عن الأطفال؛ والنصائح العميقة لجبران خليل في تربيتهم

إن أطفالكم ما هم بأطفالكم”
فلقد وَلَدهم شوقُ الحياة إلى ذاتها
بِكُمْ يَخرجون إلى الحياة، ولكن ليس مِنكُم
وإنْ عاشوا في كنَفِكُم فما هُم مِلْكَكُم
قد تمنَحونَهُم حُبَّكُم ولكن دونَ أفكارِكم
فلَهُمْ أفكارُهم
ولقد تؤون أجسادَهم لا أرواحهم ،
فأرواحُهُم تَسْكُنُ في دار الغد…”

شهدت الحياة الحافلة بالأحداث للملحن الإسباني والمدافع عن حقوق الإنسان (بابلو كاسالس)، الذي ولد في 29 ديسمبر 1876 وتوفي في 22 أكتوبر 1973. صُنف (بابلو كاسالس) بعازف التيشللو الأبرز في النصف الأول من القرن العشرين و الذي اعتبرت معزوفاته [*هنا أشهر معزوفاته المؤداة في البيت الأبيض] بمثابة حلقة وصل بين العصر الحديث والتاريخ القديم في العزف على التشيللو ؛ أحداث واغتيالات كبرى الحروب العالمية الدامية. إذ أكد (بابلو) بقوله: “إن واجبنا هو جعل هذا العالم لائقًا بأبنائنا”. نواجه اليوم كبرى التحديات إذ نجابه اليوم عالمًا لا يليق بأبنائه، و يدفعنا ذلك لإعادة حساباتنا في أعمق مسائلنا الوجودية؛ إعادة حساباتنا في قرار إنجاب أطفالنا إلى هذا العالم المضطرب، إذ يدفعنا هذا أن نعيد التفكير في قيمة أبنائنا و عن مدى التزامنا بمسؤولياتنا تجاههم؛ أن نتحلى بالشجاعة والالتزام بكامل المسؤولية لحظة اتخاذ قرار انجابهم، وما تعنيه تربية الطفل على المجد والرفعة، كونه معجزة لا تتكرر فقد صُنعت خلاياه الأولى من غبار النجوم؛و ذرات الغبار تلك التي قد كونت خلايا طفلٍ لا مثيل له

عمل للفنان ديريك دومينيك دي أوزا من كتاب “سونغ أوف تو ورلدز” للفيزيائي والكاتب آلان لايتمان.

كتاب جبران خليل جبران “النبي”

 

تطرق قبل قرن من الزمان لتلك المسائل الجوهرية الشاعر و الأديب والرسام اللبناني (جبران خليل جبران) أبرز شعراء المهجر، ولد (جبران) في 6 يناير 1883 وتوفي في 15 أبريل 1931، هاجر صبيًا مع عائلته إلى الولايات المتحدة الأميركية. أشهر و أهم أعماله المكتوبة باللغة الإنجليزية كتاب (النبي) الذي ترجم فيما بعد إلى أكثر من خمسين لغة. كتب (جبران) هذا العمل بمساعدة صديقته (ماري هاسكل) و نُشر في عام 1923 و قد صنفه النقاد وقتذاك من روائع الأدب العالمي. وضع (جبران) في هذا الكتاب الركائز الأساسية للصداقة الحقيقية والشجاعة في التغلب على جوانب الغموض التي تكتنف الحب و التوازن بين الانسجام والاستقلال لبناء علاقة قويمة.

لوحة فنية من كتاب اليساندرو سانا “كريسندو”.

