من رحلة أوديسيوس وخلال السرد .. ميديا والنساء في القصة العالمية

(ميديا) .. في حكاية (جيسون)!

أُرسل (جيسون) للحصول على الجُزة الذهبية في كولشيدا في أقصى البحر الأسود، بعد تنحية والده (ايسون) عن الحكم الذي اغتصبه منه أخوه (بلياس). 

تربى (جيسون) على يد خيرون أشهر المعلمين في الملاحم الإغريقية، كبر (جيسون) ليقرر استرداد الحكم المسلوب من والده على يدي عمه (بلياس). كان (بلياس) متوجسا من (جيسون) خيفةً؛ ذلك أن (جيسون) كان مدعوما من الآلهة (هيرا)، فأرسله ليأتي بالجرة طمعاً في هلاكه على يد التنين الحارس. فقبل (جيسون) التحدي، إذ كان أشجع فتيان اليونان.

كان يحرس الجُزة تنين يقتل كل من اقترب منها، تم إرساله لكي يتم قتله على يدي التنين! ركب (جيسون) السفينة أرغو، وأبحر إلى كولشيدا. رأته (ميديا) ينزل من متن السفينة فوقعت في غرامه من فورها على نحو جنوني للغاية، ولم تكن قادرة على رفع عينيها عنه!

تم تكليف (جيسون) بأعمال شاقة وصعبة، وكانت (ميديا) تنقذه دائما من تلك الأعمال. أنقذته من التنين الحارس للجُزة، فلولا (ميديا) لما تمكن (جيسون) من الحصول على الجُزة لاستعادة الحكم!

وقد هيمن عليها حُبّه لدرجة أنها قتلت أخاها قبل أن يقتلهما هي و(جيسون)! وقفت (ميديا) مع (جيسون) ضد أبيها وشعبه، وعندما همّت بالهروب مع (جيسون) دعت أخاها ليهرب معها، وافق أخوها (أبستروس) ورافقها ليتمكن منها، فاستخدمته لتمنع والدها من اللحاق بها، فقتلت أخاها وقطعته وألقت به في البحر قطعة قطعة، فلم يتمكن والدها من تقفي أثرها!

توقفت عن السحر بعد ذلك، رحلت وتزوجت (جيسون)، لكن (جيسون) ما لبث أن سئم منها وتزوج بعدها ابنة الحاكم اليوناني. زواج (جيسون) جعلها تعود إلى السحر! فعادت وقتلت زوجته برداء مسموم أرسلته لها كهدية زفاف. ثم قتلت ابنيها الذين أنجبتهما منه بإلقائهم من سطح القصر، وتنتهي بهذا الذبح أسطورة (ميديا) في (الأوديسة).

قيل قتلت أبناءها انتقاما من أبيهم، وقيل بل قتلتهم رحمة ورأفة بهم.

يذكرني مشهد قتل ميديا لأبنائها بمشهد لبوة تركت وليدها خلفها بعد إصابته بجرح منعه من المشي، تركته خلفها لتتقدم؛ لم تكن لتتقدم خطوة لو توقفت من أجله. هذه هي القوة ألا تترك مكانا للعواطف بالتحكم في مسيرك ومصيرك، أن تتقدم دائما للأمام متجها نحو النصر.

قد يرى البعض هذه قوة، وقد يكون التخلي عن التقدم والنصر هو القوة! هل تكمن القوة في التخلي عن العواطف؟! أو أن الرحمة والعطف منبع القوة الأصلي؟!

لكن ميديا كانت تشعر على نحو دائم أنها على حافة هاوية إن لم تضرب سيتم دفعها للسقوط! لذلك عُرفت عنها مقولتها الشهيرة: “أفضل دفاع هو الهجوم الجيد”. قيل إنها أصبحت زوجة (أخيل) بعد ذلك، وتمت عبادتها في روما كربّة للسحر، وكوسيطة لـ(هيكاتيه)، وجعلوا مركز عبادتها في ثيساليا مركز السحر.

السحر والنسوة في الأدب؛ (ميديا) و(كوركي) أنموذجًا

نلحظ مما سبق تهميش أدوار المرأة في السياقات التاريخية، وفي الأدب العالمي. إن مجرّد افتقار المرأة للحوار في الأدب يعكس جلياً التهميش الحاصل لها.

كما يتم ذكر قوة المرأة غالبا كشرّ! فلنتخيل للحظة لو كانت (ميديا) أو (كيركي) رجالاً! لكانوا أبطالاً شجعانا لا سحرة بكل تأكيد. نقرأ في الأدب عبارات مثل: “كان (جيسون) أشجع فتيان اليونان!” أو: “ضجِر (جيسون) من حماقة (ميديا)! ونقرأ عن (ميديا): “طردها والدها لقتلها أخاها، رغم أنها قتلته إثر وقوعها تحت ضغط هائل من أسرتها، قتلته في محاولة أخيرة للنجاة بنفسها”.. لكنهم أرادوها أن تُضحي ككل النساء.

تعلمت (ميديا) كما (كيركي) أن الناس ولابد سيخطئون عليهن فكان عليهما أن تخطوان الخطوة الأولى كتكنيكٍ دفاعي؛ لذلك عُرفت عبارة ميديا السابقة الذكر “أفضل دفاع هو الهجوم الجيد”. ورغم أن شخصية (كيركي) كانت أكثر تعاطفاً من شخصية (ميديا) إلا أن الاثنتين عوملتا بالمثل: النفي والاتهام بالسحر.

تمتعت (ميديا) بشخصية قوية مستقلة عن مجتمعها، لم تكن مطيعة! لم تكن تابعة؛ بل كانت صاحبة قرار، رفضت أن تتم معاملتها بصفة الابنة أو الزوجة. إن صعوبة تنفيذ المرأة لقراراتها لا يؤدي إلا إلى صعوبة الخيارات التي تتبقى أمامها تحت ظلّ النظام الأبوي الذي تعيش فيه.

إن “للسحر” رمزية تشير إلى كراهية المجتمع لقوة الأنثى. أما رمزية ممارسة السحر للنساء فقد كان يمثل بحثهن عن الأمان والاستقلال في عالمهن الموحش.

أدهشني حقيقة أن أرى نموذج (ميديا) و(كيركي) منذ أقدم العصور، لايزال يتكرر  حتى عصرنا الحاضر. غير أن الاتهام “تطوّر” إلى الجنون والفساد والتمرد والمجون! لم يتغير الكثير في الحقيقة ولاتزال المعركة قائمة.. تُنبذ المرأة القوية ويُطالبون بنفيها بعيدا..

أخذت ابنتي لحضور فيلم (مولان) ٢٠٢٠، لفتت نظري شخصية المرأة المحاربة التي وُهبت طاقة “التشي”، الطاقة التي كانت تعدّ فخرا وشرفا للرجال فقط، أما الفتاة التي تتجرأ على إظهارها فيتم نفيها وإقصاؤها ووصمها بالساحرة بدلا من المحاربة، كالرجل المحارب!

تقول شخصية المرأة المحاربة أو الساحرة التي تم نفيها في الفيلم: “كنت كلما أظهرت قوتي أكثر كلما سحقوني أكثر”!

وتقول (كيركي): “يجعلك الشعور بالوحدة الكبيرة تخلق استقلالاً عظيماً”، وتقول: “أرتقي عندما أذهب إلى الأعشاب، أنا أصنع شيئا.. أُحوّل شيئا.. السحر الخاص بي أقوى من أي وقت مضى.. كم عدد الذين لديهم مثل هذه القوة والترفيه والدفاع مثلي؟!”.

تعتقد (مادلين ميلر) إن الطريقة الوحيدة للتمسك بالسلطة مع أخلاقك كامرأة في وقت واحد لن تكون إلا بالشجاعة! إذا حاولت الاستقلال في هذا العالم فأنت مجبرة على القيام بما قامت به (كيركي) و(ميديا) و(هيدا)، ستضطرين دائما إلى الدفاع عن نفسك ضد الشك، مع أن ذلك سيؤدي في معظم الأحوال إلى خلق المزيد من الشك. أو أن تصبحي مثل ثيا في قصة (هيدا) أو (بينولوبي) زوجة (أوديسوس) المخلصة. 

تجسد “الساحرة” قلق الذكورية بشأن قوة الإناث، إلصاق تهمة “السحر” بالأنثى القوية؛ ليتمكنوا من قول: انظروا ماذا يحدث عندما تُعطى المرأة القوة والاستقلال؟! وغالبا ما تكون الساحرة المشعوذة القبيحة الشريرة مجرد امرأة عزباء حرة ومستقلة! عندما ننظر لـ(كيركي) بتجرد فهي في حقيقة الأمر امرأة حكيمة مستقلة وممرضة وطبيبة، جعلوها ساحرة! لكنهم إذا مرضوا لجأوا إليها بحثا عن العلاج.

يجب أن لا ننسى ذكر ليدي مكبث والساحرات الثلاث ضمن هذا السياق، واللاتي مثلن السحر والشعوذة في انعكاس للمعرفة والقوة والرغبة في السلطة تماما كالرجال!لم تكتفِ المجتمعات باتهام المرأة بالسحر والشعوذة والفساد والمجون والجنون، بل إن الأمر تعدى ذلك إلى التلذذ بإذلال المرأة انتقاما من عزتها وقوتها وصلابتها!

(هيدا جابلر)

عندما أشهر (أوديسوس) سيفه على رقبة (كيركي) في “مشهد بطولي” يملأ أعين الناس فرحاً! ركعت (كيركي) أمامه استجداء عطفه ورحمته، وأهدت نفسها وبيتها له لسنة كاملة، وأرشدته طريق العودة. وكأنه لا يمكن أن تكون هناك قصة مالم تزحف النساء باكية طلباً للرحمة! أما أدوار البطولة والعزة فقد كانت للرجال دوماً.

