مفهوم الاستقلالية الفلسفي عند المفكر طه عبدالرحمن

مثلما أن الفلسفة بدأت بالدهشة وبطرح السؤال فكذلك مشروع (طه عبد الرحمن) الداعي إلى الاستقلال والإبداع الفلسفيين للأمة العربية والاسلامية بدأ بسؤال هو الآخر، سؤال طرحه (طه) بعد هزيمة الجيوش العربية 1967 بالشكل التالي: “أي عقل هذا الذي هزمنا ونحن أمة كثيرة بعددها، راسخة في تاريخها؟”[1] مما جعله يترك إلهامه الشعري نحو رسالته التي سيمضي مشواره الأكاديمي الزاخر في تأسيس مبادئها وأسسها ليتبعه جيل من الأكاديميين والمفكرين كتلاميذ وكمكملين لمنهجه المعرفي.

بالنسبة لـ(طه عبد الرحمن) فإن العقل الذي هزم المسلمين لم يكن عقلاً جباراً ولم يكن يحمل في آلياته المعرفية والمنطقية ما يؤهله للانتصار، بل بالعكس فقد كان عقلاً محدوداً وتلك المحدودية ناتجة من كون المنطقيات والعقليات نفسها التي تسيّر نمط تفكيره، والتي تخصص فيها (طه عبد الرحمن) دراسة وتدريساً، محدودة هي الأخرى، وكان بإمكان الأمة الاسلامية أن تقدّم عقلاً أوسع وأكثر انفتاحاً من العقل الذي هزمها لكنها لم تتحمل مسؤوليتها التاريخية والدينية.

فقد ظلت طيلة تاريخها منبهرة بهذا النظام المسمى فلسفة، لذا لم تستطع أن تقدّم فيه إلا تقليداً وتبعيةً سواء قديماً أو حديثاً، وإن كان المتقدمون يُعذرون في كون الفلسفة قد أتتهم على شكل علوم وفكر، وإن كانوا أبدعوا وطوّروا في الأول واكتفوا بالتقليد في الثاني، إلا أن المتأخرين لا يوجد لديهم عذر في الاستمرار بالتقليد والتبعية للغرب، فهذا الانبهار لم يمكنهم من الإبداع فيه بل يكاد يكون قاتلاً للإبداع الفلسفي وآن أوان إحيائه. ولا خيار أمام العرب الآن إلا أن يبدعوا فلسفة خاصة بهم تطرح أسئلتهم الخاصة، وتجيب أجوبتهم الخاصة، لذا فإن ردأ آفتيْ التقليد والتبعية والدعوة إلى الاستقلال والإبداع هما همّ المشروع الطهائي في كل كتبه ودراساته وأهمها مشروعه التأسيسي العظيم: فقه الفلسفة الذي صدر منه حتى الآن جزآن وبقيت منه ثلاثة أخرى.

ويقوم مشروع فقه الفلسفة على مجموعة أفكار أهمها محاولة اكساب العرب القدرة على الإنتاج الفلسفي والمستقل من خلال تجاوز الجمود الذي أصاب النصوص الفلسفية العربية المنقولة والمقلّدة، والتعامل مع القول الفلسفي على أنه قول خطابي موضوعي محكوم بواسطة قوانين معروفة، مثله مثل أي ظاهرة لغوية أخرى وبالتالي فإن المعاملة هنا تتخذ صيغة علمية صريحة، والصيغة العلمية تستدعي وجود علم خاص بالكشف على العلل المختلفة التي أدت إلى ظهور هذه الأغراض الفلسفية أو بتعبير أدق المقاصد الفلسفية، ففقه الفلسفة هو علم يعتمد موضوعه على أدوات وآليات إنتاج الفلسفة قولاً وفعلاً، ومنهجه يعتمد على مناهج ودراسات علوم الآلة من بلاغة ومنطق وحجاج وغيرها.. بالاضافة إلى فقه الفلسفة فإن المشروع الطهوي يرتكز على عدة مقوّمات أخرى منها منهجه التكاملي في الدراسات التراثية ودعوته للإبداع الفلسفي انطلاقاً من المجال التداولي العربي والاسلامي. ولعل كتاباه المعنوان بالحق العربي في الاختلاف الفلسفي[2] والحق الاسلامي في الاختلاف الفكري[2] من أهم ما كتب في مشواره بسبيل خلق فلسفة عربية مبدعة لا مقلّدة ولا تابعة.


الحق العربي في الاختلاف الفلسفي

لكي تستقل أمّة بإجابتها الخاصة ينبغي أن تستقل وتبدع في سؤالها الخاص، فقد كان السؤال اليوناني القديم  سؤالاُ فاحصاُ والسؤال الأوربي الحديث سؤالاً نقدياً وقد آن أوان تجاوز هذين الشكلين بشكل أحدث والذي سمّاه طه عبد الرحمن بـ“السؤال المسؤول” أي “سؤال يسأل عن وضعه كسؤال بقدر ما يسأل عن موضوعه”[2] فالفيلسوف يسأل لأنه مسؤول عن كل أشكال أفعاله ومسؤول عن سؤاله نفسه فالمسؤولية هي التي تجعل من الواجب عليه أن يسأل عن ما يحيط به في الحياة والوجود من مخاطر تحدق به وبأمته، فهو بحسب (طه) يَسأل لأنه يُسأل، وبالتالي فينبغي أن يكون الأصل في الفلسفة هو المسؤولية لا السؤال بذاته، فالأولى تعطيه بعداً أخلاقياً ضرورياً فبنالسبة لطه فلا وجود لتفلسف بدون تخلّق، وتلك من أهم مسلمات مشروعه الفكري.

وما دامت الفلسفة أخلاقاً فلا ينبغي للفيلسوف العربي أن يجيب على كل سؤال يُطرح ولا أن يسأل أي سؤال من أجل التقليد فقط، بل إنه لا يجب عليه أن يسأل إلا السؤال الذي يلزمه وضعه ويلزمه الجواب عنه انطلاقاً من مجاله الثقافي والقومي، من هنا فإن من حق كل قوم أن يتفلسفوا انطلاقا من حاجياتهم ومقتضياتهم الثقافية الخاصة مع الاعتراف لغيرهم بممارسة نفس الحق مما يخلق تنوعاً فلسفياً لا تقليد ولا اتباع فيه لنمط واحد مهيمن، وكل ثقافة تدعو لنمط واحد مهيمن ماهي إلا ثقافة مستبدة أشبه هي بالعقيدة المتسلطة منها بفلسفة حرة، فلا وجود لمطلق في الفلسفة، حتى ولو كان العقل نفسه، فحق الاختلاف الثقافي والاختلاف الفلسفي ينبغي أن يتم الاقرار به لكل الأمم لا ينبغي أن تستأذن فيه أمة أمة أخرى.


دعاوى منع التفلسف

والعرب كأي أمة أخرى لا بد لها أن تسلك طريقها في طلب الاختلاف الفلسفي وأن يكونوا أحراراً في فلسفتهم، فلسفة مختلفة عن الفلسفات المطروحة والمفروضة عليهم، لذا وجب عليهم أن يقاوموا جميع الدعاوي التي تمنعهم من ممارسة حريتهم الفلسفية والطريق في ذلك يبدأ في النظر في تلك الدعاوي ولعل أولها هو القول بكونية الفلسفة وأنها معرفة عقلية تشمل الجميع بأسئلتها وأجوبتها، أفراداً كانوا أو أقواماً.

نقض القول بكونية الفلسفة: يحتمل مفهوم الكونية مدلولان عَبَرَا تاريخ الفلسفة بالتتابع فأولهما هو مدلول “الكلية” وقد ساد خلال الطور الإغريقي ويقول بأن قضايا الفلسفة تصدق على جميع البشر من حيث هي كائنات عاقلة، أي أن الكونية هنا تتخذ صبغة أنطولوجية أو بالتعبير الطهائي ذات صبغة “كيانية”، أما المدلول الثاني الذي ساد في الطور الأوربي الحديث فهو القول بـ“العالمية” أي أن القضايا الفلسفية تعم جميع أقطار الأرض القائمة. ويردّ طه عبد الرحمن على هذه الدعاوي بجملة اعتراضات أهمها ارتباط الفلسفة بالسياق التاريخي الاجتماعي الخاص بأمة ما فلا وجود لفلسفة بدون هذا  السياق الخاص، كما أن أي فلسفة هي مرتبطة بالسياق اللغوي، فبقدر تعدد اللغات كان هناك تعدد في الفلسفات كما أن الاختلاف الأدبي ينتج عنه اختلاف في قضايا الفلسفة فلكل لغة أشكال صرفية ومعاني لغوية وبلاغية لا تتطابق مع بقية لغات العالم وبالتالي فإن المقتضيات البنيوية والدلالية والبيانية ستختلف من فلسفة لأخرى، ثم إن هناك الاختلاف الفكري بين الفلاسفة أنفسهم وأنساقهم الفلسفية وأخيراً التصنيف القومي للفلسفة، فلا يكاد يخلو كتاب يصنف في تاريخ الفلسفة من تصانيف الفلسفات بحسب قوميتها، كالفلسفة الألمانية والفلسفة الانجليزية والفلسفة الفرنسية وغيرها.

فلا وجود إذن لما يقال أنه فلسفة كونية كليانية، فهذا القول باطل على حسب تعبير (طه)، وإذا انتفت صفة الكونية وجبت صفة الجزئية والقومية، فالفلسفة اليونانية كانت فلسفة قومية كما هو تاريخهم وأدبهم وأساطيرهم، وما منع المتقدمين من العرب من التفطن إلى هذه الخاصية هو كونها وصلتهم بسياق علمي مندمج مع كل المعارف من رياضيات وفلك ومنطق وطب وسياسة وغيرها، فما انطبق على هذه العلوم انطبق على الفلسفة نفسها بما هي تفكير نظري.

أما المحدثين من العرب فقد انبهروا بالدعوة الغربية إلى القول بالكونية السياسية للفلسفة وذلك منذ عصر التنوير بمفاهيمه الكبرى العالمية التي لا يرقى إلى كونيتها شك وقد ردّ (طه عبد الرحمن) على هذه الدعوى برد الفلسفة الحديثة إلى أوروبا ثم رد هذه الأخيرة إلى الفلسفة الألمانية ثم القول بأن هذه الأخيرة تم تهويدها من طرف الثقافة اليهودية منذ القرن الثامن عشر وتأثر كبار فلاسفة الألمان بفلاسفة اليهود كما كانوا يقتبسون بعضاً من مفاهيمهم المحورية من التوراة مباشرة وقد تم تسييس هذه الفلسفة اليهودية بما يخدم انتشار فكرة القومية اليهودية وشيئاً فشيئاً بدأ يتشكل فضاء فلسفي يهودي عالمي، يندمج فيه الجميع بما فيه غير اليهودي عن قصد أو عن غير قصد فبدلاً من تهويد الفلسفة الألمانية وحدها تم تهويد الفلسفة بشكل عام.