مقتبس قصير من (النبي) من ترجمة (ثروت عكاشة):

وقالت امرأة تضُم رضيعها إلى صدرها: “ألا حدِّثنا عن الأطفال”، فقال المصطفى:

“إن أطفالكم ما هم بأطفالكم

فلقد وَلَدهم شوقُ الحياة إلى ذاتها

بِكُمْ يَخرجون إلى الحياة، ولكن ليس مِنكُم

وإنْ عاشوا في كنَفِكُم فما هُم مِلْكَكُم

قد تمنَحونَهُم حُبَّكُم ولكن دونَ أفكارِكم

فلَهُمْ أفكارُهم

ولقد تؤون أجسادَهم لا أرواحهم،

فأرواحُهُم تَسْكُنُ في دار الغد، وهيهات أن تلموا به، ولو في خَطَرات أحلامكم

وفي وسْعِكُم السَّعي لتكونوا مِثلهم، ولكن لا تُحاولوا أن تَجْعَلوهُم مِثْلكم

فالحياة لا تعود القهقرى، ولا تَتَمَهَّل عِنْد الأمس

أنتم الأقواس، منها ينطلق أبناؤكم سِهاماً حَيَّة

والرامي يرى الهدف قائمًا على طريق اللانهاية ، ويشدّكم بقدرته حتى تنطلق سهامُه سريعة إلى أبعد مدی . ولیکن انحناؤكم في يد الرامي عن رضا وطيب نفسٍ؛
لأنه كما يُحب السهم الطائر، كذلك يُحب القوسَ الثابتة”


المصدر

الإخفاقات الثلاثة للتفكير، كما يذكرها (جون لوك)

جون لوك (1632 – 1704) هو فيلسوف تجريبي ومفكر سياسي إنجليزي. ولد في رنجتون في إقليم سومرست وتعلم في مدرسة وستمنستر، ثم في كلية كنيسة المسيح في جامعة أوكسفورد، حيث انتخب طالباً مدى الحياة، لكن هذا اللقب سحب منه في عام 1684 بأمر من الملك. وبسبب كراهيته لعدم التسامح البيورتياني عند اللاهوتيين في هذه الكلية، لم ينخرط في سلك رجال الدين. وبدلاً من ذلك أخذ في دراسة الطب ومارس التجريب العلمي، حتى عرف باسم (دكتور لوك).

يُعتبر (لوك) اليوم أحد رؤوس ومؤسسي الفلسفة الليبرالية المعاصرة. وفي كتاب جمع (الأعمال الفلسفية الكاملة)، نقله إلى العربية الأستاذ (عبدالكريم ناصيف)، يقول (لوك) في مقدمة مقالته، التي حملت عنوان (في مسلك الفهم): 

الملاذ الأخير الذي يلوذ به الإنسان، في سلوكه ذاته، إنما هو فهمه. إذ رغم أننا نميز ملكات العقل، ونعطي المركز الأعلى للإرادة، كما نعطيه للوكيل المفوض، إلا أن الحقيقة هي أن الإنسان الذي يعد هو الوكيل، يقرر بنفسه هذا العمل أو ذاك بشكل طوعي، بناءً على معرفة سابقة ما، أو مظهر من مظاهر المعرفة في الفهم.

يبتدئ بعد ذلك (لوك) أحد أجزاء مقالته، والتي حملت عنوان “التفكير”، بافتتاحية بسيطة عن إخفاقات الناس في التفكير، فيقول:

إضافة إلى الحاجة للأفكار المبتوت بها، وإلى الحكمة والممارسة لدى اكتشاف الأفكار الوسيطة وترتيبها، هناك ثلاثة إخفاقات يقع فيها الناس، فيما يتعلق بتفكيرهم، حيث إن هذه الملكة تعاق لديهم وتُمنع من تقديم الخدمة التي يمكن أن تقدمها، والتي صُممت من أجل تقديمها. ثم من يفكر بأعمال وأقوال البشر سيجد نقائص غالية جدًا وملحوظة جدًا من هذا النوع.

بعد ذلك، يبدأ (لوك) بسرد هذه النقائص والإخفاقات، فيقول عن اختيار التبعية، كأولى النقائص:

أولى هذه النقائص أن هناك أناسًا لا يفكرون بالمطلق، بل يعملون ويتبعون نموذج الآخرين، سواء أكان هؤلاء آباءهم، أو جيرانهم، أو رجال دينهم أو أي أشخاص آخرين يختارونهم لإيمانهم الضمني بهم، وبذلك يوفرون على أنفسهم مشقة التفكير وإزعاجات التمعن العميق بأنفسهم.