كانت المرأة تخشى أن تمتعض بشأن أي هضم لحقوقها خوفاً من اتهامها بالاتهامات الباطلة التي يطلقونها جزافاً. صوروا ميديا بصورة الساحرة الشريرة الحاقدة المتهورة اللاعقلانية! مثّلت (ميديا) و(كيركي) المرأة التي لا تقبل التنازل عن حقوقها. تحولت شخصيتاهما عبر الأزمنة من الساحرة القاتلة الشريرة إلى أحد رموز التحرر الأنثوي من النظام الأبوي.

ثم أطلّت علينا شخصية (هيدا جابلر) لـ(هنريك إبستن) في القرن العشرين، (هيدا) من أوائل المطالبات بحقوق المرأة، والتي تم تصويرها من قبل المجتمع على أنها امرأة منحرفة. تعتبر (هيدا) نسخة حديثة من (ميديا)، وهي امرأة أرادت الاستقلال لكنها لم تُعط هذا الحق الأصلي، فكانت ردة الفعل الوحيدة الممكنة هي انعدام الوفاء لأهلها الذين سلبوا منها حقها، لتُتهم تلو ذلك بالشرّ والخيانة ولا غرابة!

كل ردّات فعل هؤلاء النساء حتى الأكثر جموحا لم تكن سوى صرخاتٍ للمطالبة بحقوقهن المسلوبة، لم تكن أكثر من ردودٍ على كل الاتهامات والافتراءات الباطلة. سُلبوا التمكين من التواصل والتعبير، لم يقبلوا حصولهن على صوت؛ خشية من سماعه. يزعجهم ألا تكون المرأة خادمة خاضعة، زوجة وأم فقط في هيكلة ثقافية صنعت مؤسسة الزواج الشبيهة جدا بالعبودية.

إن صورة (هيدا) وهي تمسك بيدها مسدساً أرعبتهم، ترعبهم للغاية فكرة أن تمتلك المرأة القوة! لذلك خلعت (ميديا) الضعف الناتج عن عواطف الحب والذكريات حتى أنها قشعت عنها غريزة الأمومة! كان عليها أن تتجرد لتحكم لتسيطر ففي عالم القوة لا وجود للعاطفة والرحمة.

وهم بالمناسبة يحاربون اللطف بشكل عام، حتى الرجل اللطيف يُحارب! يرون اللطف ضعفاً! فالبقاء للأقوى في معركة البقاء، على الأقل في المجتمعات المتشددة. ليس للألطف كما يرى أصحاب نظرية البقاء للألطف! أو للأجمل رغم أن اختيار الأجمل أمر في غاية القسوة ولا يتعارض مع الأقوى إلا باختلاف الصفة، سحرت معايير الجمال أصحاب هذه النظرية حتى لم يروا مدى قسوتهم!

وفي حقيقة الأمر لا يعدو “الرجل المثالي” بالنسبة لهم أكثر من مجرد خادم متسلط! حتى إن الشريعة الإسلامية تعتبر القوامة تكليفا لا تشريفا! المنظومة بأكملها بكل عناصرها مُجهدة ولم تقم على نحو صحيح، كان “الطفل” ولا زال المستفيد الأول. إن كل هذه الأمور تحدث وتدور حول بناء البيئة الأنسب لتربية الطفل، من أجل استمرار وتطور البشرية.

ربما كان تسلط الذكر على الأنثى هو ما بدأ الذكورية، ربما كذلك كان أول من استدعى كل ذلك امرأة كسولة أو متخاذلة، امرأة كانت أكسل من أن تقوم بأمورها وأمور وليدها، امرأة تدّعي الضعف وعدم القدرة على توفير غذاء طفلها. فيهرع الأب من منبع الأبوة لتوفير احتياجات ابنه! ربما رأوها أخريات وأعجبتهم الخدعة، خدعة كانت أو حالة ضعف فردية!

كُتب الانتشار للخدعة أياً كانت! وكلما استاءت امرأة لا يسُرّها أن تُخدم رغماً عنها ثارت ثائرة بقية النسوة وأقاموا الدنيا عليها خوفاً من انكشاف خدعتهن وزوال مكاسبهن من توفير المعيشة المجاني الذي يقدمه الرجال بكل إخلاص! حتى إن المرأة الكسولة من شدة كسلها أعطت دور المحارب للرجل؛ لينوب عنها، كانت أكثر كسلا من أن تحارب معاركها! أقنعت الرجال أن الشر كل الشر يكمن في استقلال تلك المرأة عن الرجل.

أو ربما.. ربما كان رجلا خدوما بطبعه أراد لشريكته الراحة فأثار إعجاب النساء فقلده بقية الرجال.. ربما.. لن يعلم أحد بشيء على وجه اليقين! ربما لم يكن “الذكر” عدو المرأة، بل كانت قناعة ممكنة الحصول لدى الرجل أو حتى المرأة.

الأنثربولوجيا النسوية، ونظريات تحليل تبعية المرأة

وددت لو أمكنني أن أسترق النظر إلى العصور الأولى للجنس البشري، حتما لن أتفاجأ لو رأيت النساء تصيد! لكان الكسل والتكاسل والرغبة في الاعتماد على الآخرين السببَ الأولَ لظهور الذكورية، التي تطورت وازدادت حدة بمرور الزمن. ولكنت أضفت الكسل إلى أوائل الذنوب جنبا إلى جنب مع الكبر والحسد!

وقد ظهرت الأنثربولوجيا النسوية كحقل فرعي لعلم الأنثروبولوجي، كردة فعل على التحيز الذكوري القائم والظاهر في عملية جمع المعلومات، فقد بُنيت العلوم الاجتماعية تحت أنماط التفكير السائدة في المجتمعات. كنمط التفكير الكنسي على سبيل المثال! مما أدى إلى نتائج كارثية، وفهم ناقص للتجربة الإنسانية!

وقد اعترضن نسويات الأنثروبولوجي على الصبغة الذكورية الظاهرة بحدة في تحليل الآثار، التي ادعت أن القائمين على عمليات الصيد وسنّ الرماح هم من جنس الرجال فقط. بدأت الأنثروبولوجيا النسوية موجتها الأولى بالعمل على تطوير نظريات لتحليل تبعية المرأة، والذي بدا عالمي الحدوث في العديد من الثقافات.

إن عدم وجود نظريات تفسر اضطهاد المرأة على اختلاف أنواعه، جعل تفسير الماركسية للطبقية والقهر الرأسمالي يظهر كتفسير لهذا الاضطهاد. فتبعية النساء في المجتمعات الرأسمالية سواء من حيث دورهن الإنجابي وأعمالهن الأسرية الغير مدفوعة الأجر ناشيء من الاتجاهات التاريخية التي سبقت الرأسمالية نفسها. إذ إن عمل المرأة الأسري بلا أجر أمر داعم لإنتاجية أقوى في الأعمال، مما يؤدي إلى تقليل التكلفة الإنتاجية من أجل تشغيل الاقتصاد الرأسمالي، مما يزيد هوامش الربح للطبقة البرجوازية.

وقد تم عزو بداية اضطهاد المرأة إلى العصر الحجري الحديث عند بداية تملك الرجال للأراضي والقطعان، ورغبتهم في نقل الملكية إلى نسلهم عبر الميراث الأبوي، وتم تحقيق ذلك من خلال الإطاحة بالنسب الأمومي مما أدى إلى الهزيمة التاريخية للجنس الأنثوي.

لكنني أتوقف هنا عن ربط النسب الأمومي بالاضطهاد الحاصل للمرأة؛ لكون الجين المسؤول عن استمرار السلالة البشرية ينتقل عبر الذكور فقط ولا ينتقل عبر الإناث، وإن لم تكن الأجيال السابقة على علم بهذا الأمر. وكان هناك تفسيرات أخرى ذات نهج بنيوي لما تعرضت له المرأة من اضطهاد، بناءا على أن دور الذكر في الإنجاب سمحت للجنس الذكري أو أجبرته على العمل خارج المجال المنزلي الآمن نسبيا.

لكن كلا النموذجين الماركسي والبنيوي يرفضان فكرة أن اضطهاد المرأة كان لسبب فطري أو بيولوجي في الأنثى، بل هي مجرد برمجة مجتمعية للسلوك البشري. فإن ازدواج الشكل الجنسي لدى الإنسان هو سمة بيولوجية للأنواع ولا تُلزم بأي برمجة لسلوك الاضطهاد الحاصل للمرأة.

وتُعتبر الأنثروبولوجيا النسوية أساس ما بعد الحداثة؛ لأنها تشكك في الافتراضات. لطالما كان نموذج الرجل الصياد مسيطرا وداعما لفكرة أن الرجل هو القوة الدافعة للتطور البشري! لكن لم يعد بالإمكان تجاهل الانحياز الثقافي الذكوري في تحليل تاريخ الجنس البشري، وتهميش دور المرأة الضخم في الأنشطة الإنتاجية والإنجابية التي أُسندت لها من قبل الثقافة المجتمعية آنذاك.

ويجعلنا نهج التكوين الثقافي نتساءل: هل تحكم الثقافة البيولوجيا؟! هل كل الرجال سواء؟ وهل كل النساء سواء؟ هل يملك كل الرجال والنساء البنية الجسدية ذاتها؟! بغضّ النظر عن أدوات التكاثر الجنسي!

