عن قوة الموسيقى عند كافكا وهدف الفن

كافكا

فإن أقوى العواطف و أكثرها عمقًا هي القدرة على التمتع بالعقلانية.

“بدون الموسيقى كانت الحياة لتكون غلطة” كما صرح (نيتشه)، أحد المُفكرين القدماء المشهورين و الذي كان في تأملاته نصيب لقوة الموسيقى الفريدة. و بعد جيلين لاحقين التفت (فرانز كافكا) (1883-1924)، و هو كاتب آخر سوداوي عبقري و موهوب بالتنوير بتصريحات شديدة السوداوية، إلى هذا الموضوع خلال محادثاته الجوالة مع رفيق مراهقته و المُحاور الفكري (غوستاف جانوش) والمجموعة في كتابه المعنون بـ(حوارات مع كافكا)، الذي أعطانا نظرة عن رأي الكاتب المكتئب حول الطاوية، المظهر مقابل الواقعية، والحب وقوة الصبر.

خلال إحدى جولات صيف سنة 1922 تحولت دفة الحوار إلى الموسيقى، و هو التخصص الذي أراد (غوستاف) ذو السبع عشرة عامًا بشغف شديد أن يدرسه إلا أن والده حرم عليه هذا المسعى. أخبر (كافكا) رفيقه الشاب:

إن الموسيقى هي صوت الروح،صوت العالم الذاتي المباشر.

في محادثة في أعقاب هذه حين شارك (غوستاف) مرشده قصة قصيرة كتبها بعنوان موسيقى الصمت علق (كافكا) بإسهاب عن كيف تسكب الموسيقى سحرها و فتنتها على الروح:

كل ما هو حي هو في تبدل و تدفق،و يصدر صوتًا و لكننا لا نحتفظ إلا بجزء منها. فنحن لا نسمع تدفق الدم و دورانه، و لا تزايد التلف في أنسجة أجسامنا،و لا صوت عملياتنا الكيميائية، و لكن خلايا أعضائنا الرقيقة، ألياف أدمغتنا و أعصابنا و بشرتنا مُشربة في هذه الأصوات الخافتة، فهي تهتز استجابةً لبيئتها. هذا هو أساس قوة الموسيقى، حيث يمكننا أن نحرر هذه الاهتزازت الشعورية العميقة، و لتنفيذ ذلك نوظيف الآلات الموسيقية ليكون العامل الحاسم هو أصواتها المحتملة الداخلية. بعبارة أخرى: ما هو حاسم ليس قوة الصوت أو اللون الإيقاعي و لكن الميزة الخفية، الحدة التي بها تؤثر القوة الموسيقية على الأعصاب. يجب على الموسيقى أن ترتقي إلى اهتزازت وعي الانسان و إلا ستكون خافتة و  غير محسوسة. اجلب الصمت إلى الحياة، اكشف الغطاء عن الصوت المخفي للصمت.

في محادثة أخرى تناول (كافكا) التشابه والاختلاف بين الموسيقى والشعر، قال (كافكا) مخاطبًا (غوستاف):

تخلق الموسيقى متعةً جديدة غير ملحوظة و أكثر تعقيدًا بل و أكثر خطرًا، لكن الشعر  يهدف إلى تصنيف جموح المتع بمنحها صفة العقلانية و الثقافية،بتنقيتاه و بتحوليها إلى شيء انساني. إن الموسيقى تُضاعف شهوات الحياة بينما الشعر من ناحية أخرى يهذبها و يسمو بها.

بالرغم من ذلك فقد كان (كافكا) رشيقًا في محاولة حماية نفسه من سطوة الموسيقى:

إن الموسيقى بالنسبة لي تُشبه إلى حد ما البحر .. فأنا في حضورها مهزوم، يراودني شعور بالهيبة المفاجئة،مسحور و مفتون، و لني بالرغم من ذلك خائف، خائف بشدة من بلوغها النهاية. في الحقيقة أنا بحار سيء.

تبقى جسامة شعور (كافكا) بالإنغمار، ربما المقياس الوحيد المباشر لشدة حبه، فقد كتب مرة في أحد رسائله الجميلة و الموجعة للقلب: “لا أريد أن أعرف ما تلبسينه”، “يشتتني كثيرًا أنني لا أجيد التعاطي مع الحياة”.

عندما انتحب (غوستاف) على احتجاج والده واعتراضه على الموسيقى وتسائل إذا ما كان امتلاكه لعقله الخاص يمنحه الحق لعصيان رغبات والده و ملاحقة شغفه بدلًا عن ذلك، وسع (كافكا) تساؤله إلى تأمل أعمق عن السبب الذي يدفع الفنانين لصناعة فنهم:

إن استخدام الواحد لعقله هو عادةً الطريقة الأسهل لخسارته، طبعًا لا أعني بهذا دراستك للموسيقى أو أنني أعارضها. بالمقابل فإن أقوى العواطف و أكثرها عمقًا هي القدرة على التمتع بالعقلانية. هناك شغف يدفع كل فن، ولذلك فأنت تجاد و تعاني لأجل الموسيقى و لكن الأمر يسير هكذا دومًا في الفنون، يجب على الشخص أن يُلقي بحياته ليكسبها.

