ما هي المعرفة والمهارات التي تستحق التعلم؟ تشوميسكي يجيب

تشومسكي

نعوم تشومسكي (مواليد 1928) هو أستاذ لسانيات أمريكي، وفيلسوف وعالم بالإدراك والمنطق، ومؤرخ وناقد وناشط سياسي.

في مقالة نُشرت باسم “النظرية التعليمية لـ(نعوم تشوميسكي)”، من كتابة وتحليل كل من (سكوت بوفيتش)، (زاك كوليمور)، (تانيشا برامويل-جونز) و(إليزابيث ماساس)، وبترجمة حصرية لدى ساقية، تحدثوا عن المعارف والمهارات التي تستحق التعلم، وأهداف التعليم، بنظر (تشوميسكي). فكُتب في المقالة:

نظرية القيمة: ما هي المعرفة والمهارات التي تستحق التعلم؟ و ما هي أهداف التعليم؟

إن المعرفة توصف بأنها: “المهارات المكتسبة من قبل شخص ما من خلال الخبرة والتعليم والتطبيق العملي أو فهم الموضوع”. ما بالنسبة لقاموس أكسفورد فيحدد المعرفة بالتالي: “هي الوقائع، والمعلومات المكتسبة و الفهم النظري والعملي للموضوع”.

يرى (تشومسكي) ان المدارس تستخدم كأداة لنقل المعرفة؛ ولكن المشكلة هي ان المهارات والمعرفة التي تدرس غالبا ما تكون غير جديرة بالتعلم. إن الهدف من التعليم الحالي، وفقا لـ(تشومسكي)، هو إنتاج بشر يحملون قيم التكديس والجمع وحب السيطرة، ولكن بدلا من ذلك يجب ان يكون هدف التعليم إنتاج بشر لديهم الحرية في المشاركة والعمل ولكن تحت شروط عادلة.

فالتعليم الحالي يحمل نهجا آليا غير واعي، وهو في معظمه تدريب بلا معنى “استعدادا لامتحانات الاختيار من متعدد”. وتتجلى هذه الآلية غير المجدية في المناهج الدراسية التي تفرضها الولاية حيث تكون الاختبارات الموحدة ضرورية لقياس نمو الطلاب والنجاح التعليمي. ويرى (تشومسكي) أن “قيمة التعليم الحقيقية تكمن في تنمية مهارات التفكير النقدي لدى الطلاب وتحفيزهم لاكتساب المعرفة المفيدة لهم والعمل بها”. ولكن بدلا من ذلك ،يكلف الطالب بالالتزام بمناهج الدولة المكتوبة حيث تكون الاختبارات القياسية ضرورية وقائمة على المنهج . وهكذا يتم دفع الطلاب عن غير قصد للتعلم من خلال حفظ الحقائق، وليس من خلال التفكير النقدي.

ويشير ايضا إلى نقطة في غاية الأهمية وهي ان المجتمع لا يزيد من جودة التعليم الا بما يكفي لمتطلبات السوق. ببساطة يتم تدريب الطلاب على أن يكونوا عمال مطاوعين وممتثلين. بهذه الطريقة يتم تحجيم عملية التعليم إلى “معلمين ذوي معرفة كافية لنقل المعلومات” فحسب ، بدلا من مساعدة الطلاب على التفكير بمستوى أعلى. وفي مقابلة مع (دونالدو ماسيدو)، وصف (تشومسكي) التعليم بعبارة: “إن ما يحدث في مدارسنا هو مستوى عميق من التلقين حيث يصبح المعلمين بمثابة عاملون يقومون بمهمة ما تم التعاقد معهم للقيام بها”. و تقوم المدارس بتدريس وفرض الطاعة بل تستخدم كنظام لفرض التحكم والإجبار. ويوضح (تشومسكي) أن الطفل المتعلم بتعريف المجتمع هو الذي تم ترويضه ليطيع السلطة والهيكل المجتمعي.

(تشومسكي) يشكو من أن الأطفال لا يتم تعليمهم ليتحدوا السائد ويفكروا بشكل مستقل ، ولكن يتم تدريسهم ليكرروا، يتبعوا الأوامر ويطيعوا. ويصف التعليم بأنه فترة مبكرة من الانظمة والتوجيه، مع منظومة من المعتقدات الكاذبة. واستنادا إلى هذه التحليلات، ينبغي أن تكون أهداف التعليم تشجيع وتنمية القدرة والطاقة والمدارك الطبيعية للطفل.


