الأخلاق لدى علي عزت بيجوڤيتش

يوجد ملحدون على أخلاق .. لكن لايوجد إلحاد أخلاقي

بهذه العبارة يستفتح (علي عزّت) فصل الأخلاق من كتاب الاسلام بين الشرق والغرب، وبها نستهلّ بعرض مقتطفات من ذلك الفصل.

Begofitch

علي عزت بيجوفتش (1925-2003) أول رئيس جمهوري لجمهورية البوسنة والهرسك بعد انتهاء حرب البوسنة والهرسك، هو ناشط سياسي بوسني وفيلسوف إسلامي، مؤلف لعدة كتب أهمها (الاسلام بين الشرق والغرب).

في بداية فصل الأخلاق يتحدّث ويؤكد على فكرة العالم الأخروي ، كي نجعل تضحية البطل انتصارًا ، فإذا لم يكن منتصرًا في العالم الأخروي فأين يكون منتصرا ؟

ثم بعد ذلك يتحدّث عن التدريب والتنشئة فيقول :
لاتوجد تدريبات أو قوانين ولاتأثيرات خارجية يمكن بها إصلاح الإنسان ، فلايمكن تدريب الإنسان كما يتدرّب الحيوان . ولذلك فإن كل تنشئة حقيقية ، هي في جوهرها تنشئة ذاتية وهي مناقضة للتدريب . إن التدريب حتى ولو كان يفرض السلوك الصحيح هو في أساسه لا أخلاقي ولا إنساني ، فهدف التنشئة الصحيحة ليس تغيير الانسان تغييرًا مباشرًا ، حيث أن هذا غير ممكن ، وإنما هي تحفّز فيه قوى جوانيّة لتحدث قرارا لصالح الخير عن طريق المثل الصالح والنصيحة والمشاهدة وغيرها .

وفي فقرة “الأخلاق والعقل” بيّن بعض النظريات الأخلاقية ، والتي تنهي جدلها المنطقي المعقّد بنتائج متناقضة ، كقول فولتير ( تضحية الإنسان بنفسه بوازع من مصلحته الذاتية )!

“إن العلم لا يعلّم الناس كيف يحيون ، ولا من شأنه أن يقدم لنا معايير قيمية ؛ لأن القيم التي تسمو بالحياة الحيوانية إلى مستوى الحياة الإنسانية ، تبقى مجهولة وغير مفهومة بدون الدين ، فالدين
مدخل إلى عالم آخر متفوّق على هذا العالم ، والأخلاق هي معناه.”

الأخلاق دائما مبدأ تقييد أو تحريم يناقض الغريزة الحيوانية في طبيعة الإنسان ، ليست الأخلاق كما عرّفها الرواقيّون: (الحياة في انسجام مع الطبيعة) ، بل صوت الطبيعة هو ما قاله نيتشه :
(تخلّص من الضمير ومن الشفقة والرحمة … تلك المشاعر التي تطغى على حياة الإنسان الباطنية .. اقهر الضعفاء واصعد فوق جثثهم)!
يمكن إقامة أخلاقيات المنفعة على أساس من العقل ولو على المستوى النظري , ولكن من المستحيل أن نقيم على العقل وفي غيبة الألوهية ، أخلاقيات غيرية لا أنانيّة ، أو أخلاقيات تقوم على التضحية كما ينبغي أن تكون الأخلاق .

نحن لا نعرف حالة واحدة خلال التاريخ الإنساني لمجتمع لاديني خالص ، ولا دولًا تربّت فيها أجيال بعد أجيال على نبذ الدين أو كراهية الدين ، لتعطينا إجابة مؤكدة على سؤال :
ما إذا كان هناك أخلاق بلا دين ، أو ما إذا كان ممكنا وجود ثقافة إلحادية ومجتمع ملحد؟

لقد غربت الشمس حقا ، ولكن الدفء الذي يشعّ في جوف الليل مصدره شمس النهار السابق ، إن الأخلاق دين مضى ، ولا سبيل لإقامة تعليم تام الإلحاد للإجيال ، إلا بخلق الشروط النفسية الملائمة ، وذلك من خلال التدمير الكامل والقضاء على جميع المواريث الروحية على مدى العصور ، لقد عاش الجنس البشري آلاف السنين تحت تأثير الأديان .
إن الجيل الراهن الذي هو لاديني اسميًّا ، بل حتى الملحدين من هذا الجيل لم ينشأوا على جهل بالدين وإنما على الأرجح في عداء له ، فهم وإن لم يقبلوا مبادئ المسيح في الحب والإخاء والمساواة باسم الله ، إلا أنهم لم يرفضوا هذه المبادئ أصلا ، وإنما بنوع من الوهم الغريب احتفظوا بهذه المبادئ باسم العلم .

عندما حاول الماديون بناء نظام أخلاقي ، اقترحوا اللجوء إلى ضمير الإنسان ، بدلا من الخوف من الله كحافز على استقامة السلوك ، فهل الضمير والوعي يعدّ بعض أجزاء هذا العالم الواقعي ؟ أليس الإيمان بالإنسان بدلا من الإيمان بالله هو شكل من أشكال الدين ولكنه أقل بدرجة ؟إن لجوء الماديين إلى الإنسان بدلا من الرجوع إلى الله يبدو غريبا في ضوء ما أكّده ماركس نفسه عندما قال : (إن الأمل في الإنسانية المجرّدة للإنسان وهْم لايقل عن الوهْم الديني الخالص) .
بغضّ النظر عن كل ماسبق ، يبقى أن السؤال الحقيقي هو :
هل باستطاعة الملحد أن يعظ باسم الأخلاق أو الإنسانية ، ويبقى على ما هو عليه في حدود مذهبه المادي ؟؟

 

ونختتم بإحدى إشراقاته:

“من الممكن أن نتصوّر رجل دين لا أخلاق له ، وبالعكس . لكن القرآن يذكر كثيرا الإيمان مع العمل الصالح ، بل في الآية التالية يوجّه نظرنا إلى أن الممارسة الأخلاقية قد تكون حافزا قويًّا على التدين (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) معنى الآية يقول : افعل الخير تصبح مؤمنا ، وفي هذه النقطة نرى إجابة على سؤال : كيف يمكن للإنسان أن يقوّي إيمانه ؟ والإجابة هي : إفعل الخير تجد الله أمامك.”