ولم ينج العرب من الدخول في هذه الدائرة فقد ظلوا يدورون فيها مناقشين نفس مسلماتها ونظرياتها فأصبح يتفلسف بما يخدم عدوه وهو لا يدري بذلك، وأصبح بالتالي يمارس التطبيع عن غير قصد أو وعي، بل أصبح يمارس هذا التطبيع من حيث يريد أن يقاومه، فبدلاً من التيه في الأرض الذي عوقب به اليهود، دخلنا نحن في تيه فكري وفلسفي بحسب طه عبد الرحمن. فلا بد إذن من نهضة فكرية وفلسفية تتيح للعرب وسائل مقاومة تغلغل هذا الفضاء الفلسفي المتهوّد المفروض بواسطة القوة المادية والهيمنة السياسية ويقترح (طه عبد الرحمن) مفهوماً جديداً لمواجهة هذا الفضاء وهو مفهوم: “القومية اليقظة” فهو مفهوم حركي لا متناهي يفرض نفسه بفضل القوة المعنوية والهمة الإنسانية عكس الأول، ويتميز بمجموعة خواص مشتقة منه مثل القيام المنسوب للجماعة التي تتحرك وتعمل لكي ينشأ بين أفراد الجماعة روابط راسخة تحفظ كيان الجماعة والقيام قيام جهادي يقوم في دفع التهديدات وقيام اجتهادي يقوم في جلب ما ينفع القوم، كما يتميز المفهوم بدلالات أخرى هي القوام والقومة التي يستعملها (طه عبد الرحمن) في مكان مفهوم الثورة؛ فالأخيرة لا تحصل إلا في المجال المادي، والقومة لا بد أن تنطلق من مبدأ أو من مسلمة جوهرية وهي أن الخطاب الفلسفي لا بد له أن يكون كلاماً تحته عمل موجّه أو بالتعبير الطهائي “كلاما ذا قيام” وذلك يستدعي وضع خطط واستراتيجيات تكون مناسبة لمواجهة التهويد اليهودي للفلسفة.

أولى تلك الخطط هي خطة المقاومة وتقوم على مبدأ الإعتراض على أي مفهوم منقول من الفضاء الفلسفي العالمي لم يقم أي دليل على صحته أو فائدته للمجال التداولي للفيلسوف العربي، فالمقاومة هنا هي مقاومة مفاهيم، ثم هناك خطة التقويم وتلك تعتمد على معنيين في قومتها وهما إزالة الإعوجاج والتزوّد بالقيّم وتقوم على مبدأ أن تتمتع المفاهيم الفلسفية بأكبر قدر ممكن من الحركية داخل مجال التداول الخاص بالعرب عن طريق وصلها بقيمه العملية، ثم أخيراً خطة الإقامة التي تدعو إلى عدم الاكتفاء بالنقد للمفاهيم الفلسفية وللأسئلة والقضايا المطروحة في الفضاء الفلسفي العالمي المتهوّد بل تسعى إلى إقامة فضاء فلسفي عربي على مبدأ أن نرتقي بالمعاني الطبيعية التي تدور في المجال التداولي العربي إلى رتبة المفاهيم الصناعية، مع الاستدلال عليها وبها لكي تصبح معاني ذات أساس إبداعي فتصبح الأمة قادرة على دخول المعركة الإصطلاحية لتوضيح ماهو متهوّد وما ليس كذلك، فقوة الاصطلاح لم تعد تقل ضرورة عن قوة السلاح، وخلق فضاء فلسفي عربي بخصوصية قومية هو الأولوية الآن.

“ونحن العرب نريد أن نكون أحراراً في فلسفتنا، وليس من سبيل إلى هذه الحرية إلا بأن نجتهد في إنشاء فلسفة خاصة بنا تختلف عن فلسفة أولئك الذين يسعون بشتى الدعاوى إلى أن يحولوا بيننا وبين ممارستنا لحريتنا الفكرية”[2].

ولدرء شبهة تعارض اعتبار العنصر القومي مع اعتبار العنصر الإسلامي يقدّم طه عبد الرحمن عدة أدلة تثبت فساد هذه الشبهة، فبحسبه فالقومية التي تم بناء هذا الفضاء الفلسفي فيها يؤيدها نص التنزيل فلا وحي بغير لسان، ولا رسالة إلا في قوم، وقوم خاتم الأنبياء هم العرب، ولسان هؤلاء هو العربية كما هو لسان الإسلام، فالإسلام لم يكن يوماً معارضاً للقومية بقدر ماهو معارض للقومانية، تلك التي تدعو إلى الجمود على مقومات عربية مخصوصة.


الحق الإسلامي في الإختلاف الفكري

بعد أن بحث (طه عبد الرحمن) عن الحق العربي في الاختلاف الفلسفي، وعن خصوصية السؤال العربي عن بقية الأسئلة في أطوار الفلسفة المختلفة، وأوضح أن الحق في الاختلاف يستدعي الحق في الاستقلال في النظرة إلى الأشياء وفي خصوصية استشكال القضايا وبالتالي يتطلب تحرراً فكرياً وتاريخياً، يأتي إلى الحق الاسلامي في تقديم الأجوبة عن أسئلة زمانه، فلكل زمان أسئلته الخاصة وواجب كل أمة أن تقدّم أجوبتها الخاصة عن تلك الأسئلة، أجوبة تتسم بالاستقلالية، والأمة المسلمة بصفتها أمة حاملة لرسالة خالدة وخاتمة لما سبقها وناسخة له، وإن كان الحال الآن لا يشي بذلك لما فيه الأمة من ضعف ووهن وعجز عن أداء الرسالة المنوطة بها ولما تتعرض له من سلب في خيراتها المادية ومن محوٍ لقيّمها الروحية من طرف أولئك الذين يعتبرون أنفسهم أوصياء على الحقوق والحريات في العالم. لكن يبقى للأمة الإسلامية جوابها الخاص عن أسئلة زمانها فالفكر الطهائي ينظر إلى الأمة الإسلامية على أنها “مجموعة قيّم تسعى إلى أن تساهم في الأحداث المشهودة” وليس بالضرورة إلى أنها واقع متحقّق. ولأن الأسئلة التي تقتضي وجود جواب إسلامي أكثر من أن تحصى فإن طه استغنى عن تعداد تفاصيل هذا الجواب وبدلاً من ذلك ركّز على إبراز “الروح الخاصة التي تميّز الجواب الإسلامي والتي تؤمن للأمة المسلمة حق الاختلاف في فكرها عن الأمم الأخرى ولو كانت أشدّ منها بأساً، كما تدفع عنها ذرائع الذين يرومون حرمانها من هذا الحق ولو كانوا من بني جلدتها؛ ففي هذه الروح غناء عن هذه التفاصيل”[1]. وقد استخلص طه عبد الرحمن من هذه الروح الخاصة التي تميّز الجواب الإسلامي مبدأين أساسيين:

  • الأول هو “مبدأ إختلاف الآيات”، وهو مبدأ مبنيٌ على اختلاف الآيات الكونية، وهنا يقيم طه عبد الرحمن تفريقاً جذرياً بين مفهوم الآية ومفهوم الظاهرة، فالأخيرة هي كل ما يظهر للعيان محدداً بزمان ومكان، أما الآية ف”هي الظاهرة منظوراً إليها من جهة المعنى الذي يزدوج بأوصافها الخارجية دالاً على الحكمة من وجودها”[2] فعالم المعاني هو مملكة الآيات  وعلى من يطلب تلك القيّم أن يعمل بمقتضاها. ونظرة المسلم إلى الأشياء في الأصل أنها نظرة تأمل في الآيات، أو بالتعبير الطهائي “نظرة ملكوتية” ولا يمكن أن تتحول إلى ملاحظة للظواهر أو بالتعبير الطهائي “نظرة مُلكية” إلا إذا قام دليل كالبحث عن قوانين الظاهرة السببية، فالنظر الأول هو بالنسبة لطه نظر أصلي يوصل الانسان إلى الإيمان أما النظر الثاني فهو نظر فرعي يوصله إلى العلم، والفرق بين المسلم وبين الآخر (الغربي خصوصاً) هو أن المسلم يؤسس نظره الأصلي على نظره الفرعي فيكسب الدارين، بينما فضّل الغرب وحداثته الإكتفاء بالنظر الفرعي وأصبح نظرهم متناهياً، لذا لا جدال أن النظر الإسلامي هو الأحق بالشرعية لأنه نظر لا متناهي ومتصل بالزمان المطلق.
  • ثم هناك المبدأ الثاني وهو “اختلاف الناس أنفسهم” وهذا مبنيٌ أساساً على اختلاف الأمم المثبت في محكم التنزيل، ويفرّق طه بين مفهوم الأمة ومفهوم المجتمع، فالمجتمع لا يربط بين أفراده سوى ما يجعلهم يتعاونون في سدّ الحاجيات وأداء الخدمات، وهذا ما أطلق عليه طه “العمل التعاوني” وهو ما دعى إليه القرآن لحفظ المجتمع، فالعمل التعاوني ضروري لحفظ هذه الروابط والعلاقات الاجتماعية المادية، أما الأمّة فهي المجتمع بعد أن يحمل قيّماً يكون مطالباً بايصالها للأمم والمجتمعات الأخرى في سبيل الرقي بالإنسان، فالعمل هنا أخلاقيّ لا ماديّ ولا أخلاق وقيّم أدعى للتبليغ من “قيم الخير” وهيّ قيّم تأمر بإتيان المعروف وترك المنكر، حيث يتعامل جميع أفراد الأمة الواحدة إلى التبليغ عن هذه القيّم من خلال التعامل مع الأشخاص المختلفين ومع أفراد الأمم الأخرى في سبيل هذا “العمل التعارفي” بالتعبير الطهائي، والأخير أسمى من “العمل التعاوني”.

من هنا يبني (طه عبد الرحمن) إذن أحقية الاختلاف الفكري ومشروعية الجواب الإسلامي من اختلاف النظر الملكي عن النظر غير الملكي واختلاف العمل التعارفي عن العمل التعاوني غير الإسلامي، وهذه النظرة وهذا التعامل لا يكتملان بالنسبة لطه إلا إذا استوفيا شرطين مهمين؛ وهما شرط ثبوت حصول الفائدة في الارتقاء بالإنسان في مراتب الكمال العقلي ثم شرط ثبوت حصول الفائدة في الإرتقاء بالإنسان في مراتب الكمال السلوكي، والعلاقة علاقة تأسيس فالنظر الملكي ينبغي أن يتأسس على النظر الملكوتي فالأخير هو وحده القادر على حسم كل نظر ملكي مثبتاً له حصول الفائدة من عدمها، ثم إن العمل التعاوني يتأسس على العمل التعارفي على نفس القاعدة في حصول الفائدة، والأمر هنا يتعلق بقاعدة أخلاقية لا تنكرها الفطرة الانسانية.

 إن روح الجواب الإسلامي عن أسئلة هذا الزمان تظهر في حقيقتين اثنتين أولاهما الإيمان الذي يتم التوصل إليه بالنظر في مختلف الآيات أو النظر الملكوتي ثم وجود التخلّق الذي يتم التوصل إليه عن طريق التعامل مع مختلف الأمم والأشخاص أو كما سماه طه بالعمل التعارفي. فما يميّز الجواب الإسلامي إذن باختلافه الفكري هو “النقد الإيماني” ثم “التخلق التعارفي” وهما يتجاوزان النظرة المادية والتعاونية التي اتسمت بهما الكونية الجديدة. وهاتان الحقيقتان تحدّدان للجواب الإسلامي عدة خصائص أهمّها أنه جواب اختلافي واختلافيته ذات طابعين؛ إيماني وأخلاقي، ثم إن إيمانية الجواب الإسلامي تعتبر أشمل إيمانية لأنها تنطلق من الدين الخاتم الذي جمع ما في بقية الأديان من أسرار الإيمان وزاد عليها، وأخلاقيته أكمل أخلاقية انطلاقا من كون خاتم النبيين ما بعث إلا ليتتم مكارم الأخلاق.


