء الشبكة، تجادل النظرية بأن بنية الشبكة ورصد العلاقات الناشئة بين أعضاء الجماعة وفي تشكيل هوية الأفراد الأكثر نفوذاً، وتقيس العلاقات والتفاعلات بين الفاعلين الأفراد داخل الشبكة، وتستخدم مخططات الشبكة لفهم تدفق السلطة والموارد؛ المال، والمرافق، المعدات، والمعلومات عبر التنظيم وكيف تؤثر الشبكة على تجنيد المؤيدين.

وفي التساؤل عن موقع تمثل مشكلة التطرف الإيديولوجي:

يذكر أن المشكلة الرئيسية بالنسبة للتطرف وخصوصاً في الصراعات الممتدة، لا تتمثل في عنف الأنشطة التي تقوم بها الجماعات المتطرفة ولكنها في الاتجاهات المتطرفة التي تتمثل في جمودها وثباتها وعدم تسامحها مع الغير، وبالتالي عدم قابليتها للتغير.

وهنا يتضح الانشطار الثقافي وتوسع دائرة الهوة بين نوعان من الإتجاهات يتبنى أحدهما الخطاب العصري والثاني التقليدي ويقرر سماته الأساسية:

أنه يتشبث بالماضي، وهذا الماضي المختار المتخيل يختلف بحسب هوية صاحب الخطاب. وهو خطاب يهرب من مواجهة الواقع، ولا يعترف بالتغيرات العالمية، أو على الأقل يحاول التهوين من شأنها، أو يدعو بصورة خطابية للنضال ضدها، بدون معرفة القوانين التي تحكمها. ومن سماته أيضا إلقاء مسئولية القصور والانحراف على القدر أو الضعف البشرى أو على الأعداء.

متلازمة الصفحة الفارغة ؛ نصائح أشهر الكتاب في كيفية تجاوز جمود الإبداع

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

صرح (بيكاسو) معلنًا عن كيفية خلق الابداع ومن اين تأتي الافكار قائلًا ” ابدأ الرسم لتعرف ما ستقوم برسمه

وقد يبدو من السهل، بالنسبة (لبيكاسو) طبعًا، قول ذلك، فنتجاهل نصيحته، لكن لابد لأي شخص قد خاض ببحر الابداع أن يشعر بعلاقة الـ(يين – يانغ) وهذا التصور؛ فبالمثل – وكما اعتقدت دائمًا – أن هذا المفهوم ينطبق على السؤال الاعظم والمتمثل في “العثور” على هدف إبداع الفرد واسلوبه في الحياة، فنحن “نبني” الطريق بسيرنا فيه، حتى اذ ما التفتنا “وجدناه”.

وبالنسبة للكُتاب قد يكون هناك فجوة محيرة بين معرفة هذه العلاقة بشكل بديهي والشعور بالهلع من مواجة متلازمة الصفحة الفارغة. ويأتي الكثير من هذا الشلل النفس-عاطفي من التعطش للكمال، وهو التصرف الذي اقتبسته جينيفر ايغان بشكل مثالي بنصيحتها قائلة:  “يمكنك الكتابة بشكل طبيعي حين تتقبل واقع كتاباتك السيئة… فتقبلك للكتابة السيئة ماهو الا تمهيد وتدريب يسمح لك بالتحسن والكتابة بشكل ممتاز “

ولايزال هنالك شيء يقف غالباً بين معرفة هذا الامر وتقبل العيش به. وهذا مايستعرضه أشهر ثمانية كتاب وهم: (جوناثان فرانزن) و(مارغريت أتوود) و(فيليب ماير) و(علاء الأسواني) و(جويس كارول أوتس) و(ليديا ديفيس) و(جوناثان ميتشل) و(دانييل كيلمان) في الفيديو الوثائقي المصغر والرائع من متحف لويزيانا لفنون لويزيانا شانيل الحديثة، والملخصة في النقاط التالية:

 

  • (جونثان فرانزن):

 

يحب أن تملأ فراغ عقلك قبل أن تجتاحك الشجاعة لمواجهة متلازمة الصفحة الفارغة فعليًا.

 

  • (دايفيد ميشل):

 

إن متلازمة الصفحة الفارغة ماهي الا باب لا متناهي كسماء الليل بقمر عملاق قريبٌ جدًا من الأرض ومليئة بالنجوم والمجرات، حيث يمكنك أن ترى كل شيء بوضوح شديد … أتعرف كيف يجعل ذلك نبضات قلبك تتسارع؟

 

  • (مارقريت أتوود):

 

هنالك شيء محفز في متلازمة الصفحة الفارغة يحثك على الكتابة وضرورة ملء هذا الفراغ.