يتطرق بعد ذلك (لوك) إلى ثاني النقائص، فيقول:

النوع الثاني هو أولئك الذين يضعون العاطفة موضع العقل، ويصممون على أن يحكموا بذلك على أفعالهم وحججهم، من دون أن يستخدموا عقولهم، ولا يستمعون لعقول الناس الآخرين، أكثر مما يناسب مزاجهم، ومصلحتهم أو جماعتهم، ومن الممكن أن يلاحظ المرء عمومًا أن هؤلاء يرضون بكلام ليس فيه أفكار مميزة بالنسبة لهم، رغم أنهم في قضايا أخرى، يطرقونها بحيادية لا تحيز فيها، كما لا تعوذهم القدرات على الكلام وسماع العقل، حيث لا تكون لديهم نية ضمنية تعيقهم عن تتبع طريقها.

أما آخر النقائص، ، فيقول (لوك):

النوع الثالث هو أولئك الذين يتبعون العقل بكل جاهزية وإخلاص، لكن لحاجتهم لذلك الذي يمكن أن ندعوه حسًا واسعًا، سليمًا كامل الدائرة، لا تكون لديهم نظرة كاملة لكل ما يتعلق بالمسألة، ويمكن بالتالي أن يتخذوا قراراتهم بلحظة. إننا جميعًا قصار النظر، وغالبًا جدًا لا نرى إلا جانبًا واحدًا من المسألة، كما تقصّر نظرتنا عن الإحاطة بكل ما يتعلق بها. هذا العيب لا يخلو منه إنسان على ما أعتقد، فنحن جميعًا نرى الأمور جزئيًا كما نعرف جزئيًا، لذلك لا عجب أن لا نستنتج الصحيح من نظرتنا الجزئية.

كما يقول (لوك) أيضًا في أحد أجزاء مقالته، بعدما قام بسرد جميع النقائص:

فملكة التفكير نادرًا ما تخدع، أو لا تخدع البتة أولئك الذين يثقون بها، كما أن نتائجها، مما تتبني عليه، تكون واضحة وأكيدة، لكن ذلك الذي يضللنا في الأغلب هو أن المبادئ التي نستخلص منها الأسس التي نبني عليها تفكيرنا، تكون جزئية، لذلك تهمل شيئًا ما خلفها لا يدخل في حساباتنا، لكي نتخذ القرار الصحيح بالضبط.

حديث (إيريك فروم) عن الحياة الامتلاكية والحياة الوجودية

إريك فروم (1900 – 1980) عالم نفس وفيلسوف إنساني ألماني أمريكي. ولد في مدينة فرانكفورت، وهو الابن الوحيد لوالدين يهوديين أرثوذكسيين، هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في 1934. والتحق بجامعة فرانكفورت وهايدلبيرغ حيث درس فيها العلوم الاجتماعية والنفسية والفلسفية.

كتب (فروم) عددًا من الكتب، كان من أواخرها كتاب (الامتلاك أو الوجود؛ الأسس النفسية لمحتمع جديد)، من ترجمة الأستاذ (حميد لشهب)، والذي كتب فيه عن أسلوبين للحياة؛ هما أسلوب الحياة الامتلاكية، وأسلوب الحياة الوجودية. يقول في أحد أجزاء الكتاب عن الحاجة إلى الامتلاك:

إن عدم القيام بأي خطوة للأمام، والبقاء حيث يوجد المرء، باختصار الاعتماد على ما يمتلكه المرء هو غرور؛ ذلك أن المرء يعرف ما يملكه ويشعر بالأمان في الشعور بهذه المعرفة ويمكنه التشبث بها. نخاف القيام بخطوة في المجهول، في غير الآمن، ولهذا السبب فإننا نتجنبه، وحتى وإن كانت الخطوة التي علينا القيام بها غير خطيرة، بعد القيام بها، فإنها تظهر لنا كما تظهر لنا عواقبها قبل القيام بها خطيرة وتعبة. فالقديم هو وحده الذي يكون آمنًا أو على الأقل يظهر هكذا. فكل خطوة جديدة تخبئ خطر الإخفاق، ويُعدّ هذا من أسباب خوف الإنسان من الحرية.