مشروع الإستقلال الفكري مستمر..

إن الفلسفة الحق التي يدعو إليها الفكر الطهائي هي التي يرتبط فيها النظر بالعمل أو التي يرتبط فيها العقل بالأخلاق، والنقد الأخلاقي والإيماني هو صلب هذا الفكر، فالخصوصية الإسلامية خصوصية إيمانية وأخلاقية بالدرجة الأولى  لكنها تنبني على نظر كوني وتقوم على الحوارية والتعارف في مقابل للخصوصية الغربية التي تقوم على الإرغام وفقدان المضمون الأخلاقي، وقد اتخذ النقد الأخلاقي والإيماني في مجمل أعمال طه عبد الرحمن عدة أشكال، ففي نقد الحداثة كتب طه كتابين تأسيسيين هما سؤال الأخلاق وروح الحداثة وقدّم تصوّراً اختلافياً يفضي إلى تعدديّة متجاوزاً احتكارية النموذج الغربي الأحادي لها، فالحداثة برأيه دخلت مأزقاً ناتجاً عن إفلاسها القيمي ينبغي إنقاذها منه وهذا الحل ينبغي أن يميّز بين روح الحداثة وتطبيقاتها، فروحها هي مجموعة من المبادئ والقيّم والتي من الممكن أن تشترك فيها عدة مجالات تداولية مختلفة، أما تطبيقاتها فهي تحقيقات هذه المبادئ وتلك تختلف من مجال تداولي لآخر، فروح الحداثة تتميّز بمبادئ ثلاثة: مبدأ الرشد أي الخروج من تبعية الغير ومبدأ النقد ومبدأ الشمول فهذه المبادئ وإن كانت عامة ولها روح واحدة إلا أن تجلياتها خاصة ومتعددة.

أما الأشكال الأخرى لهذا النقد فقد تركّزت على نقد العولمة بصفتها ضرباً من العنف الخفي والجلي تحاول تحويل العالم إلى متجر واحد ثم تحويل البشرية إلى مجموعة مستهلكين، ثم يأتي نقد العلمانية وقد شغلت أساساً كتبه روح الدين، وبؤس الدهرانية، وشرود مابعد الدهرانية ، فالعلمانية بما هي فصل للدين عن السياسة تقع في ثلاثة محاذير: أولها ضيق الأفق، فهي تحصر الوجود الانساني في ما نراه من عوالم بينما الوجود أكثر اتساعاً مما نراه بحسب طه عبد الرحمن، بل أكثر فما لا نراه أكثر مما نراه، ثم هناك محذور المنطق المتناقض الذي تقع عليه، فبالنسبة لطه فكل منهج أو نظام مهما كان هو دين، فالدعوة إلى الخروج عن الدين هي دعوة إلى دين آخر وهذا تناقض بيّن، ثم المحذور الثالث وهو التأله، ففي طريق نزعها للسيّادة من الإله خلقت إلهاً جديداً هو الفرد نفسه. ثم يأتي الشكل الآخر للنقد الطهائي في نقد “الدهرانية” وقد وضع طه هذه الكلمة لتعني الدعوة التي تطالب بفصل الأخلاق عن الدين واهتم كتابه “بؤس الدهرانية” بهذا النقد مبيّنا فساد تصوراته عن علاقة الإنسان بالإله وعن بطلان دعوته لفصل الأخلاق عن الدين حتى لكأن الأولى دين مستقل وهو فصلٌ يؤدي إلى إلغاء الأخلاق نفسها، فأي دعوة للفصل هي دعوة إلى خلق أخلاق جامدة وفانية بلا روح.

تخليق الحداثة في المشروع الطهائي ماهو إلا دعوة صريحة لإقامة فلسفة إسلامية عربية تتخطى فرض تطبيقات الحداثة وأوهام العولمة وتبتعد عن التبعية والتقليد للفكر الغربي وذلك يستدعي رجوعاً للترّاث لا بصفته نصّا مفصولاً عن الهوية ولا مجرّد مدوّنة معرفية متاحة للقراءة والتأويل، بل التراث بصفته مضامين وآليات تسمح بخلق فيلسوف مرتبط بمجاله التداولي، فيلسوف قادر على تجديد الدين بنظرة تكاملية للتراث ونظرة غير تقديسية لتراث الآخر الفلسفي، فيلسوف قادر على تجاوز المبادئ التي قامت عليها روح الحداثة بحيث يكون قادراً على إكمالها وإتمامها ونقلها إلى مستوى أشمل وأكثر تخلقاً وأكثر ارتباطاً بدينه، وكل ذلك لا يمكن أن يتم بغير الانعطافة اللغوية واعتبار اللغة لا مجرد وسيلة تواصل بل آلية قادرة على أن تصل الفيلسوف بكينونته، وما تحمله من إمكانيات قادرٌ على أن يصل بالفيلسوف إلى أسباب النهوض. 


المصادر:

[1]  طه عبد الرحمن، الحوار أُفُقاً للفكر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الثانية، 2014.

[2]  طه عبد الرحمن، الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية، 2009.

الرومانتيكية كإرادة إنقاذ للإنسانية.. قراءة في كتاب جذور الرومانتيكية لايزايا برلين

يعتبر كتاب (إيزايا برلين) (جذور الرومانتيكية) أحد أهم الكتب التي تقدم “الرومانتيكية” ليس فقط كمذهب مقابل للكلاسيكية، بل كمذهب غيّر مفاهيم وأسّس لأخرى جديدة ستطغى على حياة الفكر الغربي وعلى وعيه منذ ما بعد عصر التنوير وحتى أيامنا هذه.

لم يأت الكتاب مباشرة من قلم المؤلف إلى المطبعة بل قام المحرر (هنري هاردي) بنسخٍ للمحاضرات التي كان ايزايا برلين قد ألقاها في متحف واشنطن للفنون، فالأخير كان بنيته كتابة كتاب آخر قد يكون مختلفاً ولكن لم يتمكن من ذلك. والكتاب بطبيعة الحال ليس خارج اهتمامات برلين المعرفية الأساسية، فالمفكر البريطاني ذي الأصول الروسية معروف كمنظر سياسي ومدافع عن الليبرالية والتعددية ومهاجم للأنظمة الاستبدادية وللتعصب الفكري، كما أن لديه كتاباً آخر عن الفكر السياسي الرومانتيكي، وكل هذا قاده لأن تكون موضوعة الرومانتيكية هي القلعة المناسبة لافناء العمر في دراستها، فقد كانت تمرداً على عصر التنوير بحسبه، تلك القيم الجامدة والدائرة حول القيم الأحادية للعقل والتقدم والصرامة العلمية والمنهجية الدقيقة، لكن ما يحتاجه العالم هو التعدد والاعتراف بالآخر المختلف مهما كانت طبيعته الفكرية وخلفيته الثقافية.


هرباً من التعريف

يقول (نيتشه) أنه “لا يمكن أن نضع تعريفًا إلا للأشياء التي ليس لها تاريخ” وبكل تأكيد فتاريخ الرومانتيكية طويل ومتجذر في تاريخ الحضارة الغربية، الحديث منه على الأخص، لهذا وفي الفصل الأول المعنون كسعي وراء التعريف يحذّرنا (برلين) أنه لن يدخل في شرك تعريف الرومانتيكية أو تقديم تعميمات لكي يصبح الموضوع مفهومًا لدى القارئ، فهو يتفق مع البروفسور (نورثروب فراي) أنه كلما قلنا أننا تمكنا من وضع تعريف جامع مانع يحدّ المصطلح إذا به ينفلت منا لجهة أخرى أو لزمان آخر قبلي عن حدود التعريف وزمانه، فقد انشغل من كتب عن الرومانتيكية بهرم مقلوب وأضاعو فيه إحساسهم بالاتجاه بحسب وصف برلين، فالموضوع “يشبه ذلك الكهف الذي وصفه فيرجيل حيث تقود جميع الخطا في الاتجاه نفسه. أو كهف بوليفموس من يدخله لا يبدو قادراً على الخروج مرة أخرى”. لذا وجب اتخاذ الحذر الشديد للدخول في أي محاولة للتعريف، ويظل البديل عند (برلين) هو تقديم تصور خاص به عن الرومانتيكية. والحذر والوجل الذي ينبغي اتخاذه هو نتيجة كون الرومانتيكية أحدث الحركات الكبرى التي أثرت وحولت الفكر الغربي، بل هي “التحول الأعظم والفريد الذي حدث في وعي الغرب”، وكل ما حدث في القرنين اللاحقين على القرن الثامن عشر هو بتأثيراتها وأقل أهمية من ظهور الحركة نفسه.


الرومانتيكية نموذج جديد؟

كل حضارة، بل كل فكر يخضع لنماذج مُهيمنة تسيطر عليه وتحدد معالم وجوده ومعالم اختلافه، هذه البراديغمات أو النماذج تُوجّه الكتابات وكل المنتجات الثقافية نحو نمط محدد تخضع له تلك الثقافة سواء كان ذلك المنتج فكرًا أو وعيًا أو أخلاقًا أو سياسة أو غيره، ولكي تدرس أي ثقافة ينبغي أن تتم الإحاطة بالنماذج الخاضعة لها، وهذه النماذج ليست تراكمية، فالتاريخ ليس خطًا متصلا مؤلفًا من نموذج واحد لا انقطاع فيه، وإن كان وجود نموذج عن رؤية كاملة وشاملة متسمة بالمعرفة المطلقة منضبطة بصرامة ساد الفكر الغربي من (أفلاطون) وحتى عصر النهضة إلا أنه لم يكتب له الاستمرار بعد ذلك، وبداية التغيير أو الثورة يكون بحصول تغيير في النظرة إلى العالم ويكون ذلك بتحرير الناس من وهم النموذج السابق وخطأه، لكن النموذج الجديد يبدأ في استعباد الناس أنفسهم بسبب فشله في شرح مجمل الخبرة البشرية، إنها “تبدأ بكونها محرّرة وتنتهي بنوع من الطغيان”. ولكن هل الرومانتيكية نموذج جديد؟.

لعل تلك الطفرات التي تحدث في تاريخ الفكر الانساني تكون علامات واضحة لبدايات نماذج، وازدهار موضوع معين في فترة زمنية محددة يكون آية جلية لميلاد نموذج ونهاية آخر، والعلامة الثانية هي انسحاب تأثيرات ذلك الموضوع على بقية مواضيع الفكر الانساني مثل ما حدث للـ(سوسيولوجيا) والـ(بيولوجيا) في القرن التاسع عشر ومثل طغيان نموذج الـ(سيكولوجيا) على المجالات الفكرية والثقافية الأخرى في القرن العشرين. ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار التحولات الهائلة والجذرية التي عرفتها أوربا مع ظهور الحركة الرومانتيكية نموذجا تنطبق عليه القواعد فلم يعد أي شيء كما كان قبلها.

