إلى الكُتّاب الذين جعلوني أبكي

توبا ساجد، هي صحفية وكاتبة شابة، مهتمة بالشؤون السياسية والاجتماعية، والقضايا الدولية.

وقد نشرت في موقع (rebellesociety) رسالة “إلى الكتّاب الذين جعلوني أبكي“، نترجمها إليكم بشكل حصري. تقول في مقالتها:

 

بما كنتم تفكرون عندما أستخدمتم الكلمات مثل الإسمنت والجمل مثل الطوب لبناء الطريق الذي غادر بنا نحو فكر جديد، شعور متجدد، وعالم حي لم نكن نعتقد أنه موجود؟

بما كنتم تفكرون عندما صنعتم بأيديكم وأرواحكم شيئَا يستطيع أختراقنا، شيئًا كنّا نريد أن نحتفظ به في أيدينا إلى الأبد، ونرغب تدميره في نفس الوقت؟

ما زلت أتساءل أيها الكاتب ما الذي كان يمر عبر ذهنك؟

هل كنت تكتب لتتذّكر – أم لتنسى؟

هل تكتب للشفاء، أم للمرض؟

هل تكتب لتُعّلم، أم لتتعلم؟

هل تكتب للإلهام – أم للدمار؟

هل تكتب لك، أم لي؟

ما زلت أتساءل لأنك جعلتني أبكي. في كل وقتٍ يمر، وسيمر؟

ولكن يبدو أنك قد بكيت قبلي بكثير.

أعرف تلك الكلمات التي أثرّت بي لأنها أثرّت بك من قبل.

أعرف ما كتبته؛ كتبت الذي جعلك تنتفض، وهو بدوره ما جعلني أنتفض بعدك.

كتبت ما يبقيك مستيقظاً في الليل، متقلباً ومهتاج. كتبت عن تلك الأجزاء الساخنة من ذاتك، تلك التي كنت مرعوب بشكل فاضح بمجرد التفكير فيها. تلك الأجزاء التي سيعني كتابتها الأعتراف بها، وبأنها وجدت فعلاً، أنها موجودة هناك، وأنها حقيقة.

كتبت عن تلك الحقائق التي أذهلتك، تلك الأفكار التي أربكتك، كتبت عن تلك المشاعر التي كنت لا تعرف هل كنت قادراً على تحمل مأساة الشعور بها أم لا؟

كتبت عن الذي دمَّر ذهنك، وجعل نصل دواخلك الداخلية مضرمة ومغلية بالغضب. كتبت عن ذلك اليوم عندما سينتهي عالمك الخاص وستشعر بالوحدة –وحدة خاصة لك وحدك– كتبت عن تلك الدمعة المُسيلة للسعادة، تلك الدمعة التي كنت تريد القبض عليها لأنك قد لا تراها أبداً مرةً أخرى.

أعرف أنك لتكتب كل ذلك، كان عليك أن تواجه نفسك – وهذا بحد ذاته مخيف. أن تواجه مخاوفك، وخبراتك الشخصية المرّوعة وجميع الكلمات التي تجعلك من أنت.

(إرنست همنغواي) قال ذات مرة: “لا يوجد شيء للكتابة. كل ما عليك فعله هو الجلوس على الآلة الكاتبة وتنزف”.

نعم، كان على حق.

حتى الآن هناك المزيد والمزيد لينزف.

النزيف هو الألم وكل كلمة هي شفرة لامعة. شفرات حادة تمتص اللون الأحمر كلما تسرب خارجك. وحين تبدأ تلك الشفرات بخلق شيء داخلك يشبه شفاء الندوب –نعم الشفاء– ولكن هناك .. هنالك خلف كل ذلك التعافي؛ تكمن الجرأة والشجاعة التي كانت وراء كل ذلك الجرح. ولأنه من أجل أن تنزف، كان يجب أن تشعر. يجب أن تفتح جُرحك حتى تتمكن من علاجه.

وإذا كنت قد جرحتني بقراءتك، فأنت قد جرحت نفسك قبلي بالكتابة.

وهذا عزائي الوحيد.

وأشكرك على هذا.

لأنه عندما قرأت كلماتك، شعرتُ بما كنتَ تشعر به.

