سينما تاركوفسكي كبابِ للفلسفة

image-w1280

 

يُعد أندري تاركوفسكي (1932-1986) عند كثير من منظرين ونقاد السينما كأحد أهم وأعظم مخرجي الأفلام في القرن العشرين. بل يعتبره العديد بأنه الأعظم على الإطلاق، ومن هؤلاء مخرجين كبار من ذات الحقبة مثل المخرج السويدي الشهير (إنغمار بيرغمان). أخرج (تاركوفسكي) تسعة أفلام: فيلمان قصيران، وسبعة أفلام روائية من عام 1959 إلى عام 1986، كما أخرج مسرحية (هاملت) لـ(شكسبير) على مسرح موسكو، وأوبرا (بوريس جورونوف) في لندن قبيل وفاته بمرض السرطان في باريس. صدر له كتاب (النحت في الزمن) قبيل وفاته، واختيار الاسم إن دل فإنما يدل على حسِّ شعري لدى (تاركوفسكي). كيف لا وهو الذي درس الشعر بلغاتٍ مختلفة، منها العربية التي اهتم بها وبأدبها بالإضافة إلى كون أبيه (أرسيني تاركوفسكي) أديب من الأدباء الروس البارزين ومن أهم مترجمي الشعر في وقته.

عن قراءة الفلسفة في أعمال (تاركوفسكي):

أن النمط المميز لأعمال (تاركوفسكي) هو استخدامه الدقيق للترميز والدلالات الميثولوجية. وهذا له عوامل عدة، يتضح أولها بتأثره بالأعمال الفلسفية الوجودية الروسية، خاصة أعمال الفيلسوف (نيكولاي برداييف). وهذا الربط بين (تاركوفسكي) و(برداييف) ليس عبثياً، فمن يرجع إلى يوميات (تاركوفسكي) سيجد ذكراً وعلاقة واضحة بينه وبين (برداييف) وإن لم يكن قد ناقشها بالتفصيل وبيّن آراؤه بها. يتمحور أساس هذا الربط بين (تاركوفسكي) وبين (برداييف) على فكرة تكوين الشخص، ويميز (أندراش كوفاكس) هذه العلاقة في أعمال (تاركوفسكي) على مرحلتين تعاقبا زمنياً بالتطور الفكري لدى تاركوفسكي: أولا، أن يكون الشخص هو الرسالة. ثانيا، تسامي الشخص.

إن الشخصانية الروسية المنتمية للقرن التاسع عشر والتي يبدو أثرها واضحا على (تاركوفسكي)، والتي كانت رائجة آنذاك برواج نظيرتها الوجودية الفرنسية والأوروبية بشكل عام. تشكلت هذه الشخصانية مثل الوجودية من الفكرة المتعلقة بحالة الشخص الذي يشعر بالاغتراب عن محيطه، أكثر من العالم الخارجي. وتختلف الشخصانية عن الوجودية في أنها لا تعتبر الحالة الإنسانية حالة موحدة للإنسان. فالإنسان في الفكرة الشخصانية متكامل في بيئته البيولوجية والاجتماعية في جزء، لكنه في الجزء الآخر -وهو الجزء الأعمق- مغترب عن بيئته هذه في نفس الوقت. فيمكن أن نقول الجزء المتكامل مع بيئته يسمى فرداً، بينما الجزء المغترب فيُسمى “شخص”. فالـ”شخص” منفصل جذرياً وبشكل بنيوي عن محيطه المادي والاجتماعي، بل أن وجوده يتعارض مع هذا المحيط. يذكر (برداييف) في أحد أعماله:

الشخص لا يشبه أي شيء في العالم، ولا تمكن مقارنته بأي شيء. وعندما يدخل الشخص المتفرد وغير المتكرر إلى العالم، تتحطم عملية العالم وتضطر هذه العملية إلى تغيير مسارها، وبرغم أن ذلك حدث لا يمكن إدراكه. لا يمكن أن يكون الشخص عنصراً في تطور العالم. إن الشخص يمثل نقطة تقدم مفاجئ، نقطة انقطاع عن هذا العالم.

كيف يصبح الإنسان فردا وشخصاً؟ فالشخص ليس نوعا اجتماعيا، سياسيا، تاريخيا، عرقيا، وإنما هو نوع أخلاقي. الشخص هو الوجه الأخلاقي من الكائن الإنساني. ولكي يصبح الفرد شخصا فلا بد أن يحدث هذا في إطار مجتمعي، بحيث يتسامى الشخص فوق محددات هذا المجتمع الخارجية. يذكر (برداييف) بهذا الخصوص:

يفترض الشخص أن التسامي يحدث تجاه آخرين، فالشخص لا يستطيع أن يتنفس، انه يختنق عندما ينغلق على ذاته.

وقبل أن نقارب تاركوفسكي مع برداييف علينا أن نعي، أن الشخص المخبوء هنا ضمن الإنسان ليس معطىً بديهي وإنما يجب علينا البحث عنه لنصل إليه. وكما يلاحظ كوفاكس في أعمال تاركوفسكي، يكون الموضوع المحوري في الفيلم هو الصراع بين الشخص والفرد، أو بين الشخص والعالم.

إن الشخصانية ليست قالبا نستطيع مطابقته في نصوص برداييف وأفلام تاركوفسكي ولكنها كما يعتبرها إيمانويل مونييه:

إننا نصف بالشخصانية كل المعتقدات، وكل المدنيات، التي تدعو إلى أسبقية الشخص على الضرورات المادية، والمؤسسات الجمعية، التي تدعم تطوره”.