ويتابع بعد ذلك:

على الرغم من الأمن المضمون عن طريق الامتلاك فإننا نعجب بالناس الذين لهم رؤية لما هو جديد ويُعبِّدون طرقًا جديدة ولهم الشجاعة للسير قُدمًا. ويجسد البطل في الميثولوجيا نمط الحياة هذا. فالبطل هو الإنسان الذي تكون له الشجاعة على مغادرة ما عنده – وطنه، عائلته، ممتلكاته – والهجرة إلى الخارج، ليس من دون خوف، بل من دون الخضوع إلى هذا الخارج.

[…] نُعجب بهؤلاء الأبطال، لأننا نشعر في قرارة أنفسنا بأنه يجب أن يكون طريقهم طريقنا – لو كان بإمكاننا المشي عليه. ولكن بما أننا نخاف فإننا نعتقد بأننا لا نستطيع القيام بهذا وبأن الوحيد الذي يمكنه الإقدام عليه هو البطل. وهكذا يصبح البطل مثالًا نقتديه، نُصعد عليه كفاءاتنا للتقدم إلى الأمام، لكننا نبقى نحن في الواقع لأننا لسنا أبطالًا.

ويصف بعد ذلك معيارًا للحياة الامتلاكية، فيقول:

يمكن للمرء أن يقرأ رد الفعل في وجوه الناس في بعض الأحيان. […] غالبًا ما يمكن ملاحظة البهجة من دون الرغبة في الامتلاك في السلوك تجاه الأطفال الصغار. أعتقد أن الأمر يتعلق هنا كذلك بجزء وافر من خداع الذات، بحيث إننا نرى أنفسنا في دور صديق للطفل. وعلى الرغم من هذا الشك، فإنني أعتقد أن رد الفعل العفوي والحقيقي تجاه الأطفال يوجد بما فيه الكفاية. قد يكون سبب هذا هو أن غالبية الناس لا تخاف من الأطفال، بالمقارنة بالشباب والراشدين. وغياب هذا الخوف هو الذي يسمح لنا بأن نحب ما لا يمكننا أن نحبه إذا كان الخوف أمامنا.

[…] يمكن القول بصفة عامة بأن العلاقة بين البشر، عندما تكون محكومة بتوجه امتلاكي، تكون مطبوعة بالمنافسة والتضاد والخوف. ويكمن عنصر التضاد في مثل هذه العلاقة في خاصية الامتلاك نفسه؛ عندما يكون الامتلاك أساسًا شعوريًا بهويتي، “لأنني أمتلك”، فإن الرغبة في المزيد من الامتلاك هي التي تقود المرء.

ويتابع قائلًا:

لا نجد هذه الأهمية الكبيرة للامتلاك، الملكية الخاصة، في نمط الحياة الوجودية، فلا أحتاج امتلاك شيء ما لكي أتمتع به أو أستعمله. يمكن لأكثر من شخص، بل لملايين الناس، في الواقع، الفرحة باستعمال شيء، ولا يكون من الضروري امتلاك هذا الشيء من طرف شخص واحد، للتمتع به. ولا يُجنب هذا الأمر الفعلي الخصام، لكنه يُمكن من تقاسم أعمق مُعاش إنساني للسعادة، يعني تقاسم فرحة ما.

وأخيرًا يبدأ في وصف أسلوب الحياة الوجودي، فيقول:

يتميز النشاط الوجودي بشروط أساسية وهي الاستقلال والحرية وحضور العقل النقدي. أما سمته الأساسية فتتمثل في النشاط / الحيوية، والإيجابية والفعل، لا بمعنى النشاط الظاهري / الخارجي، أي الانشغال بشخص أو شيء ما، بل المقصود هو النشاط الداخلي، يعني الاستعمال المثمر للطاقة الإنسانية. أن يكون الإنسان نشيطًا يعني التعبير عن الملكات والقدرات والمواهب الذاتية، يتمتع كل كائن بشري بقدر منها، حتى وإن اختفت مقاديره. ويعني نشاط الإنسان العثور على ذاته والنمو والتطور والتدفق والحب وتجاوز حدود سجن الذات المعزولة لذاتها وبذاتها والشغف بما يشتغل عليه ومن أجله ويحسن الإصغاء للذات وللآخرين ويكون معطاء مع نفسه ومع الآخرين.

