معضلة الكتابة للمجتمعات كما يصفها بيسوا

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا ( 1935- 1888) شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، لكنه أكثر شغفاً بكتابة النثر كونه يجسد شيء من الحرية المطلقة التي يبحث عنها الكاتب.

كتب (بيسوا) في مذكراته، والتي ترجمها الأستاذ (المهدي أخريف)، ونشرتها دار توبقال بعنوان (اليوميات)، نصًا يصف فيه معضلة الكتابة للمجتمعات، يقول فيه:

لا أملك، لأمارس التأثير في المجتمع، سوى تلك المزايا السلبية الحيادية. إنني في المقام الأول رجلٌ استدلاليٌ عقلاني، والأسوأ من ذلك استدلاليٌ مدقّق وتحليلي. غير أن الجمهور ليس قادرًا على اتباع أمثالي، ولا هو قادر على الاهتمام بالتحليل.

ثم إنني في المقام الثاني، تحليليٌ يبحث، في حدود الممكن، عن اكتشاف الحقيقة، لكن الجمهور لا يريد الحقيقة بل تعجبه الأكذوبة. الحقيقة في كل الأوجه ولا سيما في المسائل الاجتماعية معقدة دائما. والجمهور لا يفهم الأفكار المعقدة. يجب أن نمنحه فقط الأفكار البسيطة، العموميات الملتبسة، أي الأكاذيب وإن كانت على صلة بالحقائق؛ ذلك أن تقديم ما هو معقد بصفته بسيطا وعرض ما يحتاج إلى تمييز بدونما تمييز، واللجوء إلى التعميم حيث ينبغي التخصيص للوصول إلى التحديد وتفادي الدقة في مسائل تستوجب الدقة؛ كل ذلك والكذب سواء.

وأنا في المقام الثالث، ولهذا أبحث عن الحقيقة، ميّال إلى التجرد ما استطعت؛ لكن الجمهور الذي تحركه الأهواء وليس الأفكار متحيّز عضويا وهذا لا ينفّره فحسب ويجعله لا مباليا خارج طبيعته وبعيدا عن نبرة التجرد ذاتها، بل إن هذا كله، علاوة، يتفاقم بسبب الالتزامات والتمييزات والتحديدات الواجب التقيّد بها لنكون غير متحيزين. عندنا نحن في أوروبا مثلًا وفي أغلب شعوب جنوب أوروبا، إما أن تكون كاثوليكيا أو ضد الكاثوليكية أو غير معنيّ بالكاثوليكية كما بكل ما عداها.

يكمل بعد ذلك قائلًا:

المجتمعات يسيرها مهيجو المشاعر والأهواء، لا الأفكار. ما من فيلسوف فُتح له طريقا بدون أن يضع نفسه جزئيا أو كليا في خدمة دين أو سياسة أو أي نمط اجتماعي آخر من التفكير.

إذا كان البحث في الموضوع الاجتماعي إذن عديم الفائدة اجتماعيا باستثناء الجانب الفني، إن كان يتوافر على مقومات فنيّة، حينئذ سيكون من الأجدى لنا استخدام جهدنا في صناعة الفن، وليس نصف فن.

يشرح فكرته أكثر قائلًا:

بمعرفتنا أن جميع المعتقدات يمكن تبريرها أو الدفاع عنها وأن قيمتها ليست في ذاتها وإنما في قيمة من يدافع عنها، علينا أن نقصر أنفسنا على أدب الدفاع أكثر مما على قضية الأدب ذاتها. لنصنع حكايات ذهنية نتّبع فيها دافعا فوريا ومتهورا، دراسات علمية أيضًا. حقيقة الفكرة نفسها عليها أن تكون زائدة، ليست بأكثر من دليل جميل مشتق من حيل البصيرة النفاذة.