إذن، هي علاقة مهمة تربط الفيلسوف والمخرج بالعقيدة المسيحية الأرثوذوكسية في تسامي الشخص فوق المادة وقيودها وفي اتصال “الشخص” مع الرؤية المتسامية لوحدة الوجود بشكل متصوف. وهذا ينبع ليس فقط من فهم تاركوفسكي للشخصانية وإنما أيضا حدته تجاه الحداثة، فقد كان تاركوفسكي يرى فيها مستقبلا مظلماً للإنسانية فيقول عندما سئل عن رأيه فيها:

أستشعر مستقبلا مظلما، خاصة إذا لم يدرك الإنسان أنه موغل في الخطأ. لكني أعرف أنه عاجلا أم آجلاً سوف يعي الموقف. فليس بوسعه أن يموت كما يموت مصاص الدماء الذي يصفّي دمه قبل النعاس لأنه خدش نفسه قبل الخلود للنوم. يجب أن يكون الفن حاضراً ليذكر الإنسان أنه كائن روحي أنه جزء لا يتجزأ من عقل متناهي الكبر سيعود ليتحد به في نهاية الأمر، لو أن الإنسان اهتم بهذه الأسئلة، التي لو أنه طرحها على نفسه فقد نجا روحيا بالفعل. الإجابة لا أهمية لها تُذكر، ولكن اعرف انه بدءاً من تلك اللحظة، لن يستطيع أن يحيا كما تعود في السابق.

عن فيلم (طفولة إيفان):

ففي فيلم (طفولة إيفان) والذي تتلخص قصته في صبي في الثانية عشرة من عمره يشارك تطوعا مع الجيش السوفييتي في الحرب العالمية الثانية. ليقابله ضابط في الجيش ويتفاجئ بوجوده في الجيش وتغيبه عن المدرسة. ليطلب منه الذهاب للمدرسة لكن (إيفان) يرفض، ويطالب بتكليفه بمهمة أكبر لكنه لا يعود منها أخيراً. وإن كان الفيلم قد يكون محملا بالأعراف والتقاليد السوفييتية العسكرية إلا أن (سارتر) استشعر وجود هذا الحس الوجودي لدى شخصية (إيفان) فذكر في تعقيب له عن الفيلم:سارتر

إن (إيفان) كبطل هو في الحقيقة وحش قتلت الحرب الطفولة بداخله، ليبقى فقط البطل غير الطبيعي. لذلك فإن شخصيته نتاج للحرب تماماً. إن (تاركوفسكي) يوضح أحلام (إيفان)، وكوابيسه، وذكرياته عن طفولته عندما ينام أو يكون وحيداً. أما أمام الآخرين فهو عنيد، وقوى، وعاقد العزم بطريقة العالم الخارجي لا تعطيه فرصة لكي يتطور إلى شخص. وليست لدى (إيفان) استقلالية عن محيطه، إنه مخلوق من مخلوقات الحرب، ويتصرف طبقا لذلك.

ما يقدمه مخرجنا هنا هو من ينجو هو شخصية الضابط التي تشذ عن التنميط السائد لدى الشخصيات في الأفلام الحربية. فـ(إيفان) وكل القادة يموتون في الحرب، والشخص الغريب عن هذه البيئة هو وحده من يعيش. يكمل (كوفاكس) في تحليله قائلا:

توضح هذه الشخصية التعارض الشديد بين الفرد الذي يتحدد من الخارج والشخص ذي الاستقلال الأخلاقي. فمن جانب هناك إيفان، مأساته هي أنه ليست لديه فرصة لكي يعيش حياته، ويسير في طريقه الذي اختاره، ويطور شخصه الأخلاقي، إن حياته قد أخذتها الحرب حتى قبل أن يموت، إنه شديد التصلب، أقوى من أن يعيش. ومن جانب آخر هناك الضابط الشاب الذي هو على النقيض شديدة الرقة، مستقل تماماً بحيث لا يصبح جندياً جيداً، لكن تلك هي فرصته لكي يعيش ولا يموت في الحرب.

عن فيلم (أندري روبليف):

أما بالنسبة لفيلم(أندري روبليف) الذي يحكي قصة (أندري روبليف) صانع اللوحات الفنية الدينية في القرن الرابع عشر. حيث كان يعيش مع الرهبان الأرثوذوكس ضمن تقاليد بيزنطية صارمة فيما يتعلق بالأعمال الفنية وأسلوب الحياة. لكنه كان مختلفا، وحاول (تاركوفسكي) إظهار ذلك في التركيز على الحس الفرداني لدى شخصيته السينمائية، من خلال تأكيد اغترابها وتمردها على السائد، لدرجة اعتبار بعض الشخصيات الروسية المهمة مثل الروائي الحائز على جائزة نوبل (ألكسندر سولجنيتسين) الذي يعتبِر الفيلم معادياً للأرثوذوكسية وروسيا بشكلٍ عام. وفي أحد أجزاء الفيلم يقوم (روبليف) بإنقاذ حياة طفلة من خلال قتل شخص آخر مما يناقض توصيات الرب، ليصبح في صراع بين تجربته الذاتية وإيمانه واعتقاده. يعلق (كوفاكس) على ما سبق قائلا :

إن هذا ما يدركه أندريه في الجزء الأخير من الفيلم، عندما يلاحظ في صمت صبياً يصنع جرساً بنفسه، في إشارة للكنيسة، بدون أن يعرف أسرار بناء الجرس، يدرك أندريه أن الحق الحقيقي يأتي من الداخل وليس من الضروري وجود أي دعم أخلاقي خارجي. إن الاستقلال الداخلي ووجود “الشخص” هما الشرطان الضروريان للخلق الحقيقي. لقد كان فيلم (طفولة إيفان) عن فقدان “الشخص“، أما (أندريه روبليف) فكانت بحثاً عن “الشخص“.