 

  • (فيليب ماير):

 

في الواقع، أنا لا أؤمن بوجود ظاهرة “قفلة الكاتب“، فما هي إلا شعورٌ بعدم الأمان.فالنقد الذاتي يرتفع لأعلى من المستوى المطلوب في تلك اللحظة، بينما يجب عندما تبدأ بعمل ما، وأنت في حالة خواء من الأفكار  ولوحة الكتابة أمامك، أن يكون نقدك الذاتي هابطًا لنقطة الصفر، النقطة التي تحتم عليك كتابة أي شيء في الورقة لتسمح لنفسك بالاسترسال فقط. فبالكتابة وحدها يمكنك أن ستكتشف الشخصيات والافكار ونحوها من الامور.

 

  • (علاء الأسواني):

 

تمنحك متلازمة الصفحة الفارغة أفقًا لما يمكنك كتابته. فنحن نعاني دائمًا من التعارض بين ما نريد قوله وما يمكننا قوله، والكتابة تجسد هذا الصراع.

 

  • (جويس كارول أوتس):

 

لن أجازف بالكتابة أولًا، ولا أعتقد أنه تصرف حسن على الإطلاق. فبمجرد أن تبدأ الكتابة بلغة ما، تصبح ثابتة.

لذلك من الأفضل التفكير أولًا، ولفترة طويلة، ومن  ثم الكتابة عندما تكون مستعدًا لذلك. فالكتابة بنحو ارتجالي سابق لأوانه تصرف خاطئ.

 


[المصدر]

كيركيغارد، في المصدر الأكبر لانعدام السعادة

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

كتبت (آني ديلارد) متأملةً في لماذا يهم التواجد في اللحظة الحالية أكثر من الإنتاجية فيها “إن الطريقة التي نمضي بها أيامنا هي بالتأكيد الطريقة التي نقضي بها حياتنا”. كما يؤكد (هنري ميلر) في تأمله المذهل في فن الحياة قائلًا: “يعتمد فشل أو إثمار لحظةٍ ما على الكيفية التي يضع الشخص نفسه فيها.” ولكننا مازلنا نقضي حياتنا هروبًا من اللحظة الحالية، نشغل أنفسنا باستمرار في المبالغة في التخطيط للمستقبل أو في نوبات من القلق خوفًا من عدم استقراره، وهكذا نسلب من أنفسنا الحياة باستمرار.

استعرض المفكر الدنماركي المؤثر سورن كيركيغارد -والذي يعد أول فيلسوف وجودي فعلي، (1813-1843) في فصل من فصول مجموع أطروحاته الهامة 1843: (إما أو: نبذة عن الحياة)، استعرض بدقة كيف يمكن لهروبنا المتكرر من الواقع أن يكون المصدر الأكبر لتعاستنا. (كيركغارد) -البالغ من العمر ثلاثون عامًا حينها- بدأ في مراقبة الجدول الزمني لليوم وسط ثقافة “الانشغال كوسام شرف”:

من بين كل الأشياء التافهة، الأمر الأشد تفاهة بالنسبة لي أن تكون منشغلًا. أن يكون الرجل مستعجلًا فيما يتعلق بطعامه وعمله.

لابد أن نتذكر هنا أنّ “الانشغال هو قرار” نتخذه بشكل متكرر، ودائمًا ما نضر أنفسنا به.

في الفصل الأخير والذي بعنوان “الإنسان غير السعيد” عاد إلى الموضوع من خلال بُعد أعمق:

الشخص غير السعيد هو الشخص الذي لديه مثاليته الخاصة وجوهر لحياته تشبّع وعيه بهما، جوهر وجوده حيًّا وبطريقة ما خارج نفسه. الشخص غير السعيد هو غائب عن نفسه دائمًا، غير متواجد فيها. لكن بالطبع يمكن للشخص أن يكون غائبًا إما في الماضي أو المستقبل. وهذا يحدد بشكل كافي منطقة السعادة في الوعي.