عن الصدق الذاتي والأحلام، لدى (بهاء طاهر)

محمد بهاء الدين طاهر [مواليد عام 1935م] أو كما يُعرف بـ(بهاء طاهر)؛ مؤلف روائي وقاص ومترجم مصري ينتمي إلى جيل الستينيات، منح الجائزة العالمية للرواية العربية عام 2008 عن روايته (واحة الغروب) حصل على (ليسانس الآداب) في التاريخ عام 1956 من جامعة القاهرة، ودبلوم الدراسات العليا في الإعلام، شعبة إذاعة وتلفزيون سنة 1973.

تنوعت إنتاجات (بهاء طاهر) بين الروايات؛ مثل روايته (الحب في المنفى) و(قالت ضحى) و(خالتي صفية والدير)، أو القصص القصيرة؛ مثل مجموعة (أنا الملك جئت) و(لم أعرف أن الواويس تطير) و(الخطوبة)، أو الكتب الفلسفية والنقدية؛ مثل (أبناء رفاعة) و(في مديح الرواية) و(10 مسرحيات مصرية)، وأخيرًا سيرته الذاتية (السيرة في المنفى)، والتي حكى فيها عن زواجه بـ(ستيفكا)، وأحلامه.

الصدق هو ما يميّز الحب!

كم من قصص حب لا تستمر، لأن أحد الأطراف يخفي الحقيقة عن الطرف الآخر. 

هل كنت صادقًا مع (ستيفكا)؟

لماذا استمرت قصة حبنا متأججة منذ أكثر من ثلاثين عامًا، وإن مرّت -ككل قصص الحب- ببعض المطبّات، إن لم أكن صادقًا!

لكن هل حدثتها حقيقة عن نفسي .. عن آلامي .. ذكرياتي .. هواجسي .. مخاوفي؟ 

هل حدثتها عن أحلامي؟

كم من الأحلام تنازلت عنها من أجل ظروف الحياة؟

يقول (نجيب محفوظ): “الأشد وجعًا من الألم أن تتنازل عن أحلامك من أجل ظروف الحياة”.

لماذا أقول لنفسي إذًا: “ليس من المهم أن يحقق الإنسان أحلامه، بل يصرّ على أن يسعى لتحقيق أحلامه، النجاح هنا ليس بالنتيجة وإنما بالسعي إلى تحقيق الأحلام”.

هل حقًا كنت صادقًا بهذا القدر مع نفسي؟

في وقت من الأوقات كانت أحلامي وطموحاتي أكبر من قدرتي، لكني لم أكف عن الحلم.

الحلم هو شمس الحياة .. والتخلي عن الأحلام هو نوع من الانتحار!

أو لست نادمًا على أي شيء في حياتي!

أي وهم!

زمان، أكثر ما كان يعبّر عن أحلام جيلنا -التي لم تتحقق في معظمها- كلمات (صلاح جاهين) وصوت (عبدالحليم حافظ).

كانا يعبّران عن حجم السماحة التي نشأ عليها جيلنا.

(ستيفكا) تقول لي:

– أنت متسامح بشكل مستفز، (بهاء)!

فآقول لها:

– أنا سمح، لست متسامحًا، وأنا أرى السماحة في الحياة ومع البشر أمرٌ مهم جدًا، السماحة يا (ستيفكا) أفضل وأرق من التسامح. 

فتقول:

– لكني لم أرك تتعامل بشيء غير هذه السماحة سواء مع من يحبونك أم مع من لا يحبونك!

فأدكر لها قول (المتنبي):

– “من نكد الدنيا على الحرّ أن يرى عدوًا له ما من صداقته بدّ”. 