قل لي: هل كان يتدفق الألم عبر عروق أصابعك قبل أن تستعد للكتابة بها؟

أخبرني عن ألآمك أيها الكاتب: هل كانت تسمّم روحك – أم تغذيها؟

هل ترمدّها– أم تجعل لها لوناً؟

هل تستعبدها – أم تحررها؟

هل كانت تخلق شيءً جميل- أم شيئاً فضيع؟

أم هو نفس الأمر؟

الكلمات -كلماتك أنت- جعلتني أبكي، نعم. ولكنه ثمن قليل جداً ذاك الذي دفعته أمام ما حصلت عليه في المقابل منك. كلماتك أيها الكاتب أعطتني القوة للبحث، للتوقف عن الاستقرار، للمسائلة – وللعيش.

وفي يومٍ ما، عندما سألتقط القلم للبوح، حينها سأجد أجوبتي العميقة. سأشعر بشفرات الفضة الحادة والخاصة بي. سأنزف .. وسأشفى!

أشكرك لإعطائي كلماتك، لأنها سمحت لي بخلق روحي.

شكراً لإعطائي فراغك الآمن بين صفحاتك للبكاء.

شكراً لك، لأنني أعلم أنك قد فعلتها قبلي .. وبكيت!

مقالة أوسكار وايلد عن الفن والجمال

أوسكار وايلد

أوسكار وايلد (1854 – 1900) مؤلف مسرحي وروائي، وشاعر أنجليزي إيرلندي. احترف الكتابة بمختلف الأساليب خلال ثمانينات القرن التاسع عشر، وأصبح من أكثر كتاب المسرحيات شعبية في لندن بدايات التسعينات من ذات القرن. أما في وقتنا الحاضر فقد عرف بمقولاته الحكيمة ورواياته وظروف سجنه التي تبعها موته في سن مبكر.

في مقدمة روايته الأشهر (صورة دوراين جراي)، والتي ترجمها (د. لويس عوض)، كتب مقالة جميلة عن الفنون، يقول فيها:

الفنان صانع الأشياء الجميلة.

غاية الفن أن يكشف عن نفسه، وأن يخفي شخصية الفنان.

الناقد من يترجم أثر الجمال في نفسه بلغة غير لغة الفنان، أو يصوغ من إحساسه به مادة غير مادة الفن.

وإن أعلى أنواع النقد لا يختلف عن أحطّها، في أنها جميعًا تراجم لحياة الناقد على نحو ما.

ومن يقرؤون معاني القبح في آيات الجمال هم السفهاء، ولا عذر لمن ضل سواء السبيل.

أما من يقرؤون معاني الجمال في آيات الجمال فهم الأصفياء؛ هم رجاء الإنسانية.

هم المختارون الذين لا يرون الجمال إلا جمالًا.

ليس بين الكتب كتب أخلاقية وكتب منافية للأخلاق. فالكتب إما جميلة التأليف وإما رديئة. تلك هي خلاصة القول.

ثورة القرن التاسع عشر على الأدب الواقعي هي ثورة (كاليبان) حين يرى وجهه في المرآة.

وثورة القرن التاسع عشر على الأدب الخيالي هي ثورة (كاليبان) حين “لا” يرى وجهه في المرآة.

الحياة الأخلاقية بعض مادة الفن. ولكن “أخلاقية” الفن تأتي من كمال التعبير رغم نقص أداة التعبير.

ما من فنان يريد إثبات وجهة نظر ما؛ فالحقائق ذاتها لا يمكن إثباتها.

ما من فنان يتحيّز لمدرسة في الأخلاق معينة. والتحيز الأخلاقي لازمة في الأسلوب لا تغتفر.

ما من فنان يشتكي السقم أبدًا. فالفنان يستطيع التعبير عن كل شيء في الحياة.

أداة الفن؛ الفكر واللغة. ومادة الفن؛ الفضيلة والرذيلة.

أرقى الفنون من ناحية القالب؛ الموسيقى. وأرقى الفنون من ناحية الشعور؛ التمثيل.

للفن ظاهر مكشوف، ورمز خبئ.

ومن يتجاوز الظاهر، يجازف بكل شيء.

ومن يفهم الرمز، يجازف بكل عزيز.

الفن ليس صورة الحياة، بل صورة المستعرض لموكب الحياة.

اختلاف الظنون في العمل الفني دليل على أن العمل جديد ومعقد ونابض بالحياة.