عن فيلمي (سولاريس) و(المرآة):

أما في فيلمي (سولاريس) و(المرآة)، فيخوض بطلا هذين الفيلمين صراعاً عميقاً. ففي (سولاريس) على المرء أن يواجه خطاياه في ذلك الفضاء الذي تم احتجازه فيه، بالإضافة لكل الأحبة الذين فقدهم. وفي بحث (كوفاكس) عن الفيلم يقول:

إن على المرء أن يواجه ضميره السيئ، ويعيش ذكريات من كانت الذكريات بالنسبة له مؤلمة، واستقلالية الشخص لا تعني الأنانية. وحقيقة أن الشخص يمكن خلعه فقط من الداخل، وباستقلال عن الظروف الخارجة، وهو ما كان استنتاج (اندريه روبليف)، يجب فهم هذه الحقيقة في سياق عنصر مهم آخر من الشخص الذي ذكرته سابقاً، وهو أن الشخص لا يستطيع أن يكون مغلقا على نفسه، لكنه يستطيع فقط أن يوجد في مجتمع. ولكي يتحقق وجود هذا المجتمع الروحي، فإن على الشخص أن يبدأ المهمة الأكثر إيلاما، وهي مهمة محور الشر من الداخل.

إذن بطل (سولاريس) يدرك ضرورة قبول الألم لكي يصبح “شخصا“. أما على العكس فبطل فيلم (المرآة) المُحتضِر ويصارع مرضا مجهولاً، يجبره يلوك ذكرياته ويعيد له شريط حياته من جديد. لا يحدد (تاركوفسكي) طبيعة مرض البطل العضال، وإنما علينا أن نستشفها من ذكرياته وأفكاره. ليصبح السؤال هنا وسأقتبس (كوفاكس) مرة أخرى:

المشكلة المحورية في (المرآة) هي: هل التجارب التاريخية أو تجارب الحياة الشخصية، والذكريات وبقايا التقليد الثقافية الروحية، تقدم خلفية كافية للشخص لكي يتطور، إذا كان الأصل في هذه التجربة والتقاليد هو الانقطاع المستمر، التمزق، الهجران، فقدان التواصل، النسيان؟

عن أشهر أفلامه، (ستولكر):

أما في أشهر أفلامه تقريبا (ستولكر) – لا يصح ترجمتها من الانجليزية إلى المتعقب لأن أصلها ليس إنجليزي في الفيلم – والذي هو آخر أفلام في الاتحاد السوفييتي. تدور القصة حول ثلاث أشخاص أحدهم (ستولكر) في بحث عن مكان يدعى “المنطقة“، والتي تم إغلاقها من قبل السلطات لأن قوانين الطبيعة لا تنطبق عليها. وتدور القصص حول هذه المنطقة بأن من يدخلها سوف يرى أعمق رغباته الموجودة التي قد لا يدركها المرء تتحقق أمامه، مما يجعل من زيارة هذه المنطقة أشبه بزيارة لذات المرء الحقيقة. ووظيفة (ستولكر) هو أن يكون الدليل المرشد لمن يريد زيارة هذه المنطقة. إن (ستولكر) في فيلم (تاركوفسكي) شخصية معذبة قاسية القلب. فمن يشاهد الفيلم يلاحظ كيف أن شخصية البطل شخصية مخيفة لا تملك أي تعاطفا ولا أي هدف سوى إلى جعل من يرشدهم للمنطقة نُسخ منه. فهو يهدف إلى خلق عالم ومجتمع لأشخاص يتسامى فيه المرء، وهذا العالم هو المنطقة. يلاحظ (كوفاكس) صورة صوفية في هذه القصة، وتقاربا شديدا مع الفكرة الشخصانية. ففي التقليد الشخصاني عند (برداييف) يكون تحقيق التسامي مستحيل بالمعايير الواقعية والمادية، وهو أقرب منه لحالة روحانية أو ذهنية. أي أن تحول المرء منا إلى شخص ليس مؤلما فحسب، لكن ما إن ينجز هذه المهمة ويصبح شخصا حتى يدرك أنه وحيد ويضطر أن يقاسي كل المعاناة الناتجة عن ذلك. يقارب هذه الفكرة (كوفاكس) مع الفيلم قائلا:

في نهاية (ستولكر) ينهار البطل نفسيا، عندما يعايش عدم الإيمان الكامل للأشخاص الذين رافقهم. وتضعه زوجته في الفراش وتطيب خاطره باعتباره رجلاً مريضاً جداً.

أخيرًا، عن فيلم (الحنين):

اما في فيلم (الحنين) الذي يحكي قصة شاعرٍ روسي يسافر إلى إيطاليا محاولا استكشاف حياة موسيقار روسي من القرن الثامن عشر. وفي سعيه لمحاولة استكشاف حياة غيره يواجه هذا الشاعر أسئلة بخصوص حياته هو، فهو بين عالمين ولا يجد وطنا له في أي منهما. ويستوعب في سياق أحداث الفيلم أن لا حل لهذه الحيرة سوى أن يضحي بذاته ويغرق في انعزال لا رجعة منه، أي أن ينزلق لمنزلقات: الحنين، الألم، الكارثة، الموت. تماما كما يكرر (برداييف):

ان اكتمال حياة الشخص لا يمكن الوصول إليها، وينفد وجود الشخص ويصبح جزئياً. وتسامي الشخص إلى الاكتمال يعني الموت، الكارثة، الوقوف على شفا الهاوية.

 

إعادة القراءة كولادةٍ جديدة، عند سونتاغ

 

سوزان سونتاغ

سوزان سونتاغ (1933 – 2004) ناقدة ومخرجة وروائية أميركية.

في مقالة مترجمة حصريًا لدى ساقية، تتحدث (سونتاغ) عن القراءة، فتستفتح قائلة:

مهلًا.! لا أستطيع التفكير بهذه السرعة! بل حتى أنني لا أستطيع أن أكبر بهذه السُّرعة!