سلافوي جيجك: الناس تشتري الكتب ولكن لا أحد يقرأها

 الناس تشتري الكتب ولكن لا أحد يقرأها –

حوار مع الفيلسوف الشهير سلافوي جيجك

ترجمة: حسن الحجيلي

 

إذن بروفسور جيجك …

لا تناديني بروفسور إذا كنت لا تريدني أن اقتلك لأني اشعر بالإنزعاج عندما ينادوني بكلمة “بروفسور”، ويقولون: أين هو البروفسور؟ لدي مشكلة مع إستخدام الألقاب الرسمية، وهلم جراً. وعندما يناديني أحدهم بروفسور أستقبلها كنوعٍ من السخرية، ولستُ فخوراً بها…

الحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها؛ أنت لست مجرد فيلسوف ولكن على غير المعتاد فيلسوف شهير؟ هل الشهرة ضرورة؟

في البداية، مفهوم الشهرة نسبي، وكما تعلم لدي العديد من الأعداء؛ يعتقد بعضهم أني مجرد مهرج، و يعتقد البعض الآخر أنَّ خلف طبيعتي المسلية داعي للفاشية أو شخص ذا أبعاد ستالينية، وهلم جراً.

إذن؛ ما يسمى شهرة هو مجرد وسيلة لإبقائي بعيداً عن التعمق بجدية في الاعمال التي أقدمها، وأنا فخور حقاً بكتابي “أقل من لا شيء”، الكتاب المجنون والذي يتساوى في عدد صفحاته مع “الإنجيل المقدس”، وهو كتاب معروف وقد بيع منه نسخاً كثيرة جداً، فكل ذلك يعطيني الأمل بأن لا نقلل من شأن عامة الناس .

مؤخراً، تعرضت للضغوط من مؤسسات لنشر الكتب لأجل أن اقوم بتأليف كتاب مسلي من فئة الأكثر مبيعاً عن دونالد ترامب، ولكن لماذا ينبغي علي تأليف ذلك؟ لا أعتقد أن ترامب مثيراً للإهتمام بل هو أحمقٌ مُمل.

 

هل أنت قلق حول كتبك تصبح زينة فوق طاولات القهوة؟ أنت تعلم، الناس يشترونها ولكن في الواقع لا يقرؤونها؟

بالطبع أنا قلق، ولكن ليست الكتب التي توضع فوق طاولات القهوة وحدها لا تقرأ، خذ معها كتب الأكثر مبيعاً، والكتب الكلاسيكية أيضاً، الناس تشتريها ولكن لا أحد يقرأها.

و على سبيل المثال انظر كتاب جون رولز بعنوان “نظرية العدالة”؛ اعرف شخصياً مؤلفين من نيويورك قاموا بتألف كُتباً عن “نظرية العدالة”، و اعترفوا لي على انفراد وفي لقاءات خاصة أنهم لم يقرؤوه، و لا اختلف معهم لأن أسلوب جون رولز في الكتابة يمكن اختصاره داخل  50 صفحة ولن تفقد من مضمونه شيئاً.

وكل ذلك يقودني لبعض الشكوك المشابهة حول هيجل و مؤلفاته عن “المنطق”، فأنا اشك أن الناس قرؤوها، ولسببٍ ما أعتقد أنه لا يهم حتى وإن لم يقرؤوها.

ويوجد كتاب رائع لمؤلف فرنسي إسمه بيير بايارد، بعنوان “كيف تتحدث عن كتب لم تقرأها؟”، المؤلف يأخذ موضوع عدم قراءة الكتب بجدية وبالجدية الفرنسية الصارمة، وليس بأسلوب هزلي ساخر، فيقول: إنَ أفضل الكتب التي تناقش مؤلفين آخرين تم تأليفها من أناس لم يقرأوهم بشكلٍ كاملٍ، ويضيف أيضاً: عندما تتحدث عن كتاب لم تقرأه يجب أن تقوم بالتركيز على جزئية واحدة، ثم تترك هذه الجزئية الوحيدة تصبغ إنطباعك الكُلي حول الكتاب.

وهو بالطبع صادق، لأن تلك هي الكيفية الوحيدة لتقديم شيء جديد، وذلك عبر المفارقة الفلسفية التي تقول: لا تحتاج لتقرأهُ كلهُ إن كنت تعرف الكثير منه و إلا ستشوش القراءة أفكارك التي تعرفها.

 

ولكن الناس يشترون كتبك ولا يقرأونها، فهل بالرغم من ذلك تعتبرها علامة جيدة على إهتمامهم بالفلسفة؟

نعم، أمنيتي السرية أنَّ هناك فئات متعددة من القراء ومنهم القراء الذين لا يبحثون داخل كتبي عن النكت فقط.

فبعد السلسلة الفلسفية من الكتب التي ألفتها مؤخراً، والأكثر فلسفية، كتاب بعنوان: “الإرتداد المطلق” والذي إن كنت تسألني تحت تهديد خطر الموت – وآسف لقول هذا – هو أفضل كتاب من بين الكتب التي ألفتها على الإطلاق، لأن بسببه استقبلت رسائل كراهية عبر الإيميل، ومنها رسائل تشكوى: “أين النكت؟”.

بعيداً عن النكت البذيئة التي اقولها؛ يتهمني البعض أني مجرد فيلسوف تقليدي جداً! وهم صادقين بعض الشيء لأني استخدم فلسفة جاك لاكان كأداة صارمة لإعادة تأويل فلسفة هيجل.