[المصدر]

ملاحظة: هذه المقالة هي الجزء الأول من أربع مقالات، ستُنشر تِباعًا، حول نظرية التعلم والتعليم عند (تشوميسكي)، بترجمة حصرية لدى ساقية.

يوسا، إيروس، والرواية

يوسا

ماريو بارغاس يوسا، ولد في عام 1936، روائي وصحفي وسياسي.

الأدب الخيالي لا يعيد إنتاج الحياة، بل هو ينفيها بأن يضع في مواجهتها خدعة توهم بأنها تحل محلها..

يغوص الكاتب العالمي البيروفي، الحائز على جائزة نوبل في الآداب لعام 2010، بتعانق الإبداع والنقد في شخصيته الروائية الفذة، في عالم الرواية ببحوره الشاسعة، وتجليات مبدعيها العظام الذين عبروا التاريخ وعبَّروا عن الإنسانية، من خلال روايات كبرى/ علامات روائية كُتبت في خلال القرن العشرين، وأثرت تأثيرا كبيرا في مسيرة الفن الروائي، حيث تتجسد من خلال تلك النماذج المقروءة بوعي الفنان المبدع، الرؤية الرئيسة لهذا المتن الإبداعي النقدي، الذي يحوي بين ضفتيه عددا من النماذج الراسخة في ضمير تاريخ الأدب والرواية خاصة، تعالج حالة من حالات الاحتياج الإنساني متمثلة في “الإيروسية“، والتي يرجع أصلها كمصطلح في الميثولوجيا الإغريقية، إلى “إيروس” وهو الإله المسئول عن الرغبة، الحب، الجنس، وعُبِدَ كإله للخصوبة، والتي تبدو في هذا السياق كملمح من الملامح الرئيسة التي تجمع البشر، والتي يقدمها يوسا في مقدمة الطبعة العربية المترجمة عن الأسبانية، والتي قام بها المترجم التونسي وليد سليمان، لكتابه: (إيروس في الرواية)، قائلا:

إن هذه المقالات هي، قبل كل شيء، رسالة حب واعتراف بالجميل لأولئك الذين عشت،  بفضل كتبهم، خلال فتنة القراءة، في عالم جميل، متماسك ومفاجيء وكامل تمكنت بفضله من فهم العالم الذي أعيش فيه بشكل أفضل ومن إدراك كل ما ينقصه أو يكفيه ليكون قابلا للمقارنة مع هذه العوالم الرائعة التي يخلقها الأدب العظيم..

ولوجًا إلى عالم الإيروسية في الكتابة الروائية، والتي تتباين محاورها من خلال الطرح الروائي لهذه الاختيارات الحاسمة في تاريخ رواية القرن العشرين، والذي كان يعج بالمزيد من الصراعات والأيديولوجيات المتناحرة والحروب العظمى، من خلال أحداثه الجسام التي ساهمت بشكل كبير في تغيير خريطة الوعي الإنساني والاجتماعي والاقتصادي، ومن ثم النفسي، كما عانقت المزيد من المذاهب الفكرية والثقافية الجديدة، والتقليدية الراسخة على حد السواء، فمن منطلق الإيروسية:

“تجربة داخلية مرتبطة بالرغبة والشغف والنشوة، والتي تأخذ شكلاً جسدياً أو عاطفياً أو روحياً بحسب تعريف (جورج باتاي) لها، تبدو تمردا على السائد والمألوف، كما تقدم هنا عبر الإبداع الروائي كفن يمتلك سلطة الرصد وطرح القضايا المصيرية الممتدة في عمق التاريخ وعمق حياة البشر، ومن ثم محاولة التأويل وإعادة سبر الغور، بمحاولة التماهي مع الواقع والتماس معه بصورة مغايرة في ذات الوقت حيث الرواية دائما تقدم بحسب (أنطونيو جرامشي):

صورة مغايرة بمتخيلها للتاريخ والواقع، ناقدةً الخطاب السائد ومتمثلةً خطاب المسكوت عنه والمقموع. ويمكننا أن نشبّه الخطاب الرسمي بالسلطة التي تفرض نفسها بمختلف الطرائق من عنف ورقابة ومن هيمنة متغلغلة في الثقافة.