تبتدئ (ماريا پوپوڤا) كاتب المقالة، بأن تقول:

حين كتبتُ مؤخرًا عن إجابة عالم الفيزياء الفلكي (نيل تايسون) عندما سُئل عن «الكتاب الذي يجب على كل ذكي قراءته» شعرت بالأسف لشبه الانعدام التام لأصوات النساء في الاقتراحات التي قدمها والشُّح العام في الرموز الثقافية النسائية في قوائم القراءة العامة في مجتمعنا. وأشرتُ يومها إلى أن (سوزان سونتاغ) استثناء وحيد، فمذكراتها التي نُشرت تُعد بمثابة عنصر جوهري لقائمة قراءة لمدى الحياة. لكن بالإضافة لكونها أحد أكثر القرّاء نهمًا في القرن العشرين إذ كانت تقضي بحسب تقديرها ما يقارب من ثمان ساعاتٍ إلى عشر في القراءة، كانت من أشد المؤيدين والممارسين لأحد الفنون الممتعة والمنسية: إعادة القراءة!

«يا مخلفات اليوم البغيضة، اسمحي لي بالإشارةإلى أنني لا يجب أن أتهاون مع نفسي ولن أتنازل عن قادم أيامي». على هذا الأمر عزمت (سوزان) البالغة من العمر خمس عشرة عامًا في كتابها (ميلادٌ جديد: مذكراتٌ ودفاتر.)

هذه المجموعة الرائعة من المذكرات التي قدمت لنا اليافعة (سوزان) التي تحدثت عن الفن والزواج والأشخاص الأربعة الذي يجب أن يغدوا كتّابًا إلى جانب واجباتها في أن تصبح عشرين شيئًا. وبعد أسبوع من السخط على «المخلفات المقززة» في ذلك اليوم الذي تظاهرت فيه باستمتاعها بفيلم صاخب مُشبع بالألوان، التفتت (سوزان) إلى مذكرات (أندريه جايد) تنشد الخلاص وتُمجد ثمار إعادة القراءة.

كتبت (سوزان) في إحدى ملحوظاتها في سبتمبر من عام 1948:

أنهيت قراءة هذا الكتاب في الثانية والنصف من ليلة ذات اليوم الذي ابتعته فيه، كان علي قراءته بسرعةٍ أقل مما فعلت، كما يجب أن أُعيد قراءته غير مرة. لقد بلغت و(جايد) حدًا مثاليًا من التواصل الفكري، حتى أنني شعرت بآلام المخاض الذي خبُره أثناء ولادة كل بُنيّةٍ من بناتِ أفكاره. لكن مهلًا.! لا أستطيع التفكير بهذه السرعة! بل حتى أنني لا أستطيع أن أكبر بهذه السُّرعة!

ذلك أنني لست أقرأ هذا الكتاب وحسب، بل أجدني أقوم بصناعته وخلقه بنفسي. إن هذه التجربة الأخّاذة والمختلفة طهّرت عقلي من غيابات الحيرة والاضطراب والعُقم التي كانت سببًا في انسداده طيلة هذه الأشهر المنصرمة البائسة..

وبعد أشهر قليلة، كتبت عن حماس إعادة القراءة:

لقد تأثرت كثيرًا بغوته وإن كنت أعتقد أنني لا زلت بعيدةً عن فهمه -مع أن مسرحية (دكتور فاوست) لـ(كريستوفر مارلو) كانت كالمنجم إذ أمضيت وقتًا جزيلًا  في التنقيب داخله، فضلًا عن إعادة قراءتها مراتٍ عدة والتغنّي بالعديد من فقراتها بصوتٍ عالٍ مرةً تلو الأخرى. إن مناجاة (فاستوس) التي قرأتها ما يربو على مئة مرة كانت رائعةً ولا تُضاهى..

في مكانٍ ما، في أحد المذكرات القديمة، اعترفت بخيبة أملي تجاه رواية (دكتور فاوستوس) لـ(توماس مان):

لقد كان هذا الأمر دليلًا  جليًّا على نوعية حِسي النقدي الفطيرة. إن هذا العمل عظيمٌ ومُرضٍ ولذلك يتوجب علي قراءته عدة مراتٍ قبل أن أتمكن من امتلاكه..

إنني أُعيد قراءة ما يعجبني من الكتابات والتي لطالما كنت أحسبها مهمةً بالنسبة إلي، وأنا مندهشةٌ بكل تلك التقييمات التي أملكها..

وأضافت (سوزان) بحماسٍ ملحوظةً في مدح القراءة بصوتٍ عالٍ:

من الرائع أن تقرأ بصوتٍ مرتفع..!


[المصدر]

جياكومو ليوباردي، الشاعر، الكاتب، المترجم

جياكومو ليوباردي
جياكومو ليوباردي، هو شاعر إيطالي ولد عام ١٧٩٨ وتوفي عام ١٨٣٧، كما كان فيلسوفا وكاتبا ومترجما. وهو أشهر شعراء إيطاليا في القرن التاسع عشر. ورغم أن (ليوباردي) قد نشأ في قرية ريكاناتي المحافظة، إلا أنه كان على تواصل مع الكتاب التنويرين في إيطاليا. كانت له لمسة مجددة في العصر الرومانطيقي عبر أسلوبه الشعري الذي يتأمل فيه الطبيعة واللبشر وسائر المخلوقات وعلاقتها ببعضها.

كان لنشأة (ليوباردي) دور كبير في ثورته. فوالده هو مونالدو ليوباردي وهو دجل طيب القلب وثري، لكنه رجعي ومتدين. أما أمه فهي الماركيزة (أديليد)، وكانت سيدة باردة القلب ومتسلطة ومهووسة بزيادة ثراء العائلة بعد تسبب زوجها بإفلاس العائلة لإدمانه لعب القمار. ففرضت على أبنائها قواعد صارمة تلزم الأبناء بتعلم العلوم الدينية واللغات والتوفير. وهكذا نشأ جياكومو مع أخوه كارلو وأخته باولينا.