وأكبر حدث في تاريخ الفلسفة هو الانتقال من كانط إلى هيجل.

 

مالذي يجب على الفلسفة أنّ تقدمه اليوم؟ أو مالذي يمكن للفلسفة أنّ تقدمه اليوم؟ وهل كان هيجل علامة فارقة ذا أهمية؟

قطعاً بالتأكيد. اليوم ربما ليس الوقت المناسب لتغيير العالم ولكن بدلاً عن ذلك يجب أن نخطو عودةً للخلف، ونتأمل. فكل ما نحتاجه اليوم هو الإنتقال من مادية ماركس إلى مادية هيجل لأنها أكثر حصافة ودقة.

هل تعرف من هو هيجل الذي يعجبني؟ هيجل الذي يقول في مقدمة كتابه: “إن بومة منيرفا لا تبدأ بالطيران إلا بعد أن يرخي الليل سدوله”، و تعطي هذه المقولة البسيطة انطباعاً خاطئاً أن هيجل كان محافظاً في “فلسفة الحق”، و بطريقةٍ ما فهو يدعوا إلى الفاشية داخل المجتمع، لأنه كتب ما معناه أن أي نظام تاريخي محدد لا يمكن فهمه إلا بعد أن ينتهي وقته، فهل تعتقد أن هيجل مغفلاً ولا يعرف أن نفس الوصف من الممكن أن ينطبق على كتابه “فلسفة الحق”؟ هيجل لا يرسم نظاماً ويفرضه كشكل إجتماعي محدد، بل يرسم حالة اجتماعية تُشكل نفسها بعد أن تجاوزها الزمن بوعيٍ تام. وحالنا اليوم يشبه فلسفة هيجل تماماً وأكثر بكثير من فلسفة ماركس.

ماركس يؤمن وبقليل من الغائية أن الظرفية الاجتماعية تتطلب ثورة بروليتارية كضرورة حاسمة،  ومهمتها إصلاح البشرية جمعاء. لكن بالمقابل تُفهم الظرفية الاجتماعية عند هيجل على اعتبار انها نهج ما بعد الثورة. فخذ على سبيل المثال الثورة الفرنسية التي أخفقت، وتطورت بطريقةٍ ما لتصبح شيئاً بعيداً عن الصواب، ولكن هيجل قام بإعادة تأويلها.

الإشكالية العصية التي تطرحها أفكار هيجل هي أن لا تقول أن الثورة الفرنسية مجرد هراء، ولكن يجب عبر كيفية خاصة أن نحافظ عليها كإرث تاريخي بشري حي بغض النظر عن النتائج الكارثية التي آلت إليها الثورة. وأتصور أن وقتنا الحالي مشابه جداً لتلك المرحلة؛ فالقرن العشرين فشل في محاولات التحرر من الراديكالية السياسية.

ويجب أن نتخلى عن الإستعارات المجازية الماركسية مثل أننا اليوم نقود قطار التاريخ البشري. فالماركسيون يحبون أن يقولون حتى وإن كانت الأيام مظلمة؛ فبالإمكان رؤية النور آخر النفق. وأنا أقول بقليل من السخرية: ” نعم إنه نور قطار آخر يتجه نحونا”.

إذن هذا حالنا اليوم، وهيجل يعرفه، حالنا مكشوف؛ لا نستطيع عمل أي خُطط لتغيير العالم.

 

ولكن النور معنى مجازي، وقد يعني أي شيء، ولايعني بالضرورة قطاراً آخراً؟ هل من الممكن أن يكون النور هو نهاية النفق؟

نعم مجازي. و بسبب ذلك يجب علينا أن نتخلى عن الأوهام والآمال الزائفة.

حتى الجناح اليساري اليوم، في معظمه هو يسارية فوكويامية. فيعتقدون جوهرياً إن الليبرالية الديموقراطية وأجزاء من الرأسمالية هما اللاعبان الرئيسي والوحيد في العالم، و يحاولون أن يجعلون اليسار أفضل بمزيد من التضامن الاجتماعي والوحدة الاجتماعية و التآمين الصحي وزاج المثليين….الخ.

وجوابي على فوكوياما: حسناً لنقل أنك على صواب، وان الرأسمالية انتصرت، أليس من السخرية أن أغلب قادات الرأسمالية العالمية هم شيوعيون يمتلكون القوة. لذا يجب علينا أن نتفق في أن إدارة الأمور بطريقة القرن العشرين قد انتهت.

 

ألا تعتقد أن هذا يقودنا إلى إشكالية اصطلاحية؟ عندما تقول “الرأسمالية يقودها شيوعيون يمتلكون القوة”، مالذي تقصده بالرأسمالية؟ الرأسمالية لها صيغ وأشكال متعددة، والشيوعيون الذين يقودون الرأسمالية بالتأكيد ليسوا شيوعيين حتى إن ادعوا ذلك.

على أي مقدار أنا شيوعي؟ بقدرٍ محدود للغاية. و ألسنا كلنا شهود اليوم على تهكم عظيم؟ فما تبقى من اليسار عاجز عن تقديم نموذج عالمي بديل وملائم. واتذَكر عندما كنت جزء من الحركة الاجتماعية “احتلوا وول ستريت”، وكنت مع المعارضين في نيويورك أسأل الحشود أسئلة حمقاء مثل: “مالغاية التي تريدون الوصول إليها؟” وطبعاً لم يعطوني جواباً وحداً لأنهم أصلاً لايعرفون ماذا يريدون. فاليسار اليوم يتجه نحو الأخلاق الاجتماعية كأجوبة بسبب الإفراط في التركيز على مفاهيم مثل الصواب السياسي، وهلم جراً.