ولكي نحدد هذه التأثيرات بدقة فإن السؤال عن ماهي أو متى ظهرت الرومانتيكية لن يكون مناسباً، فماهية الرومانتيكية صعبة التحديد وفي النهاية فكل مفهوم معزول هو لا شيء وهو حكم قيمي أكثر مما هو تعريف بحسب هنري ديلاكروا، ويكفي الاطلاع على التعريفات التي نقلها برلين في الكتاب لتعطي هذا الاحساس المحير بالتناقض والتشتت في فهم هذه الظاهرة، ونفس الأمر يتعلق بخصائص الحركة، فقد جمع أكثر من أربع صفحات في محاولة تصنيف خصائصها والنتيجة ستكون أكثر غرابة، وكل حديث عن الزمن سيغطي الموضوع أكثر مما يطيق أي كتاب صغير، وقد تبنى مؤرخون فكرة أن الرومانتيكية ليست إلا حالة ذهنية يمكن أن نجدها بكل زمان وكل مكان، عند الروائي الاغريقي هيلودوروس أو هادريان أو حتى عند (أفلاطون) رغم أن (برلين) لا يوافقهم تماماً على ذلك، لذا بدلاً من ذلك قد يكون السؤال الأنسب: أين ظهرت الحركة الرومانتيكية؟

من الشائع لدى معظم المؤرخين وفي الكثير من الكتب المدرسية والجامعية أن الرومانتيكية ظهرت أول ما ظهرت بانجلترا ولكن (ايزايا برلين) لا يوافق أولئك المؤرخين، أو على الأقل لا يوافقهم أن صورتها الدراماتيكية الحادة ظهرت هناك بالبداية، إن الموقف والتحول الكبير الذي حدث وأثرّ في الوعي الغربي وما زال التأثير مستمراً هو ما حدث في الثلث الثاني من القرن الثامن عشر، ولم يكن في انجلترا أو فرنسا، بل كان معظمه في ألمانيا. ففي الوقت الذي شهدت فيه كل من فرنسا وانجلترا ثورتين، إحداهما سياسية واجتماعية والأخرى صناعية كانت ألمانيا خاضعة لامبراطور واحد وطغمة من الأمراء وأقاليم متعددة، وكانت هناك أيضاً زلزلة حرب الثلاثين عاماً التي خلفت بحراً من الدماء لم تستفق منه ألمانيا لمدة طويلة، كان ذلك جارحاً للكرامة الألمانية ولروحها ومانعاً لقيام أي ثورة أو نهضة ثقافية في البلاد، واكتفت الثقافة الألمانية بالحذلقات السكولاستية اللوثرية وبالحياة الباطنية الغنوصية نوعاً ما للروح البشرية، ذاك الجرح الذي سبب عقدة نحو الآخر الفرنسي بالذات وفي نفس الوقت أدى لنوع من الشعور بنقصٍ في الوطنية، قاد إلى حركة تقوية نابعة أساساً من تعاليم لوثر وهي المنبت الخصب الذي برزت فيه الحركة الرومانتيكية لتمد جذورها بعد ذلك.

يبدو واضحاً إذن أنه لا توجد علاقة تربط ما سميّ بالثورة الفرنسية بالحركة الرومانتيكية، فالأولى تبنت مبادئ العقل الكوني والعدالة المطلقة والنظام وغيرها من المبادئ الكونية الكبرى التي تصلح لكل البشر في أي مكان وفي أي زمان، بينما ما حصل في ألمانيا كان كراهية كبيرة للعقل وللغرباء، للفرنسيين خاصةً، إنه نوع من العداء للثقافة ذاتها، وتمجيد للحياة الداخلية الغنية بالأدب المثير الشخصي والعاطفي لكن المليء بالعنف والكاره للعقلانية. كما أنه لا يمكن ربط الرومانتيكية بالثورة الصناعية بشكل مباشر وإن كانت هناك بعض التداعيات ولكن ليس بالشكل الحاد الذي ربطه الماركسيون بالاثنين معتبرين الأولى نتيجة أهوال الثانية.

 إن القيّم التي بشّر بها عصر التنوير والثورة الفرنسية بالدعوة إليها هي أوّل ما هاجمته الثورة الرومانتيكية، ورغم أن تلك القيم قد تكون ظهرت قبل عصر التنوير إلا أن الأخير قدّم نسخته الخاصة لتلك المبادئ ولعل أهمها المبدأ المتمثل في أن كل سؤال حقيقي يمكن الإجابة عليه، إن لم يكن قد أجيب عليه من قبل فاليوم أو في المستقبل، وإن لم نتمكن من الإجابة عليه فلا شك أن الخطأ هو من السؤال وليس من امكانية الإجابة، وكذا فإن كافة الأجوبة المقدمة للأسئلة هي قابلة لأن تعرف ويمكن تعلّم وتعليم طرق اكتشاف تلك الأجوبة، وينبغي أن تكون كل تلك الأجوبة متسقة مع بعضها البعض، فجواب سؤال لا ينبغي أن يكون متناقضاً مع إجابة سؤال آخر وإلا كانت الفوضى. وهذه المبادئ مشتركة ما بين السكولائيين والمسيحيين والتنويريين وكذلك المدرسة الوضعية في القرن العشرين، وهو أول مبدأ تم الهجوم عليه من طرف الرومانتيكيين. وقد كانت أولى الضربات الخفيفة للعقلانية التنويرية قادمة من الوسط التنويري نفسه، من مونتسكيو الذي اعتبر أن البشر ليسوا متشابهين بالضرورة وهم خاضعين لتأثيرات المناخ والتربة والمؤسسات السياسية، وكذلك (هيوم) الذي لم يؤمن بالضرورات الكبرى التي أسبغها العقلانيون على الكون ورآها غير حقيقية مفسراً السببية بنوع من التتابع الدوري، ولكن كلاً من (مونتسكيو) و(هيوم) لم يكونا واعيين بهجومهما بل آمنا تماماً بالعقلانية كخلاص للإنسانية. 

وماذا عن (روسو)؟، يطرح برلين هذا السؤال في كتابه أكثر من مرة معترفاً أن (روسو) قد يكون أحد آباء الرومانتيكية، لكن في المقابل نجد في آراء (روسو) ما يتوافق مع مبادئ الثورة الفرنسية، مع ما يتلاءم مع أفكار (روبسبير) واليعاقبة الفرنسيين، (روسو) صاحب الشذرات التي تدعو للقضاء على كامل البنية الفوقية ومساواتها بالأرض وحرق المجتمع الانساني برمته في سبيل قيام مجتمع آخر غير فاسد وغير منافق، ليس هو (روسو) صاحب (العقد الاجتماعي) القائل بعقل كوني يربط كل البشر بعقد واحد، من هنا يعتبر (برلين) أن الزخم الرومانتيكي الذي تم اعطاءه لـ(روسو) كان مبالغا فيه. لذا فالهجوم الحقيقي لم يكن من فرنسا أو انجلترا.

كان الهجوم الأكبر الذي تعرّض له عصر التنوير قادماً من ألمانيا، من أولئك التقويين اللوثريين المعطوبة روحهم المنعزلين لذواتهم، وكان الهجوم الأول العنيف قادماً من طرف (يوهان جورج هامان)، صديق (ايمانويل كانط)، الذي احتج على (فولتير) صاحب مقولة أن البشر يسعون إلى السعادة في حين أنهم برأي (هامان) يسعون فقط نحو الإبداع بأكثر ما يمكن من الحماس، حتى ولو كان ذلك الحماس سيقود إلى حروب ودمار فذاك جزء من طبيعة البشر وقدرهم، أما الانسان الذي أخرجه المختبر التنويري فهو نوع من الموت في الحياة. أما مواطنه (هيردر) فقد هاجم هو الآخر وثوقية الأجوبة المطلقة واتساقها مع بعضها البعض، فالحقيقة نسبية بالنسبة له وعلى كل مجمتع، على كل فرد أن يعبر عن الحقيقة كما تظهر له في لحظته المكانية والزمانية، لا كما تظهر لمجتمع آخر أو لفرد آخر مختلف عنه، وهذا هو ما يخلق كونا رائعا، لن نراه كذلك بصورته الكاملة، فالله هو وحده فقط من يستطيع رؤية الكون كاملاً.

هناك آباء آخرين للرومانتيكية، لم يعلنوا أنفسهم متبنين لها، بل ربما صرّحوا بكرههم الشديد لها مثل الفيلسوف الألماني (ايمانويل كانط)، أولئك يسميهم (برلين) بالآباء المحافظين، فـ(كانط) لم يخف كرهه للرومانتيكية أو نبذه لكتابات (هامان) و(هردر)، لكنه في المقابل انتصر لها عن طريق فلسفته الأخلاقية والتي دعت بكل صراحة إلى تمجيد الحرية البشرية، فالبشر بشر فقط لأنهم أحرار في اختياراتهم، فبينما كل الأشياء والحيوانات في الطبيعة تخضع لنظام السببية نجد أن البشر على عكس ذلك أحرار الإرادة، وكانت معركة (كانط) الكبرى هي الوقوف ضد فكرة الوصاية التي لا معنى للحرية معها، ففي مقاله الشهر: “ما التنوير” يصرّح أن التنوير هو القدرة على الخروج من القصور الفكري وقدرة الآخرين على التكلم أو التحكم بالنيابة عنك، يقول كانط: “إن الإنسان الذي يعتمد على شخص آخر لا يعود انساناً، فهو فاقد لاستقلاليته، وليس سوى ملكية لشخص آخر”، وحرية البشر تستدعي إنكار الحتمية واللجوء لفكرة الإرادة الإنسانية، فهنا الاستقلال التام، بينما الحتمية نوع من التبعية يقول بكون القوانين خارج الإنسان، لذا كان لا بد من القضاء على الفكرة القائلة بخيرية الطبيعة وعبادتها ومحاكاتها فنياً وهو أمرٌ ثوريٌ قام به (كانط)، فأن يكون الانسان جزءاً من الطبيعة فهذا يعني أنه مقيّد بها وهو أمر سيحطم أي معنى لوجود أخلاق قائمة على مبدأ الحرية.

رغم كل ذلك ظل (كانط) متشبثاً بعقلانيته وبايمانه بوجود أجوبة على الأسئلة الكبرى وبتوافق كل الأجوبة واتساقها مع بعضها، لكن تعاليمه الأخلاقية المبشرة بروح الرومانتيكية ستجد تلاميذ مخلصين يدفعون بها إلى أقصى امكانياتها مثل (فردريك شيلر) المؤمن هو الآخر بالحرية وبالإرادة وبامكانية تجاوز الانسان للطبيعة واخضاعها لإرادته وهي أفكار بثها في إنتاجه المسرحي والشعري، ثم يأتي (فيشته) وقد كان ميالاً للتشكيك نافيا امكانية وجود أجوبة محددة على الأسئلة الكبرى، فالمعرفة تقود إلى معرفة أوسع، وكل جواب يقود إلى سؤال آخر ليعطي بدوره جواباً جديداً، لذا المعرفة التأملية ليست هي الطريق القويم، فالحياة لا تقوم على تلك المعرفة، بل إن الحياة تقوم على الفعل، فالمعرفة مجرد وسيلة لبلوغ الأهداف، أي بعبارة أخرى المعرفة الحقيقية هي معرفة كيف تبقى حياً، وسيقول شليقل معه أن الحرية هي الفعل، أن تكون رومانتيكياً بحريتك، فلا أحد يولد رومانتيكياً. 