هكذا ظهرت نظرية كوير كردة فعل ما بعد البنيوي، حيث تتحدى فكرة الفصل بين الجنسين، وتتحدى فكرة أن جنس الإنسان جزءٌ من الذات الأساسية، بل إن الجنس اعتمد بدلا من ذلك على الطبيعة المبنية اجتماعيا للهويات الجنسية المعطاة لها، فالمؤسسات الاجتماعية هي التي صنعت الهياكل الاجتماعية الجنسية المعيارية للبشر.

ونلحظ مدى تأثير البناء الثقافي لكل جنس، وفكرة الثنائيات المتأصلة لدى دوركايم. فالأنثروبولوجيا النسوية تسعى لإظهار النظام الاجتماعي بصورته الديناميكية الحقيقة الواقعية باعتماد الأمر على الفرد بذاته لا على جنسه ذكرا كان أو أنثى. وتم تأسيس هذه النظرية الديناميكية بناءا على فكرة ماركس بأن العلاقات الاجتماعية تتجلى مع الممارسة في الواقع، فالتركيز الآن يجب أن يقع على الهوية لا على الجنس.

وتدرس حاليا الموجة الثالثة من الأنثروبولوجي النسوي الاختلافات بين النساء بعضهن البعض، وليس بين الإناث والذكور كالسابق. فقد أصبحت القوة هي العنصر الحاسم في التحليل الأنثروبولوجي. كل ما علينا الآن فعله كما أشارت ماريان هستر هو أن نكرّم ذكر الساحرات تقديرا وإجلالا للقوة.

فلتحيا الساحرات!

A group of people sitting in front of a building

Description automatically generated

كيركي في (أوديسية) هوميروس .. السحر والساحرات وأوديسيوس

هوميروس

(هوميروس) الشاعر الذي عاصر حرب طروادة في القرن التاسع قبل الميلاد، وكتب شعره الأعظم عنها (الإلياذة) تلتها (الأوديسة).

لم يكن (هوميروس) اسم الشاعر بل كان لقباً للشاعر باللغة الإغريقية القديمة، والذي يعني الأعمى، فقد قيل إنه فقد بصره آخر حياته بعد مشاركته في طراودة. وقيل إن (هوميروس) ليس شخصاً واحداً فقط، بل هو مجموعة من الشعراء، وهو شخصية خيالية لا وجود لها على أرض الواقع، و(هوميروس) هو الاسم الذي يمثّل هذه المجموعة؛ نظراً لاستحالة كون كل هذا العظمة الشعرية والأدبية في رجل واحد فقط! وقال آخرون بل إن (هوميروس) بالفعل شاعر كتب (الإلياذة)، لكنّ شاعراً آخر مجهولاً قد كتب (الأوديسة)؛ نظراً لاختلاف الزمن والأسلوب! ذلك أن (الأوديسة) كُتبت في السبعمائة قبل الميلاد. لكن تم الرد على تغير الأسلوب بأن من الطبيعي أن يتطور الأسلوب مع التقدم في العمر لدى غالب الشُعراء، ولم يتم إثبات تواريخ كتابة القصائد.

وهذه الأقاويل والتكهنات لم تؤثر للحظة على اسم (هوميروس)، فقد لُقّب بالمعلّم الأول في عالم الشعر والأدب.

السحر في عالم (هوميروس)

كان السحر عند (هوميروس) خيالاتٍ لامتلاك القوى .. القوى الخارقة! كان سحر (هوميروس) ألوهية صغرى.. كان القوة في جوهره .. القوة لتغيير العالم! القدرة على التأثير على البشر .. كان شكلا من أشكال السلطة .. كان كذلك شكلا من أشكال التحكم في المصير، وكان دفاعاً عن النفس في قصص أبطال (هوميروس).

لم يفرق (هوميروس) بين السحرة من الجنسين رجالا ونساءً. كان أفراد الأسرة سحرة رجالها ونساؤها دون أدنى تفرقة! كان (آييتس) و(كيركي) الأخ والأخت الشقيقين السحرة الأقوى على الإطلاق. وكانت أختهم (باسيفاي) ساحرة كذلك،

ثم وُلدت ميديا ابنة (آييتس) التي كبرت لتصبح أشهر الساحرات على الإطلاق. 

كان السحر في قصص (هوميروس) مرتبطاً بالحب واللعنات، وكان السحر بالنسبة إليه معرفة وحكمة. كان السحر المعمول باستخدام خلطات الأعشاب والنباتات معرفة خارقة للطبيعة، لم تتواجد المردة والشياطين في عالم سحر (هوميروس)، كان هناك عوالم سفلية من الأموات والأرواح، وكان هناك إراقة للدماء من أجل استدعاء الأرواح.

وكان عالم السحر مرتبطا بالطيور أيضا، حيث ساد الاعتقاد بأن للطيور القدرة على الانتقال بين عوالم الأحياء والموتى، وكانت تأخذ معها الساحر للانتقال من عالم الأحياء إلى عالم الموتى. وكان آييتس يملك قوة إحياء الموتى. وكانت هذه المعارف تعدّ معارف إيجابية وليست شريرة على الإطلاق.

وقد جعل (هوميروس) للسحرة بعض السمات؛ كالعصا في اليد، والتلويح بها في حركة لإلقاء التعاويذ، إضافة إلى العلاقة القوية بين السحرة والحيوانات.

تتواجد القطط دائما حول السحرة، وقد كان لدى (كيركي) قطة تسميها أسدي، بالإضافة لامتلاكها مجموعة كبيرة من الأسود والذئاب. وكان لدى (آييتس) مجموعة كبيرة من التنانين.

عُرفت الساحرات كذلك بالضفائر، في مظهر يوحي بالغرابة والجمال. قيل إن الضفائر آلية لربط وفك العقد لتعاويذ السحر؛ من أجل إطلاق الطاقة السحرية. وقيل بل كانت الجدائل لخشية الساحرات من تعلق خصل شعورهن في أغصان الشجر عند ذهابهن لجمع الأعشاب من أجل عمل السحر.

عُرفت (كيركي) بالضفائر في وصف (هوميروس) لها، فقد كان يقول إن ضفائرها تملك القدرة على الخلق والدمار، وعلى تغيير الأقدار. كانت (كيركي) أول ساحرة في الأدب الغربي. تنافسها في اللقب الساحرة اندور في التوراة لكن وصف “ساحرة” لم يتم إثباته على اندور، وعلى ذلك تتوج (كيركي) كأول ساحرة في الأدب.

(كيركي) .. “الآلهة التي تتحدث كالبشر!

هكذا وصف (هوميروس) (كيركي)؛ ابنة إله الشمس (هيليوس) وحورية البحر (بيرسي). قيل إنها آلهة القمر وأنها ذات أصل بابلي. وقيل إنها آلهة الحب!

عاشت (كيركي) طفولتها وحيدة بين الآلهة، وبعد أن كبرت وقعت في غرام (بيكوس)، الذي سُمي بهذا الاسم لاعتماده على نقار الخشب في العرافة. وقد كان (بيكوس) فارسا ماهرا ووسيما للغاية سعت خلفه الحوريات لجماله. لكنه كان متزوجا من (كانسيس)، لكنّ ذلك لم يمنع (كيركي) من الوقوع في غرامه! إلا أن حبها قُوبل بالرفض والازدراء فما كان من سيدة كـ(كيركي) إلا أن تنتقم أشدّ الانتقام! قامت (كيركي) بتحويل (بيكوس) إلى نقار خشب! وقامت بتحويل رفاقه إلى مجموعة متنوعة من الوحوش. تاهت إثر ذلك زوجة (بيكوس) بجنون في الغابة حتى لقت حتفها على ضفاف نهر التيبر، تاركة خلفها ابنا لها من (بيكوس) يدعى (فاونوس).

تزوجت (كيركي) بعد ذلك أمير كولشيس، وقيل ملك سرماريا. وفور انتهاء شهر العسل تولت (كيركي) السيطرة التامة على عرش مملكة زوجها ثم سممته حتى تستولي استيلاءً كاملاً على الحكم. لكن بمجرد اكتشاف قتلها لزوجها لم يكن أمامها سوى الفرار خياراً. فرّت أو قيل نُفيت من قبل والدها إلى جزيرة آيايا التي تقع وراء الشرق والغرب عند بزوغ الفجر على ساحل إيطاليا..

تم ربط (كيركي) بطيور الموت المعروفة باسم (كيركوس)؛ لأن صرخات هذه الصقور تصدر بصوت: “كيرك كيرك”. وهي صقور تُطوّق فرائسها قبل أن تقتلهم. وكانت (كيركي) تُطوّق فرائسها البشرية داخل منزلها على الجزيرة قبل أن تلقي بتعاويذها السحرية عليهم كذلك.

وقيل من الكلمة اللاتينية سيرك وجذرها “سيرس”، وتعني لعبة جنائزية، وهذا يوافق وصف عرين (كيركي) أو “سيرس| على جزيرتها. ونجد اسم كيركي يُكتب باليونانية بحرف الكي وبالانجليزية بحرف السي، لذلك نجده تارة ينطق كيركي وتارة سيرس!

صقلت (كيركي) مهارتها في حرفة السحر بنفسها على الجزيرة على مدى مائة جيل كما قيل. تقول (كيركي) عن ممارستها للسحر:

كنت أسير في عالم نعسان وبليد وخامل، ثم علمت أنه يمكنني ثني العالم لإرادتي حيث تم ثني القوس للسهم! كنت سأفعل ذلك العمل الشاق ألف مرة للحفاظ على هذه القوة التي في يدي. فكرت هذا ما شعر به زيوس!