المشكلة هي أن المعارضين لا يعرفون ماذا يريدون وبلا هدف واضح من ناحية، ومن ناحية آخرى أليست كل العلامات التي من حولنا تدل على أن الرأسمالية التي نعرفها، تقترب من النهاية؟ انظر  إلى المشكلة الايكولوجية “البيئية”، من الواضح أن الرأسمالية عبر سن الأنطمة والضرائب لم تستطع تقديم حلولاً كافية. وانظر الى الرأسمالية الخيالية، وكيف يسوقون لها الناس. وعندك أيضاً مشكة المهاجرين، اذا سألتني، أعتقد أن الرأسمالية تنهار. وعند وقوع كوارث كبيرة نحتاج لحلول أكبر، يستطيع أن يحتويها.

و انظر الى مشكلة الجينات الحيوية والتي ستغير في كينونة الإنسان الحي؛ بالإمكان أن تتصل أدمغتنا مباشرةً بأجهزتنا الكمبيوترية. والنتيجة الحزينة الوحيدة، والتي كنتُ ولازلت أحذر منها هي نموذج الدولة المثالية؛ الدولة المفتوحة تماماً للسوق العالمي، ولكن في نفس الوقت مبنية على آيديولوجية التمركز العرقي، بالتركيز على ثقافتها الخاصة فقط، وهذا ما يقوم به ترامب، وجميع الحكام الدكتاتوريين، والصين، والهند، وحتى بوتين يلعب نفس هذه اللعبة. فالعالم يتجه نحو نهج دولي جدي عبر الانفتاح على السوق العالمي الحر، وبالمقابل،كقاعدة أساسية الإنغلاق على الذات وعدم قبول الآخر. وهذا شيئٌ محرنٌ جداً.

ونعود الآن لسؤلك: لماذا الشيوعية؟ أتصور جميع المشاكل التي سردتها هي في نهاية المطاف كما يصفها، كارل ماركس ب “العموميات”، والمقصود وجود بعض الأجزاء العامة والمشتركة بين الجميع، والتي لا يمكن خصخصتها وتركها للسوق. فالايكولوجيا “علم البيئة” جزء من حياتنا الطبيعية المشتركة، وإلى أي مقدار  يمكننا التلاعب فيه؟ وعندك أيضاً الملكية الفكرية هي من مشاكلنا العمومية، ومعها أيضاَ مشاكل الجينات الحيوية. وبهذا المعنى أضعها بشكل ساخر، وأقول : “اليوم الشيوعية ليست الحل، ولكنها إسم المشكلة”. لذا يجب علينا أن نجد حلاً بمستوى عمق مشاكلنا؛ أي نتعامل مع مشاكلنا العمومية خارج نطاق متطلبات علاقات السوق العالمي.

صديقي بيتر سلوتردايك، عبر كتابه بعنوان ” ماذا حدث في القرن العشرين؟” قدمَ نفس الإستنتاج، بانتهاء حقبة الدولة القومية التي تكون أسمى قيمها الأخلاقية العليا مبنية على ” هل أنت جاهر للتضحية لأجل وطنك؟”. فنحن بحاجة إلى نماذج فعاله للخروج من حدود الوطنية القُطرية كطريقة ناجعة لحل مشاكلنا مثل مشكلة الجينات الحيوية.

على الرغم من كوني ماركسي جيد إلا أنني لست ضد الرأسمالية بالمطلق، لأنها النظام الأكثر ديناميكية في تاريخ البشرية. وأيضاً أرفض قطعاً الإعتماد على المفاهيم القديمة التقليدية لمحاربة الرأسمالية العالمية، بل يجب أن نحاربها بمفاهيمنا الخاصة عبر رؤية عالمية جديدة. ونقطتي التي أود أن أقولها يجب علينا عبر ممارسة الرأسمالية أن نتجاوزها، ونتخطاها، ولا أقول أريد طوبائية “حياة مثالية” وأكثر، ولكن أقول من الواضح أن الرأسمالية تقترب من أزمة كبرى، والسبب عدم قدرتها مواجهة مشاكلنا العمومية مثل المشكلة الايكولوجية، وهلم جراً.

أنا هنا متشائم الى حدٍ ما، بمعنى أن الرأسمالية عاجزة عن حل مشاكلنا عبر مفاهيمها الخاصة. وأيضاً أجد خوف الناس من البطالة بسبب العولمة غير عقلاني، أقول لهم: ليس صحيح لأن زيادة البطالة بسبب العولمة هي أفضل خيار تاريخي حصلنا عليه. لأن حان الوقت أن نقول: “عظيم! الأن سنعمل أقل”، ولكن الإفتراض التلقائي جواباُ على البطالة في انها كارثة.

 

هل تقول أنه لا توجد فعلياً ثورات سياسية مُحكمة السيطرة والتخطيط؟

نعم، هذا تصور هيجلي؛ لا توجد ثورات محكمة التخطيط. وماركس كان يقول أن الثورة البروليتارية عملاً يفهمه بوضوح الذوات التي تقوم به، ويحقق تطلعاتهم. وفي مرحلة ما من التاريخ الطبقة العاملة (بقيادة لينين) كانت تعرف بوضوح المواضيع التي تريد تحقيقها، وعملوا الثورة، ولكن النتيجة لم تكن عن غاية مخططة فلم تعبر بصدق عن المجتمع، بل وقعت في نفس الجدلية التاريخية التي سبق أن وقع بمثلها في مرحلة سابقة من التاريخ.

في كتابي الجديد “شهوانية الباطل: عُقد الفلسفة الإقتصادية”، أسأل عن معدلات الموت في الأنظمة الشيوعية. لا أحارب فقط ضد صدق وشفافية الثورات ولكن أحارب أيضاً ضد الرؤى التي بطريقة أو بأخرى ستكون محل تمجيد في المجتمعات الشيوعية. فأنا أقول فقط، ولكن من الذي يعرف؟ ربما الأوضاع ستكون أسوأ. وحتى بدون تنميط الماركسية بصورة مخادعة يجب علينا فهم مصطلح “الكثافة التاريخية”. افذا كانت جميع القوانين الاجتماعية تفتقر للشفافية الصادقة، سينتج عنها مجتمع جديد مطابق لها تماماً آي أنه في الأساس مجتمعاً لا يعرف مالذي سيقدمه.