في محادثة أخرى تطرق مرة أخرى للموضوع و شبه التضحيات التي تُقدم في الفنون بتلك التي تُقدم في العبادة الدينية.  في إحدى الأفكار الوجدانية التي تُذكر بتأكيد (سيمون فايل) الثابت: “الإنصات و الاهتمام هو أشد أشكال الكرم نقاوةً و ندرةً و التمتع بأعلى درجاته يشابه الصلاة”، وما الفن إن لم يكن أعلى درجات الكرم؟ يقول (كافكا) لـ(غوستاف):

الصلاة و الفن هي أعمال شغوفة تتعلق بالقدرة،فالواحد يرغب بتخطي هذه القدرة و تحسين احتمالاتها العادية. يُماثل الفن الصلاة فكلاهما كيد ممتدة في الظلام باحثةً عن لمسة من الرحمة لتتحول إلى يدٍ تمنح الهدايا. تعني الصلاة أن يذيب الواحد ذاته في قوس قزح الأعجوبي الممتد بين التكون و الموت، ليستهلكها فيه لجلب بريقه اللانهائي و ألقه إلى سرير الواحد في أرجوحة وجوده الذاتي الواهن.


[المصدر]

في مديح الاستعارة، عند عادل مصطفى

0703_writing_cog

الدكتور عادل مصطفى، طبيب نفسى مصرى معاصر حائز على جائزة (أندريه لالاند) في الفلسفة وجائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية (الفلسفة المعاصرة) عام 2005 له عدة كتب، كما قام بترجمة عدد من الكتب الفلسفية المهمة. في كتابه (أوهام العقل)، والذي تناول فيه أفكار الفيلسوف (فرانسيس بيكون)، كتب جزءًا يمتدح في الاستعارة، كأسلوب أدبي رفيع. يقول الدكتور (عادل مصطفى):

إن تدمير المعنى الحرفي في الاستعارة يتيح لمعنى جديد أن يظهر. وبنفس الطريقة تتبدل العملية الإشارية في الجملة الحرفية وتحل محلها إشارة ثانية هي التي تجيء بها الاستعارة. وقد يبدو أن الاستعارة لا تفعل أكثر من تحطيم العملية الإشارية؛ غير أن هذا في الظاهر فقط. فالاستعارة المبدعة الحية تخلق إشارة جديدة تتيح لنا أن نصف العالم أو جزءًا من العالم كان ممتنعًا على الوصف المباشر أو الحرفي. فالاستعارة وسيلة سيمانتية -دلالية- للإمساك بقطاعات من الواقع ومن خبايا النفس لا يطالها التعبير الحرفي ولا يملك منفذًا إليها. بوسع الاستعارة أن تقبض على مستويات عديدة للمعنى في وقت واحد، وتربط المعنى المجرد بالمعنى الحسي البدائي المشحون بالعاطفة والانفعال، وتعقد بينهما وصلًا مثريًا وتكاملًا صحيًا. والاستعارة إذ تهيب بالخيال الصوري فهي تدعم “الذاكرة البعيدة” وتنمّي الإنتاج اللفظي وتحفز الفهم التكاملي. والاستعارة إذ تجلب كل ملحقات المشبَّه به وتلصقها في المشبَّه فهي تتيح كمًّا معلوماتيًا كبيرًا بمبذول لفظي صغير. وهي بهذا الاقتصاد الذهني تجعل الفكر أبعد مرمى وأكثر طموحًا.

معاني الفن، عند فريدا كاهلو

Frida Kahlo

بعد مرور أكثر من قرن على تساؤل (غوته) النظري حول الأشكال العاطفية للألوان تأملت (فريدا كاهلو) (1907-1954) في هذا التساؤل من ناحية بديهية أكثر في شذرات من مذكراتها المعنونة بـ(مذكرات فريدا كاهلو: بورتريه حميمي)، و هو الكنز الذي كشف لنا عن وصفة الفنانة المكسيكية الأسطورة للأعمال اليدوية الفنية، حوارتها السياسية الشرسة، ورسائل حبها المكتوبة بخط اليد الموجهة إلى (دييغو ريفيرا).