ترى (كيركي) العمل كالحب يصنع الحياة، تقول (كيركي) بعد إتقانها السحر: “طوال هذا الوقت كنت حائكا بلا صوف، سفينة بلا بحر”.

رحلة (أوديسوس) إلى إيثاكا

يروي (هوميروس) حكاية (كيركي) الشهيرة و(أوديسوس) في (الأوديسة). كان (أوديسوس) ملك إيثاكا، وكانت (الأوديسة) تركز على رحلة (أوديسوس) البحرية للعودة إلى إيثاكا بعد تروي أو ملحمة طروادة. والتي استغرقت منه عشرة سنوات ضاع فيها هائما في البحر يواجه تحديا تلو الآخر، بسبب غضب إله البحر منه؛ لتهوّر بحارته. حتى ظنت (بينولوبي) زوجة (أوديسوس) أن زوجها قد مات في تروي، وكان عليها رفض العروض الكثيرة التي انهالت عليها بالزواج، خاصة بعد عودة المحاربين من طروادة. وتنتهي (الأوديسة) بعودة (أوديسوس) لزوجته، وانتقامه من كل الرجال الذين حاولوا الوصول إليها.

رست سفينة (أوديسوس) على شاطئ جزيرة آيايا، فأرسل (أوديسوس) ثلاثة وعشرين رجلا من بحارته؛ ليستكشفوا الجزيرة قبل دخوله لها.

صادف رجاله مجموعة متنوعة من الحيوانات البرية، وأثار دهشتهم أن الحيوانات كانت تقترب منهم بطريقة ودية، في محاولة لإلقاء التحية! ورغم كون هذا اللقاء محيرا جدا إلا أن البحارة استمروا في استكشاف الجزيرة، حتى وصلوا لمنتصفها فسمعوا غناءا هادئاً جميلا من بعيد، – شيء ما آسرٌ في الأغاني الهادئة ترغمنا بمحض إرادتنا على استرعاء السمع، تجذبنا تغوينا لملاحقتها بكل انتباه، نحنو لها وكأننا سنلقى السعادة عند الوصول لمصدر الصوت -، ربما لذلك اتبع البحارة الصوت لمعرفة مصدره على الرغم من الغرائب التي شاهدوها، ليتفاجئوا بـ(كيركي) واقفة أمامهم مرحبة بهم! دعتهم (كيركي) إلى منزلها لتقديم الضيافة، وإقامة وليمة على شرفهم. وبمجرد انتهاء البحارة من تناول الطعام حتى شعروا بالخدر، ثم بدأت أجسادهم بالتحول إلى أجساد خنازير. فأخذتهم (كيركي) إلى الحظيرة التي خصصتها لهم. بحّارٌ واحد تمكن من الهرب، فرّ هاربا إلى السفينة ليخبر (أوديسوس) بما حصل لبقية البحارة. واقترح عليه أن يغادر الجزيرة على الفور بلا عودة، لكن (أوديسوس) أبى أن يتخلى عن رجاله ويتركهم لهذا المصير.

ودخل إلى الجزيرة باحثا عنهم من أجل إنقاذهم، فالتقى هناك بـ(هرمس) مبعوث الآلهة؛ ليخبره بكيفية إنقاذ رجاله، وحماية نفسه من كيركي. فلما التقى (أوديسوس) بـ(كيركي) رحبت به بأذرع مفتوحة ظنّا منها أنها وجدت ضحية جديدة من ضحاياها. تظاهر (أوديسوس) بالنوم بعد تناوله الطعام الذي أعدته (كيركي). وجهت (كيركي) عصاها السحرية نحوه ولما ضربته بها تفاجأت به يقفز واقفا موجها سيفه نحو عنقها! تفاجأت (كيركي) واستسلمت فورا راكعة له استجداءً للرحمة.

استجابت (كيركي) لـ(أوديسوس) وأعادت له بحارته، بل إنها قدمت نفسها وبيتها له. طلب منها (أوديسوس) بأن تعيد رجاله أجمل وأطول مما كانوا عليه تعويضا لهم عما أصابهم. لكن (أوديسوس) لما همّ بإعادة رجاله لطبيعتهم كبشر فرّوا منه هربا واختبأوا، وعندما تمكن (أوديسوس) من الإمساك بأحدهم وأعاده لبشريّ، وكان (إلفونروس) تفاجأ بأنه كان أبعد ما يكون عن الشكر والامتنان! بل إنه كان غاضبا حانقا ممتعضا، واشتكى قائلا:

إذاً أعدتني للاشتغال؟! مرة أخرى! أعدتني للتعرض للمضايقة وللتعرض للمخاطر، ولإجبار عقلي وفكري على اتخاذ قرارات جديدة؟! لقد كنت سعيدا جدا بحالي كخنزير، كنت أتمرغ في الوحل طوال اليوم، مستمتعا بأشعة الشمس الدافئة، ألتهم الطعام في أي وقت وبأي كمية. وتخلصت من كل الشكوك وكل الأفكار، لماذا أتيت وأعدتني إلى هذه الحياة البغيضة؟!

يتساءل (باومان) هنا في مقدمة كتاب (الحداثة السائلة): “لماذا أصبحت الحرية لعنة؟!” ويجيب -باعتبار أن الوضع لا يزال مشابها للواقع اليوم-: إننا قد نلقي اللوم على الثقافة الحديثة التي صممت لجعل الناس متعطشين للترفيه، بدلا من الإشباع الفكري. أو أن ننتقد الليبرتارية وارتباط السعادة بمساحة الحرية. ويتفق (باومان) مع (توماس هوبز) و(إميل دوركايم) في التشكيك في فوائد الليبرتارية للحرية.

ونلحظ هنا الفرق الكبير بين الراحة والحرية. الحرية جهد والراحة سكون. غالبا المرتاح لا يُبدع والحرية إبداع! المرتاح ربما يجد متسعا من الوقت ليتعلم أكثر ليطلع أكثر، لكن الضغط وحده من يدفع الإبداع للظهور، أيا كان نوع الضغط، وأيا كان نوع الإبداع. من هنا استحق العظماء عظمتهم؛ لأن للحرية مصاعب وضغوط تحملت عظامهم ثقلها بكل جلادة وصبر حتى تكسرت؛ لتنتج لنا كمية من الإبداع الفكري الرائع!

هل ساعدك الوباء على قراءة الروايات الكلاسيكية الطويلة؟

مبيعات رواية (الحرب والسلم) و(دون كيخوته) و(مدل مارش) تزدهر. قراءة الروايات الطويلة أصبحت أكثر جاذبية أكثر من أي وقت مضى.

ما الذي يفعله الناس لقضاء ساعات فراغهم في المنزل؟ ندفن أنفسنا في روايات طويلة جداً مثل (الحرب والسلم)، و(دون كيخوته)، على ما يبدو. في بداية حظر التجول الأول، طوال طريق العودة في شهر مارس، أُبلغنا أن القراء بدأوا في تخزين الروايات الطويلة والقصص الكلاسيكية. بعد أكثر من سبعة أشهر، أفادت دار النشر راندوم هاوس أن مبيعات نسختها من (الحرب والسلم) – التي تصل إلى ١٤٤٠ صفحة – قد ازدهرت بنسبة ٦٩٪ في المملكة المتحدة حتى الآن هذا العام: وفقاً لشركة نيلسون بوكسكان لمراقبة مبيعات الكتب، فقد تم بيع ٣٧٠٠ نسخة في عام ٢٠١٩ إلى ٦٣٠٠ نسخة في عام ٢٠٢٠ حتى الآن.

كما شهدت دار النشر ارتفاعاً في مبيعات (دون كيخوته) [١٠٥٦ صفحة بزيادة ٥٣٪] و(آنا كارينينا) [٨٦٥ صفحة بزيادة ٥٢٪] و(مدل مارش) [٨٨٠ صفحة بزيادة ٤٠٪] و(الجريمة والعقاب) [٧٢٠ صفحة بزيادة ٣٥%].
يقول (جيس هاريسون)، وهو مدير تحرير بينغوين كلاسيكس:

كنا نتوقع أن نشهد ارتفاعاً كبيراً في القراءات المريحة، مثل روايات الغموض الدافئة أو الروايات الهزلية الخفيفة. وبدلاً من ذلك، يبدو أن القراء قد استلهموا من الإغلاق للتعامل مع الآثار الأدبية العظيمة – الكتب التي ربما كانوا يقصدون دائماً قراءتها، ولكن لم يكن لديهم الوقت من قبل للشروع في ذلك.

يبقى أن نرى ما إذا كان القراء ينتهون من رحلتهم. ولكن هناك بعض قصص النجاح، مثل أكثر من ٣٠٠٠ قارئ شاركوا في Tolstoy Together، وهي مجموعة قراءة لرواية (الحرب والسلم) أشرفت عليها الروائية (ييون لي)، والذي خصص لهم ١٠-١٥ صفحة من القراءة اليومية على مدار ٨٥ يوماً متتالياً.

“لقد وجدت أنه كلما كانت الحياة أكثر غموضاً، كلما زادت الصلابة والبنية التي توفرها روايات (تولستوي)“، تقول (ييون لي“في هذه الأوقات، يريد المرء أن يقرأ مؤلفاً تأثر بشدة بالعالم لدرجة أنه قد يبدو غير متأثر في كتاباته”.