بدأ (جياكومو) دراسته في المنزل على يد قسين، لكنهما لم يرويا تعطشه الدائم للمعرفة. فاعتمد على نفسه وصار يقرأ بنهم في مكتبة والده التي تضم شتى صنوف المعرفة. وخلال فترة قصيرة، أتقن (ليوباردي) اللاتينية، والإغريقية، والعبرية. عشق (جياكومو) للعلم والمعرفة جعله يسهر الليالي منكبا على القراءة وهذا العشق صار هوسا أدى إلى إصابته بأمراض أوهنت بدنه، وأضعفت بصره، وجعلت ظهره محدبا.

كان عام ١٨١٧ عاما مهما في حياة (جياكومو ليوباردي)؛ ففيه زار (بييترو جورداني) وهو أحد التنويريين المنطقة التي يقطن فيها (ليوباردي)، وحل ضيفا مكرما على منزل عائلة. وكون (جياكومو) علاقة صداقة مع (جورداني) امتدت لأعوام بعد ذلك. وفي عام ١٨١٨، قرر (ليوباردي) الهرب من قرية ريكاناتي، لكن والده أفشل مخططه في اللحظة الأخيرة. تدهورت بعدها علاقة الابن بوالده، وصار الوالد يراقب ابنه باستمرار خشية تكرار ما حدث.

وفي عام ١٨٢٢، تمكن (جياكومو) من الذهاب إلى روما. لكنه صدم من تفشي الفساد فيها وهرطقة الكنيسة. كان معجبا بالمفكر (تاسّو)، لتآلفه مع حزنه وعدم سعادته، وتأثر بـ(دانتي) و(فرانشيسكو بيترارك). وفي عام ١٨٢٤ دعاه صاحب دار نشر ستيلا إلى ميلان ليكتب بعض كتبه هناك، وخلال  تلك الفترة تنقل الكاتب بين بولونيا وميلان وبيزا. وفي عام ١٨٢٦، التقى (جياكومو) بـ(أليساندرو مانزوني) لكنهما لم يكونا على وفاق. ربما لأن (جياكومو) كان يميل للعزلة.

بدأت صحة (جياكومو) بالتدهور في عام ١٨٢٨، فحذره الطبيب من إجهاد نفسه. بعدها انتقل إلى مدينة نابلس أو نابولي الإيطالية ليكون بالقرب من صديقه (أنطونيو رانييري)، حيث ظن الأخير أن هواء نابلس النقي سيساهم في تعافي (جياكومو). لكنه مات في فترة انتشار وباء الكوليرا عام ١٨٣٧. ويظل سبب وفاته مجهولا؛ فهو إما بسبب مرض صدري أو أزمة قلبية.

من أشهر آثاره الأدبية كتابه (إليك أفكاري)، وهو كتاب يضم تأملاته وفلسفته في الحياة. ترجم مشروع كلمة هذا الكتاب المهم. كما أن له ديوانا بعنوان (الأغاني) أو (الأناشيد) يجمع فيه قصائده.

يوم السبت في القرية:

عذراء من الريف أقبلت
مع غروب الشمس،
جاءت تحمل العشب،
وفي يدها بنفسج وزهور،
لتزيين به صدرها وشعرها بها.
أما العجوز فجلست على الدرج،
تكلم الجارات..
وهي ترنو إلى غروب الشمس،
عن أيام صباها الجميلة،
وطلتها البهيّة في مساء السبت،
ورقصها حتى طلوع الشمس.
أما الآن، فالهواء صار أثقل في كل مكان
وكسا السواد السماء مجددا
واختفت الظلال من الأسقف والتلال.
وبان البدر المنير
حينها أعلنت النواقيس بدء الاحتفال،
وصوتها مريح للقلب.
إن الفتية في الساحة يصرخون،
وفي كل مكان يمرحون.
بينما يذهب الإسكافي إلى منزله،
وهو يصفر .. فرحا بيوم الراحة.
لاحقا، عندما تُطفأ الأنوار،
ويهدأ  كل شيء..
ستسمع صوت المطارق ومنشار النجار،
في آخر الليل،
يعمل بكد حتى الشروق.
هو أكثر أيام الأسبوع ترقبا،
مليء بالبهجة والمرح.
لكن الغد سيجلب معه الحزن والملل من جديد،
وسينشغل الجميع.
أن يلهو الصبي مرحا،
هو نهار سعيد ويوم بهيج
واستهلال سماوي ليوم الاحتفال.
فاستمتع به يا بني،
إنها سويعة لطيفة، ولحظة ستنقضي
وآخر دعواي:
أن يتأخر يوم الأحد، وأن
لا يُحبطك ما حييت.

إلى سيلفيا:

سيلفيا .. أمازلتي تذكرين..
ذلك الوقت من حياتك الفانية؟
حين كان الجمال يشعّ باسما من عينيك الساحرتين ؟
حين كنتي تتأملين أفول هذا الشباب؟
كانت الغرفة الهادئة،
والشوارع المحيطة،
تغني معك كلما غنيتي،
وأنتِ على المغزل تعملين.
في مايو الشذي
كنت حينها في المكتب أقرأ.
فتركت الأوراق التي دفنت فيها أزهى أيام عمري
وأصغيتُ إلى صوتك العذب،
وشاهدت يديك تديران النول.
ثم  نظرت إلى السماء الصافية والحدائق،
والبحر هنا، والجبال هناك.
لا يمكن أن أصف شعوري.
يا لنقاء أفكاري وآمالي وقلبي آنذاك
يا حبيبتي سيلفيا!
كما لو أن الحياة والقدر قد ابتسما لنا.
حينما أتذكر كل ذلك الأمل
أشعر بالمرارة .. والغضب على سوء حظي
أيتها الطبيعة، يا طبيعة ..
لم لا تفين بوعودكِ؟
لم تضللين أبناءكِ؟
وقبل أن تذبل  الأزاهير في الشتاء،
ذبلتي ..
أوهنكي المرض ومُتّي.
ولم تري أزاهير عمرك المقبلات،
ولم ينبض قلبك عشقا،
ولم تتحدثي عن الحب أيام السبت
مع صديقاتك.
وقبل ذلك بأمد طويل،
مات أملي الغض أيضا،
لقد حرمني القدر من شبابي أيضا.
صِرتي ماض ماضياً يا رفيقة براءتي،
ويا أملا أندبه !
هل أهذا هو العالم؟ وهل هذه هي تراها
المتع والحب والحاجة والتجربة
التي تحدثنا عنها كثيرا؟
هل هذا مصير الإنسان؟
عندما اقتربت منكِ الحقيقة..
سقطتِ.. أيتها المسكينة
ومن بعيد أشار الموت إليكِ بإصبعه
من قبر خال.