وكلما اختلف النقاد، أحسّ الفنان بأنه أدّى واجبه.

في وسعنا أن نصفح عن صاحب الفن المفيد، إذا أدرك أن فنه ليس جميلًا ، والمبرر الأوحد لوجود الفن هو أن يأسرنا بجماله.

لا نفع في الفن إطلاقًا.

العنف في الحوار عند طه عبدالرحمن

 طه عبدالرحمنطه عبد الرحمن، من مواليد عام 1944. وهو فيلسوف مغربي، متخصص في المنطق وفلسفة اللغة والأخلاق. ويعد أحد أبرز الفلاسفة والمفكرين في مجال التداول الإسلامي العربي منذ بداية السبعينيات من القرن العشرين.

في كتابه (الحق العربي في الاختلاف الفلسفي)، يميز (طه عبد الرحمن) بين عنفين اثنين يمكن حصولهما في الحوار:
  1. العنف الأشد “القمع“: والمقصود به إنهاء الاختلاف بين المتحاورين بالقوة. وهو على ضربين اثنين: 
    1. العنف المادي: وهو الذي تستخدم فيه قوة اليد “المِقمعة” لإلحاق الأذى الخَلقي بالغير.
    2. العنف المعنوي: وهو الذي تستخدم فيه قوة اللسان لإلحاق الضرر الخُلقي بالغير.
  2. العنف الأخف “الحسم“: وهو فض الاختلاف بتحكيم طرف ثالث، حكمًا كان أو حاكمًا أو وسيطًا، أو باللجوء إلى الحل الوسط أو بإجراء القرعة.
يقول في “العنف الأخف“:

فلما كانت نهاية الاختلاف لا تأتي على يد المتنازعين نفسهما بفضل أدلتهما الخاصة، وإنما على يد طرف ثالث سواهما أو بطريق غير تدليلي، جعلهما ذلك يشعران بأنهما غير قادرين على تحمل مسؤوليتهما في رفع الاختلاف بينهما؛ وفي هذا الشعور من التأديب لهما ما هو أشبه بالتعنيف، إلا أنه، إن جاز التعبير، عنف فيه لطف.

ثم يبين أن الاختلاف في الرأي لا يندفع بالقمع حتى لو كان بواسطة الحسم، يقول:

أما الاختلاف في الرأي داخل دائرة الحوار النقدي، فلا يندفع أبدًا بواسطة القمع، بل إن ممارسة القمع قد تزيد في حدة هذا الاختلاف، حتى لا سبيل إلى الخروج منه، نظرًا لأن الطريق الموصل إلى هذا الخروج إنما هو طريق الإقناع؛ فكل واحد من المتحاورين يسعى إلى أن يقتنع الآخر برأيه اقتناعًا منبعثًا من إرادته، لا محمولًا عليه بإرادة غيره، فالإقناع والإقماع ضدان لا يجتمعان؛ كما أن الاختلاف في الرأي لا يندفع بواسطة الحسم، لأن أحد المتحاورين على الأقل قد يجد في نفسه حرجًا مما حُسم به، فلا يُسَلّم، وإنما يندفع، على العكس من ذلك، بارتفاع الحرج والإقرار بالصواب الذي ظهر على يد محاوره، وهو بالذات مقتضى «الإذعان»؛ وعلى هذا، فالحسم لا ينفع في تحصيل الإذعان الضروري للخروج من الاختلاف.

ثم يؤكد أن المنازعة التي تضاد الجماعة وتضعفها إنما هي المنازعة التي تلجأ إلى العنف، يقول:

يتضح أن المنازعة التي تضاد الجماعة وتضعفها إنما هي المنازعة التي تلجأ إلى العنف، قمعًا كان أو حسمًا، لأن المعنَّف لا بد أن ينتهي به الأمر، إما إلى أن يهلك أو ينشق أو يتآمر، وفي كل واحد من هذه الأحوال الثلاثة يتسبب في خلخلة الجماعة، زيادة أو نقصانًا؛ أما المنازعة التي ينبني عليها الاختلاف، فإنها تُوافق الجماعة كل الموافقة وتقويها أيما تقوية، إذ تقضي بأن تقوم علاقات التعامل فيها، من جهة، على فعل الإقناع الذي يحمل تمام الاعتبار لذات الغير، ومن جهة ثانية، على فعل الإذعان الذي يحمل تمام الاعتبار للصواب؛ ولا بد لمثل هذه المنازعة أن تكون خادمة للجماعة بم يورثها مريدًا من التماسك في البنية الجامعة والتناصح في المصلحة العامة؛ ولولا أننا ننفر مما تجتره الألسن تحت ضغط الإعلام، لقلنا: “يكسبها مزيدًا من الشفافية“.