كان هذا بالتأكيد صحيحاً بالنسبة لي. بعد أن دفنت نفسي في الفرح الغامر في (ثلاثية ميرلين) لـ(ماري ستيوارت) [تصل نسختي الشاملة إلى أكثر من ٩٠٠ صفحة] في وقت سابق من هذا الصيف، أقترب حالياً من الانتهاء من إعادة قراءة رواية (كثيب). فقط ٦٠٠ صفحة فردية، تافهة إلى حد ما مقارنة برحلة الروائية (ييون لي) إلى روسيا في القرن التاسع عشر، لكن سيدي، الغرق مرة أخرى في عالم (فرانك هربرت) من الديدان الرملية، والساحرات (ثوبترز) و(بيني جيزيريت)، كان كل ما أحتاجه تماماً. كما أفعل في كل مرة أعيد فيها قراءة (كثيب)، وجدت نفسي أتمتم في سطور مناسبة لنفسي – “الخوف هو الموت الصغير” – وأمارس المشي على الرمال مثل (فريمان) عندما أكون في الملعب مع أطفالي: “يجب أن تحاكي حركتهما أصوات حركة الرمال الطبيعية، وحركة الرياح. لكن عضلاتها اعترضت على نمط السير غير الطبيعي. سحبة… سحبة… خطوة… خطوة… انتظار… سحبة… خطوة.” بعد كل شيء، لا تعرف أبداً متى ستظهر (شاي-هولود) وجهها.

ستؤدي متابعة قراءة (كثيب) مع السلاسل التابعة لها مثل (مسيح الكثبان) و (أطفال الكثبان) إلى رفع عدد صفحاتي إلى مستويات أكثر جدارة بطاقم (الحرب والسلم)، لكنني لست مقتنعاً بعد بأنني سأستمر في الانتقال إلى (فرانك هربرت) (أقل شأناً، في ذاكرتي).

تكملة: أنا بالتأكيد لن أعود إلى تلك الأعمال المكتوبة بعد وفاته. لكن قراءة طويلة أخرى ستغريني بالتأكيد. ما هي كتبك الطويلة المفضلة؟ هل وجدت العزاء في تلك الروايات التي يتطلب حملها بكلتا يديك؟


بقلم: أليسون فلود
ترجمة: سليم الشمري
مراجعة وتحرير: أحمد بادغيش

[المصدر]

ملخص عام ٢٠٢٠ .. أبرز خمسة مقالات منشورة في ساقية؛ للشعر وللفلسفة وللتأمل

في كل عام، نقوم بنشر العديد من المقالات المختلفة سواءً المترجمة أو المقتبسة من شتى مصادر المعرفة، والتي تنال الكثير من تفاعل القراء في مختلف العالم العربي، والتي نستمتع بكتابتها كفريق في رحلاتنا الشخصية للبحث عن الحكمة والمعرفة.

نتفق جميعًا أن هذا العام كان مختلفًا عن جميع الأعوام السبع الماضيات، كان من المثير جدًا البحث عن مختلف المقالات المعرفية والأدبية، وسط كل تلك الأفكار والصفحات والكتب، في مواجهة تحديات الحياة حتى النهاية، وفي كل الخواطر التي نقلبها حين صفاء، والتأمل في السنوات الماضيات، وفي استغلال أوقاتنا بالشكل الذي نأمله من ذواتنا. أو كما يقول (سارتر):

إذا شعرت بالوحدة وأنت وحدك، فأنت في صحبة سيئة.

نتمنى لكم سنة سعيدة، في عامنا الثامن معكم في رحلتنا في أنهار المعرفة لانتقاء جواهر الأدب وعيون الحكمة والمزيد من الإلهام


١. مهما بدت مشاهد حيواتنا مشوشة، ومهما كنا، نحن الذين نعيشها، منهكين، بإمكاننا مواجهة تلك المشاهد والسير حتى النهاية

تقدّم الأستاذة (دلال الرمضان) ترجمتها عن اللغة الإنجليزية لمقالة الكاتبة (ماريا پوپوڤا) عمّا يفعله بنا الشعر، وما الذي يتشاركه مع العلوم التطبيقية، ولماذا يقاومه البعض. من كتاب (حياة الشعر) للشاعرة الأمريكية (موريل روكيسر).


٢. يظهر من ثمة أن الإنسانوي الثاني موصول بما يمكن أن أسميه ثورة الحب. أي اختراع العائلة والزاوج الثابت والاختياري. لوك فيري في مقالة بعنوان: غسق العبقري

في ترجمة حصرية أخرى عن اللغة الفرنسية، يقدم الأستاذ (ماهر الفضلي) ترجمة لمقالة الفيلسوف الفرنسي المعاصر (لوك فيري) في مجلة (LE Point)، والتي حملت عنوان “غسق العبقري”.


٣. سيكون بولص .. وحديثه عن التحولات الثلاث للوعي البشري، ودورها في تشكيل رحلة الفنان المعاصر

كما نشرنا سابقًا عن التحولات الثلاث للوعي البشري كما يصفها الفيلسوف الألماني (فريدريش نيتشه)، يعود الشاعر العراقي الآشوري (سركون بولص) للكتابة عن انعكاس هذه التحولات الثلاث على مسيرة الفنان أو الشاعر. في مقالة من كتابه (الهاجس الأقوى عن الشعر والحياة).


٤. الحياة عقد إيجار .. من المدرسة الهيلينية؛ ورسالة (سينيكا) إلى الفيلسوف الراقي (بولينيوس)

من الفلسفة اليونانية القديمة، يكتب (خالد آل تركي) مقالته “الحياة عقد إيجار”، أو كما عيقول (سينيكا): “حياتنا ليست قصيرة ولكننا نجعلها كذلك لأننا نضيع الوقت فيما لايفيد ولكنها طويلة لمن يرتب أولوياته بشكل صحيح”.


٥. عن (نيوتن)، والطاعون، وكيف حرض الحَجر الصحي على القفزة الأعظم في تاريخ العلم

في مقالة مترجمة أخرى من الأستاذة (دلال الرمضان) عن الكاتبة (ماريا پوپوڤا) عن دور الحجر الصحي في عام ١٦٦٤م إثر انتشار الطاعون في أجزاء المملكة المتحدة، على نظريات (نيوتن) الفيزيائية واكتشافها، وكما يكشفها الكاتب الأمريكي (جيمس جليك) في كتابه.

في جوهر الفنون والفنان، عند الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر

تبرز أهمية (مارتن هايدغر)، الفيلسوف الألماني، بعدد من كتبه، مثل كتاب (مدخل إلى الميتافيزيقيا) في دراسة وتحليل جوهر الأشياء، بما في ذلك أسئلة الوجود والصيرورة والكينونة والواقع. أو كتابه الآخر (الكينونة والزمان)، والذي يُعد كتابه الرئيسي -كتبه عام 1927- ويُعتبر باتفاق عام بين الباحثين؛ أعظم تحليل للوجود البشري. وقد ظهر في [الفلسفة الوجودية] على امتداد هذه الحركة كلها. ومن الممكن النظر إلى تركيزه في هذا الكتاب على موضوعات مثل: الهم، القلق، والإثم، والتناهي.
في كتابه الصادر عن منشورات الجمل والذي حمل عنوان (أصل العمل الفني) من ترجمة الأستاذ (أبوالعيد دودو)، والذي يقول في مقدمته:

“الصيغة الأولى لهذا البحث تُشكّل محتوى محاضرة، كنت قد ألقيتها في 13 نوفمبر1935 في الجمعية العلمية الفنية في مدينة فبرايبورغ بمنطقة برايسغاو، وأعيد إلقاءها في شهر يناير1936 في زيورخ بدعوة من الجمعية الطلابية في الجامعة.”

يبتدئ بعد ذلك في تعريفه للأصل، فيقول:

“الأصل يعني؛ هنا، من أين، وبماذا يكون هذا الشيء وما هو؟ وكيف هو؟
هذا هو الذي عليه الشيء، وكيف هو، نسميه جوهره. أصل الشيء هو مرجع جوهره، والسؤال عن أصل العمل الفني سؤال عن مرجع جوهره.
والعمل ينبع وفقًا للتصور العادي من نشاط الفنان وعن طريق نشاطه. ولكن عن طريق أي شيء وكيف يستطيع الفنان أن يكون ما هو عليه؟ إنه يكون كذلك عن طريق العمل الفني؛ وإذا كان العمل الفني يُثني على الفنان، فلذلك يعني أن عمله هو الذي يجعل الفنان يبرز بوصفه الفنان.
الفنان هو أصل العمل الفني، والعمل الفني هو أصل الفنان. لا وجود لأحدهما دون الآخر!
على أنه في الوقت نفسه لا يحمل أحدهما الآخر وحده، الفنان والعمل الفني هما دائمًا في ذاتهما، وفي علاقتهما المتبادلة، موجودان عن طريق ثالث.
هو الأول .. أي ذلك الذي اتخذ منه الفنان والعمل الفني اسميهما، وهو طريق الفن.”

ويتحدث في موضع آخر من كتابه، بأن “السؤال عن أصل العمل الفني، يُصبح سؤالًا عن جوهر الفن!”، ثم يقول بعد ذلك في مطلع حديثه عن الفن:

“أما السؤال عن ما هو الفن؟ فينبغي أن يُستمد من العمل الفني. ونحن لا نستطيع أن نعرف ما هو العمل الفني، إلا من جوهر الفن.”