 

أنت أشرت سابقاً إلى الصواب السياسي، هل تعتقد أنه مشكلة؟

لدي بعض الشكوك حول مفهوم “الصواب السياسي”، فأتفق مع أهدافها، وعدم الإهانة، وعدم الذل، وصمودها ضد القوة الاجتماعية، ولكن فكر في شخصية الإنسان “الكائن الحي” الذي يؤمن بالصواب السياسي، سيعيش في هووس بين قلق الإيذاء الشائع و بين كثرة ضحاياه لدرجة أصبحنا فيها دائماً مهددين في كل ما نفعله. واذا نظرت الآن إلى عينيكِ لمدة ثانيتين، قد تُعتبر نظرة طويلة، وتصبح تحت مفهوم “الصواب السياسي” جريمة إغتصاب بصري. بالتالي خلف الصواب السياسي رؤية حزينة ” أننا جميعاً من المحتمل أن نكون ضحايا”.

 

أليس الصواب السياسي في مجمله هو ضبط اللغة باستخدام ألفاظ لبقة للتعبير عن ذواتنا بغض النظر عن التعصب الموجود بداخلنا؟

نعم لكن تطبيقها يُخفق، فأفضل خطوة للوقوف خلف العنصرية ليس بتغيير اللغة، ولكن بإستخدام نفس اللغة بطريقة ساخرة لاعنصرية بسبب اعتقادي بإستحالة التواصل مع بعضنا بلا قليل من البذاءة.

 

كنت أتساءل هل تتصور بالإمكان وضع سؤلاً فلسفياً واحداً تحديداً اليوم ليكون بارزاً؟

من الممكن وضع سؤلاً حول طبقات المظهر الخارجي (الشكل)، وهي مسألة مؤلوفة، وحتى كانط ناقشها كثيراً: ” هل كل الذي حولنا يحدد مظهرنا الخارجي؟ هل بالإمكان تجاوز المظهر الخارجي ولمس الجوهر بواقعية كما هو؟”، بالمقابل عظمة هيجل تكمن في التعامل مع هذه المسألة بشكل عكسي، بالقول: “كيف يظهر الجوهر الداخلي بواقعية وصدق عبر المظهر الخارجي كما هو؟”، لأن المظهر الخارجي يعني فجوة مريعة. فالأشياء ليست هي فقط مظهرها خارجي، بل هي ماتظهره لذواتها داخلياً. وأنا هنا هيجلي تماماً، وأؤمن بوحدة المظهر والجوهر، و وجوب تبادل الحد الأدنى من الانعكاسية بين المظهر والمطلق الكلي.

وبالنسبة لي تعلمت من الفيزياء الكمية أن المظهر مجرد مادة، ويمكن قياس مقدار حجمها بمقدار ظهورها، والظهور يعكس الماهية؛ جوهرها.

 

نحن الأن نقترب من نهاية المقابلة، ولكن قد يتساءل قرائنا، من بين كل الكتب التي قمت بتأليفها؛ ما هي الكتب التي يتوجب علينا قرائتها؟

من كتبي أتصور كتاب “حدث: فلسفة العبور”، وإن كنت تمتلك الطاقة الكافية فأنصح بكتاب “الإرتداد المطلق”.

وأيضاً بالطبع يوجد عندك الفلاسفة العظماء الثلاثة بالنسبي لي وهم: أفلاطون، و ديكارت، و هيجل، ولماذا؟ لأن كل واحداً منهم قدم فلسفة تتوارثها الأجيال. أو كما قال ألفريد نورث وايتهيد : ” أليس تاريخ الفسلفة في جُله هو تاريخ نقد أفلاطون؟”، ومن بعده يأتي ديكارت؛ فالجميع يريد التخلص من ديكارت، وفي القرن التاسع عشر كانوا جميعاً يرغبون في التخلص من هيجل. هؤلاء الفلاسفة الثلاثة، هم فلاسفة “الحدث”.

*    أجزاء من حوار في مجلة “الفلسفة اليوم” العدد 122، نُشر بتاريخ أكتوبر2017

حاور سلافوي جيجك، آنجا سينباوز، في لندن كافية..

الثورة النيوليثية

 

حياة مستقرة

عندما يفكر الإنسان في العصر النيوليثي –الثورة الزراعية- يستحضر آثار ستونهنج الصخراوية الشهيرة الواقعة في سهل ساليسبري  بإنجلترا. ترجع هذه الآثار إلى ٣٠٠٠  ما قبل الميلاد، ما قبل المسيح، وهي مكونة من مجموعة صخور مركبة على شكل دائري يفوق أي عمل فني بأوروبا آنذاك. تمثل  آثار ستونهنج التطورات الثقافية التابعة للثورة النيوليثية – أهم تطور في تاريخ الإنسان. طريقة حياة الإنسان اليوم بداخل المنازل المستقرة في مدن مختلفة الأحجام بجانب عدد من السكان تحت ظلال مجموعة قوانين تحمي حقوقه ومحاصيل يجني منها غذائه، وأوقات الفراغ التي يستغلها متابعة العلم، الاختراع، والاستكشاف ترجع إلى الثورة النيوليثية التي وقعت ما قبل ٥٠٠٠ – ١١,٥٠٠٠ سنة تقريباً. هذه الثورة أدت إلى تكوين نمط حياة الإنسان اليوم وهي نتيجة تطور الأدوات اللازمة لجني وزراعة المحاصيل، وترويض الحيوانات لتهيئتها للعمل على المزارع.