سوف نتفرغ، متخذين حركة متطابقة في اتجاه معاكس، لإظهار لا معنى الأفكارر السائدة، خسّة الأفكار الأكثر نبالة، الوهم الملازم لجميع ما تقبله الإنسانية أو يمكن أن تقبل به وجميع ما يؤمن به الشعب أو يمكن أن يؤمن به. هكذا سنُخلّص المبدأ الارستقراطي الذي أُسس فوق النظام الاجتماعي، تاركًا وراءه عبودية كونية ورتيبة.

هيلين كلير و دوامة أبيقور

هيلين كلير (1968-1880)، أديبة ومحاضرة وناشطة أمريكية. عانت (هيلين) من المرض في سن أثنى عشر شهراً وافترض أطباء الاطفال بأنها مصابة بحمى القرمزية والتي يصنف بمرض التهاب الرأس مما أدى إلى فقدانها السمع والبصر تماماً، ولها عدد من المؤلفات التي تنضج بالشكر لله على نعمة الحواس وتدعو إلى استعمالها فيما خُلقت، وقد كتبت في أحدى مقالتها وصف لحياة أولئك الغير قادرين على تقدير نعمة البصر والحياة كما ينبغي بكلماتها العميقة:

يجب علينا أن نعيش كل يوم ونحن نقدر تمام التقدير وندرك تمام الإدراك النعم التي تحيط بنا والتي غالباً ما تفقد قدسيتها عندما يمر أمامنا الزمان في هذا المشهد الدائم الذي يمضي بأيامه و شهوره  وأعوامه .. أولئك طبعاً هم الذين يعيشون دوامة الفيلسوف (أبيقور) الذي كان يزعم أن المتعة هي الهدف الرئيسي من الحياة بيد أن أغلب الناس يريدون أن يعيشوا في عذاب وهم يشعرون بحقيقة الفناء الوشيك لكن معظمنا مع ذلك يأخذ الحياة على أنها منحة دائمة. نحن نفهم أن لابد من يوم أت لامحالة نسلم فيها الروح بيد أننا غالباً ما نتصور أن هذا اليوم بعيد جداً؛ إن هذا السبات نفسه هو الذي يهيمن علينا.

وعن فقدان البشر لقيمة حواسهم وتسخرها للعيش بمتعة، كتبت قائلة:

فيما يتعلق باستعمال حواسنا و طاقاتنا. إن الاصم وحده هو الذي يقدر نعمة السمع ؛ وكذلك الكفيف وحده هو الذي يقدر ضروب السعادة التي تكمن في نعمة البصر إن هذه الملاحظة تنطبق عملياً على أولئك الذين فقدوا حاسة البصر أو حاسة السمع في حياتهم المبكرة، لكن الذين لم يسبق لهم أن اشتكوا من الحرمان ولم يسبق لهم أن فقدوا بصراً أو سمعاً ؛ أولئك قليلاً ما يحسون بعظمة نعمة الاستفادة من هذه الحاسة المقدسة. أن أبصار هؤلاء تقع على كثير من المناظر، كما أن أسماعهم تتلقى مختلف الأصوات، ولكن بقليل من التقدير، بل ربما دون اكتراث ودون إمعان إنها فحوى الكلمة التي تُردد: “لا يعرف المرء مقدار النعمة إلا عندما تسلب منه ولا يعرف مقدار عافيته إلا عندما يكون طريح الفراش”.

وقد خصصت الكاتبة حوارات عميقة حول تقدير أصدقائها لنعمة البصر قائلة:

لقد كان يلذ لي أحياناً أن أسال رفاقي الذين يبصرون وقد زارتني في الايام الماضية صديقة من أعز صديقاتي كانت قد رجعت توها من جولة لها طويلة في إحدى الغابات المجاورة، سألتها ماذا رأت وماذا لاحظت؟ فكان جوابها بالحرف “لا شيء يستحق الذكر!!” ولو أنني لم أكن معتادة على مثل هذا الجواب لداخلني الشك فيما سمعت. لقد اقتنعت منذ زمن بعيد أن هؤلاء الذين يبصرون لا يرون الا قليلاً ! قلت في نفسي: “كيف يكون من الممكن أن يتجول المرء لمدة ساعة من الزمن بين منعطفات الغابة ولا يرى شيئاً يستحق الذكر ؟!” يصرخ قلبي من أعماقه في بعض الاحيان وفي شوق متزايد ليشاهد هذه الاشياء، فإذا كنت أستطيع أن أحصل على متعة مثل هذه بمجرد لمس عابر، فأي جمال وأي بهاء أشعر به وأنا أرى ذلك رؤيا العين! قد يكون من الإنسانية أن نقدر قليلاً الاشياء التي لدينا، وأن نتوق إلى الأشياء التي ليست في متناولنا، بيد أن ما يدعو إلى الإشفاق الكبير في عالم النور أن نلاحظ أن حاسة البصر تعد لدينا مجرد أداة زهيدة أكثر من كونها وسيلة تضفي على الحياة الكمال والجمال. فلو كنت رئيسة جامعة لفرضت مادة إجبارية جول موضوع: “كيف تستفيد من عيونك”، ويكون على معلم  هذه المادة أن يحاول إفهام طلبته الوسائل التي تمكنهم أن يضاعفوا المتع التي تزدان بها حياتهم عن طريق الرؤية الحقيقية للأشياء التي تمر أمامهم دون أن يعبروها أدنى اهتمام، نعم .. يكون عليه أن يحاول إيقاظ طاقة طلابه وبعثها من نومها وفتورها.

مفهوم الحركة والتطور المجتمعي عند الوردي

علي حسين الوردي ( ١٩٩٥-١٩١٣ م ) عالم اجتماع عراقي، أستاذ ومؤرخ عُرف باعتداله وموضوعيته وهو من رواد العلمانية في العراق. ولد في بغداد عام ١٩١٣ م، ترك مقاعد الدراسة في عام ١٩٢٤ م ليعمل صانعاً عند عطار ولكنه طرد من العمل لانه كان ينشغل بقراءة الكتب والمجلات ويترك الزبائن وبعد ذلك فتح دكان صغير يديره بنفسه.

حصل على البكالوريوس من الجامعة الأمريكية في بيروت، والماجستير والدكتوراه من جامعة تكساس في عام ١٩٥٠م. قال له رئيس الجامعة عند تقديم الشهادة له: “أيها الدكتور الوردي ستكون الأول في مستقبل علم الاجتماع“.

ألّف (الوردي) العديد من الكتب من أبرزها: (وعاظ السلاطين)، (مهزلة العقل البشري)، و(خوارق اللاشعور) والعديد من الكتب الأخرى.

نشر (الوردي) في كتابة (خوارق اللا شعور)، تحدث فيه عن الزمن ويقول:

الزمن في تغير وان ماصلح أمس قد لايصلح اليوم أو غداً وحين يصطدم بالتجربة المرة يرجع الى نفسه خابئاً فيأخذ بذم الناس وسب الزمان مع العلم ان لا دخل للناس أو الزمان في فشله وان فشله آت  من سوء تفكيره بالكون بينما الحياة في حركة متواصلة.

تحدث ايضاً عن مفهوم الحركة والتطور في كتابه (مهزلة العقل البشري) قائلاً:

إن من المفاهيم الجديدة التي يؤمن بها المنطق الحديث هو مفهوم الحركة والتطور .فكل شيء في هذا الكون يتطور من حال الى حال ولا رادَّ لتطوره.

ويكمل قائلاً:

إن المجتمع في تطور مستمر، فالعادة التي تصلح لزمان قد لاتصلح لزمان آخر.

واتبع في قوله عن مفهوم التطور:

ماحدث هنا يحدث هناك ، والتطور الاجتماعي يسير في كل بلد على منوال ماسار عليه في بلد آخر. تلك سنة الله ولن تجد لسنته تبديلا.

بيسوا يكتب عن حساسيته من الحياة

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا ( 1935- 1888) شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، لكنه أكثر شغفاً بكتابة النثر كونه يجسد شيء من الحرية المطلقة التي يبحث عنها الكاتب.