لماذا لم يقم شينوا أتشيبي بتدريس الكتابة الإبداعية؟

شينوا أتشيبي

تشينوا أتشيبي (1930 – 2013)، روائي نيجيري من قومية الإغبو، وهو أول روائي بارز من القارة السوداء كتب بالإنجليزية. تتناول كتاباته المخلّفات المأساوية للإمبريالية البريطانية على المجتمعات الإفريقية. حلّل أتشيبي العلاقات الأسلوبية بين الأدبين الأفريقي والإنجليزي. وقد استحوذت أعماله على اهتمامات النقد الأدبي. وُلد أتشيبي في أوجيدي في شرقي نيجيريا، وتلقَّى تعليمه بالكلية الحكومية في أومواهيا وبكلية إبادان الجامعية، وعمل بالإذاعة والخدمة المدنية أيضًا. وعمل مؤخرًا بالتدريس في الجامعات النيجيرية، وجامعات الولايات المتحدة الأمريكية.

في حوار صحفي له مع صحيفة Paris Review الشهيرة، والذي ترجمته الأستاذة (لطفية الدليمي) في كتابها (فيزياء الرواية)، سُئل (أتشيبي): هل قمت يومًا بتدريس الكتابة الإبداعية؟”، فأجاب بالنفي. مما جعل الصحفي يسأله: “ولم لا؟”، فكان جوابه:

لأنني لا أعرف كيف يمكن إنجاز هذا العمل، وأنا أعني كلامي. أنا حقًا لا أعرف. كل ما أقوله هو أن هذه المفردة “الكتابة الإبداعية” توفر عملًا  للكاتب. لا تضحك لملاحظتي هذه، فهي شديدة الأهمية، لأن كثيرًا من الكتّاب يحتاجون عملًا  آخرًا يعتاشون منه في هذه الأوقات العصيبة وغير المستقرة اقتصاديًا. لا أعلم كيف يمكن للمناهج في مادة الكتابة الإبداعية أن تكون مفيدة للطالب، ولا أقصد بهذا أنها عديمة الفائدة، ولكن أقصد بالتحديد أنني لم أرغب يومًا في أن أرى أحدًا يعلمني كيف أكتب، فتلك ذائقتي الخاصة بي حصريًا.

ثم سأله الصحفي بعد ذلك: “إلى أيّ مدى يمكن للكتّاب كما ترى أن يزجّوا أنفسهم في خضم الموضوعات العامة؟ فكان الجواب:

لست أريد هنا أن أضع قانونًا عامًا ملزمًا للجميع، ولكنني أعتقد أن الكتّاب هم في ذات الوقت مواطنون، وهم في أغلب الأحوال بالغون ومدركون لتفاصيل الأمور. كان موقفي على الدوام، أن الفن الجيد والجاد وجد دومًا لأجل خدمة الإنسانية، لا لإدانتها، ولا أعرف كيف يمكن للفن أن يُدعى “فنًا” إذا ما تسبب في إحباط الإنسانية وقهرها.

في الصداقة والصديق من الشرق والغرب

27409858

“مثل الفن والفلسفة: لا تبقينا الصداقة على قيد الحياة، ولكنها تعطي لهذه الحياة معنى”  -سي. اس. لويس

لنتأمل في طبيعة الصداقة واختلاف هذ المفهوم الذي يضيق ويتسع من شخص لآخر. فانتشار العلاقات المشوشة في حياتنا اليوم عبر منصات التواصل الاجتماعي والإفراط في استخدام كلمة “صديق” أدى إلى تآكل المعنى الأرسطي للصداقة وضغط الفسحة الوجودية المتسعة بين المعرفة والصداقة.