قبل الثورة النيوليثية كان الإنسان يعيش بين عشيرته بمساكن مؤقتة يرحل عنها بعد شهور قليلة باحثاً عن الغذاء ولا يملك إلا ما يمكن حمله بداخل جيبه أو حقيبته. التحول المهول الذي حدث بعد الثورة النيوليثية أدى إلى ظهور المتع والرخاء الذي نتنعم به اليوم مثل: تنوع الأغذية وتوفرها، المساكن المريحة، والأصدقاء.

saqya

1ستونهنج، ٣,٠٠٠ قبل التاريخ، سهل ساليسبري بمقاطعة ويلتشير جنوب غرب إنجلترا.

الفن النيوليثي

التغيرات المهولة في طرق حياة الإنسان أدت إلى تحول في أنواع الفنون التي يصنعها الإنسان. أعمال النحت النيوليثي أصبحت أضخم نظراً لعدم حاجة الإنسان إلى حملها وصناعة الفخار أصبحت أكثر انتشاراً بين الإنسان لحفظ ما جنى من المحاصيل الزراعية. في هذه الحقبة ظهرت الخمور والأعمال المعمارية بما فيها من التصميم الداخلي والخارجي. سنة تلو الأخرى بدأ الإنسان بالاستقرار في مكان واحد.

من الغير محتمل أن تكون آثار ستونهنج الصحراوية أعمال العصر الباليوثي، وهو العصر السابق للعصر النيوليثي ويسمى بالعصر الحجري القديم الذي بدأ منذ ٢,٣٠٠,٠٠٠ سنة خلت في أفريقيا، الرحل. أن ينصب رجل باليوثي عمل فني أو تذكاري بهذا الحجم في منطقة من غير المحتمل أن يرجع إليه أو يمر به مرة أخرى مضيعة للوقت والجهد. فالجهد المطلوب لبناء هكذا عمل ضخم فقد بلغ ستونهنج تقريباً ٣٢٠٠ قدم في المحيط والحجارة التي يتألف منها الطوق الخارجي تزن بقدر ٥٠ طن. كانت الأحجار الصغيرة، التي يصل وزنها إلى ٦ أطنان، مستخرجة من مسافات بعيدة تصل إلى ٤٥٠ ميلاً. معنى ستونهنج واستعماله غير واضح، لكن تصميمه، تخطيطه، وإخراجه لا يمكن تنفيذه إلا من خلال ثقافة ذات سلطة لا يمكن التشكيك أو الاعتراض عليها. هنا ثقافة كانت قادرة على تجميع مجموعة من البشر على عمل شاق على فترات طويلة من الزمن. هذه خاصية أخرى من خصائص العصر النيوليثي.

جماجم الجص (جبس)

وجدت أوائل الأدلة على الطقوس الدينية أثناء العصر النيوليثي ولطالما كانت الطقوس الدينية إلهام دائم للفنون الجمالية، الفنون الجمالية هي تلك الفنون التي ترتبط بالجمال والحس المرهف اللازم لتذوقها. عند بدء استخدامه كان يستخدم في وصف عدد محدود من الفنون المرئية كالنحت والطباعة وبشكل أساسي الرسم. ربما أكثر ما يجب الإنتباه لبلاد الشام/سوريا التاريخية، اسم تاريخي لجزء من المشرق العربي يمتد على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط إلى حدود بلاد الرافدين، هي جماجم الجص (الجبس) المنتشرة في ستة مناطق بما فيها أريحا التي تعرف بمدينة فلسطينية تاريخية تقع علي الضفة الغربية بالقرب من نهر الأردن وعند شمال البحر الميت. في الحقبة النيوليثية ٧,٠٠٠ – ٦,٠٠٠ ما قبل الميلاد غالباً ما كانوا الموتى يدفنون تحت أرضية المسكن وفي بعض الحالات كانت رؤوس الموتى تقلع وتغطى بالجص (الجبس) للحفاظ على الهيئة الإنسانية للوجه حيث كانت توضع الأصداف مكان العيون وتستعمل الأصباغ لرسم الشعر والشارب.

2جماجم الجص (الجبس)  من العصر النيوليثي  قبل استعمال الفخار ٧,٠٠٠- ٦,٠٠٠ قبل الميلاد، وجدت في موقع يفتاهيل الأثري في الجليل الأسفل، إسرائيل

التفسير التقليدي للحفاظ على هذه الجماجم كانت راجعة إلى أسباب الحفظ وعبادة الأجداد الذكور. لكن الأبحاث المؤخرة كشفت عن عدد ليس بالقليل من جماجم الجص (الجس) راجعة للنساء والأطفال بين الواحد وستون من الجماجم التي عثر عليها. ربما الجماجم لم تكن ذات صلة بالطقوس الدينية بل كانت وسيلة للحفاظ على ذكرى الأموات من قبل أحبابهم.

لم يكن لدى الإنسان النيوليثي لغة كتابية فلا يمكننا أن نجزم معرفة الأسباب. )أول نماذج تطور الكتابة ظهرت في الحضارة السومرية في بلاد مابين النهرين في أواخر الألفية الرابعة قبل الميلاد ولكن هناك علماء يعتقدون أن الكتابة بشكلها الأولية وضعت خلال العصر الحجري الحديث -النيوليثي)

 

الكاتبة: الدكتورة سنتا جيرمان، استاذة مساعدة في الكلاسيكيات والإنسانيات، جامعة ولاية مونتيكلير

المترجمة: جمانة سلامة

المصدر: (German, 2013)

الرابط:https://www.khanacademy.org/humanities/ap-art-history/global-prehistory-ap/paleolithic-mesolithic-neolithic/a/the-neolithic-revolution

 

كيف يكتب بورخيس؟

بورخيس

خورخي لويس بورخيس (1899-1986)، هو كاتب أرجنتيني. يُعد عَلمًا من كتاب القرن العشرين، وبرز أيضًا في الشعر والنقد.