كتب (بيسوا) في مذكراته، والتي ترجمها الأستاذ (المهدي أخريف)، ونشرتها دار توبقال بعنوان (اليوميات)، نصًا في الحساسية من الحياة، يقول فيه:

كلما ازداد تعمقنا مع الحياة، في حساسيتنا الخاصة ازدادت، يا للمفارقة الساخرة! درجة معرفتنا. في سن العشرين كنت مؤمنا بقدري المشؤوم واليوم أنا على معرفة بقدري المبتذل؛ في سن العشرين كنت معجبًا وطامحا إلى مبادئ الشرق؛ واليوم ترضيني بلا تفاصيل ولا أسئلة نهاية هادئة لحياتي، بصفتي صاحب دكان تبغ.

الأسوأ في الحساسية هو تفكيرنا فيها، وليس بها. لمّا كنت على جهل بسخافتي استطعت الاستمتاع بأحلام رائعة. الآن بمعرفتي من أكون أنا تبقى لديّ الأحلام التي أقرر امتلاكها.

السخف هو الصدمة التي تعيد الذكاء إلينا. ثمة جزء مهم من الذكاء لا أعرف منه إلا الذكاء.

 

عن جواد الأسدي، ونساء في الحرب

فنان عراقي كاتب ومؤلف ومخرج مسرحي، ولد في مدينة كربلاء عام 1947م. وتخرّج من أكاديميّة الفنون الجميلة قسم المسرح ببغداد 1971، وعلى وصايا أمه “بأن يحمل بلاده كنخلة باسقة، إذا كانت لا تقوى على حمله”، اتجه إلى بلغاريا لينال الدكتوراه من معهد الفيتز ببلغاريا، ودَرَس في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، كذلك عمل مع المسرح الوطني الفلسطيني، أخرج مسرحية (العائلة توت) للهنغاري (شتيفان أوركيني). حازت المسرحية على جائزتين ذهبيتين في مهرجان قرطاج بتونس سنة 1983، كذلك حاز عام 2004 على جائزة الامير “كلاوس” للمسرح.

النظام العراقي السابق أعدم شقيقيه، أما هو فترك العراق وعاد بعد سقوط النظام عام ألفين وثلاثة، ثم اختار الرحيل مجددا، متجولا في المدن العربية والعالمية، مع مسرحه النقّال من بيروت إلى بغداد ودمشق ومراكش، وعن ذلك يقول:

الرحلة طويلة، والطموح كبير، صحيح أنني أستمر في المحاولة، لكنني أسّست في رحلتي المدينية مساراتي انطلاقاً من أن العراق المحمول في رحمي سيبقى كذلك الى الأبد، ودائماً أجد نفسي في مهب الاحتمالات الصافية، وأجد الذرائع المقنعة لهجرتي القسرية، بأنني مخلص للأمكنة التي يثمر فيها عملي بشراً وعروضاً ونصوصاً، وربما مسرّات، سأظل في مساحة مفتوحة، في مسافة تطل على مسافات لا تنتهي.

استطاعت تجربة (الاسدي) المسرحية ان تمثل الحنين والحب والغربة، واستطاعت القبض على الممكنات التي مازالت في حوزة انسان مطحون بالمعاناة، لانه على خشبة حياته وعلى خشبة موته يصرخ دائما: “المجد للحياة”.

صدرت له العديد من المؤلفات منها : (المسرح والفلسطيني الذي فينا)، (جماليات البروفة)، (مرايا مريم)، (العاشورائيون)، (الموت نصا)، (خشبة النص)، (آلام ناهدة الرماح)، (انسوا هاملت)، (المسرح جنتي)، و(نساء في الحرب) و (ليالي احمد بن ماجد).