(ألكساندر نيهماس) أستاذ العلوم الإنسانية المختص بالفلسفة اليونانية في جامعة برنستون في كتابه “عن الصداقة” يبدأ بالحديث عن المكانة الرفيعة التي خُصَّتْ بها الصداقة “philia” في الفكر اليوناني، فالمؤسسة الأرسطية ترى أن الصديق ذاتٌ أخرى، كما أنها ترتكز على فكرتين رئيستين: الأولى أن الصداقة من أعظم متع الحياة. والثانية تقسيمها إلى:

  1. الصداقة النفعية: تتحدد قيمتها بمقدار ما يمكن أن يجني فيها الفرد مقابل ما يعطي (الفائدة هي الغاية) غالبا هذا النوع يرتبط بعالم السوق، وكلما كان الشخص نافعاً أكثر توسعت دائرة أصدقائه لرغبتهم بالاستنفاع منه، وهذا النوع من الصداقة يموت بانتهاء المنفعة.
  2. الصداقة الممتعة: تتحدد قيمتها بحسب الشعور بالأنس والمرح (المتعة هي الغاية). غالبا ما تسود بين الشباب أو في العلاقات العاطفية. هذه الصداقة تنتهي بانتهاء المتعة.
  3. الصداقة الفاضلة: تعني محبة الانسان الفاضل المتشبع بالقيم الأخلاقية لشبيهه في الفضيلة لذاته. هذه الصداقة التي تقوم على المحبة تتجاوز صداقة المتعة وصداقة المنفعة بالمعنى الفلسفي: أي أنها تحتفظ بالمنفعة والمتعة وتتحرر منهما في نفس الوقت. ورغم أنها الأكثر دواماً إلا أنها أيضاً الأندر. و هنا تتجلى الصياغة الأرسطية الشهيرة في تعريف الصديق: “الصديق إنسان هو أنت، إلاّ أنَّه بالشَّخص غَيرُك”

مقارنة بالخلافات التي تحدث حول مفاهيم الحقيقة أو العدالة أو الجمال، تعتبر الصداقة منطقة هادئة معزولة في البحار الفلسفية الثائرة فقد هيمنت أفكار أرسطو على المناهج الفلسفية. أما بالنسبة للفلاسفة المحدثين فتركيزهم غالبا ما يكون حول تأثير الصداقة على قيم الأخلاق والعدالة.

لا يمكننا الحديث عن الصداقة في الفلسفة دون التطرق لمقالات (ميشيل دي مونتين) الشهيرة “في الصداقة” التي نشرت عام 1580 وكانت تحاول تفسير صداقة مونتين الحميمة مع أتين دي لابويسيه، وهي كما يصفها:

صداقة لا يمكن أن تقارن بغيرها أو أن تمتد إلى ثالث. لأن كلًّا منّا يعطي نفسه بالكامل لصديقه فلا يبقى للآخرين شيء.

أما عند الشاعر (إمرسون) – أحد أبرز دعاة الفلسفة المتعالية والفردانية – فكانت الركيزتان الأساسيتان للصداقة هما الصدق والحنان. فالصديق هو من نستطيع أن نتعامل معه ببساطة دون مجاملات ونفكر أمامه بصوت عال. ويرى أن المحادثة بين الصديقين هي اكتمال الصداقة، لكن ما إن يدخل معهما فرد ثالث إلا وتختفي الكلمات التي تخرج من القلب. نعم قد يتحدّث ثلاثة أصدقاء ولكنها محادثة لا تكون بتكامل وصدق الاثنين. وهكذا تصبح كل صداقة بين اثنين يتشاركان في الآراء والاهتمامات أيضا نوع من الانفصال عن المجموع. يشاركه الرأي (سي. أس. لويس) الكاتب والباحث الإيرلندي، فيكتب:

بينما يبحث العشاق عن الخصوصية، فإن الأصدقاء يجدونها تحيط بهم كحاجز بينهم وبين الآخرين، سواء أرادو ذلك أم لا. […] وفي دائرة الأصدقاء الحقيقيين كل فرد يكون على طبيعته ببساطة. فهي علاقة جرّدت إلى العقل. وكما تحفل الإيروس بالأجساد المجردة، فإن الصداقة تحفل بالشخصيات المجردة. وبالتالي روعة اللامسوؤلية في الصداقة: فليس علي واجب لأن أكون صديقًا لأي شخص.