موعظة الرومانتيكيين

إن الفكرة القادمة من التنوير والقائلة بأن الحياة نمط مغلق وكامل وحقيقي الوجود وموضوعي، وما دام يمكن الاسترشاد إليه فإنه يمكن تعليمه للآخرين، إن هذه الفكرة هي ما هاجمته الرومانتيكية من جميع الجبهات، فبالنسبة لها الكون في حالة حركة دائمة دون توقف وهو في نفس الوقت لا محدود وعلاقتنا معه علاقة منطلقة من ذواتنا لا من خارجها، لذا فالتعبير عن تلك العلاقة هو تعبير عن اللامحدود بمحدود أي اللغة والأخيرة لا تكفي وتلك هي المعاناة، وهذا ما جعل الرومانتيكيين يلجأون إلى الرموز وإلى المجاز لمحاولة تخطي حاجز اللغة، وبالتالي كانت الرمزية أحد أهم النظريات المركزية في الفكر الرومانتيكي، الرمزية كانت نتيجة لتلك الرغبة في التعبير، لذلك الحنين إلى اللامحدود والغير قابل للاستنفاد، لذا كانت موعظة الرومانتكية الأساسية هي أن تبدع رؤيتك الخاصة بالكون، فالكون هو ما تختار أن تجعله أنت، وأي محاولة للسعي لجعل ترى الأشياء باعتبارها خاضعة لنوع من العقلنة، لخطة ما، ومحاولة وضع مجموعة من القوانين لتلك الرؤية هو نوع من خداع الذات بالنسبة لهم ويعد غباءً انتحارياً، فأولئك الوحيدين الذي كان بامكانهم فهم الواقع هم أولئك الذين فهموا عبثية أي نوع من تلك المحاولات، فبالنسبة لشليقل “فسحر الحياة يكمن في اللغز الذي لا يمكن كشفه”. فكل القواعد ينبغي نسفها فقط لأنها قواعد وأي محاولة ممكنة للقضاء على التقاليد ينبغي أن يقام بها. والسخرية أحد أهم وسائل النسف التي اخترعها الرومانتيكيون، فكل مبدأ يمكن اعتبار نقيضه هو الصحيح، بل أنه يمكن وجود ثلاث افتراضات أخرى مناقضة للأول لكنها كلها صحيحة، فبالنسبة لشليقل أن نسخر هو أن نمتنع عن الموت، أن لا نستقر ونتجمّد. لذا لم يكن مطلوباً من الرومانتيكي أن يحدد موقفه السياسي، فقد يكون رجعياً وقد يكون تقدّمياً، متفائلاً أو متشائماً، مؤمنا بالمؤامرة وبقوى خفية تتحكم من وراء الستار أو كافراً بها، المهم بالأساس هو وضع اليد على القوى اللاواعية المظلمة والتي غفلت عنها الكلاسيكية المتخفية تحت شعار أن الفضيلة مرادفة للمعرفة منذ سقراط وحتى التقاليد المسيحية والتنويرية.

ولكي نختم فينبغي أن نتساءل ما الذي أنتجته الرومانتيكية؟ ما الذي أورثته للعالم؟، قد تكون الحركة الوجودية هي الوريث الشرعي والحقيقي للرومانتيكية بحسب ايزايا برلين، فبفضل تحويلها الحاد لبعض القيّم استطاعت الوجودية أن تظهر بلباس رومانتيكي متمثل بموعظة أنه لا يوجد في العالم ما يمكن الاعتماد عليه. لكن الفاشية أيضاً كانت وريثة للرومانتيكية، لأن الأولى لا تخضع لنظام عقلاني بل لتبنيها لفكرة الإرادة غير المقيدة سواء للفرد أو للجماعة وهو ما يجعلها في اندفاع يصعب كبح جماحه أو تنظيمه وعقلنته وتوقعه.

وبغض النظر عن مسؤولية الرومانتيكية عن الفاشيات إلا أن المجمتعات الحديثة والمجتمع الغربي خاصة يدين لها بالكثير، على المستوى الفني يدين لها بحرية الفنان وعدم قابلية تفسيره تفسيراً تبسيطياً والاعتراف أن الجواب الوحيد على أي سؤال هو أمر منهك وهو المسؤول الأول عن ميلاد الطغاة والمستبدين الذين سيسعون إلى فرض إجابتهم الوحيدة، فالقيم بالنسبة للرومانتيكية متعددة ومختلفة وغير قابلة للحسم. هذا ما نتج عنه دعوة إلى الليبرالية والتسامح وتقدير كبير للحياة نفسها باختلافها وتناقضاتها، ولأنهم كانوا مؤمنين بعدم قابلية الأنشطة الانسانية للتنبؤ فقد انتهوا بدون أن يقصدوا إلى عكس ما دعوا إليه، أي إلى فهم ذاتي وعقلاني للحياة.


بقلم: مولاي ارشيد أحمدو

“النسوية بالمعنى القديم قد انتهت”. محاضرة الكاتبة البريطانية (دورثي سايرز) في الجمعية النسائية في بريطانيا

في عام 1938، ألقت الكاتبة البريطانية (دورثي سايرز) في الجمعية النسائية في بريطانيا محاضرةً بعنوان “هل النساء بشر؟”، تلبيةً لدعوة الجمعية التي ظنت ان سايرز لها علاقة بالنسوية. لكن (سايرز) نفت هذا في مقدمة المحاضرة وقالت:

 لا اعتقد أنني أريد ان أربط نفسي بالنسوية، فالنسوية بالمعنى القديم قد انتهت. واعتقد ان ضرر “النسوية العدوانية” الآن، تحت الظروف الحالية، هو أكثر من نفعها.

لم تكن النسوية من اهتمامات الكاتبة ولم تتحدث عنها كثيرًا في المحاضرة كما كان متوقع. كان اهتمامها وموضوعها الأول هو الإنسانية التي تجمع المرأة والرجل وهذا ما ينبغي للجميع ان يركز عليه. في حديثها عن المساواة بين الجنسين قالت:

موضوع المساواة هو مثل جميع المواضيع المؤثرة في العلاقات الإنسانية، حساس ومعقد، ولا يمكن حله بشعارات مثل “المرأة قادرة تماما مثل الرجل”

 في رأي الكاتبة، مثل هذا الشعار هو عادة مجرد رد فعل تجاه شعارات مٌهينة مثل “المرأة إناء ضعيف”، المقتبس من النصوص المسيحية، أو “المرأة مخلوق مقدس”، وليس له معنى حتى نضيف “قادرة في ماذا؟”. فجنس المرأة لوحده لا يحدد إذا هي قادرة أو لا، لأن المرأة انسان ولها كفرد قدرات تخصها. التركيز على جنس المرأة وتنميط اهتماماتها هو خطأ يقع فيه الكثير ومن ضمنهم النسويات. 

 المرأة إنسان طبيعي مثل الرجل … ولها الحق كفرد في أن يكون لها رغبات واهتمامات تخصها. وما يؤذي أي إنسان هو رؤيته دائمًا كعضو من جماعة فقط وليس كفرد مستقل.


 وعن سؤال “ماذا تريد المرأة”، قالت (سايرز): 

السؤال الذي احتار في إجابته الرجال منذ بدء الخليقة هو “ماذا تريد النساء؟”. لا أعرف إذا النساء، كنساء، يردن شيء معين، لكن كبشر، يا سادة، هن يردن ما تريدونه: وظيفة جيدة، حرية معقولة يتمتعن بها، ومتنفس عاطفي.

 (سايرز) لا تنفي أهمية الاختلاف بين النساء والرجال لكن أهميته تكمن في تأديته لغرض معين فقط.

هناك اختلاف أساسي بين النساء والرجال، لكنه ليس الاختلاف الوحيد في العالم … الاختلاف في العمر هو أيضًا أساسي ومثله الاختلاف في الجنسية. لكن هذه التصنيفات، إذا أصرينا عليها بشكل يتجاوز الغرض الذي تؤديه، ستكون سببًا في خلق عداوة وفوضى في الدولة، ولذلك هي خطيرة … إذا أردتم أن تحتفظوا بديموقراطية حرة، فأن عليكم الاهتمام بالفرد وليس بالتصنيفات التي ستحولكم الى دولة شمولية.

بالنسبة لـ(سايرز)، الإنسان لم يٌخلق إلى للعمل وترجع أهمية العمل عندها إلى خلفيتها الدينية. في تعليقها على مقولة” مكان المرأة هو المنزل”، قالت:

 الحضارة الحديثة أخذت كل الأعمال والنشاطات المربحة والممتعة من المنزل، والتي كانت المرأة مسؤولة عنها في الماضي، وسلمتها للمصانع التي يديرها وينظمها الرجال … لذا من الغباء أن نأخذ من النساء وظائفهن التقليدية ثم نتذمر عندما تبحث المرأة عن عمل. فالمرأة إنسان وكل إنسان بحاجة لأن يعمل.

عندما سألها رجل مرة عن القصص التي تكتبها وكيف نجحت امرأة مثلها في خلق محادثات طبيعية بين الرجال في قصصها، أجابت: “سبب نجاحي كان في جعل الرجال يتحدثون مثل البشر.”



بقلم: فاتن الدعجاني

أقديس أنت أم إرهابي؟ قراءة في قصة هابيل وقابيل

{واتْل عليْهمْ نبأ ابْنيْ آدم بالْحقّ إذْ قرّبا قرْباناً فتقبّل منْ أحدهما ولمْ يتقبّلْ منْ الآخر قال لأقْتلنّك قال إنّما يتقبّل اللّه منْ الْمتّقين، لئنْ بسطت إليّ يدك لتقْتلني ما أنا بباسطٍ يدي إليْك لأقْتلك إنّي أخاف اللّه ربّ الْعالمين، إنّي أريد أنْ تبوء بإثْمي وإثْمك فتكون منْ أصْحاب النّار وذلك جزاء الظّالمين. فطوّعتْ له نفْسه قتْل أخيه فقتله فأصْبح منْ الْخاسرين. فبعث اللّه غراباً يبْحث في الأرْض ليريه كيْف يواري سوْأة أخيه قال يا ويْلتا أعجزْت أنْ أكون مثْل هذا الْغراب فأواري سوْأة أخي فأصْبح منْ النّادمين} – المائدة.

 نتلقى القصة و نقف عند حدود ما جاء في النص الثابت المحفوظ. 