بقلم: علي زين
تحرير: أحلام العمري

رسالة الشاعر الفيلسوف (ديفيد وايت)، عن سحر التجربة الأولى

ما زلت أتذكر ما راودني عند نظرتي الأولى للقمر، بواسطة تلسكوب صغير، قد قام بتهريبه والدي من ألمانيا الشرقية؛ لطالما كان القمر هناك، وها أنا للتو أشعر بقربه، وكم هو حقيقي، وكأن أصابعي ذات الستة اعوام بإمكانها ملامسة خشونة ذلك السطح المتوهج. مشاعر ذهول مصحوبة برعشة لرؤية شيء ملأني بالدهشة ولا يُمكن أن أؤخذ بعيدًا عنه، شيئًا يبدو وكأنه بات ينتظرني لوقت طويل، حتى أعثر عليه. وبعد قرابة عقد من الزمن استطاع سحر المرة الأولى أن يأخذني مرة أخرى لنفس تلك الاحاسيس عند قراءة رواية (إلى الفنار).

وعلى الرغم من بساطة لغتي الانجليزية، إلا أن زاوية مظلمة في عقلي تناغمت مع عذوبة سيمفونية (فرجينيا وولف)، واستنارت بأحرفها.

إن للمرة الأولى في معرفة أو اكتشاف وجود شيء ما جمالًا لايتكرر، يفوق القبلة الأولى ذاتها جمالًا. لعل ذلك يكمن في حدوثها دائمًا بلا ترقب، بعظمة تجليها تمامًا مثل ظهور المالك الحزين ازرق اللون عند بزوغ الفجر على أطراف بحيرة يحيط بها الضباب. يتجلى سحرها مابين غلافين لكتاب رائع أو قصيدة تنتهي بانعطافة مذهلة. بكل مرة أولى تنتظر أن يُكشف عنها لتُظهر ماتخبئه من ملذات.

أشار الراوي (أمبرتو إيكو) الى أن في الكتب التي لم نقرأها ونتذوقها بعد، قيمة ولربما لذة أكبر من تلك التي قرأناها، وهذا مايُطلق عليه “anti-library”.

وبعد جيل، وجه الشاعر والفيلسوف (ديڤيد وايت) رسالته في كتاب (رسائل للقارئ الصغير)؛ مائة وواحد وعشرون رسائل مصوّرة موجهة للأطفال .. وضح في رسالته إيمانه بالطاقة الملهمة في الكتب والقادرة على تشكيلنا وذلك بكل ماتحتويه من شعراء، فيزيائيين، عازفون، فنانين. وآخرون ملهمون من أيضًا وصلوا الى ماهم عليه من خلال القراءة.

كتب (وايت):

عزيزي الصديق الصغير،

أتمنى بشدة أن أكون في مكانك الآن، أتمنى لو كنت واقفًا حيثُ أنت،

 أتمنى لو كان بإمكاني مقايضة كل ما تعلمته خلال قرائتي مُقابل هذه اللحظات، 

كنت لأقايض كامل مكتبتي الزاخرة بآلاف الكتب، وكل رحلة ومغامرة خضتها بين صفحاتها، 

وكل الأفكار التي تمحورت حول العالم وذاتي و الضحكات والمآسي واللحظات الصادمة ولحظات الارتياح، 

كل تلك الكتب التي ادهشتني وعاودت قرائتها مرارًا وتكرارًا، 

سأقايض كل هذا لأجل أن أحظى بفرصة عيش المرة الأولى.

أتمنى بشدة أن أكون في مكانك الآن وكل تلك الكتب من حولي تنتظر مني الولوج الى صفحاتها، 

سيكون من الرائع التعرف على كولريدج وسماع صوته لأول مرة، 

أود لو يُمحى من ذاكرتي كل ماتعلمته عن شكسبير وجين اوستن، 

وأن أغمر مرة أخرى بحقيقة وجود روزاليند، أو اليزابيث بينيت. ولاحقًا، ايميلي ديكنسون! 

لأجد نفسي في نهاية المطاف أتبع خطواتهم بكل خجل وارتياب ويداي تحاولان ان تكتب ولو قليلًا مما كتبوه،

 أتمنى أن أعود لأخطو أولى خطواتي في عالم القراءة والكتابة وأنظر له بأعين يافعة، كم أتمنى ذلك.

أتمنى لو كنت مكانك الآن وأنا مفعم بشغف المعرفة، والقراءة، والكتابة. 

أتمنى لو أفتح الباب وأعبر وسط كل الكتب التي قرأتها أو كتبتها وكأني لم أفعل من قبل.

أتمنى جدًا أن أكون في مكانك الآن.

خالص الشكر،

ديڤيد وايت.


[المصدر]

عن نيوتن، والطاعون، وكيف حرض الحَجر الصحي على القفزة الأعظم في تاريخ العلم

“وما الحقيقة إلا ثمرة للصمت والتأمل”

في خمسينات القرن السابع عشر للميلاد، بدأت غمامة الطاعون باجتياح العديد من بلدان أوروبا. حيث ضرب الوباء إيطاليا، أولاً، تلتها إسبانيا و ألمانيا، ثم هولندا. في ذلك الحين، كانت إنكلترا -التي يبدو أن إرادة الله شاءت أن تحميها من ذاك الوباء- تراقب الدول المجاورة لها من خلف جدار القنال الإنكليزي بوَجلٍ شديد، ثم بهدوء يسوده الحذر لمدة وصلت إلى ما يقارب عقدًا من الزمن.

بيد أن العالم بأسره، آنذاك، كان يضع التجارة في مقام رفيع، كما أن قوى العولمة كانت آخذة بالانتشار. وبما أن اقتصاد إنكلترا كان يعتمد اعتمادًا كبيرًا على التبادل التجاري، فإن موانئها كانت تعج بالسفن المحمّلة بالحرير والشاي والسكر القادم من كافة الحدود المكتشفة في العالم. لكن هذه السفن كانت محملة، أيضا، بالجرذان التي تحمل على أجسادها براغيثا، وهذه البراغيث هي التي تحمل البكتيريا المسببة للمرض؛ والتي كانت عبارة عن مملكة من الكائنات الحية الدقيقة أحادية الخلية، علماً أن الخلية لم تكن مكتشفة بعد، في ذلك الحين؛ إذ تنتقل العدوى من تلك البراغيث إلى جسد الإنسان عند رسوّ السفن.

وهكذا, تم الإعلان عن أول حالة وفاة بالطاعون في لندن في يوم الميلاد عام 1664. تلتها حالة أخرى في شهر شباط \ فبراير, ثم تتالت الحالات بعد ذلك. وهذا ما دفع كاتب اليوميات الإنكليزي (صموئيل بيبس) ليكتب في شهر نيسان\ أبريل من العام ذاته قائلاً:

“في هذه المدينة، ثمة مخاوف كبيرة من المرض. ليحفظنا الرب جميعا.”

صموئيل بيبس

بيد أن الرب لم يكن نظيرًا لانعدام المعرفة العلمية الأساسية بعلمي الأحياء والأوبئة. كانت الوفيات سريعة ومروعة، وسرعان ما أصبحت كثيرة إلى الحد الذي لم يتمكن أحد فيه من حمل الجثث. لتزداد أعداد الضحايا عشرة أضعاف بحلول فصل الصيف. إذ قفز عدد الوفيات من المئات إلى الآلاف في الأسبوع الواحد. لذلك فُرض على المرضى البقاء في منازلهم. كما تم وضع العديد منهم في سفن وتركوا ليلقوا حتفهم بمعزل عن المدينة. أما بيوتهم، فقد رسم عليها من الخارج صليب كبير للدلالة على وجود مصابين في الداخل. وفيما يخص المسرحيات، والرياضات الدموية العنيفة، وما إلى ذلك من تجمعات لحشود الناس، فقد مُنعت منعًا باتًا. كما منع الباعة المتجولون من بيع السلع، وموزعي الصحف اليومية من الهتاف في الشوارع، فانزوى الجميع إلى الداخل. ليخيم على مدينة الصخب والضجيج صمتًا موحشًا وغريبًا. وتغلق الجامعات، هي الأخرى، أبوابها.

عندما أرسلت جامعة “كامبريدج” طلابها إلى منازلهم، كان هنالك شاب شغوف بعلم الرياضيات و الحركة والضوء. هذا الشاب الذي توفي والده الأمي قبل ولادته بثلاثة أشهر. والذي كان يعبد “إله النظام لا الفوضى” وبدأ دراسته الجامعية عن طريق خدمته لبعض الطلاب الأثرياء من أجل تحصيل مصاريف دراسته. حيث أخذ كتبه التي جمعها، وعاد بها إلى مزرعة أمه.

هنا، حيث العزلة والوحدة، إذ يواصل الوباء امتداده بشراسة، كان (إسحق نيوتن) يحلم بنقطة الارتكاز التي تنتشل البشرية من عصور الظلام. في هذا المكان، سواء كانت الحادثة حقيقة أم مشكوك بصحتها؛ سقطت التفاحة. وفي ظل تلك التفاحة بزغت الفكرة الثورية لقانون الجاذبية التي يراها (نيوتن) قوة “يمتد تأثيرها حتى مدار القمر” على طول المسافة الفاصلة  بينه وبين الأرض دون انقطاع أو حدود. في ذات المكان شرع (نيوتن) بحساب تلك القوة التي يعتبرها “عنصرًا ضروريًا لإبقاء القمر في مداره، بفعل قوة الجاذبية على سطح الأرض” في غضون حسابه لهذه القوة، قوة الجاذبية، وكضرورة للقيام بذلك، ابتكر (نيوتن) نظرية التفاضل و التكامل.