والذي يدعو من خلال سبر غوره للعلاقة بين الرواية والمفهوم الإيروسي، بقوله على خلفية الصراع بين الواقعي والمتخيل والتقليدي في بنية الرواية التي تعالج مثل تلك المسائل المصيرية القامعة للحس الإنساني بما عليه من قيود، وما له من تطلعات آسرة إلى كل ما محظور ومحرم:

لهذا علينا أن نقوم بتحليل النصوص الروائية كي نكشف عن مدى تجاوزها للتقاليد البطركية وكيف تقوم بانتهاك محرمات السائد لتقدم رؤية بديلة.

سومرست موم، والسياسيون

سومرست موم (1874-1965) روائي وكاتب مسرحي إنجليزي. نشر روايته الأولى عام 1897 (ليزا اوف لامبث) والتي تصور حياة الطبقة العاملة في لندن أواخر القرن التاسع عشر، لاقت الرواية نجاح لافتا ليقرر بعدها ترك الطب والتفرغ للكتابة، نشر بعد ذلك العديد من الروايات والمسرحيات والقصص القصيرة من أشهرها “كنت جاسوسا”، “عن عبودية الانسان”، “القمر وست بنسات”. يعتبر (موم) من أشهر الكتاب والأعلى دخلا في تلك الفترة.  

في كتابه (عصارة الأيام)، والذي نشر عام 1938وعرض به أحداث من حياته وتجاربه وافكاره، عبّر عن رأيه في السياسيين، فقال:

لطالما دعيت إلى حفلات كانت السياسة فيها الحديث السائد غير إني لم أكتشف في السياسيين البارزين الذين التقيتهم أية مقدرة مرموقة فاستنتجت – ولعلي كنت متسرعا – إن حكم أمة لا يقتضي قدرا كبيرا من الذكاء.

يضيف:

ولقد تعرفت منذ ذلك الحين وفي العديد من البلدان بكثير من السياسيين الذين تسلموا مراكز عليا، وزادت حيرتي بشأن عقلياتهم المتوسطة، ووجدتهم مشوهي المعلومات عن أمور الحياة العادية، ولم اكتشف أية ألمعية في عقولهم أو حيوية في خيالهم.

يتابع (موم):

ولكن ما دمت قد رأيت رجال دولة، بدوا لي أنهم ليسوا أذكياء جدا، يسيرون الشؤون العامة بنجاح معقول، لا أستطيع إلا أن أرجح أنني كنت مخطئا في حكمي عليهم، ولعل تأويل الأمر إن قيادة الامة، تحتاج إلى موهبة من نوع خاص قد تتأتى للمرء دون أن تتوفر فيه المقدرة العامة.

ثم يختم حديثه عن أصحاب المراكز العليا:

إن الافضل عندي أن أقضي شهرا في جزيرة مهجورة مع طبيب بيطري على أن اقضيه بصحبة رئيس الوزراء.

 

إيريك فروم يشرح المبدأين الأبيسي والأموسي

إريك فروم

إريك فروم (1900 – 1980) عالم نفس وفيلسوف إنساني ألماني أمريكي. ولد في مدينة فرانكفورت وهاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في 1934. والتحق بجامعة فرانكفورت وهايدلبيرغ حيث درس فيها العلوم الاجتماعية والنفسية والفلسفية.

يتحدث (فروم) في كتابه (حب الحياة)، وهو عبارة عن نصوص ومقالات مختارة من ترجمة الأستاذ (حميد شهيب)، عن مفهومي “المبدأ الأبيسي” و“المبدأ الأموسي”، فيقول مستفتحًا:

ليُسمح لي أن أذكر بمفكر كبير للقرن 19 ويتعلق الأمر بالسويسري (يوهان ياكوب) Johnan Jakob Bachofen، الذي أظهر لأول مرة منهجيًا وعلميًا بأن المجتمع محكوم بمبدأين بنيوين مختلفين: المبدأ الأموسي، والمبدأ الأبيسي، ماذا يميز هذين المبدأين عن بعضهما؟

فيتحدث بداية شارحًا المبدأ الأبيسي، فيقول:

في المجتمع الأبيسي، كما هو معروف في العهد القديم ومنذ الحكم الروماني، فإن الأب هو الذي يمتلك ويتحكم في الأسرة. وعندما أتحدث عن الامتلاك، فإن ذلك يجب أن يفهم في المعنى الحرفي للكلمة. ذلك أن الزوجة والأطفال كانوا في النظام الأبيسي، وفي القانون الأبيسي البدائي ملكًا لأب الأسرة تمامًا كالعبيد والماشية. كان باستطاعته عمل ما يريد بهما.