علم النفس الفردي: قوة النظرية وتميزها

من المعلوم في حقل العلاج النفسي ونظريات الشخصية، أنه وبعد ثورة العلاج المعرفي السلوكي والنظريات الإنسانية الوجودية لم يَعُد يُنظر للتحليل النفسي كما في السابق [على وجه الخصوص: التحليل النفسي الكلاسيكي] وأصبح البعض يراها مجرد نظرية تاريخية في علم النفس والطب النفسي، إلا أن النظرية التحليلية التي بقيت متماسكة بكيانها ومفاهيمها بل وتزداد قوةً وشعبيةً وحضوراً في العلاج النفسي هي نظرية: (علم النفس الفردي) للطبيب وعالم النفس (الفرد آدلر). [Alfred Adler, 1870-1937]
وذلك لأنها نَظَرت للإنسان نظرة حقيقية عميقة كما هوَ، فلم تبالغ به وتجعله فوق منزلته، ولم تنزل به ليكون كالحيوان أو كالآلة، وأتت بمفاهيم تكاد تُشكِّل المحاور الرئيسية لأي إنسان على وجه الأرض؛ الذات الخلَّاقة، أسلوب الحياة، عقدة الشعور بالنقص والقصور، الشعور الاجتماعي.


الذات الخلَّاقة:

ينظر (آدلر) للذات الخلَّاقه بأنها الرأس أو الهرم لأعماله، ويشير (آدلر) إلى أن الذات الخلَّاقة هي التي تجعل للحياه هدف ومعنى، و تجعلنا نشعر بالطاقة و تُحرِّكنا بقوة نحو تحقيق الأهداف [آل تركي، ٢٠١٥م].
كما يرى (آدلر) أن هناك قوه تعطي الإنسان القدرة على التَّفرُّد لينقل الحقائق الموضوعية إلى حوادث شخصية ذات معنى وقد سمَّاها بالذات الخلَّاقة، والذات الخلَّاقة تحفظ الشخص من أن يكون ضحية للناحية البيولوجية والظروف الاجتماعية، وهي تُحرِّك الشخص تجاه فردية أكثر واستقلالية أكثر [عبداللطيف، ٢٠١٣، نقلاً عن: الشناوي، ١٩٩٣، prochaska,1994].
يقول (آدلر):

لا تخلو دراسة تَصوُّر الفرد عن معنى الحياة من الفائدة لأنه في نهاية الأمر هي القاعدة التي تؤطِّر تفكيره وانفعاله ومن ثم نشاطه، ولكن المعنى الحقيقي للحياة يتكشَّف في المقاومة التي يواجهها الفرد عندما يتصرف بطريقة خاطئة، إن مشكلة التعليم والثقافة والشفاء تكون في مد جسر بين معطيين: معنى حقيقي للحياة؛ وسلوك خاطئ يقوم به الفرد…حين يتشبَّث فرويد بفكرته حول الموت الذي يجذب الكائنات البشرية، إلى حد أنهم يتشهونه في أحلامهم، نجد أن هذه الفكرة غير ناضجة وقابلة للكثير من النقاش والجدل.
لا شك أن هناك أناس يُفضِّلون الموت على الكفاح والعمل ضد المعضلات الخارجية القاسية التي يواجهونها، ذلك لأنهم يخشون لغرورهم وكبريائهم الفشل في حل هذه المعضلات! هؤلاء هم أنفسهم الذين يرغبون بشكل أبدي أن يَظلُّوا في أحضان أمهاتهم، وأن يقوم الآخرون بالعمل الموكل إليهم بدلاً عنهم، هم المُدلَّلون ذوو النفوس الصغيرة التي لا طائل منها في حياة تستوجب العمل والصراع المرير كي تأخذ معناها…إن الشعور بالرضا والألم الذي يرافق هذا الصراع ليس سوى عامل مساعد للفرد في طريقه، والبحث الخالد عن الأمان هو الذي يدفع الفرد إلى الانتصار على الواقع الحالي الماثل أمامه، وذلك من أجل فرض واقع أفضل، فالحياة البشرية تصبح مستحيلة دون دورة الحضارة هذه والتي لا تتوقف عن دفعنا للأمام [آدلر، ٢٠١٩م].