في كتابه المميز (إسحاق نيوتن) الذي يعد مقياساً ذهبياً للسيرة الذاتية والسرد القصصي، والذي يجسر الهوة بين العلم و الشعر، كما يعرفنا على القصص الكامنة خلف المشاهير “الوقوف على أكتاف العظماء“* يحدثنا الكاتب الأمريكي (جيمس جليك) عن (نيوتن) الشاب  الهارب من الطاعون إلى منزل طفولته، إذ يقول:

“لقد أنشأ (نيوتن) رفوف مكتبته بنفسه، وشيّد مكتبة صغيرة. فتح (نيوتن) دفتر ملاحظاته الذي يحتوي على ما يقارب الألف صفحة، والذي كان قد ورثه من زوج أمه وأسماه “كتاب مهمل” وبدأ بملئه بملاحظاته التي سرعان ما تحولت إلى بحوث حقيقية. لقد جلب لنفسه المشاكل؛ فقد تفكر بهذه الملاحظات بهوس شديد، محصياً الإجابات الواردة فيها، وطارحًا المزيد من الأسئلة. لقد تجاوز (نيوتن) حدود المعرفة، على الرغم من عدم علمه بذلك. فكانت سنة الطاعون هي سنة التغيير الجذري بالنسبة له.  فقد جعلت منه تلك الوحدة والعزلة عن العالم الخارجي عالم الرياضيات الأهم في العالم.”

[جيمس جليك] – إسحاق نيوتن

 ومن حسن حظ (نيوتن) أنه عاش حياةً طويلة، فقد بلغ عمره عند وفاته أربعة وثمانين عاما، أي أنه عاش أكثر من ضعف متوسط العمر المتوقع للإنسان في تلك الفترة. حيث حُمل نعشه من قبل اللوردات و النبلاء آنذاك. كان (نيوتن) سيعيد النظر إلى أكثر مراحل حياته الفكرية ثراء  خصوبة وهو يدرك بأن “الحقيقة ليست سوى ثمرة للصمت و التأمل”


*يقصد بها عبارة (نيوتن) الشهيرة التي أجاب بها عندما سئل عن قدرته على رؤية ما لا يراه الآخرون، والوصول إلى قوانين لم يستطع غيره الوصول إليها  ” إذا كانت رؤيتي أبعد من الآخرين، فذلك لأنني أقف على أكتاف العمالقة من العلماء الذين سبقوني” 

بقلم: ماريا بوبوفا
ترجمة: دلال الرمضان
مراجعة وتحرير: أحمد بادغيش

[المصدر]

سركون بولص، وحديثه عن التحولات الثلاث في فكر نيتشه

سركون بولص (1944 – 2007) شاعر عراقي، قدّم العديد من الدواوين الشعرية، بالإضافة إلى ترجماته للعديد القصائد إلى اللغة العربية لعدد من الشعراء، مثل (تيد هيوز). 

في كتابه (الهاجس الأقوى عن الشعر والحياة)، تطرّق (بولص) إلى “التحولات الثلاث” التي ذكرها الفيلسوف (فريدريك نيتشه) في كتابه الأشهر (هكذا تكلم زرادشت)، وقام بشرحها بشكل لطيف، ضمن مقالة حملت عنوان “ملاحظات على الشعر والتحولات الثلاث”. يقول (بولص):

“هناك مثال يصف علاقة المبدع بالعالم في “التحولات الثلاثة”، وهي أول خطبة يفتتح بها (نيتشه) كتابه (هكذا تكلم زرادشت)، يقول فيها كيف ينبغي للروح أن تصير جَملًا في المرة الأولى، ثم يصبح أسدًا، وفي النهاية يتحول الأسد إلى طفل.”

[سركون بولص] – الهاجس الأقوى عن الشعر والحياة

يبدأ (بولص) في شرح الحالة الأولى، وهي حالة الجَمل، فيقول:

“ويرمز الجمل إلى مهمة القيام بحمل أعباء العالم والمعيشة فيه، بينما يقتات على الشوك والعاقول ليشبع جوعه إلى الحقيقة. إن مشيئة الإنسان الخلّاق، يقول (نيتشه)، ترضخ لضرورة التعلم من الظواهر والوقائع والأشياء بأن تصير جزءًا من مسار العالم، وأن تتفاعل مع قضايا العالم الحديّة، هذه هي الخطوة الأولى.”

[…]

ومن ثم، يبدأ في شرح الحالة الثانية، وهي حالة الأسد، قائلًا:

“لكن الروح، بعد ذلك، تحتاج إلى الاستئساد في صراعها مع العالم لكي تنحر تنين القيم الخارجية، […] بهذا الفعل تتخذ الروح كينونة قادرة على الحرية والخلق من جديد. هذه هي المرحلة التي ينبذ فيها الشاعر جميع الآراء السابقة ليجد منابعه ومراجعه الخاصة.”

[…]

وأخيرًا تكون حالة الطفل، هي ختام التحولات الثلاث. فيقول (بولص):

“وأخيرًا على الأسد أن يصبح طفلًا، لأن الروح الجديدة لن تدخل إلى العالم سوى عن طريق الطفل الذي يملك البراءة والقدرة العفوية على النسيان. وهذه هي لحظة الخلق الأصيل؛ يستدير الشاعر بكامل وجوده إلى لحظة كتابة بعقل البدايات، حرًا من جميع الدوافع الأخرى، ما عدا رغبته في أن يقول ما يريد، كما ينبغي أن يُقال.”

[…]

يعقب على ذلك (بولص)، فيقول عن الفنانين عمومًا، مخصصًا حديثه عن الشعراء منهم:

الشعر بلا رؤيا، لا يمكن أن يحمل أية قيمة جوهرية من حيث كونه شعرًا، وليس لعبة ذهنية أو لفظية. وبالرؤيا، لا أعني هنا شطحة الخيال المغمضة العينين […] ذلك أن رؤيا الشاعر ليست واسطة، ليست جسرًا إلى مدى آخر، بل هدف بحدّ ذاته من حيث أنها تجسيد للعالم بوجهيه، الظاهر والكامن.”

[…]

وربما يصدق على ذلك قوله، في أحد اللقاءات الصحفية، والتي نُشرت في مجلة (السفير) عام 2000م، إذ قال:

طبيعي أن الشاعر الحقيقي يعيش الشعر دائمًا في كل لحظة في حياته.

[…]

فريجينيا وولف؛ عن العلاقة بين العزلة والإبداع

(فيرجينيا وولف)

لو كان بوسعي القبض على ذلك الإحساس، لفعلتها؛ ذلك الشعور بترنُّم العالم الحقيقي، بما أن المرء منقاد بالعزلة والصمت عن الانغماس في هذا العالم.

ثمة نوع من الوحدة التي تفرض نفسها على المرء دون أن تتركه. وأكثرها جلباً للمقت هي التي تغزوك  أثناء وجودك بين رفاقك، وعامة الناس، وليست تلك التي تشعر بها في عزلتك. إن كان للعزلة المقدرة على إثراء خيالك، فإن الوحدة من شأنها أن تفرغه من الحيوية، وتكسو الروح بذلك الضجر من التوق الى التواصل، والتشارك، والنجاة. بالرغم من أن هذا الضجر هو الذي ساهم بولادة أعظم الأعمال الأدبية على مرّ الزمان.

كتبت الصحفية الأمريكية (دوروثي داي) يوماً قائلة: “لقد عشنا، جميعًا، شعور الوحدة الطويلة” بيد أن بعض المبدعين يعرفون هذا الشعور حق المعرفة أكثر من غيرهم من البشر. لكن أحدًا منهم لم يتمكن من الوصول إلى ذلك المستوى من الشفافية المذهلة، والوضوح الرائع الذي وصلت إليه (فرجينيا وولف)  في حديثها عن هذه المعرفة. 

لقد تغلغل شعور الوحدة في  كتابها (يوميات كاتبة) ذلك المصدر الذي لا ينضب لحكمة (وولف) المتعلقة بتلك الأبعاد المتنوعة للوجود، كمفارقات التقدم في العمر، ومرونة الوقت، ومفتاح ديمومة العلاقات الإنسانية، ناهيك عن المنافع الخلاّقة لعادة تدوين اليوميات. إن حالة (وولف)، في واقع الأمر، ليست سوى عملية تحويل لتلك الوحدة التي كانت تشعر بها إلى نوع من الارتباط بتجربة الإنسان الشاملة، والتي أضفت، بدورها، على كتابات (فرجينيا) تلك القوة  الأبدية النافذة. 

في أواخر صيف عام 1928 للميلاد, وقبل شهر واحد من نشر رواية (أورلاندو) التي تمكنت من نسف بعض الصور النمطية وأحدثت ثورة فكرية، وجدت (وولف) نفسها تتصارع، من جديد، مع ثنائية العزلة والإبداع. ففي مقدمة يومياتها التي كتبتها في (منزل مونك)، ذاك المنزل الريفي الذي اشترته وزوجها في مقاطعة “ساسكس” الإنكليزية قبل عقد من الزمن، حيث خطت معظم روائعها الأدبية، تكتب (فرجينيا) ما يلي:

غالباً ما أشعر في هذا المكان أنني دخلت إلى حرم مقدس. إذ تنتابني نزعات من الألم مرة، ومن الرعب مرات أُخر. إنه خوف من الوحدة، ومن رؤية ما يختبئ في آخر النفق.

هذه إحدى التجارب التي مررت بها خلال وجودي هنا في بعض أشهر (أغسطس – آب) لأدرك، عندئذٍ، ما أسميه “واقع” هذا الشيء الذي أراه يلوح أمامي. شيء تجريدي لكنه يسكن في الأرض والسماء. لا شيء يضاهيه في الأهمية، وبه يمكنني أن أستريح وأشعر بكينونتي. هو ما أسميته “واقع” ويخيل لي، أحيانًا، أنه أكثر الأشياء ضرورة بالنسبة لي، وجُل ما أسعى إليه. ولكن، من يدري، حالما يأخذ المرء قلمًا ويبدأ بالكتابة؟  ما مدى صعوبة عدم جعل الواقع على هذا النحو أو ذاك، في حين يكون هو، في الأساس، شيء واحد. ربما تكون هذه هي الهبة التي أمتلكها، وهذا ما يميزني عن غيري من البشر. أعتقد أن من النادر امتلاك إحساس ثاقب كهذا، ولكن، من يدري؟ بودي أن أعبر عنه أيضًا.