وأخرج الكثير من الأعمال المسرحية، وأكثرها شهرةً: (رأس المملوك جابر) عن مسرحية لسعد الله ونوس، (تقاسيم على العنبر) المستوحاة من نصوص تشيخوف، و(حمام بغدادي) التي نالت شهرةً عالميّة. وفي بيروت أسّس مسرح (بابل) الذي حرّك وجه المدينة وجذب الجمهور الى خشبته

ومن أعماله الاخراجية الأخرى:  (ثورة الزنج)، (الحفارة)، (ماريا بنيدا)، (ليالي الحصاد)، (المجنزرة ماكبث)، (الاغتصاب)، (الخادمتان)، (انسوا هاملت)، (المصطبة)، (نساء الساكسوفون) و (نساء في الحرب).

يقول جواد الاسدي:

كأنما صورة المنفى والاقتلاعات المزمنة، صنعت عندي الانتماء الطهراني للمقدس، الذي سيج ارواحنا وسنواتنا التالية، دون ان ادري وبدون قصد مسبق، دخلت في ملكوت المسرح من باب المنفى الآخر، كي اظل امجد مرايا الحريق الابدية، في توحد صلواتي ومع طقوسية نيرانية، ربطت عنقي بعنق فلسطين، ارتديت جبتها ولهثت في مخيماتها، وكتبت أسمها على رأس القصيدة الساحرة، حاولت وبشغف ان اتقدم بحذر، بنيت نور الشخصية في الظل البعيد، صبرا على رأسي وشاتيلا في قلبي، الحريق مظلتي والمضي في سفينة الخراب قدري الصلب المعدني، منحت الممثلين أقصى ما لدي من حسرة ودمع، في البروفات وبعدها ثم قبلها كنا نغرف من يوم القيامة قواميسنا ومفرداتنا

دائما كان هناك ثمة قرين حقيقي تبتكره الطبيعة المتوحشة، كيما تزيد وحشتي، يومها وخلال ايام بروفاتي على مسرحية “ماريانا لوركا” ايضا، جنحت الى قراءة الهيجان، وهي رواية تسجل بشفافية ساحرة موت لوركا، على وقع بروفات ماريانا قرأت موت لوركا، ولعل اخطر ما في مسرحية “ماريا لوركا ” هو ان لوركا حقق فيها نبوءته عن طريقة موته، حقا لقد اطلق الرصاص على لوركا الكاتب الاسباني الرائع، بالضبط كما اطلق فونسيكا الشرطي الوغد الرصاص على ماريانا في نهاية المسرحية، انه شاعر رأى موته على الورق، شاعر منح بطلة مسرحيته دماءه الحية، حال انتهائي من قراءة الهيجان، اشهد اني اجهشت بالبكاء، البكاء الصراخ، البكاء الجنون.

سُئل في لقاء صحفي: “في كتابك (مرايا مريم) كيف تنظر الى الصلة الروحية بين القصيدة والمسرحية، وبخاصة انك تنطوي في الصميم على روح شاعر وهذا ينعكس على اختيارك للنصوص وللممثلين معا؟”، فأجاب:

كتاب النشر ستتصدره فاطمة أمي، وجدانياته ستكون حفلة المنافي، وقافلة الذكريات المتنكرة في ازياء الموتى، والمندثرين في قبة العباءات الكربلائية، حاولت ان اعطي لنفسي في هذا الكتاب فرصة التناوب بين البروفة وانعكاسها على ما بعدها، بعد البروفة دائما كنت احس باللوعة، لفقدان ناري لم تتسع له المساحة المسرحية، ولا الممثلين ولا صورة النص، لهذا فان جذور كتاب النثر أتت من أجل ديالوج المشقة، في انتظار المعشوقة الأم، أو الحبيبة المدينة، أو طوفان الرايات والنقر والنواح المبكر، انه مسرح من نوع آخر، يطلق نذوره ممثل صار القاسم المشترك الاعظم، لكل العروض المسرحية التي لم تتسع له، لهذا صار الكتاب ممثلي في الخلوة المنشودة التائهة، كل هذا الذي لا تتسع له سوى المرايا التي تجذبك دائما للبوح، والمجاهرة في خلوة فجر مدنسة، هناك تنبت مفردات النص هناك في جوف الاسطبل، على مقربة من الخيول الذبيحة المصلوبة علنا امام بكاء السائس، هناك في فترات صمت الممثل الذي اسس سلطته فوق الخشبة، مع حشود من جماهير مبهورة ينتابها نزوع نحو اللطم والتهشيم، كل هذا وسراه قدم له مسودة الكلام في البياض الملطخ بالوحل.