في بداية مذكراتها نحتت (فريدا) الشابة جدولًا غنائيًا من التأمل الواعي حول رمزية الألوان المختلفة ملهمها في ذلك تشكيلة من الأقلام الملونة الموضوعة على مكتبها، مُلتقطةً واحدًا تلو الآخر “مددبة حتى نقطة اللانهائية”، و قد دونت تلك الرابطة الرمزية بين اللون و القلم تباعًا في صفحة دفترها.

سأجرب هذه الأقلام،

المدببة حتى نقطة اللانهائية.

و التي دومًا ما تتطلع إلى الأمام:

الأخضر؛ ضوء جيد دافىء.

الأرجواني؛ الأزتكي،

دم الصبير،

الأطول عمرًا و الأشد إشراقًا.

البُني: لون الشامة،

لون الأوراق تندمج مع الأرض.

الأصفر: الجنون، المرض، الخوف،

جزء من الشمس و السعادة.

الأزرق: الحب النقي و الكهربائي.

الأسود: لا شيء أسود، لا شيء بحق.

الزيتوني: الأوراق،الحزن، العلم، كل ألمانيا هي هذا اللون.

الأصفر: أكثر جنونًا و غموضًا،

ترتديه كل الأشباح،

كملابسها أو،

على الأقل ملابس تحتية.

الأزرق القاتم: لون الإعلانات السيئة،

و الأعمال الجيدة.

الأزرق: المسافة، الرقة،

هل يمكن أن يكون أيضًا هذا الدم الأزرق؟

 

 


[المصدر]

إبراهام لينكولن، عن العيش مع الفقد

Abe_Lincoln_1860

أبراهام لينكولن (1809 – 1865)، كان الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة الأمريكية في الفترة ما بين 1861م إلى 1865م. وبالرغم من قصر الفترة الرئاسية للرئيس (لينكولن)، إلا أنه استطاع قيادة الولايات المتحدة الأمريكية بنجاح بإعادة الولايات التي انفصلت عن الاتحاد بقوة السلاح، والقضاء على الحرب الأهلية الأمريكية.

واحد من أنبل القادة في الحضارة الغربية، (أبراهام لينكولن)، عاش حياة صعبة تخللتها المأساة. وفاة والدته عندما كان في التاسعة، ووفاة ابنين في حياته، واغتياله عند بداية ولايته الثانية للرئاسة عندما قتله أحد الأصوليين الكونفدراليين بعد وقت قصير من خطابه الذي أعلن فيه عن نيته النهوض بحق الأمريكيين الأفارقة في التصويت.

عندما كان لينكولن يحرز تقدما كبيرا في إلغاء الرق في فبراير عام 1862، توفي ابنه الحبيب (ويلي) البالغ من العمر أحد عشر عاما بحمى التيفوئيد، وهي عدوى بكتيرية تشبه الطاعون. كانت (إليزابيث كيكلي)، وهي مستعبدة سابقة تم توظيفها بعد ذلك كمصممة رئيسية لخزانة السيدة (لينكولن) وتعتبر قريبة من العائلة، تتذكر لاحقا مشاهدة موقف الرئيس “صامت بشكل عجيب، عند طرف السرير الخشبي وولده أمامه لا حياة فيه، و(لينكولن) بعظمته ودهائه وقوته يبكي كطفل بسبب فقدان محبوبه”.

لاحقًا في كانون الأول بعد صدور إعلان تحرير العبيد الذي قاتل (لينكولن) لأجله بشدة، فقد أحد أعز أصدقاءه (ويليام ماكلو) بعد أن تم قتله خلال مناوبته الليلية في ميسيسبي. وكتب (لينكولن) البالغ من العمر 53 عاما، الذي تجرع مرارة الحياة مع الحب والخسارة، لابنة (ويليام) الشابة في 23 ديسمبر 1862:

عزيزتي فاني،

أكتب لكِ وبحزن هائل وعميق بعد علمي بوفاة أبيك الطيب والشجاع، وخصوصا لعلمي أنه يؤثر على قلبك الصغير في عالمنا القاسي الحزين، الأسى والكرب يمر به الجميع، ولكنه يمر الى الصغار مثلك بعذاب مرير لأنه يأخذهم بغير إدراك، وأنا تواق جدًا لتقديم بعض التخفيف عن مأساتك وضائقتك الحالية، الراحة التامة غير محتمل حدوثها الآن يا صغيرتي إلا مع مرور الوقت. لا يمكنكِ الآن مجرد التخيل أنكِ ستكونين بخير أو على نحو أفضل لاحقًا، أليس كذلك؟ هذا خطأ ولابد لكِ من التصديق والإيمان أنكِ ستكونين سعيدة مرة أخرى، سيجعلك هذا أقل بؤسًا مما أنتِ عليه الآن. إن لدي خبرة كافية لمعرفة ما أقول، وأريد منكِ فقط الإيمان أنك ستشعرين على نحو أفضل. إن ذكرى أبوك العزيز ستصبح شعور حزين وحلو في آن واحد داخل قلبك، و أنقى وأكثر حكمة من قبل. أرجوك قومي بتقديم تعازيّ لأمك الحزينة.