تعود بنا الآيات، إلى زمن سحيق و موغل في القدم، الى أول تجربة بشرية ما سُجلت في كافة الكتب المقدسة، إلا لكونها، ذات شأن ، حدثت بعدما كونا (آدم) و زوجه أسرة بعد خروجهما من الجنة و هبوطهما إلى كوكب الأرض. أشقاء من بني آدم، تحرك في نفس أحدهما (قابيل) نوازع نارية، ظاهرها الحسد و باطنها الخوف من فوات حظ، فاستجابت نفسه، لدوافع الشر، و نازع شقيقه في نصيبه و حقه، مهدداً إياه بالإكراه و الاعتداء على حقه الطبيعي في الحياة، في حين أن (هابيل) حافظ على رباطة جأشه، و اتزان موقفه، حين صان أعظم قيمة وجودية و هي “حق الحياة” بدافع من خشية الله و تعظيمه. و أمام وطأة الشعور بالخيبة و الخسارة، أصبح (قابيل) يتخبط في ندمه، و قد أسقط في يده حين لم يجد ملاذًا لإخفاء جريمته المتمثلة في جسد أخيه المسجى، شاءت الإرادة الإلهية أن يلقنه وسلالته من بعده دورسًا بليغة لا يعقلها كل أحد، بداية بعدم العثور على طريقة ناجعة، لإخفاء معالم الجريمة النكراء، ومواراة المادة الطينية، بعدما فارقتها طاقة الحياة،  إذ يرسل الله مُعلمًا على هيئة طائرِ ملهم، ليتحول شعور الحسد المرير، إلى شعور قارص بندم يفوق مرارة، بعد ان أدرك ضآلة قدره، و مغبة عاقبته.

  اللافت ان أول جريمة وقعت على كوكب الأرض، لم تكن بين حزبين متنافرين أو قبيلتين متنافستين، بل كانت بين أشقاء، يجمعهم الأصل و المنبت و الغريزة و الفطرة ، الأمر الذي يجعل التعويل على روابط القربى ووشائج  النسب و جذور القبيلة، أمرًا مربكًا و غير مجدي في كل الأحوال. 

 و باعتبار أن قرابين البشر تتفاوت في موازين الرب؛ فالله يعلم السر و أخفى، و إنما يتقبل الله من المتقين، ولأن جذبة الأرض لا تجتمع مع لمعة السماء، و ثقل الطين، لا ينسجم مع خفة الروح، هذا كله و غيره، قد يحول حبل التواصل الى مدِية للتقاطع، و العلاقة إلى معركة، و الحوار إلى صراع.

 إن الغاية التي لأجلها بدأ تاريخ الصراع البشري، هي في حقيقتها مجرد مبدأ وحشي، و هدف بدائي، ومحض عبث و زيف و إدعاء. إذ أن هذه التجربة، تلقننا درسًا لاذعًا في أنه ليست كل المعارك التي يخوضها الإنسان مجدية، مالم تكن بقصد المدافعة، و كف الإيذاء، و منع الاعتداء. و إلا فإن الإنسان هو من يختار الصراع و يفتعل الحروب ضارباً بالحائط، جميع القيم النبيلة و التعاليم المقدسة.

وأن التاريخ و أن سطره الأقوياء، فإن الحق سيسطع نوره يوماً، إذ منذ ذلك الحين، فقد التصقت جريمة (قابيل) باسمه، كما عد (هابيل) أسطورة إنسانية للنبل والبراءة والنزاهة والثبات و التقوى إلى يوم الدين.

وسلالة الناس من بعده، منهم من اتخذ مسالكاً -قرباً و بعداً- تحاكي موقف هابيل في جميل سجاياه، وفي تطلعاته الروحية وقيمه الربانية، واختياره السامي (ما أنا بباسط يدي لأقتلك) ومنهم من قارب أو شابه المعتدي (قابيل)، في استجابته لنزعات السوء، و سذاجة تصديقه لتبريرات الشر ومسوغاته.

(هابيل) و(قابيل)، القديس والإرهابي، يمثلان قطبين متناقضين يسودان العالم: عالم الحب و البراءة والطهر، وعالم الكراهية والشر والخبث، فسطاط النور والفضيلة وفسطاط الظلام والرذيلة، معسكر الحرية والسمو و معسكر العبودية، والانحطاط.

وبينهما برزخ قائم، من يقف بين هذين الصفين، هو في حقيقته منحازًا لأحدهما، فمن يرى الغاشم وهو يشهر مطواته ليخترق حياة أخيه، أو ليسلبه حقه، في مال أو منصب أو نحوه، دون أن ينبس بشفة، هو يشارك الجاني في التلطخ ببعض من دنسه، إلا أنه يفترق عنه، في تهوره و حماقته.

وقس على ذلك، ويلحق به، من يستغل الوضع القائم على الصراعات و المقاومة، بين الظالم الباغي والمظلوم المسلوب، مستعيرًا جياد الرسول الأمين، متظاهرًا بالبطولة الزائفة، ولكن عبر جلد الضحية، واتهامها بالتفريط في حقها، نافضًا عن كاهله أدنى شعور بالتعاطف مع الضحية، و متخلصًا من مرارة الشعور بتأنيب الضمير. 

وفي خضم الصراعات القائمة، والفتن المشتعلة، هناك فريق يجيد فن الاصطياد في الماء العكر؛ باستثمار القضايا الشائكة لصالحه، حين يزايد على الموقف، منتهزًا اختلاط الأمر، وتشابك الخيوط، راميًا لغنيمة باردة، كعلو كعبه وسيادة أمره وخلود ذكره إلخ.

   ومن ينفي نظريات المؤامرات، ويتهكم بمن يعتقد بها، هو في الحقيقة، ليس حالمًا فحسب، بل يشطب على شطر من العالم و يتنكر لجزء من الذات.

إذ من الغرابة، أن هذين العالمين بتناقضاتهما وإن بدا للعيان أنهما لا يتعديان الصورة الخارجية المحسوسة، إلا أنهما في الحقيقة، يجتمعان في أعماق الإنسان نفسه، و لذا فإن عبقرية الإنسان الروحية، ونبوغه العقلي، و اتزانه النفسي، حين يصغي لنداء الحب والفضيلة والإيمان بعمقه، هذا كفيل بطرد عتمة الشهوة، و كبرياء الشبهة، ووهم الضحية، وفوق ذلك حفظ التناغم بين الشقين المتصارعين بعمقه. 

ويبقى السؤال الوجودي القديم ملحًا و حاضرًا،  ومن الحكمة طرحه قبل فوات وقته: متى يكون الإنسان إنسانًا؟ وإن لم يكن (هابيل) خالصًا، فلِم -على الأقل- لا يختار أن يصطف إلى جانبه؟!

بقلم: (هدى مستور)

تساؤل الفيلسوف والمؤرخ ويل ديورانت عن معنى الحياة

ما معنى الحياة لنا؟ ماذا ستكون إجابة الآخرين عن تساؤل كهذا؟ وما معناها لرجلٍ يمضي بقية أيامه زنزانة مثلًا؟ صحيح أن البحث عن الحقيقة أشبه بالجري خلف السراب، لكن علينا ألا نغفل عنها بينما نواصل حياتنا، وقد تكون لدى البعض فكرةٌ مجردةٌ، أو تجارب حياتية لا تمت للمعرفة النظرية لدى الآخرين.

لا حدود للمعرفة، والجدية الصارمة ليست الطريق الأمثل دائمًا، فالحياة جميلة بتنوعها، بسهولها وهضابها، في لحظاتها الحلوة والمرّة، وكما تتفاوت لحظات الحياة يتفاوت معنى الحياة من شخص لآخر، ولكم هو جميل أن نقرأ آراء مختلفة عنها في هذا الكتاب، ومع معنى الحياة لمؤلفها العظيم (ويل ديورانت)؟

هكذا استفتح المترجم (كنان قرحالي) في كتابه عن الفيلسوف والمؤرخ الأمريكي (ويل ديورانت) [1885-1981] في كتابه (عن معنى الحياة). ففي الخامس عشر من يوليو ١٩٣١، أرسل (ديورانت) إلى عدد من الشخصيات المشهورة، ممن يقيمون داخل الولايات المتحدة أو خارجها. جاء في الرسالة:

عزيزي،

هلا توقفت عن العمل لبرهة وشاركت معي في لعبة الفلسفة؟

أنا أحاول مواجهة سؤالٍ لطالما كان جلينا، أكثر مما هو على استعداد للإجابة عنه: ما معنى، أو قيمة الحياة البشرية؟ سبق أن تم تناول هذا السؤال من قبل المنظرين خصوصًا من (اخناتون) و(لاوتسي) إلى (برغسون) و(سبيلنغلر). إلا أن النتيجة لطالما شكّلت نوعًا من الانتحار الفكري؛ فالفكر، في جوهر تطوره يبدو وكأنه قد دمّر قيمة الحياة ومعناها. فنموّ المعرفة وانتشارها -الأمر الذي صلّى لأجل حدوثه الكثير من المثاليين والإصلاحيين- أدّى إلى خيبة أمل كادت تحطّم روح عرقنا.

لقد قال لنا علماء الفلك إن حياة الإنسان لا تعادل سوى لحظة في حياة نجم، فيما قال لنا الجيولوجيون إن الحضارة ليست سوى فاصل عرضي بين عصرين جليديين. وقال علماء الأحياء إن الحياة في مجملها مجرد صراع وجوديّ بين الأفراد والجماعات والأمم والتحالفات والأنواع، فين حين قال المؤرخون إن “التقدم” مجرد وهم ينتهي مجده بالانحطاط الحتمي. أما علماء النفس فقالوا إن الإرادة والذات امتداد قاصر للموروثات والبيئة، وإن النفس التي كانت يومًا ما طاهرة، ما هي إلا اتقاد دماغي سريع الزوال.

فالثورة الصناعية أدّت إلى دمار المنازل، فيما اكتشاف وسائل منع الحمل آخذ بتدمير العائلة والأخلاقيات القديمة، وربما العرق البشري بكامله [بسبب عقم الاذكياء]. وحُلل الحب على أنه احتقان فيزيولوجية مؤقتة، فيما يتحول الزواج إلى مجرد ملاءمة فيزيولوجية مؤقتة، أرقى قليلًا من حالة الاختلاط الجنسي. أما الديموقراطية فتحولت إلى فساد لم يعرف مثله سوى “الداعية السياسي” الروماني (ميلو). وتلاشت أحلامنا بـ”اليوتوبيا” الاجتماعية، فيما نشهد، يومًا بعد يوم، جشع الإنسان الذي لا يكلّ.

وكل اختراع جديد يجعل القوي أقوى والضعيف أكثر ضعفًا، في حين تحل الآلات الجديدة محل الرجال مضاعفة من أهوال الحروب. أما الغيبيات التي كانت يومًا عزاء حياتنا القصيرة، وملجأنا في الفجيعة والألم، فيبدو أنها اختفت في المشهد، ولا يمكن لأي تيليسكوب أو مجهر اكتشافها. وقد أصبحت الحياة، من خلال المنظور الشامل الذي هو الفلسفة، تفريخًا متناولًا للحشرات البشرية على الأرض. وأكزيما كوكبية قد يتم التخلص منها قريبًا. لا شيء مؤكد فيها سوى الهزيمة والموت – هذا النوم الذي وعلى ما يبدو لا يقظة منه.

ونحن مدفوعون للاستنتاج بأن الخطأ الأعظم كان اكتشاف “الحقيقة”، الذي لم يجعلنا أحرارًا إلا من الأوهام التي سبق أن عزّتنا والقيود التي سبق أن حمتنا. وهي التي لم تجعلنا سعداء، لأن الحقيقة ليست جميلة، ولم تكن تستحق السعي خلفها بكل هذا الشغف.

وعندما ننظر إليها الآن، نتساءل لماذا تسارعنا للعثور عليها، فقد أخذت منا كل أسباب الوجود، عدا المتعة اللحظية والأمل المبتذل بالغد.