أسلوب الحياة:

هو الذي يجعل الفرد يتكيَّف مع بيئته ويواجه العقبات التي تعترض في حياته، ومن خلاله يحقق الانسان أهدافه، وهو الذي يجعل الأطفال كذلك يناضلون بطرق وبأشكال فردية من أجل تحقيق الكمال والتفوق، فمثلاً الطفل الذي يُنتَقد كثيراً من قِبل الأطفال الآخرين في الحي، غالباً ما يُطوِّر أسلوباً ونمطاً لفظياً معيناً للتعامل وللتأثير على الأطفال الآخرين والتحايل عليهم، ومن ثم فإن هذا السلوك يمكن أن يُعوِّض عن النقص الذي تعرَّض له الطفل جرَّاء انتقادات الآخرين له، ويعتقد آدلر أن أسلوب الحياة يرتكز على التغلب على سلسلة من القصور والنواقص لدى الفرد، ومعظم هذه الامور يمكن أن تنشأ في سن الرابعة والخامسة من العمر، وبالتالي يصبح من الصعب على الإنسان تغير أسلوب حياته بعد ذلك. في الحياه بعد ذلك.
ويشير (آدلر) إلى أن أسلوب الحياة يمكن أن يُفهَم من خلال مراقبة كيفية قيام الأفراد بمعالجة ثلاثة مهمات رئيسية مترابطة: المهنه، المجتمع، الحب [علاء الدين، ٢٠١٣م].
يقول (آدلر):

من الواضح أننا لسنا متأثرين بالوقائع ولكن بتصورنا حولها…نصل الى نتيجه مفادها أن كل واحد منا يحمل في ذاته تصور عن نفسه وعن مشكلات الحياة وخطَّاً معيناً يتبعه فيها، وقانوناً ديناميكياً يحركه دون أن يفهمه أو يدرك كنهه، هذا القانون الديناميكي يولد في الإطار الضيق للطفولة، ويتطور تبعاً لاختيار محدد تقريباً، وذلك باستخدام حر للقوى الفطرية وللانطباعات حول العالم الخارجي، دون القدرة على التعبير عنها أو تعريفها بصيغة رياضية.
منذ وقت طويل وأنا أحاول الإحاطة بمسائل الحياة هذه وتحديدها بثلاثة أشكال: الحياة في المجتمع، العمل، الحب. من السهل معرفة الأهمية التي تأخذها هذه المسائل في فرض وجودها علينا دون أن نستطيع شيئاً للتخلص منها، ذلك لأن جميع مواقفنا تُشكِّل الجواب الذي نقدمه بفضل نمط حياتنا. وبما أن هذه المسائل الثلاث مرتبطة ببعضها، خاصة وأنها تتطلب درجه كافية من الشعور الاجتماعي لحلها نرى أنه من السهولة أيضاً فهم أن نمط حياة كل واحد منَّا ينعكس بطريقة واضحة تقريبا في مواقفه اتجاهها…في الحب الذي يسد حاجة الفرد على المستوى النفسي والجسدي أيضاً، يبدو الشعور الاجتماعي كمبدأ خلَّاق مباشر لقدرنا، وكذلك في الصداقة وعلاقات الأطفال فيما بينهم ومع آبائهم، إن الحب الذي نتكلم عنه هنا هو علاقة بين اثنين من جنسين مختلفين يقوم بدوره في دوام النسل واستمرارية النوع البشري في الوجود، لذا لا يوجد مشكلة بشرية تُعنَى بخلاص الفرد في المجتمع في كالحب، إن مشكلة بين اثنين لها نظامها الخاص، ولا يمكن حلها بطريقة مُرضيَة بالطريقة نفسها التي يتعرض لها الشخص الواحد. كي تستكمل مشكلة الحب شروطها على الشريكين أن ينسيا نفسيهما كاملاً، فيتحد أحدهما بالآخر كي يُشكِّلا كلَّاً واحداً من جديد.
أن نأخذ الحب كمفهوم سطحي، أي كما نراه في العلاقات السريعة المختلطة أو الدعارة أو الانحرافات…إلخ، يعني أن نُجرِّده من قيمته الفضلى وبريقه وسحره الجمالي. إن رفض علاقة دائمة يزرع الشك وعدم الثقة في نفوس الشركاء، ويجعلهم عاجزين عن الوفاء والإخلاص نحو بعضهم، فمشكلات كهذه حتى لو كانت متنوعة حسب الأوضاع، يمكن لها أن تبدو كإشارة لشعور اجتماعي ناقص في حالات الحب جميعها أو الزواج التعس، وفي حالات العجز جميعها للقيام بالأعمال التي ننتظرها منهم. لاشك عندي البتَّة أن الحط من قيمة الحب والانتقاص من قدره، وهو ما يعني انتكاساً في الشعور الاجتماعي، يفتح الباب أمام الأمراض وتدمير الحياه الفردية والعائلية والشعوب بأكملها [آدلر، ٢٠١٩م].