يقول الاسدي عن مؤلفاته ومسرحه:

عندما يستعصي على الفنان ملامسة فضائه الاصيل، أو عندما يتهدم في عقل الفنان وطنه وبيته وذكرياته، فإنه يجنح الى إعادة تأسيسها فضائيا، السينمائي يهرب شريطه النابض بتفاصيله الصغيرة والكبيرة، النحات والتشكيلي يبني فضاءه على اللوحة، الموسيقي في عزفه، والروائي في ملكوت بياض الورق يبني عشه، اما المسرحي فانه يظل يلهث، كي يبني بيت النص والعرض، المكان الضيق الواسع.

سُئل أيضا ذات مرة: “لو ننتقل قليلا الى خارج المسرح.. الى اطرافه او حوافه، فما هو “المنسي” او الغائب هناك في الحواف، اود لو تتذكر ذلك النسيان؟”، فأجاب:

الحريق هو المنسي الدائم الذي لا يتسلل الى خشبة المسرح، اقصد حريق البيوت المهجورة، والأمان الميت، حريق الحرية المصلوب في الساحات العامة، حريق الجسد الذي يقوده جلاده لحفلة الاعدام، حريق قلب الحبيبة التي تمشي على حافة الجنون، وهي ترى مقص الجلاد يقص شعر الحبيب الطويل، وهو يهيئه لهبوط المقصلة، حريق الشجر، حريق النهر، حريق الغبار، حريق الزنارين الانفرادية، لسجين يريد ابتكار لحظة الهروب نحو السماء، حريق الرغيف والعوز والمعدة اليابسة، حريق جولييت التي افتقدت روميو الروح، حريق كورديليا من اجل ابيها الحريق، حريق اطراف ثوب العروس، كل هذا وسواه منسي خارج الخشبة المسرحية، التي يزدهر على ناصيتها التثاؤب ثم النوم في تفاصيل النزف الكاذب.

كما أجاب على سؤال: “ماذا تمثل إليك ليلة العرض الأولى؟ اهي ليلة زفاف ام ليلة موت، أم هي شيء آخر؟” أجاب:

ينفرد المسرح بحقيقة الفقدان الذي يسدل الستار المعدني ليس على خشبة المسرح فقط، بل على فرح الممثلين في عيد التشخيص الحي، قبل فتح الستار يشكل لحظات اضطراب تخفق في الروح بين الشرايين، قبل الافتتاح الاول، ينتظر الممثلون والمخرج والعاملون في المسرح حصاد عرقهم وشقائهم وغرامهم المسرحي، ان ليل الافتتاح هي بحق أشبه بالزفاف الأول، أول مفاتحة ضوء، أول بزوغ للمعنى في الكلمة والاشارة، اول خفقة عزف ادائي سحري، اول مقاربة بين وجدان الممثل والمتفرج، في العرض الاول يختفي المخرج خلف جمر الكواليس المنتظرة، يطلق العنان لامتزاج دمائه بدعاء الايقاع للعرض المسرحي، خلف الكواليس يؤشر المخرج اشارته ويصدر اصواته ويصب لقناته، يركض المخرج على حافة الجنون خوفا على العرض، من هبوط مفاجىء أو نسيان مريع، اين يذهب الممثل الخلاق والمخرج الخلاق بعد نهاية العرض؟ لمن يسلم روح مسرحيته ؟ انه هجران من نوع خاص، اسميه احيانا الهجران المميت المضني، واحيانا الهجران الحي في رغبة ملحة للمعاودة مع الصباح الجديد.

عن مسرحية (نساء في الحرب)، يقول (جواد الأسدي) في المقدمة:

لا حدود لأركان النصوص في الشخصيات المقذوفة إلى امكنة مهددة، لأن النفوس في هذه المخلوقات هي نفوس مضطربة، ممسوسة، تطلب المزيد من الطيران في محرقة الهجرة الكبرى.