الكاتبة (ماريا بوبوفا) من موقع brainpicking تصوّرت مفهوماً للصداقة بدوائر متحدة المركز من الترابط البشري:

  • unnamed-1الغرباء: يقطنون معنا العالم ولم نلتقي بهم. 
  • المعارف: في ثقافتنا تقترن بهم كلمة “صديق” تربطنا معهم مصالح أو ظروف مشتركة.
  • أناس نعرفهم و نودّهم.
  • أرواح أليفة: نألفهم بسبب تقارب القيم والمباديء. يربطنا حسن الظن والتعاطف والاحترام المتبادل. ولكننا لا نريهم إلاّ الجزء المثالي المصقول من أنفسنا دون تناقضاتنا الذاتيه و ضعفنا الشخصي.
  • الصداقات الحميمة: اولئك الذين نشاركهم ضعفنا و عيوبنا بحرج ولكن دونما خوف من أن يصدرو علينا أحكاما قيمية، تربطنا بهم حميمية نفسية وعاطفية. الصديق الحقيقي هو من نستطيع تجريد أنفسنا أمامه من مثاليتها المزعومه لنكشف عن ذواتنا الناقصه الحقيقية الحساسة ونحن واثقين بأن ذلك لن يقلل من مودته لنا.

الصداقة الحميمة هي تلك التي تتغلل في عمق نفوسنا وتساهم في بناء تصورنا عن الحياة. ودائرة أصدقائنا المقربين تساهم في تأسيس هويتنا والتعبير عن شخصياتنا وتشكيل فرادتنا. علاقتنا بهم تجعلنا (نحن وهم) مختلفين عن (الآخرين) وهذا مما يشكلّ نفوسنا إلى حد بعيد. نحن عبر هؤلاء الأصدقاء نجد الفسحة والقوة لرفض تشكيل المجتمع لنا. وهكذا نستطيع تفهّم هدف (فوكو):

هذه الأيام ليس الهدف أن نكتشفَ أنفسنا، بل أن نرفضَ ماصرنا إليه. أن نعزز أشكالاً جديدة من الذاتية عبرَ التمرد على ما فُرض علينا لعدة قرون.

و الصداقة كفيلة بتوفير السياق لمثل هذا التمرد. فعلاقة مع صديق جديد هي وسيلة لمقاربة الذات، الآخرين، و كذلك الحياة. كما أن المناقشات مع الأصدقاء هي مساحة للتعبير بصراحة عن أفكارنا وطرقا مختلفة للحد من عشوائيتنا دون خجل.

ما يفرّق الصداقة عن علاقة عابرة، هو أنه في الصداقة لا يمكن أن نحدد بوضوح لماذا نحبّ الصديق لأننا لا نستطع فصل ما يعجبنا فيه عن ذاته. و يرى مونتين أن أي محاولة لشرح أسباب محبتنا لصديق بالاستشهاد بفضائله مآلها الفشل:

لا يكمن الجواب في ميزات صديقي، وإنما في العلاقة بينها وبيني.

أما (كانط) فقال شيئا مشابها عن الأشياء الجميلة: “فنحن لا نستطيع أن نوضّح تماما لم نرى شيئًا ما جميلاً. هناك دائما ما لا نستطع وصفه والتعبير عنه بالكلمات. و كذلك الصداقة لا يمكن التفسير بأسباب واضحة لم نحن أصدقاء مع أصدقائنا. فنحن نحبهم لأنهم هم و أيضاً – كون الذات الإنسانية غير ناجزة – لما نأمل أن نكونه بسبب علاقتنا بهم”. وهكذا كانت إجابة (مونتين):

إذا ألححت علي كي أقول لم أحب صديقي، فلا يمكنني أن أزيد على: لأنه هو و لأني أنا.

و بما أننا لا نزال مع مسيو مونتين، فجدير بالذكر أن الصفات التي نحبها أو نبغضها في صديق ما ليست فقط “لأنه هو” ولكنها أيضا ترتبط بما أنا عليه “لأني أنا” و بالتالي عندما يتخلى عني صديق فإنه لا يرفضني فقط فأفقد معه جزءًا من ذاتي، ولكنه أيضاً يرفض ما أصبح عليه “هو” عبر علاقتنا معاً.