الشعور بالنقص:

يرى (آدلر) أن الشعور بالنقص هو الذي يحرك الإنسان نحو التميز ومحاولة الوصول للكمال، والنقص يشمل النقص الجسمي والعقلي والاجتماعي الحقيقي أو المتوهم. ويعتقد آدلر أن جميع الناس يمرون بمشاعر النقص، ولكن منهم من تدفعه تلك المشاعر للنجاح والتميز ومنهم من تكون سبب في إصابته بالعصاب [آل تركي، ٢٠١٥م].
يقول (آدلر):

منذ وقت طويل، و أنا أُصرّ على أنَّ معنى الكائن البشري يكمن في شعوره بالدونية…وهو يشبه إلى حد كبير التوتر المؤلم الذي يتطلب حلاً للتخلص منه…يمكن للتوتر في بعض الظروف أن يترافق مع آلام دائمة أو عابرة، كما يحدث أحياناً في سفر من نحب، أو فقدان صديق وفي، وكما يقوم الرضيع بحركاته كي يعبر عن حاجاته ونقصها، ومحاولته بتحسين وضعه، وإيجاد الحلول الحيوية، كذلك تاريخ البشرية، والذي يشبه إلى حد بعيد الشعور بالدونية في محاولته وبحثه الدؤوب عن إيجاد حلول لكل ما يصادفه من عوائق في الحياة … بيد أنّ الحضارة في تقدّم مستمر، وهي تحيط بنا من كل جانب من جوانب الحياة، وتُبيِّن لنا حاجتها الدائمة للأمان، وتُرينا الإنسان بكل وضوح في حالته العاطفيّة الدائمة، وهو يشعر بالدونية التي تخصه، وتدفعه دفعاً كي يتحرك، ويعمل بكل طاقته للوصول إلى أقصى درجة من درجات الأمان … يهيمن الشعور بالدونية على الحياة النفسيّة، وإننا لنرى ذلك
بوضوح في شعورنا الدائم بالنقص فيما نملك، وبعدم الكمال بما نقوم به من أفعال تُفرض علينا…يبدو الشعور البشري بالدونية، والذي عادة ما يُستنفد في الصراع من أجل التقدم، أكثر حركة وحيويّة في عواصف الحياة ومخاضاتها، وأكثر وضوحاً في التجارب القاسية التي تواجه الفرد، إنه يعبر عن نفسه بشكل مختلف تبعاً للأوضاع التي يصادفها ، وإذا ما أردنا الإيجاز في التعبير عن تجلياته في كل حالة من هذه الحالات، فإننا نجده يمثل نمط حياة كلّ فرد على حدة، وهو يظهر بأشكال متشابهة في مواقف الحياة جميعها [آدلر، ٢٠١٩م].


المراجع:

١.ادلر، الفرد.معنى الحياة. ط١. دمشق: دار الفرقد. ٢٠١٩م.

٢.علاء الدين، جهاد محمود. نظريات الإرشاد النفسي (التحليل النفسي والسلوكية). ط١. عمَّان: الأهلية للنشر والتوزيع. ٢٠١٣م.

٣.أبو أسعد، أحمد عبداللطيف. علم نفس الشخصية. ط٢. الأردن: عالم الكتب الحديث. ٢٠١٣م.

٤.آل تركي، خالد تركي. التحليل النفسي بصورة مبسطة. ط١. مصر: دار العلوم العربية للنشر والتوزيع. ٢٠١٥م.