نص النساء في هذه حرب الهجرة هذه مهدد جسديا، ومكانيا وتأريخيا، لأنهن النساء هنا يبحثن عن نبعهن، وهوائهن الملطخ، من خلال سرد حكاياتهم في الشبق الملتهب للحكي، أو في تفجر القول المرتجل،  هذه الإشارة متروكة للاخراج، الذى يشتهي ردم الحدود والحفر، بعيدا في الماضي من النفس الأنيسة المحتدمة، المحروقة، على الأقل هكذا ارى المسافة بين المبني والمهدوم، المكسور والملحوم، والمرمي على الأرصفة، اقصد ارصفة الممثل في حساسية وعيه الجمالي، الحكي المتفجر، الباحث عن تعقيدات وتدفقات وتوقعات، تعيد لكثافة الدراما الدموية وجها آخر للإنهيارات غير المكتوبة، لأن مجمل العملية المسرحية هي بؤر لإشتباكات، وبحث عن فراديس كلام وامكنة لم تعد ممكنة.

تولدت فكرة نساء في الحرب هذه من تراكم الإحساس، بالفظائع والفضائح والجحيم الذى يتعرض له الإنسان العراقي، عبر بحثه عن مجهول مصيره، بفقدانه لجنة بلاده، في تنقيب مضني عن المكان الآمن، خصوصا بعدما ارتكب بحقهم جريمة  التبعيد والتهجير، منقذفين إلى تيه المطارات والبواخر المهربة والحدود الملغومة.

لقد كتب هذا النص الناقص، الذى لن يكتمل  إلا بطوفان من الروايات، التي تشكلت على مدار حياة اكثر من ثلاثة ملايين مهاجر عراقي، يتمزقون بين الأرصفة والشوارع والبيوت والأمكنة الملفقة.

لن يستطيع هذا النص إلا القبض على جزء، من تلك الجمرة المتفجرة، في آلام الناس البعيدين عن اوطانهم.

لقد كنت أصرخ بوجه أولئك المستسهلين بالأوطان الجديدة، ألا بديل للعراق، فالإنسان الذى يغادر بيته إلى بيت آخر، يظل في حالة من الإرتباك والظلم، لانه تواق ابدا إلى مكانه الأول، إلى رائحة اشيائه المؤنسنه، إلى مصدر ضوء قنديله في غرفته، إلى نار تنور جدته، هنا اتكلم عن العراقيين بوصفهم المرضى الأكثر ضراوة بأمكنتهم.

مر علي اكثر من ثلاثين سنة، وانا اجوب الطرقات والعواصم، التي ربما اثارت اشياء كثيرة ورائعة في حياتي، لكن الفداحة الأكبر أم يبقى باب وطنك مسدودا بوجهك.

أردت أن أوضح غصة وحسرة العراقيين على عراقهم، وأردت أن يكون هذا النص عراقيا، وأن تكون شخصياته وطبائعها، اضوائها ورائحتها، تماما عراقية.

 


من نصوص المسرحية

  1

ننقذف من جوف النوم إلى فجر مبكر!

من خشبة البيت إلى خشبات الشوارع!

منذ الطفولة ونحن نرسم سر الأرصفة على جباهنا!

ومنذ البدأ إلتهمتنا الطرق!

نحن في ذهابنا ومجيئنا في إلحاحنا على الإكتشاف

الريح تزداد، الموسيقى تعلو…

تحول الأرصفة إلى أمكنة

مرفوعة على تواريخ ويوميات، ومسرات

الأرصفة أوطان متباعدة

مدن محتشدة

بيوت ملتوية

بشر ضالون يحملون أوجاعهم واناشيدهم

ملذاتهم وعطشهم

نصوصهم المحرمة المنبوذة!

الأرصفة بيوت بلا جدران

غرف بلا سقوف

تشبه إلى حد بعيد شيخا، مدمنا على الندم!