الورقة:

أين ستذهبين
أيتها الورقة الصغيرة،
بعيدا عن غصنكِ؟
نزعتني الريح بعيدا عن خشب الزان،
حيث ولدت.
وصرت أدور كما تدور،
تنقلني من الغابات إلى المروج،
ومن التلال إلى الوديان،
أسافر معها بلا نهاية.
متجاهلة معها كل شيء.
وحيثما يذهب كل شيء أذهب؛
حيث تذهب أوراق الورود،
وأوراق الغار .. أذهب.

القشّة (أي أن الإنسان هش):

هنا.. بجوار هذا الجبل المرعب ..
فيزوف المدمر،
حيث لا توجد شجرة أو وردة تشرح الصدر
تنثر وحدتك..
في المنزل .. في الأماكن القاسية.
ليأتي من يحب أن يعظّم شأننا
إلى هذه المنحدرات، ليد الطبيعة الطيّعة

.
إن الطبيعة النبيلة هي تلك التي
تجرأت ورفعت عينيها، لتواسينا في مصيرنا
بكلمات صادقة وحقيقية
معترفة بأن مصيرنا الألم
.
ومؤمنة بأن كل البشر
متحالفون ضدها منذ بدء الخليقة
إلا أنها تغمرنا بحب حقيقي
وتتوقع المساعدة السريعة عند المخاطر،
وعند احتدام صراعنا المشترك
كم جلستُ على هذه المنحدرات التي كانت مهجورة.
حيث تسيل الحمم الآن،
وهي ترتدي الجمر، وتتحرك كالموج.
لكن على سطح البحر البعيد،
رأيت انعكاس النجوم المتلألئة بالزرقة،
في كل مكان.
وما إن دققتُ النظر في تلك النقاط المضيئة،
حتى تذكرت أنها هائلة الحجم،
وما الأرض ببحارها إلا نقطة مقارنة بها.
لا يساوي الإنسان شيئا في هذا العالم.
.
كيف لي أن أفكر بعدها بالبشر؟
.
عاد بركان بومبي الخامد
للنور العلوي
من النسيان القصي.
كهيكل عظمي كان مطمورا.
وفي تلك الليلة الخاوية .. بين المسارح الخالية
وأنقاض المعابد  .. والمنازل المدمّرة،
حيث تواري الخفافيش صغارها،
سال بقسوة بين المباني الخاوية..
كمشعل شرير، تدفقت الحمم
وقضت على كل ما حولها.
.
وأنت أيضا (الإنسان) قشة طيّعة
يا من تزيّن هذا الريف المهجور.
ستُقاد قريبا إلى القوة الكامنة
ودونما مقاومة منك..
ستسلم عنقك للمنجل الحاصد.

الأبدية:

 

لطالما كان هذا التل الوحيد عزيزا علي
هو وهذا السياج الذي يحجب رؤية الأفق الشاسع
لكن عندما جلست وحدقت فيه ..
رأيت بعين قلبي مساحات لا نهاية لها، وصمتا مطبقا
وهدوءا قاتلا.
فزيفت  حينها أفكاري لأنها كادت أن ترعبني.
وعندما سمعت هزيز الرياح بين هذه النباتات
بدأت أقارن ذلك الصمت اللامتناهي.. بهذا الإزعاج.
فكرت بالأبدية، والفصول المنسية، وتلك الحالية.
وهكذا غرق فكري وغدا حطاما في هذا البحر العذب.

كيف تقرأ كتابًا؟ نصائح من فيرجينيا وولف

فيرجينيا وولف

اديلين فيرجينيا وولف (1882 – 1941) أديبة إنجليزية، اشتهرت برواياتها التي تمتاز بإيقاظ الضمير الإنساني، ومنها؛ (السيدة دالواي)، و(الأمواج). وتعد واحدة من أهم الرموز الأدبية المحدثة في القرن العشرين.

كتبت (فيرجينيا وولف)، عام 1925 مقالًا  بعنوان “كيف يمكن للمرء أن يقرأ كتابًا؟”، نترجمه لكم بترجمة حصرية. استهلت (وولف) مقالتها بالحديث عن الذاتية قائلة:

النصيحة الوحيدة التي يمكن لشخص ما أن يُسديها لغيره عن القراءة هي الا تأخذ بنصيحة أحد، وأن تتبع حدسك ومنطقك الشخصي لتصل إلى إستنتاجاتك الذاتية. إذا كنا متفقين على هذا المبدأ، فأنا أشعر بالحرية لعرض بعض الأفكار والإقتراحات لأنك لن تسمح لها أن تُقيّد إستقلالك الشخصي، والذي يُعتبر أهم صفة يمكن للقارئ أن يتحلى بها. في النهاية، ما هي القوانين التي يمكن فرضها على الكتب؟ لقد وقعت بالتأكيد معركة واترلو في يوم محدد; لكن هل مسرحية هاملت أفضل من مسرحية الملك لير؟ لا يمكن لأي شخص أن يجيب إجابة حتمية على هذا السؤال، بل يجب أن يقرر كل شخص إجابته بنفسه. لكن أن نستقبل هيئات ذات نفوذ في مكتباتنا ونسمح لهم أن يملوا علينا كيف نقرأ وماذا نقرأ وقدر القيمة التي نضعها في ما نقرأ، فذلك معناه أن ندمر روح الحرية والتي هي أساس هذه المنابر. ففي أي مكان آخر نحن مقيدون بالقوانين والعادات – لكن هناك، لا يوجد أي من ذلك.