ثم ينتقل بعد ذلك إلى شرح المبدأ الآخر، الأموسي، فيقول:

في المجتمع الأموسي كان الأمر مختلفًا تمامًا. فالشخصية المحترمة على العموم، والتي لا يمكن الحديث عندها عن الامتلاك، بل عن كونها كنت محط اهتمام دون منازع، كانت هي الأم.

وبعد ذلك يتحدث عن الفارق في مفهوم الحب لدى المبدأين:

وبين الحب الأبيسي والحب الأموسي هناك فرق. فالحب الأبوي في جوهره هو حب مشروط، لأنه موقوف على الاستجابة لشروط بعينها. وعندما أتحدث عن “الحب الأبيسي” فإنني لا أعني حب الأب (س) أو الأب (ص)، لكن الأبيسي على العموم. وقد سمى (ماكس فيبر) ذلك بـ“النموذج المثالي”. فالأب يحب في الغالب الابن الذي سوف يحقق أمانيه وتطلعاته. ويصبح هذا الابن في غالب الأحيان وارث الأب. وبهذا فإننا نجد في المجتمع الأبيسي “الابن المفضل” -في غالب الأحيان يكون هو الابن الأكبر- عندما تقرأ العهد القديم، فإننا نجد دائمًا أن هناك ابن مفضل، يكون مختارًا ومفضلًا عند الأب، إنه يعجبه لأنه يطيعه.

في النظام الأموسي نجد الأشياء بشكل آخر. فالأم تحب كل أبنائها على مستوى واحد؛ إنهم كلهم ودون استثناء ثمرة رحمها، وبحاجة إلى عنايتها. فإذا كانت الأم لا ترضع رضيعها إلا لأنه يعجبها ويطيعها، فإن أغلبية الصبية سيموتون. وكما نعلم، فإن الرضيع لا يعمل البتة ما تريده الأم. لو كانت الأم تتوفر على نفس الحب الأبيسي -البيولوجي- لكان النوع الإنساني قد انقرض. إن الأم تحب الطفل لأنه ابنها. ولهذا السبب لا نجد في المجتمع الأموسي أية تراتبية، بل نجد نفس الحب لجميع من يحتاجه من أبنائها.

ويختتم شروحاته لهذين المبدأين، وسبب ذكرهما، فيقول:

إن مرجع هذا العرض السريع هو (باخ أوفن) Bachofen. ففي المجتمع الأبيسي يكون المبدأ الأعلى هو النظام، القانون، المثال، المعنوي. أما في المجتمع الأموسي فإن المبدأ هو العلاقة الطبيعية، وهي العلاقة التي تجمع بين الناس. وهي علاقة لا يحتاج أن يفكر فيها أو تصنع، بل إنها هنا ببساطة.

أسلوب التربية وتشجيع مواهب النشء، عند علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

 

علي الطنطاوي (1909-1999)، فقیه وأدیب وقاض سوري ویعتبر من كبار أعلام الدعوة الأسلامیة والأدب العربي في القرن العشرین. ترك (علي الطنطاوي) عددا كبیرا من الكتب، أكثرها یضم مقالات مما سبق نشرة في الصحف والمجلات. وقد نشرت حفیدتة (عابدة المؤید العظم) كتابین عنه، ومن بینها كتاب (هكذا ربانا جدي علي الطنطاوي) والذي یضم عدة مقالات تسرد فیه حفیدته بعض من الوقائع والحوادث والاسالیب التربویة المتفردة في حیاته، فتقول:

أما انا فعرفته من أكثر من ثلاثین سنة لما وعیت وأدركت، فكان لي الجد العطوف والمربي العاقل والموجه المبدع، وعرفت لدیه حنان وعطف الوالد حین افتقدت الوالد. ورأیت كیف كان یتعامل مع بناته الكبار ومعنا -نحن أحفاده وحفیداته- الصغار، فوجدته متمیزا في توجیهه متفردا في أسلوب تربیته، ووجدت من الأثر الطیب لهذا التوجیه والنتائج العظیمة لهذه التربیة مازادني قناعة ویقینا بأن هذه التجربة حریة أن لاتبقى حبیسة معرفة بعض الناس بل ان تنشر فیطلع علیها سائر الناس؛ فتكون لهم عونا في تنشئة أبنائهم وتلامیذهم، ویستفیدون منها منهجا صالحا في التربیة هم أكثر مایكونون له حاجة، ویدعون لجدي بالمثوبة والأجر في الآخرة، وهو أحوج مایكون إلى هذا الدعاء.

ففي مقالة (تنمیة المهارات) تتطرق حفیدتة (عابدة العظم) عن اهتمام جدها بالمهارات وتنمیة المواهب وعن كیفیة استغلال هذه المواهب في كل مناسبة وكل فرصة، بالاضافة الى العمل على تتطویرها، فتقول:

كان جدي كثیرا مایستغل جلساتنا العائلیة العادیة فیحولها إلى جلسات علمیة هادفة، وكان یستشهد فیها أحیانا بالأشعار لیخدم معنى أو یرسخ حكمة، فیلقي علینا من ذاكرته بیتا أو بیتین من الشعر. وكان الغالب أن ینصرف بعد ذلك إلى موضوع آخر أو الأبیات. لكنه، وفي بعض الأحیان، كان یلتفت فجأة نحو واحد من أحفاده فیطلب منه ان یلقي البیت مرة أخرى لیختبر مقدار انتباهنا لما یقوله وسرعة حفظنا لما نسمعه.

وأذكر أننا فكرنا مرة بكتابة الشعر ( وكان شیئا مضحكا، فقد كنا في المرحلة الابتدائیة لانعرف شیئا عن علم العروض ولانفقه شیئا في الأوزان الشعریة)، فكتبنا بعض الأبیات في وصف الطبیعة وجمال الحدیقة بلا وزن ولاقافیة ثم عرضناها على جدي بكل فخر على جدي بكل فخر. والعجیب انه لم یسخر منا بل شجعنا وخاطبنا على قدر عقولنا، ومنحنا جزءا من وقته الثمین شرح لنا فیه بطریقة لطیفة أن الشعر یقوم على الوزن والقافیة، وأعطانا فكرة مبسطة جدا عن علم العروض.

كما تتطرق حفیدته هنا على حرص جدها واهتمامه بالأدب والقراءة والكتابة وعلم التجوید، فتقول:

وعنددما لاحظ لدى أحفاده نبوغا مبكرا ومیلا أدبیا وأسلوبا راقیا، أرشده إلى الكتب القیمة المفیدة وشجعه على الكتابة والتألیف، وصار یصحح له كل مایكتبه ویرشده إلى الطریقة السلیمة في الكتابة.

وعندما لمس مني اهتماما بالتجوید صار ینادیني -من حین لآخر- إلى غرفته فأقرأ ویصحح لي، مماشجع بعض الأحفاد على الانضمام إلینا، عندها لاحظ جدي أن بعضنا لایستطیع إعطاء المدود حقها بسبب انقطاع سریع في النفس، فصار یدربنا على الاحتفاظ الطویل بالنفس، وصار یجري في ذلك مسابقات فیضبط ساعته، ثم یحصي لكل واحد منا مقدار الثواني التي استطاع فیها ذلك، ویشجع الحفید الذي تحسن أداؤه عن الیوم السابق، ویقارن بین الأحفاد لیحثنا على التحسن.

وتختم حفیدته حدیثها عن جدها على الطنطاوي واهتمامه بتنمیة المهارات قائلة:

كان دأب جدي أن ینمي كل مهارة وأن یتلمس -بقدرته الفذة على الاستشعار- مواطن الإبداع الكامن لدى كل منا لصقله وتطویره. وكان یشجع أي عمل إیجابي -مهما كان بسیطا- فیحاور صاحبه موضحا له قیمة عمله وحاثا إیاه على تقدیم الأفضل دائما، ویشجعه على الاستمرار فیه مغدقا علیه كل الثناء والتقدیر.