أمّا إذا انتقلنا إلى الشرق فإننا نجد تباينا في آراء حكمائنا العرب في أمر الصداقة والصديق. فمنهم من استشكل وجود الصديق وعدّه “اسم لا حقيقة له” مثل الغول والعنقاء. ومن ثم اعتبر أن أغلب من يعدّون أصدقاء – إن هو حقق أمرهم – وجد أنهم مخاليط ومعارف وما أدركوا منازل الأصدقاء. فقد قيل لأحدهم: ألك صديق؟ فقال: لا، ولكن أليف. وقال (جعفر بن يحيى) لبعض نُدمائه: كم لك من صديق؟ قال: صديقان. فقال: إنك لمثرٍ من الأصدقاء. وكتب رجلٌ إلى صديقٍ له:

أما بعد، فإن كان إخوان الثقة كثيراً، فأنت أوّلُهم، وإن كانوا قليلاً فأنتَ أوثقهم، وإن كانوا واحداً فأنت هُو.

كما تباين الحكماء في ماهيّة الصديق: أهو المؤالف لك أم المخالف؟ أهو تؤام عقلك أم بديله؟ وأغلبهم كان على القول بمبدأ “المؤالفة”. فمثّل الصديق كالرقعة في الثوب. وهذا ما نجده في قول (جعفر الخلدي): “مجالسة الأضداد ذوبان الروح، ومجالسة الأشكال تلقيح العقول”. وقيل كل صاحب يقال له “قم” فيقول “الى أين؟” فليس بصاحب. وسئل حكيم من صديقك؟ فقال:

الذي إذا صرتُ إليه في حاجةٍ وجدته أشدّ مسارعةً إلى قضائها منّي إلى طلبها منه.

أما من المحدثين، فوصف (زكي مبارك) الصديق الحق بقوله:

هو الذي يستطيع أن يغزو قلبك بأشعة روحانية، توحي إليك أنه أنيسك في النعماء وحليفك في الضراء، وأن وداده الصحيح هو القبس الذي تستضيء به عند اعتكار الظلمات.

وقال (الرافعي):

الصديق هو الذي إذا حضر رأيت كيف تظهر لك نفسك لتتأمل فيها، وإذا غاب أحسست أن جزءاً منك ليس فيك.

أما (جبران) بشاعريته الشفافة فيصف الصديق في (النبي) بقوله:

إن صديقك هو كفاية حاجتك. هو مائدتك و موقدك. لأنك تأتي إليه جائعاً، وتسعى وراءه مستدفئا. ولا يكن لكم في الصَّداقة من غاية ترجونها غير أن تزيدوا في عمق نفوسكم.

ومن أجمل ما قيل في الشوق إلى الصديق قول (ابن ثوابة):

“لبثتُ بعدكَ بقلبٍ يودُّ لو كان عيناً فيراكَ، وعينٍ تودُّ لو كانت قلباً فلا تخلو من ذكراك”

وأما في حاجة الإنسان إلى الحفاظ على الصداقة فتقول الرقيقة مي زيادة:

مهما تنكَّر لنا معنى الصداقة الصافي، ومهما غدر بنا الغادرون فعلمونا الحذر، إلا أننا لا نستطيع إنكار احتياجنا العميق إلى الصديق؛ لأن لدينا مرغمين كمية من المودة والوفاء والتسامح والغفران والتضحية لا بد من تصريفها وإنفاقها لتزيد بالعطاء غنًى، وعند من نصرفها وعلى من ننفقها إلا على الأشخاص الذين نراهم قمينين بأنبل ما عندنا من فكر، وأصدق ما لدينا من عاطفة؟ أيها الذين ربطت الحياة بينهم بروابط المودة والإخاء والتآلف الفكري والنبل الخلقي، حافظوا على صداقتكم تلك وقدِّروها قدرها! فالصداقة معين على الآلام ومثار للمسرات. وحسبكم أنتم أنكم بإيمانكم بالصداقة توجدون الصداقة، وبممارستكم أساليب الصداقة إنما تكوِّنون خميرة الصفاء والصلاح والوفاء.

اعتقد بعض القدماء أن الصداقة تربط الكون كله معا. ولكن نحن الأكثر تواضعا، نعتقد أن الصداقة لا تفعل أكثر من أن تربط بعض الأفراد. اولئك الذين يستطيعون أن يقولو لبعضهم: “أحبك لأنك أنت ولأني أنا”.

مصادر أخرى:

  • التوحيدي، أبو حيان: الصداقة والصديق
  • الشيخ، محمد: كتاب الحكمة العربية: دليل التراث العربي إلى العالمية