يعتقد أن طريقة بناء اللغة تخلّد ملَينا للغياب:

الشخص غير السعيد غائب. لكن لا يمكن أن يكون الشخص غائبًا إلا عندما يعيش في الماضي أو المستقبل. أسلوب التعبير مهم -كدليل- فكما يعملنا علم اللغة التاريخي المقارن أن هنالك زمن يعبر عن التواجد في الماضي وزمن آخر يعبر عن التواجد في المستقبل، إلا أنه يعلمنا أيضًا أن هناك زمن الماضي التام والذي لا يمكن التواجد فيه، كما أن هناك المستقبل التام مثله في الصفات. تلك هي أمل الأشخاص وذكرياتهم. طالما هناك إما أمل فقط أو ذاكرة فقط، فإنها بالتأكيد بشكلٍ ما تجعل الأشخاص غير سعداء. ولو نظرنا للعكس سيكون الشخص السعيد هو الشخص الحاضر في اللحظة. على كل حال، لا يمكن قطعًا لشخصٍ ما أن يطلق على آخر أنه غير سعيد إذا كان هذا الشخص حاضرًا في آماله أو في ذاكرته. ما يجب علينا إدراكه هو أن هذا الشخص ما يزال متواجدًا بنفسه في إحدى هذه الحالات. مما يمكننا أن نرى في صدمة واحدة، هي أن تكون ثقيلةً جدًا لايمكنها أن يجعل شخصًا ما غير سعيد على الإطلاق. إحدى هذه الصدمات قد تجعل الشخص إما أن يفقد الأمل ويتخلى عن ذاكرته، أو أن يفقد ذكرياته ويتخلى عن أمله.

يكمل كيركيغارد مستعرضًا هذان المفتاحان لأشكال الهروب من الواقع، عبر الطموح أو عبر الذاكرة:

لننظر أولًا للأشخاص الذين يلجأون للأمل. عندما يكون شخص متعلق بالأمل (وبالتأكيد غير سعيد) غير متواجد في اللحظة يصبح غير سعيد بشكل أكثر حدة. بالنسبة للأشخاص الذين يأملون بحياة أبدية، بالطبع هم بشكلٍ ما غير سعداء للحد الذي يجعلهم يتخلون عن اللحظة الحالية. لكن مع ذلك، هم ليسوا غير سعداء تمامًا لأنهم حاضرون في ذواتهم عبر الأمل والذي لا يتعارض مع لحظةٍ ما محدودة. لكن عندما لا يصبح الشخص متواجدًا في الأمل، كونه قد فقده، ثم يعود للأمل مجددًا وهكذا، عندها يصبح الشخص غائبًا عن ذاته ليس فقط في اللحظة الحالية، بل حتى في المستقبل وهكذا يصبح لدينا نموذج الشخص غير السعيد. على أية حال، فإن الأشخاص أصحاب الأمل لا يأملون بأشياء غير واقعية بالنسبة لهم، بل هم يأملون بأشياء يعرفون بأنها لا يمكن استيعابها. عندما يفقد الشخص الأمل وبدلًا من أن يكون غارقًا في الذاكرة يصرّ على البقاء في الأمل في هذه الحالة يصبح لدينا هذا النوع.

وبالمثل يكون الأشخاص أصحاب الذاكرة. عندما يجد نفسه حاضرًا في الماضي، ليس بالضرورة أن يكون غير سعيد، لكن إذا لم يستطع فعل هذا الأمر وبقي غائبًا عن نفسه في الماضي عندها يصبح لدينا هذا النوع من عدم السعادة.

إن الذاكرة هي بدون شك هي العنصر الفعلي لعدم السعادة، كما ترى الطبيعة الماضي بأنه يعبر عمّا ولّى، والمستقبل ما سيأتي ولذا يمكن القول بأن المستقبل بشكلٍ ما أقرب للحاضر من الماضي. إن المستقبل بالنسبة للأشخاص أصحاب الأمل يعني أن تكون حاضرًا في أمور غالبًا سوف تصبح حقيقية، أو بإمكانها أن تكون حقيقية. أما الماضي فهو بالنسبة للأشخاص أصحاب التذكّر هو أن يكونوا حاضرين في تلك اللحظات التي قد حدثت لهم. لكن عندما يصبح لأصحاب الأمل مستقبل لا يحتوى على واقعهم أو أن يكون لأصحاب الذاكرة ماضٍ لا يوجد فيه واقعهم عندها سوف يصبح لدنيا أشخاص غير سعداء. الأشخاص غير السعداء هم الذين لا يرغبون بأن يكون لديهم ألم كما لدى أصحاب الذاكرة. أما أصحاب الأمل فهم الأشخاص الذين لديهم المزيد من الخيبات المُرضية لهم. لذا يكون دائمًا الشخص الأقل سعادة بين أصحاب الذاكرة التعساء.


[المصدر