وحذرت (وولف) من جلب أرآء مسبقة إلى قراءتك فأضافت:

القليل من الناس يطلبون من الكتب ما تستطيع الكتب أن تمنحنا إياه. في أغلب الأحيان، نحن نأتي إلى الكتب ببال مشوش ومشتت، نطلب من القصة أن تكون حقيقة، ومن الشعر أن يكون كذبة، ومن السيرة الذاتية أن تكون مُتملِقة، ومن التاريخ أن يعزز من تحيزنا الشخصي. لكن إذا استطعنا أن نتخلص من كل هذه التصورات المُسبقة أثناء القراءة، فهذه ستكون بداية بديعة.
لا تُلقّن كاتبك; حاول أن تضع نقسك مكانه .. فلتصبح شريكه ورفيقه  في العمل. فإنك إذا بدأت القراءة بالتأخر والتوقف والنقد،فأنت بذلك تمنع نفسك من الحصول على الإستفادة الكاملة الممكنة مما تقرأ. لكن إذا جعلت عقلك مُتفتحًا بأكبر قدر ممكن، فستنقلك الرموز والتلميحات الدقيقة الغير ظاهرة بين إنعطافات وتقلبات الجمل الأولى، إلى صُحبة كائن بشري ليس له مثيل. فلتتعمق وتعود نفسك على ذلك وعاجلًا .ستجد أن كاتبك يعطيك، أو يحاول إعطائك، شيئًا أكثر تحديدًا.

وتذكرنا (وولف) بالمهارات التنافذية للقراءة والكتابة:

لعل أسرع طريقة لفهم مبادئ ما يفعله الروائي هي ليست عن طريق القراءة، بل الكتابة; وأن تخوض تجربتك الشخصية مع المخاطر والصعوبات الكامنة في الكلمات.

وناقشت (وولف) كيف أن إعمال الخيال هو بحد ذاته مهارة إستثنائية:

قراءة الرواية هو فن صعب ومعقد. إذا كنت تريد الاستفادة من كل ما يتيحه لك الكاتب – الفنان العظيم – فيجب عليك الا تمتلك بصيرة دقيقة وعظيمة فحسب، بل أن تمتلك مخيلة كبيرة وجريئة ايضًا.

وبما أنني محبة يائسة للمذكرات والرسائل القديمة، فقد أعجبت بوجه خاص برأي وولف عن جاذبية التلصص الأدبي  – خاصة أنه معلوم أن (وولف) نفسها كانت كاتبة مذكرات بارزة:

يجب علينا أن نسأل أنفسنا، إلى أي مدى تأثر الكتاب بحياة كاتبه – وإلى أي مدى يكون آمنًا أن ندع البطل يترجم الكاتب؟ وإلى أي مدى يجب علينا أن نقاوم أو نفصح عن مشاعر التعاطف أوالكراهية التي أثارها البطل نفسه بداخلنا – وإلى أي مدى الكلمات رقيقة، ومتقبِلة لشخصية الكاتب؟ هذه هي الأسئلة التي تفرض نفسها علينا عندما نقرأ رسائل وحيوات غيرنا. ويجب علينا أن نُجيب عليها بأنفسنا، حيث أنه لا يوجد ما هو أشد هلاكًا من أن نكون مُنقادين بمناهج غيرنا في قضية ذاتية للغاية.

لكننا ايضًا يمكننا قراءة هذه الكتب لغرض آخر، فلا نقرأ لإلقاء الضوء على الأدب أو التعرف على حياة المشاهير، بل لننعش وندرب قدراتنا الذاتية الإبداعية. 

انتقلت (وولف) للحديث عن تعقيدات الشعر، معلّقة عن ماهية الشعر والعوامل التي تحدد جودته:

إن أثر الشعر لهو قوي ومباشر، فللحظة لا تشعر بأي مشاعر سوى تلك التي أثارتها القصيدة بداخلك. أي عمق شديد نصل إليه في هذه اللحظة – وإلى أي مدى يكون إنغماسنا كاملًا ومفاجئًا! لا يوجد هنا ما يمكن الإمساك به; لا يوجد ما يمكنه أن يخرجنا من إستغراقنا… فلهذه اللحظة كما يحدث عند أي صدمة عنيفة لشعور ذاتي، يصبح وجودنا متمركزًا ومحدد. بعدها يبدأ الشعور بالفعل بالتوسع من خلال عقولنا في حلقات أكثر إتساعًا، ليصل بنا إلى أحاسيس أكثر تباعدًا; فتبدأ الأصوات والتعليقات بالتكون بداخلنا وننتبه إلى صدى وإنعكاسات القصيدة، فإن  قوة تأثير الشعر تشمل مقدار كبير من المشاعر.

لكن بالرغم من هذا الإفتتان الباطني لتجربة قراءة الشعر نفسها، إلا أن (وولف) تذكرنا أن الهبة الحقيقية للقراءة تكمن في فترة الحضانة حيث تصبح الإنطباعات المؤقتة مُتحدة ومتمثلة في أفكار عميقة:

الخطوة الأولى لإدراك الإنطباعات بأقصى قدر من الفهم، هو فقط الجزء الاول من عملية القراءة والتي يجب أن تكتمل إذا أردنا الحصول على المتعة الكاملة من الكتاب. يجب أن نصدر أحكامًا على هذه الإنطباعات الكثيرة; ويجب أن نصنع  من هذه المجسدات العابرة مجسدات راسخة وثابتة ولكن ليس بشكل فوري، فلتنتظر إلى أن يستقر غبار القراءة، وإلى أن تهدأ تساؤلات وتضارب الأفكار. فلتتحدث مع غيرك أو تذهب للمشي أو للنوم أو لقطف البتلات الذابلة من الأزهار. بعدها فجأة وبدون إرادة منا – حيث أن هذه التحولات تتكفل بها الطبيعة  –  سيعود لنا الكتاب ولكن بشكل مختلف، فسيطفوا بكامله على سطح أذهاننا.