أرسل (ديورانت) هذه الرسالة إلى عدد من الأشخاص المؤثرين في المشهد العالمي حينها، مثل (المهاتما غاندي) والروائي الأمريكي (سينكلير لويس) صاحب الرائعتين (بابت) و(الشارع الرئيسي). بالإضافة إلى رئيس جامعة دارتموث (إرنست مارتن هوبكينز)، والناشطة (ماري أيما وولي)، والفيلسوف البريطاني (برتراند راسل) وغيرهم.

يعقب (ديورانت) على رسالته، فيقول:

ما كانت هذه الرسالة لتعبّر بدقة عن استنتاجاتي الخاصة حول معنى وجودنا، فليس من طبيعتي أن أكون شديد التشاؤم، إلا أنني رغبت بداية في مواجهة الاحتمالات الأكثر مرارة، وفي المراهنة عكس رغباتي، وفي طرح المشكلة بطريقة تحمي من التفاؤل السطحي الذي اعتاد الرجال من خلاله على الالتفاف إلى مشكلات الحياة الأكثر عمقًا.


تحرير: أحمد بادغيش

محمد صادق دياب: لا تهدي طفلك طائرًا، ولا حبيبتك وردة

محمد صادق دياب (1943-2011) أديب وكاتب سعودي ولد بمدينة جدة، حيث تلقى تعليمه الابتدائي والمتوسط والثانوي فيه، ثم حصل على بكالوريوس التربية وعلم النفس من كلية التربية في جامعة أم القرى عام 1390 هـ، بعدها تحصل دياب على الماجستير في علم النفس التربوي من جامعة ويسكنسن الأمريكية عام 1976 وحصل على شهادة الدكتوراة عام 2009 في علم الاجتماع لكنه لم يود ان يلقب بالدكتور.

اشتهرت كتابات (دياب) ببساطتها وقدرتها على الوصول إلى الجميع، وبالإضافة إلى ثرائه المعرفي فقد ساهمت مقالاته وخواطره التي داوم على نشرها في مختلف الصحف المحلية والعربية في تشكيل فكر جيل كامل من الشباب العربي.

في كتابه (امرأة وفنجان قهوة)، كتب (دياب) خاطرة بعنوان “لا تهدي طفلك طائرًا، ولا حبيبتك وردة”، ويعلل هذا العنوان في أولى أسطر المقالة، فيقول:

أن تهدي طفلك طائرًا في قفص،

فهذه أولى خطوات إعداده كسجّان.

أن تقطف لحبيبتك وردة،

فهذه فاتحة التعريف بأنك قاتلٌ للجمال.

وكعادة (دياب) في مقالاته وخواطره، فلا يطرح مشكلة ولا ينهى عن أمر دون أن يطرح بديلًا أفضل. وهو ما يظهر في بقية الخاطرة، إذ يقول:

خذ طفلك إلى الفضاء الرحب،

ودعه يغرّد مع العصافير.

خذ حبيبتك إلى الخميلة،

وقل لها: “إنك من فصيلة الأزهار”

يتابع بعد ذلك في خاطرته معللًا:

فالطير في السماء نجمة،

والوردة في غصنها حياة.

فدع العصافير

تقتات من كفك حبّا،

ومن قلبك حبًا،

واشرح صدرك موانئ،

تسافر إليها الورود بعبقها مطمئنة،

فالعصافير لا تغني على نوافذ القساة،

ولا تمطر الأغصان وردًا.

من رحلة أوديسيوس وخلال السرد .. ميديا والنساء في القصة العالمية

(ميديا) .. في حكاية (جيسون)!

أُرسل (جيسون) للحصول على الجُزة الذهبية في كولشيدا في أقصى البحر الأسود، بعد تنحية والده (ايسون) عن الحكم الذي اغتصبه منه أخوه (بلياس). 

تربى (جيسون) على يد خيرون أشهر المعلمين في الملاحم الإغريقية، كبر (جيسون) ليقرر استرداد الحكم المسلوب من والده على يدي عمه (بلياس). كان (بلياس) متوجسا من (جيسون) خيفةً؛ ذلك أن (جيسون) كان مدعوما من الآلهة (هيرا)، فأرسله ليأتي بالجرة طمعاً في هلاكه على يد التنين الحارس. فقبل (جيسون) التحدي، إذ كان أشجع فتيان اليونان.

كان يحرس الجُزة تنين يقتل كل من اقترب منها، تم إرساله لكي يتم قتله على يدي التنين! ركب (جيسون) السفينة أرغو، وأبحر إلى كولشيدا. رأته (ميديا) ينزل من متن السفينة فوقعت في غرامه من فورها على نحو جنوني للغاية، ولم تكن قادرة على رفع عينيها عنه!

تم تكليف (جيسون) بأعمال شاقة وصعبة، وكانت (ميديا) تنقذه دائما من تلك الأعمال. أنقذته من التنين الحارس للجُزة، فلولا (ميديا) لما تمكن (جيسون) من الحصول على الجُزة لاستعادة الحكم!

وقد هيمن عليها حُبّه لدرجة أنها قتلت أخاها قبل أن يقتلهما هي و(جيسون)! وقفت (ميديا) مع (جيسون) ضد أبيها وشعبه، وعندما همّت بالهروب مع (جيسون) دعت أخاها ليهرب معها، وافق أخوها (أبستروس) ورافقها ليتمكن منها، فاستخدمته لتمنع والدها من اللحاق بها، فقتلت أخاها وقطعته وألقت به في البحر قطعة قطعة، فلم يتمكن والدها من تقفي أثرها!

توقفت عن السحر بعد ذلك، رحلت وتزوجت (جيسون)، لكن (جيسون) ما لبث أن سئم منها وتزوج بعدها ابنة الحاكم اليوناني. زواج (جيسون) جعلها تعود إلى السحر! فعادت وقتلت زوجته برداء مسموم أرسلته لها كهدية زفاف. ثم قتلت ابنيها الذين أنجبتهما منه بإلقائهم من سطح القصر، وتنتهي بهذا الذبح أسطورة (ميديا) في (الأوديسة).

قيل قتلت أبناءها انتقاما من أبيهم، وقيل بل قتلتهم رحمة ورأفة بهم.

يذكرني مشهد قتل ميديا لأبنائها بمشهد لبوة تركت وليدها خلفها بعد إصابته بجرح منعه من المشي، تركته خلفها لتتقدم؛ لم تكن لتتقدم خطوة لو توقفت من أجله. هذه هي القوة ألا تترك مكانا للعواطف بالتحكم في مسيرك ومصيرك، أن تتقدم دائما للأمام متجها نحو النصر.

قد يرى البعض هذه قوة، وقد يكون التخلي عن التقدم والنصر هو القوة! هل تكمن القوة في التخلي عن العواطف؟! أو أن الرحمة والعطف منبع القوة الأصلي؟!

لكن ميديا كانت تشعر على نحو دائم أنها على حافة هاوية إن لم تضرب سيتم دفعها للسقوط! لذلك عُرفت عنها مقولتها الشهيرة: “أفضل دفاع هو الهجوم الجيد”. قيل إنها أصبحت زوجة (أخيل) بعد ذلك، وتمت عبادتها في روما كربّة للسحر، وكوسيطة لـ(هيكاتيه)، وجعلوا مركز عبادتها في ثيساليا مركز السحر.

السحر والنسوة في الأدب؛ (ميديا) و(كوركي) أنموذجًا

نلحظ مما سبق تهميش أدوار المرأة في السياقات التاريخية، وفي الأدب العالمي. إن مجرّد افتقار المرأة للحوار في الأدب يعكس جلياً التهميش الحاصل لها.

كما يتم ذكر قوة المرأة غالبا كشرّ! فلنتخيل للحظة لو كانت (ميديا) أو (كيركي) رجالاً! لكانوا أبطالاً شجعانا لا سحرة بكل تأكيد. نقرأ في الأدب عبارات مثل: “كان (جيسون) أشجع فتيان اليونان!” أو: “ضجِر (جيسون) من حماقة (ميديا)! ونقرأ عن (ميديا): “طردها والدها لقتلها أخاها، رغم أنها قتلته إثر وقوعها تحت ضغط هائل من أسرتها، قتلته في محاولة أخيرة للنجاة بنفسها”.. لكنهم أرادوها أن تُضحي ككل النساء.

تعلمت (ميديا) كما (كيركي) أن الناس ولابد سيخطئون عليهن فكان عليهما أن تخطوان الخطوة الأولى كتكنيكٍ دفاعي؛ لذلك عُرفت عبارة ميديا السابقة الذكر “أفضل دفاع هو الهجوم الجيد”. ورغم أن شخصية (كيركي) كانت أكثر تعاطفاً من شخصية (ميديا) إلا أن الاثنتين عوملتا بالمثل: النفي والاتهام بالسحر.

تمتعت (ميديا) بشخصية قوية مستقلة عن مجتمعها، لم تكن مطيعة! لم تكن تابعة؛ بل كانت صاحبة قرار، رفضت أن تتم معاملتها بصفة الابنة أو الزوجة. إن صعوبة تنفيذ المرأة لقراراتها لا يؤدي إلا إلى صعوبة الخيارات التي تتبقى أمامها تحت ظلّ النظام الأبوي الذي تعيش فيه.

إن “للسحر” رمزية تشير إلى كراهية المجتمع لقوة الأنثى. أما رمزية ممارسة السحر للنساء فقد كان يمثل بحثهن عن الأمان والاستقلال في عالمهن الموحش.

أدهشني حقيقة أن أرى نموذج (ميديا) و(كيركي) منذ أقدم العصور، لايزال يتكرر  حتى عصرنا الحاضر. غير أن الاتهام “تطوّر” إلى الجنون والفساد والتمرد والمجون! لم يتغير الكثير في الحقيقة ولاتزال المعركة قائمة.. تُنبذ المرأة القوية ويُطالبون بنفيها بعيدا..

أخذت ابنتي لحضور فيلم (مولان) ٢٠٢٠، لفتت نظري شخصية المرأة المحاربة التي وُهبت طاقة “التشي”، الطاقة التي كانت تعدّ فخرا وشرفا للرجال فقط، أما الفتاة التي تتجرأ على إظهارها فيتم نفيها وإقصاؤها ووصمها بالساحرة بدلا من المحاربة، كالرجل المحارب!

تقول شخصية المرأة المحاربة أو الساحرة التي تم نفيها في الفيلم: “كنت كلما أظهرت قوتي أكثر كلما سحقوني أكثر”!

وتقول (كيركي): “يجعلك الشعور بالوحدة الكبيرة تخلق استقلالاً عظيماً”، وتقول: “أرتقي عندما أذهب إلى الأعشاب، أنا أصنع شيئا.. أُحوّل شيئا.. السحر الخاص بي أقوى من أي وقت مضى.. كم عدد الذين لديهم مثل هذه القوة والترفيه والدفاع مثلي؟!”.

تعتقد (مادلين ميلر) إن الطريقة الوحيدة للتمسك بالسلطة مع أخلاقك كامرأة في وقت واحد لن تكون إلا بالشجاعة! إذا حاولت الاستقلال في هذا العالم فأنت مجبرة على القيام بما قامت به (كيركي) و(ميديا) و(هيدا)، ستضطرين دائما إلى الدفاع عن نفسك ضد الشك، مع أن ذلك سيؤدي في معظم الأحوال إلى خلق المزيد من الشك. أو أن تصبحي مثل ثيا في قصة (هيدا) أو (بينولوبي) زوجة (أوديسوس) المخلصة. 