صديقك الصادق،

أ. لينكون


[المصدر]

عن القراءة والكتابة، من ديوان نيتشه

نيتشه

فريدريش فيلهيلم نيتشه (1844-1900) فيلسوف وشاعر ألماني. كان من أبرز الممهّدين لعلم النفس وكان عالم لغويات متميزاً. كتب نصوصاً وكتباً نقدية حول المبادئ الأخلاقية والنفعية والفلسفة المعاصرة المادية منها والمثالية الألمانية. وكتب عن الرومانسية الألمانية والحداثة أيضاً. عموماً بلغة ألمانية بارعة. يُعدّ من بين الفلاسفة الأكثر شيوعاً وتداولاً بين القراء، وفي (ديوان نيتشه) والذي نقله الأستاذ (محمد بن صالح) إلى اللغة العربية، كتب (نيتشه) في فصل بعنوان أسماه “القراءة والكتابة”، فقال:

مِن كل ما كُتب، لا أحب إلا ما كتبه المرء بدمه. اكتب بدمك؛ وستعرف أن الدم روح.

ليس سهلًا أن يفهم المرء دمًا غريبًا؛ إنني أكره القراء التافهين.

الذي يعرف القارئ، لا ينفعه في شيء. قرنٌ آخر من القراء، ويتعفن الفكر ذاته.

إذا أعطيَ الحق في تعلم القراءة لكل إنسان، فإن هذا سيُفسده، مع الوقت، لا الكتابة فحسب، ولكنه سيُفسد الفكر أيضًا.

قديمًا كان الفكر إلهًا، ثم إنسانًا، وها هو الآن رعاع.

إن من يكتب بحروف من الدم، وفي أمثالٍ لا يريد أن يُقرأ، بل أن يُحفظ عن ظهر قلب.

على الجبال، الطريق الأقصر تجري من قمة إلى أخرى؛ إنما لكي نأخذ لا بد لك من رجلين جيدتين. على الأمثال أن تكون قممًا، وعلى الذين نتكلم إليهم أن يكونوا عظماء وجبابرة.

الهواء العليل والصافي، والخطر المحدق، والفكر الممتلئ بالأذى المغبط؛ هذا ما يوافق بعضه بعضًا.

أريد أن تحيط بي أقزام حارسة الكنوز، لأنني شجاع.

الشجاعة التي تطرد الأشباح تخلق بذاتها أقزامها؛ الشجاعة ترغب في الضحك.

ما عدت على ود معكم؛ هذا السحاب الذي أراه تحتي، هذا الاسوداد وهذه الكثافة التي فيها أضحك، هي بالضحك غمامتكم العاصفة.

تنظرون إلى الأعلى حين تريدون القيام، أنا أنظر إلى الأسفل لأنني علوت.

من منكم قادر، في الوقت ذاته، على الضحك وعلى التعالي؟

من يصعد أعلى الجبال يسخر من مسرح الحياة وجديتها.

غير عابثين، ساخرين، عنيفين، هكذا تُريدنا الحكمة؛ إنها امرأة وهي لا تقدر أن تحب إلا المحارب.

تقولون لي: “الحياة عِمل ثقيل”، ولكن لم جعلتم الصباح غروركم، والمساء خضوعكم؟

الحياة حمل ثقيل؛ لا تفرطوا في الرقة! فنحن جميعًا أحمرة وأُتن محمّلة كما يجب.

ماذا لنا من مشترك مع برعم الوردة إذ يرتجف لأن قطرة ندى عليه قد وقعت.

الحق؛ إننا نحب الحياة، لأننا متعودون، لا على الحياة، ولكن على الحب.

يوجد في الحب دومًا شيء من الجنون، ولكن يوجد في الجنون دومًا شيء من العقل.

حتى أنا، أنا مندفع إلى الحياة، أجد أن الفراشات، وكرات الصابون، وما يشبهها من الناس، هي التي تعرف السعادة أفضل.

إن رؤية هذه الكائنات الصغيرة والخفيفة والمجنونة واللطيفة والمتنقلة تعطي لـ(زرادشت) الرغبة في البكاء وفي الغناء.

[…]

لا يُقتل المرء عن غضب، وإنما عن ضحك يُقتل، لنقتل معًا روح الثقالة.

تعلمت المشي؛ مذاك صرت أسمح لنفسي بالركض.

تعلمت الطيران؛ مذاك ما عدت أنتظر أن يُدفع بي لأغير مكاني.

إنني الآن خفيف، الآن أحلق، الآن أراني فوق ذاتي، الآن إله في داخلي يرقص.

هكذا تكلم (زرادشت).