لا نعرف إن كانت الأرصفة رحيمة أم أليفة

أهي أنيسة أم فقدت الإحساس بوجودها!

هل للرصيف قلب

الرصيف والغريب جملة  واحدة

في سطر مهموم

الرصيف ضوء الغريب

زهرة الغربة

الغريب زاد الرصيف!

ثمة ما نسمية وحل الأرصفة

جحيم الأرصفة، عويلها!

في الغرب، لم تمسني البيوت المطلة على الأرصفة

ولا المقاهي

ولا النساء اللواتي يجرجرن كلابهن بإحتفالية مبهرة!

لا احب أرصفة الغرب

لا ألتوي عليها

لا تلتويني.

أما رصيفي الأول

رغم كهولته، هزيمته، كسوره

فهو يحملني

يؤويني…

عندما يهجر الناس أرصفتهم

ويتركوها بلا إلتفاتات

ولا حسرات ولا دمع

عندما يغلق الناس بيوتهم في الليل ويطفئون المصابيح

عندما تزداد الحلكة والوحشة

يصير من الحكمة أن نطفئ لمبة العالم

ونخلد إلى النوم، كهروب مؤقت

وعربون لسفرة أكثر إيلاما!


2

ريحانة تبالغ بفرحها ترقص، وتصرخ تصعد على الطاولة، ترقص وتكسر القناني، ثم ترمي

الطاولة إلى الأرض!

ريحانة: انت إمرأة كريهة وعقلك عفن

مريم: شكرا (بنفاذ صبر)

ريحانة: أكرهك

مريم: (صمت)

ريحانة: لم يهمك ويقلقك سوى ألمك!، ولا ترين في العالم كله سوى أنانيتك!

نسهر عليك ونخاف ونتألم، ونشاركك أوجاعك، لكنك لم تسأليني يوما عن وجعي!

أليست الصلاة هي القدرة على حب الآخر!، كيف تصلين وانت حاقدة!

كيف؟!

هل سألتني يوماً كيف ولماذا جئت إلى هنا!

هل استفسرت يوما عن عائلتي!، فيما اذا كان عندي عائلة او زوج أو اولاد

هل تقصيت الأسباب التي دفعتني للخروج من بلدي!

ولماذا ذبحوا زوجي عز الدين مثلا، وقطعوه في الشارع إرباً إرباً

لا لشيء، فقط لأنه كان رجلا نزيها ووقف ضد الظلم!

كم كنت أتمنى لو سألتني يوماً لماذا يغرق شعبي في بركة دماء كبيرة

وكيف يولد القتلة

أو أية أمهات تلدهم!

اسأليني لماذا جئت إلى جرمانيا، لماذا اخترت هذا الفردوس المستعار

الممزق، الملوث، الكلاب المترفة، الحدائق الرتيبة، الغابات الميتة!

سأؤكد لك بأنني انوي الزواج من رجل جرماني، وانجب اولاداً جرمانيين

ثم أغسلهم من آثار اللغة العربية والعرب

واكسر أمامهم سيوف تاريخهم، واهزأ من فرسانهم

إنني أكرهكم، اكره صلاتك وصلواتكم، عقائدكم وعقائدهم!

لا أحب بلادي

ولا اغنيات بلادي

ولا شجر بلادي

ولا شوارع بلادي

ولا اي شيء في بلادي!

سأرمي بكل شيء إلى الجحيم، إلى المحرقة

ساحرق ذاكرتي كلها!


3

 مريم:  (تصرخ بجنون)

ماذا سأقول؟

بوجه من ينبغي أن ابصق، وأغرز أظفاري!

لو رأيت الدفن الجماعي، والرجال المتفحمين

لإنفجر رأسك سخطاً وغضباً

أريقت دماء أهلنا ببربرية غير مسبوقة

ذبحوهم ثم تركوهم ينزفون

دون أن يستطيع أحد إسعافهم!

هل رأيت بعمرك شعبا مثل شعبي، يتحول ذبحهم إلى فرجة!