في كتاب (بورخيس؛ صانع المتاهات)، والذي قدّمه وترجمه الأستاذ (محمد ايت لعميم) ينقل حوارًا أجراه مع (ماريا كوداما)، زوجة (بورخيس)، سألها فيه عن عملية الكتابة عند (بورخيس)، فأجابته:

أما فيما يتعلّق بالكتابة، فإنه دائمًا ينتظر أن تجود عليه الآلهة بالإلهام، فلا يعتريه القلقإن تأخرت عليه الكتابة، فهو لا يضخّم المسألة، إذ كل شيء بسيط، إن أتت الكتابة يكتب، إن لم تأت لا يقلق.

كما ينقل (محمد ايت لعميم) أيضًا حوارًا أجراه (أوزفالدو فيراري) مع (بورخيس)، فيسأل (فيراري): “أود أن أتناول معك اليوم ظاهرة يرغب الكثير في معرفتها، أريد أن أتحدث معكم عن الطريقة التي تنتج لديكم عملية الكتابة، بمعنى آخر، كيف تنشأ فيكم قصيدة أو قصة وانطلاقًا من اللحظة التي يبدأ فيها كل شيء كيف تتابع العملية، لنقل صنعة هذه القصيدة أو القصة؟”، فيجيبه (بورخيس):

تبدأ الكتابة بنوع من الوحي، غير أنني أستعمل هذه الكلمة بتواضع ومن دون تطلع، هذا يعني أنني أعرف أن شيئًا ما سيقع فجأة، وأن ما يأتيني غالبًا بالنسبة إلى قصة هو البداية والنهاية، أما في حالة القصيدة فالأمر ليس كذلك، إنها فكرة عامة جدًا، أحيانًا يأتيني البيت الأول، فإذن شيء ما يُمنح لي ثم أتدخل، ومن الممكن أن أفسد كل شيء (يضحك). بالنسبة إلى القصة مثلًا، أعرف البداية، أي نقطة الانطلاق، وأعرف النهاية، أي الهدف، لكن بعد ذلك عليّ أن أكتشف بوسائلي المحدودة جدًا ما يحصل بين البداية والنهاية. بعد ذلك تأتي مشاكل أخرًا، مثلًا: هل من الملائم أن أحكي بضمير المتكلم أم بضمير الغائب، بعد ذلك ينبغي أن أبحث عن الفترة، بالنسبة إليّ، وهذه ثورة شخصية، فالفترة التي تلائمني أكثر هي العشر سنوات الأخيرة للقارن التاسع عشر. أختار إذا تعلق الأمر بإحدى حكايات Porteno وأماكن قريبة من بالرمو وباراكاس أو تورديرا، أما بالنسبة إلى التاريخ لنقل سنة 1899، السنة التي وُلدت فيها، لماذا؟ فمن الذي يستطيع أن يعرف كيف كان يتكلم في هذه الفترة سكان هذه الأحياء، لا أحد. أريد أن أشتغل وأنا مرتاح، فعلى العكس إذا اختار كاتب موضوعة معاصرة فالقارئ يتحول إلى مفتش ويقرر أن: الأمر ليس كذلك إذ في مثل هذا الحي لا نتكلم بهذه الطريقة، الناس الذين ينتمون إلى طبقة ما لا يستعملون مثل هذا التعبير، أما أنا فبالعكس، عندما أختار فترة بعيدة شيئًا ما، ومكانًا بعيدًا شيئًا ما أحافظ على حريتي، أستطيع أن أتخيل .. أو حتى أن أزيّف، يمكنني أن أكذب دون أن يعلم أحد، من دون أن أعلم حتى أنا. بما أنه من الضروري لكاتب الحكاية، حتى لو كانت فنتازية، أن يعتقد في الوقت نفسه في حقيقتها.

من رسائل سيلفيا بلاث

سيليفيا بلاث

سيلفيا بلاث (1932 -1963)، شاعرة أمريكية وروائية وكاتبة قصص قصيرة. ولدت في ولاية ماساتشوستس في الولايات المتحدة الأمريكية ودرست في جامعة سميث وجامعة نيونهام في كامبريدج قبل أن تشتهر كشاعرة وكاتبة محترفة. تزوجت من الشاعر (تيد هيوز) في 1956 وعاشا أولاً في الولايات المتحدة قبل أن ينتقلا إلى بريطانيا.

في سنة 1975 قبل فوزها بجائزة بوليتزر بعشر سنوات تقريبًا وقبيل نشر يومياتها قامت والدتها بتعديلات على مجموعة رسائل كتبتها (بلاث) في سنوات مراهقتها إلى عائلتها ثم نشرتها في كتاب تحت مسمى (منزل الرسائل)
تجلّت فيها قوة العاطفة التي تمتعت بها روح الشاعرة، أترجم بعضًا منها هنا:

تقول (بلاث) في عمر السابعة عشر:
أشعر أن من الواجب علي أن أحافظ على كوني في سن السابعة عشر، كل يوم منه نفيس جدًا. أشعر بالحزن بمجرد تصوّر أن تفلت هذه اللحظات مني بعيدًا بينما أكبر في العمر. الآن! الآن هو الوقت المثالي في حياتي.
بالعودة إلى الستة عشر عامًا الماضية أرى المآسي والسعادة بشكل عشوائي، كلها لاتهم الآن، تصلح فقط للابتسام لذلك الغموض.
أظل أجهل نفسي، ربما لن أعرفها مطلقًا. لكنني أشعر بالحرية، غير مرتبطة بأي مسؤولية.
تشديدًا على رأي (سوزان سونتاج) حول أن “الكاتب مُراقِب وملاحظ احترافي بطبعه” تضيف (بلاث):
 في اللحظة الراهنة، أشعر بالسعادة الشديدة، مستندة إلى طاولتي، ممعنة النظر إلى الأشجار العارية حول المنزل في الشارع المقابل. أريد دائمًا أن أكون مراقِبة، أريد أن تؤثر فيّ الحياة عميقًا لكن بدون أن تعميني عن رؤية وجودي في ضوء هزلي ساخر وأن أسخر من نفسي كما أسخر من الآخرين.
أخشى التقدم في السنّ، أخشى الزواج، أعفني من طبخ ثلاثة وجبات في اليوم، أعفني من سجن الروتين والتكرار القاسي.
وتكمل:
أريد أن أصبح حرة- حرة لأن أعرف الأشخاص وخلفياتهم- أن أتنقل إلى أجزاء مختلفة في العالم لأتعلم أن هنالك معايير وأخلاقيات غير تلك التي أنتمي إليها. أريد أن أصبح واسعة المعرفة، أعتقد أن بودّي تسمية نفسي “الفتاة التي أرادت أن تصبح إلها”. لكن، إن لم أكن في هذا الجسد أين يمكن أن أكون؟ ربّما من المقدّر لي أن أعيش مصنّفة ومؤهلة، لكني أحتج ضدّ ذلك! أنا قوية -لكن إلى أي مدى؟.
أحاول أن أضع نفسي مكان شخص آخر في بعض الأحيان وينتابني الرعب عند نجاحي في ذلك. كم هو فظيع أن أكون أي
شخص غير نفسي!
أحمل غرورًا رهيبًا. أحب جسدي، ووجهي، وأطرافي بتفانٍ غامر. أنا ملمّة بكوني “طويلة جدًا” و لدي أنف كبير، لكن رغم ذلك أظل أقف وأتزين أمام المرآة وأرى أكثر كم أنا جميلة. أقمت في دماغي صورة عن ذاتي -صورة جميلة ومثالية- أليست صورة خالية من العيوب – النفس الحقيقية؟ الكمال الحقيقي؟ أأنا أتوهم عندما تدس هذه الصورة نفسها بيني وبين المرآة التي لاترحم. (وحتى الآن أقوم بنظرة خاطفة على ماكتبته- يالحماقة ذلك، ياللمبالغة الدرامية.
تتسائل (بلاث) عما إذا كان سعيها للكمال سيثمر قائلة: “لن يحدث أبدًا، أبدًا أن أصل إلى الكمال الذي أطمح إليه بروحي. لوحاتي، قصائدي، حكاياتي، كلها انعكاسات ضعيفة”. وتتحدث عن خوفها من مواجهة سن النضج واتخاذ القرارات:
سيأتي وقت ما عليً فيه أن أواجه نفسي في نهاية الأمر. حتى في الوقت الحالي أخشى من اتخاذ القرارات العظمى التي تهدد حياتي. أي كلية؟ أي وظيفة؟ أنا خائفة أشعر بالحيرة. مالأفضل؟ ماذا أريد؟ لا أعلم. أحب الحرية. أستنكر القيود والتضييق. أنا لست حكيمة كما كنت أعتقد. أستطيع الآن رؤية الطرق المتاحة لأجلي -كما لو كنتُ في وادِ- ، لكن لا أستطيع رؤية النهاية ـ العواقب..
اه كم أحب الوقت الحالي بكل مخاوفي وشكوكي، لأني الآن لا أزال كما أنا، غير متشكلة كليًّا. للتو تبدأ حياتي. أنا قوية. أتوق لأن يصبح لدي سبب لأكرس كل طاقاتي لأجله…
ذلك السبب أصبح الكتابة. حسّ بالغرض جاء بشكل عفوي لبلاث. يتجلى هذا الغرض في واحدة من قصائدها المبكّرة كتبتها في ذات الوقت:
أنت تسألني لماذا أكتب طيلة عمري؟
هل أجد متعة في ذلك؟
هل تستحق العناء؟
والأهم، هل هي مربحة؟
إذا كان الجواب لا. هل هنالك سبب آخر؟أكتب فقط، لأن هنالك صوت ما
بداخلي لايكفّ.

وفي رسالة أخرى لوالدتها عام 1955 تعبّر فيها عن أهمية الكتابة في حياتها:
الكتابة هي الحب الأول في حياتي، عليّ أن أحيا بشكل جيّد، بترف، وفي مكان بعيد لكي أكتب. لن أصبح أبدًا كاتبة انطوائية كأغلب الأشخاص. لأن كتاباتي تعتمد كثيرًا على حياتي.
وفي شهر يوليو من عام 1956، تكتب (بلاث) لوالدتها في عمر الثالثة والعشرين خلال رحلتها إلى باريس مع زوجها (تيد) الذي قابلته خلال شهر فبراير وتزوجته في شهر يونيو:
كلانا ننسلخ برويّة من إرهاقنا العظيم، من الأحداث المدويّة خلال الشهر الفائت. وبعد حومنا في باريس نجلس، نكتب، نقرأ في تويليريس. كتب كلّ منا قصيدة جيدة، الأمر الضروري لرفع معنوياتنا الشخصية. ليست بتلك القصيدة أو الحكاية الرائعة ولكن على الأقل ساعات معدودة من الكتابة الصارمة في اليوم. شيء ما بداخل كلانا يحتاج إلى الكتابة لمدة طويلة يوميًا. وإلا لشعرنا بالبرودة تجاه الورق… نحن سعيدان حقًا حين نختلي بأنفسنا ونكتب نكتب نكتب. لم أعتقد يومًا أنني قد أنضج بهذه السرعة في حياتي حتى الآن. أظن أن السّر في ذلك هو أننا واقعين بشكل كلي في حب بعضنا البعض مما يجعل كتاباتنا خالية من كونها مجرد انعكاس للذات وإنما لوحة مؤثرة تعبر عن حياة الآخرين ومضيهم.