وكإثبات للنظرية التي تنص على أن كل الإبداعات  تُبنى على ما أُكتُسب قبلها، علقت وولف قائلة:

نحن متأكدون من أن حداثة الشعر والأدب القصصي الجديد هي أكثر صفة سطحية بها، وأننا يجب علينا أن نُعدّل قليلًا – لا أن نعيد صياغة – المعاييرالتي استخدمناها للحكم على الأعمال القديمة.


[المصدر

كيف تعرّف تودوروف على الشر؟

تودوروف

تزفيتان تودوروف (1939-2017)، فيلسوف ومنظِّر أدبي  بلغاري – فرنسي، طلب اللجوء السياسي في فرنسا أثناء دراسته فيها وأقام ولا زال ، له كتب مهمة مشهورة في النظرية الأدبية والنظرية الثقافية و مثل (مقدمة الشاعرية) و(الأدب في خطر) و (روح الأنوار) و(الخوف من البرابرة).

في كتابه (نحن والآخرون) والذي ترجمته الأستاذة (ربى حمود) إلى اللغة العربية، تحدّث (تودوروف) في مقدمة الكتاب عن تعرّفه على الشر. فيقول:

تعرّفت على الشر خلال الجزء الأول من حياتي، عندما كنت أقيم في بلد خاضع للنظام الستاليني. تعرُّف تدريجي، ففي السنوات الأولى التي تلت الحرب، كنت أصغر من أن أفهم جيدًا نبأ الاختفاء المفاجئ لقريب ما أو صديق للعائلة، نبأ إقامته القسرية في مدينة صغيرة من مدن الأرياف أو نبأ التخفيض المباغت لموارده المالية. وبعد ذلك أيَّدت عائلتي بدايات هذا النظام وانتمت إلى المنتفعين منه. اختلطت الأمور في نهاية العام ١٩٤٨ عندما وجد بعض أصدقاء أهلي، والمنتمين إلى محيطهم ذاته، أنفسهم في السجن، أو عندما كان يُشهّر بهم في الصحف، التي كنت قادرًا على قراءتها آنذاك. أو عندما بدأ أبي يلاقي متاعب في عمله. غير أنني بقيت رائدًا متحمسًا للستالينية حتى عام ١٩٥٢. كان موت (ستالين) بعد ذلك واكتشافي تدريجيًا، أثناء تقدمي في مرحلة المراهقة، لفراغ الخطاب الرسمي الذي كنت أحتك به يوميًا.

لم أكن أبدًا ضحية مباشرة للنظام، إذ إن ردة فعلي، كردة فعل كثير من مواطنيّ على كل حال، لم تكن في الاعتراض، أو الانخراط بنزاع، وإنما بالتحلّي بشخصيتين؛ إحداهما علنيّة وخاضعة طيّعة، والأخرى خاصة لا تفعل إلا ما يروق لها. غير أني وبمعنى آخر للكلمة كنت فعلًا ضحية رغم كل شيء، تمامًا كأي قاطن لبلدي، إذ لم تكن شخصيتي الخاصة، كما كنت أتخيل، نتاجًا صرفًا لإرادتي، فقد كانت تتشكل كردة فعل على ما كان يحيط بي. وبهذا تعرّفت على الشر. كان يكمن في الاختلاف الصارخ بين الجمل التي كان ممثلو السلطة يحيطون أنفسهم بها والحياة التي كانوا يعيشونها من جهة، وتلك التي كانوا يحملوننا على عيشتها والتي كانت على ما يبدو مستوحاة بالتحديد من مبادئ مختلفة تمامًا؛ كان يكمن في الإجبار على التصريح علنًا على تأييد هذه المذاهب الرسمية وفي الفقدان الذي ينتج عن ذلك لمعنى الكلمات الأكثر نبلًا ؛ حرية، مساواة أو عدالة. وكانت هذه الكلمات تُستخدم في تغطية القمع والمحسوبية والتباينات الصارخة في طريقة معاملة الأفراد، وكان يكمن في التأكيد الذي يستوجب أن يكون على كل موضوع موقف جيد وجيد، وفي الإثبات الذي كان يُقام على أن هذا الموقف كان محددًا من قِبل ولمصلحة المتنفذين في ذلك الوقت. فلا تكون “الحقيقة” إلا نتيجة القوة ؛ ويكمن في السلطة اللامحدودة والاعتباطية التي كان يُشعر بها موضوعة بين أيدي الشرطة وأجهزة الأمن من الحزبيين والمسؤولين والموظفين الإداريين القادرين في كل لحظة على تجريدة من عملك، من منزلك، من أصدقائك أو من حريتك ؛ يكمن في التحريض على الخضوع والوضاعة، في نظام الوشاية المُنشأ على كافة المراتب، والذي كان قد أصبح في الوقت ذاته الوسيلة الأسرع لشق طريق في الحياة ؛ يكمن في الخوف من الخوف. العقبات المادية، نقص المواد الاستهلاكية أو الطوابير الطويلة للتسوق، لم تكن شرًا بحد ذاتها، ولكنها كانت تصبح شرًا بمقدار ما كانت تنتج بوضوح عن الصفات الأخرى للنظام وتبدو كشعارات له. لم يكن هذا الشر واحدًا في كل الميادين طبعًا وإلا كانت الحياة مستحيلة ؛ كنت لا أزال ألتقي بأناس مدهشين أو أستفيد من البوادر المذهلة لأناس لم يكونوا دومًا على هذا النحو. وفي غياب حياة علنية لائقة، كانت الحياة الخاصة على أشدّها، حتى لو لم أكن قد تنبهت إلى ذلك آنذاك ؛ كانت العلاقات العاطفية، الصداقات، الاهتمامات الفكرية أو الفنية حادة.