فيرجينيا وولف – يوميات كاتبة

في الخريف التالي، وبعد ثلاثين يومًا من نشر كتاب (غرفة تخص المرء وحده)، والذي كان بمثابة ترنيمة للعلاقة بين الوحدة والطاقة الإبداعية، تعود (وولف) لذات الموضوع في يومياتها للتفكر في الأساليب الغريبة التي نتبعها في إنكار، أو منح الصلاحية لشعورنا بالوحدة.  

إن الوحدة، في النهاية، ليست سوى قشعريرة داخلية مستقلة تماماً عن  كافة العوامل الخارجية. وغالبًا ما تتفاقم تلك البرودة الداخلية عندما تبدو ظروفنا، التي نغطي بها واقعنا غير المحتمل، مثالية من منظور العالم الخارجي. تكتب (وولف) في هذا الصدد قائلة:

هذه الأيام من شهر (أكتوبر – تشرين الأول) تبدو لي مرهقة و محفوفة بالصمت. ولا أدري ما الذي أعنيه بالكلمة الأخيرة. لأنني لم أتوقف عن التواصل مع البشر .. لا أقصد الصمت بمعناه العام .. بل أعني ذلك الشعور الداخلي بالوحدة. 

فيرجينيا وولف – غرفة تخص المرء وحده

وبالرغم من ذلك، فلا يمكن الفصل بين الصمت الناشئ عن الوحدة، والدافع الإبداعي بالنسبة لـ(وولف). فقبل نصف قرن من مقولة الكاتبة الأمريكية (أدريان ريتش)؛ “إن العنصر المحفز للإبداع غالباً ما ينشأ داخل نفق من الصمت “ تمكنت (فرجينيا) من شرح هذا الشعور شديد الالتباس بمثال حي، حيث قالت:

في ظهيرة اليوم، وبينما كنت أسير في شارع (بيدفورد بليس)، ذاك الشارع المستقيم الذي تحيط به النزل من كلا جانبيه، قلت لنفسي بعفوية شديدة: “كيف أعاني؟ و لا أحد يعلم حجم معاناتي؟” أسير في هذا الطريق منهمكة بألمي. وكما كنت بعد وفاة (ثوبي)* وحيدة، لا زلت أصارع شيئًا ما، وحيدة أيضًا. كنت أقاتل الشيطان، وقتها، لكنني الآن بمفردي. 

فيرجينيا وولف

عندما أعود إلى منزلي، يخيم الصمت على المكان. إذ تهدأ زوبعة الأفكار في رأسي قليلًا. بيد أنني أواصل الكتابة. إنه فصل الخريف. حيث تشتعل الأضواء. وعملي هذا طويل الأمد، لكنني أصبحت أكثر غنى من ذي قبل، إذ قمت بشراء زوج من الأقراط اليوم. وبالرغم من كل هذا، ثمة فراغ وصمت يسود الأجواء. يغطي كل شيء. غير أني لا أبالي كثيرًا بذلك، فكل ما أسعى إليه هو أن انطلق بحيوية من جانب إلى آخر، مدفوعة بما أسميه واقع.  لو أنني لم أشعر بتلك النزعات الاستثنائية الغامرة، من الراحة والتعب، من السعادة و الضيق، لأذعنت مستسلمة. ثمة شيء يستحق أن نحارب من أجله. فكلما استيقظت في الصباح الباكر أقول لنفسي: “فلتقاتلي!” 

[…]

لو كان بوسعي القبض على ذلك الإحساس، لفعلتها؛ ذلك الشعور بترنُّم العالم الحقيقي، بما أن المرء منقاد بالعزلة والصمت عن الانغماس في هذا العالم. كل شيء ممكن. وهذه الحياة الغريبة حقيقية. هل نجحت إحدى العبارات التي قلتها في إيصال المعنى الذي أقصد؟

[…]

[المصدر]

[*] شقيق (فيريجينيا وولف)

سركون بولص ناصحًا كل شاعر أن يعرف لغة أخرى بشكل جيد وممتاز، إذا أمكن. وعن دور الترجمة في الشعر

سركون بولص (1944 – 2007) شاعر وفنّان عراقيّ، ولد في الحبّانية في العراق وهاجر إلى بيروت
وعمل كصحفيّ ومُترجم، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية واستقر في سان فرانسسكو حيث درس الأدب المقارن وفنّ النّحت، عاش حياة حافلة بالأدب (الشعر تحديدًا) والفن، قدّم عدة دواوين شعريّة وقصص قصيرة للمراهقين، بالإضافة إلى ترجماته للعديد القصائد إلى اللغة العربية لعدد من الشعراء مثل (تيد هيوز، غيري سنايدر، جاك كيروك، ويليام ميروين) وآخرون.

في أحد اللقاءات الصحفية مع (بولص)، والتي أدارها الأستاذ (صلاح عواد)، ونُشرت في مجلة (نزوى) العمانية عام 1996م، تحدث (بولص) عن دور الترجمة في كتاباته الأدبية الخاصة. الجدير بالذكر، أن هذا اللقاء الصحفي، وغيره من اللقاءات، قد جُمعت ونُشرت في كتاب حمل عنوان (سافرت ملاحقًا خيالاتي).

في هذا اللقاء الصحفي، سأل (عواد): “أنت تقول إنك تكاد تمارس الترجمة يوميًا، وترجمت العديد من النصوص، فما هو أثر الترجمة على نصّك الشعري؟”. فكان جواب (بولص):

التأثير كان كبيرًا جدًا. والترجمة فن قائم بذاته، وأنا عندما أترجم -خصوصًا الشعر- أقوم بكتابة النص من جديد باللغة العربية، محاولًا أن أجد الصوت الكافل كما ينبغي أن يكون بالعربية لذلك الشاعر المتَرجم. وهذا امتحان قاس جدًا، والترجمة اليومية المستمرة هي نوع من التمرين بالنسبة لي. وهذا التمرين هو ممارسة اللغة لكي أجد البدائل في العربية لأقصى وأدق التعابير في اللغة الإنجليزية. والتحدي هو أن تجد في اللغة العربية التعابير الدقيقة والتراكيب المعقدة التي تجدها أحيانًا عند كبار الشعراء. فمثلًا؛ أحيانًا أقوم بترجمة أبيات من جحيم (دانتي) لأني أحب أن أترجم لنفسي المقاطع الصعبة، لأمتحن اللغة العربية، وأتساءل هل يمكن لهذه اللغة أن تعبّر عن هذا الشيء أو ذاك كما أجده باللغة الإنجليزية، لأحد أعظم شعراء اللغة الإيطالية؟ ويقود هذا التمرين أحيانًا إلى تجاوز نفسك واللغة لاختراع نوع جديد من التراكيب الشعرية، وكل هذا طبعًا يؤثر في النهاية عليّ كشاعر عندما أكتب.

سأل بعد ذلك (عواد)، فقال: “الشاعر الأمريكي (ميروين) مهووس بالترجمة، وقد تلقى نصيحة من الشاعر (عزرا باوند) في بداياته الشعرية الذي حثه على الترجمة، واكتشف الشاعر (ميروين) أن لغته قبل القيام بالترجمة كانت فقيرة وخالية من الدلالات، فهل توفر لديك نفس الإحساس بعد ممارسة الترجمة؟”. فأجاب (بولص) على ذلك:

عندما ترجم (عزرا باوند) للشعر الصيني أحدث أكبر ثورة في اللغة الإنجليزية على الإطلاق، وما زالت أصداؤها تتردد حتى الآن. وفي كتابه (Cathay)، الذي ترجم فيه لأربع عشرة قصيدة صينية معزوفة، عن الحرب، وظهر في عام 1915م، حين كانت الحرب العالمية الأولى جارية. وأثّر في الشعر الإنجليزي بعمق، لأنه قدّم التراكيب أو “Ideographs” الصينية، أي وحدات الفكر والتعبير بها في اللغة الصينية. وعندما وجد لها (باوند) البديل باللغة الإنجليزية أحدث ثورة، ومن هذه الثورة خرج شعراء مثل (غيري سايندر)، الذي لولا تأثره بالشعر الصيني والياباني لما كتب كما يكتب الآن، وغيره من الشعراء، من بينهم (ميروين) الذي هو مترجم عظيم، وعاش طوال حياته على الترجمة. وقدّم العديد من شعراء الاسبانية والفرنسية والبروفانسية إلى قراء اللغة الإنجليزية. فالترجمة هي نوع من التلقيح، وهي نوع من الجسور التي تمتد عبر اللغات، وتجعل من جميع اللغات والكتابات، في النهاية، تتشارك وتتداخل وتتلاحم، لتخلق شيئًا جديدًا.

اختتم (عواد) اللقاء الصحفي بعد ذلك، بأن سأل: “هل تنصح الشعراء الشباب بالترجمة؟”، وكان الجواب على ذلك:

أنا أنصح كل شاعر أن يعرف لغة أخرى بشكل جيد وممتاز، إذا أمكن. وأن يحاول الترجمة، حتى لو كان ذلك من أجل لذته الخاصة، كتمرين.