تجسد “الساحرة” قلق الذكورية بشأن قوة الإناث، إلصاق تهمة “السحر” بالأنثى القوية؛ ليتمكنوا من قول: انظروا ماذا يحدث عندما تُعطى المرأة القوة والاستقلال؟! وغالبا ما تكون الساحرة المشعوذة القبيحة الشريرة مجرد امرأة عزباء حرة ومستقلة! عندما ننظر لـ(كيركي) بتجرد فهي في حقيقة الأمر امرأة حكيمة مستقلة وممرضة وطبيبة، جعلوها ساحرة! لكنهم إذا مرضوا لجأوا إليها بحثا عن العلاج.

يجب أن لا ننسى ذكر ليدي مكبث والساحرات الثلاث ضمن هذا السياق، واللاتي مثلن السحر والشعوذة في انعكاس للمعرفة والقوة والرغبة في السلطة تماما كالرجال!لم تكتفِ المجتمعات باتهام المرأة بالسحر والشعوذة والفساد والمجون والجنون، بل إن الأمر تعدى ذلك إلى التلذذ بإذلال المرأة انتقاما من عزتها وقوتها وصلابتها!

(هيدا جابلر)

عندما أشهر (أوديسوس) سيفه على رقبة (كيركي) في “مشهد بطولي” يملأ أعين الناس فرحاً! ركعت (كيركي) أمامه استجداء عطفه ورحمته، وأهدت نفسها وبيتها له لسنة كاملة، وأرشدته طريق العودة. وكأنه لا يمكن أن تكون هناك قصة مالم تزحف النساء باكية طلباً للرحمة! أما أدوار البطولة والعزة فقد كانت للرجال دوماً.

كانت المرأة تخشى أن تمتعض بشأن أي هضم لحقوقها خوفاً من اتهامها بالاتهامات الباطلة التي يطلقونها جزافاً. صوروا ميديا بصورة الساحرة الشريرة الحاقدة المتهورة اللاعقلانية! مثّلت (ميديا) و(كيركي) المرأة التي لا تقبل التنازل عن حقوقها. تحولت شخصيتاهما عبر الأزمنة من الساحرة القاتلة الشريرة إلى أحد رموز التحرر الأنثوي من النظام الأبوي.

ثم أطلّت علينا شخصية (هيدا جابلر) لـ(هنريك إبستن) في القرن العشرين، (هيدا) من أوائل المطالبات بحقوق المرأة، والتي تم تصويرها من قبل المجتمع على أنها امرأة منحرفة. تعتبر (هيدا) نسخة حديثة من (ميديا)، وهي امرأة أرادت الاستقلال لكنها لم تُعط هذا الحق الأصلي، فكانت ردة الفعل الوحيدة الممكنة هي انعدام الوفاء لأهلها الذين سلبوا منها حقها، لتُتهم تلو ذلك بالشرّ والخيانة ولا غرابة!

كل ردّات فعل هؤلاء النساء حتى الأكثر جموحا لم تكن سوى صرخاتٍ للمطالبة بحقوقهن المسلوبة، لم تكن أكثر من ردودٍ على كل الاتهامات والافتراءات الباطلة. سُلبوا التمكين من التواصل والتعبير، لم يقبلوا حصولهن على صوت؛ خشية من سماعه. يزعجهم ألا تكون المرأة خادمة خاضعة، زوجة وأم فقط في هيكلة ثقافية صنعت مؤسسة الزواج الشبيهة جدا بالعبودية.

إن صورة (هيدا) وهي تمسك بيدها مسدساً أرعبتهم، ترعبهم للغاية فكرة أن تمتلك المرأة القوة! لذلك خلعت (ميديا) الضعف الناتج عن عواطف الحب والذكريات حتى أنها قشعت عنها غريزة الأمومة! كان عليها أن تتجرد لتحكم لتسيطر ففي عالم القوة لا وجود للعاطفة والرحمة.

وهم بالمناسبة يحاربون اللطف بشكل عام، حتى الرجل اللطيف يُحارب! يرون اللطف ضعفاً! فالبقاء للأقوى في معركة البقاء، على الأقل في المجتمعات المتشددة. ليس للألطف كما يرى أصحاب نظرية البقاء للألطف! أو للأجمل رغم أن اختيار الأجمل أمر في غاية القسوة ولا يتعارض مع الأقوى إلا باختلاف الصفة، سحرت معايير الجمال أصحاب هذه النظرية حتى لم يروا مدى قسوتهم!

وفي حقيقة الأمر لا يعدو “الرجل المثالي” بالنسبة لهم أكثر من مجرد خادم متسلط! حتى إن الشريعة الإسلامية تعتبر القوامة تكليفا لا تشريفا! المنظومة بأكملها بكل عناصرها مُجهدة ولم تقم على نحو صحيح، كان “الطفل” ولا زال المستفيد الأول. إن كل هذه الأمور تحدث وتدور حول بناء البيئة الأنسب لتربية الطفل، من أجل استمرار وتطور البشرية.

ربما كان تسلط الذكر على الأنثى هو ما بدأ الذكورية، ربما كذلك كان أول من استدعى كل ذلك امرأة كسولة أو متخاذلة، امرأة كانت أكسل من أن تقوم بأمورها وأمور وليدها، امرأة تدّعي الضعف وعدم القدرة على توفير غذاء طفلها. فيهرع الأب من منبع الأبوة لتوفير احتياجات ابنه! ربما رأوها أخريات وأعجبتهم الخدعة، خدعة كانت أو حالة ضعف فردية!

كُتب الانتشار للخدعة أياً كانت! وكلما استاءت امرأة لا يسُرّها أن تُخدم رغماً عنها ثارت ثائرة بقية النسوة وأقاموا الدنيا عليها خوفاً من انكشاف خدعتهن وزوال مكاسبهن من توفير المعيشة المجاني الذي يقدمه الرجال بكل إخلاص! حتى إن المرأة الكسولة من شدة كسلها أعطت دور المحارب للرجل؛ لينوب عنها، كانت أكثر كسلا من أن تحارب معاركها! أقنعت الرجال أن الشر كل الشر يكمن في استقلال تلك المرأة عن الرجل.

أو ربما.. ربما كان رجلا خدوما بطبعه أراد لشريكته الراحة فأثار إعجاب النساء فقلده بقية الرجال.. ربما.. لن يعلم أحد بشيء على وجه اليقين! ربما لم يكن “الذكر” عدو المرأة، بل كانت قناعة ممكنة الحصول لدى الرجل أو حتى المرأة.

الأنثربولوجيا النسوية، ونظريات تحليل تبعية المرأة

وددت لو أمكنني أن أسترق النظر إلى العصور الأولى للجنس البشري، حتما لن أتفاجأ لو رأيت النساء تصيد! لكان الكسل والتكاسل والرغبة في الاعتماد على الآخرين السببَ الأولَ لظهور الذكورية، التي تطورت وازدادت حدة بمرور الزمن. ولكنت أضفت الكسل إلى أوائل الذنوب جنبا إلى جنب مع الكبر والحسد!

وقد ظهرت الأنثربولوجيا النسوية كحقل فرعي لعلم الأنثروبولوجي، كردة فعل على التحيز الذكوري القائم والظاهر في عملية جمع المعلومات، فقد بُنيت العلوم الاجتماعية تحت أنماط التفكير السائدة في المجتمعات. كنمط التفكير الكنسي على سبيل المثال! مما أدى إلى نتائج كارثية، وفهم ناقص للتجربة الإنسانية!

وقد اعترضن نسويات الأنثروبولوجي على الصبغة الذكورية الظاهرة بحدة في تحليل الآثار، التي ادعت أن القائمين على عمليات الصيد وسنّ الرماح هم من جنس الرجال فقط. بدأت الأنثروبولوجيا النسوية موجتها الأولى بالعمل على تطوير نظريات لتحليل تبعية المرأة، والذي بدا عالمي الحدوث في العديد من الثقافات.

إن عدم وجود نظريات تفسر اضطهاد المرأة على اختلاف أنواعه، جعل تفسير الماركسية للطبقية والقهر الرأسمالي يظهر كتفسير لهذا الاضطهاد. فتبعية النساء في المجتمعات الرأسمالية سواء من حيث دورهن الإنجابي وأعمالهن الأسرية الغير مدفوعة الأجر ناشيء من الاتجاهات التاريخية التي سبقت الرأسمالية نفسها. إذ إن عمل المرأة الأسري بلا أجر أمر داعم لإنتاجية أقوى في الأعمال، مما يؤدي إلى تقليل التكلفة الإنتاجية من أجل تشغيل الاقتصاد الرأسمالي، مما يزيد هوامش الربح للطبقة البرجوازية.

وقد تم عزو بداية اضطهاد المرأة إلى العصر الحجري الحديث عند بداية تملك الرجال للأراضي والقطعان، ورغبتهم في نقل الملكية إلى نسلهم عبر الميراث الأبوي، وتم تحقيق ذلك من خلال الإطاحة بالنسب الأمومي مما أدى إلى الهزيمة التاريخية للجنس الأنثوي.

لكنني أتوقف هنا عن ربط النسب الأمومي بالاضطهاد الحاصل للمرأة؛ لكون الجين المسؤول عن استمرار السلالة البشرية ينتقل عبر الذكور فقط ولا ينتقل عبر الإناث، وإن لم تكن الأجيال السابقة على علم بهذا الأمر. وكان هناك تفسيرات أخرى ذات نهج بنيوي لما تعرضت له المرأة من اضطهاد، بناءا على أن دور الذكر في الإنجاب سمحت للجنس الذكري أو أجبرته على العمل خارج المجال المنزلي الآمن نسبيا.

لكن كلا النموذجين الماركسي والبنيوي يرفضان فكرة أن اضطهاد المرأة كان لسبب فطري أو بيولوجي في الأنثى، بل هي مجرد برمجة مجتمعية للسلوك البشري. فإن ازدواج الشكل الجنسي لدى الإنسان هو سمة بيولوجية للأنواع ولا تُلزم بأي برمجة لسلوك الاضطهاد الحاصل للمرأة.

وتُعتبر الأنثروبولوجيا النسوية أساس ما بعد الحداثة؛ لأنها تشكك في الافتراضات. لطالما كان نموذج الرجل الصياد مسيطرا وداعما لفكرة أن الرجل هو القوة الدافعة للتطور البشري! لكن لم يعد بالإمكان تجاهل الانحياز الثقافي الذكوري في تحليل تاريخ الجنس البشري، وتهميش دور المرأة الضخم في الأنشطة الإنتاجية والإنجابية التي أُسندت لها من قبل الثقافة المجتمعية آنذاك.

ويجعلنا نهج التكوين الثقافي نتساءل: هل تحكم الثقافة البيولوجيا؟! هل كل الرجال سواء؟ وهل كل النساء سواء؟ هل يملك كل الرجال والنساء البنية الجسدية ذاتها؟! بغضّ النظر عن أدوات التكاثر الجنسي!

هكذا ظهرت نظرية كوير كردة فعل ما بعد البنيوي، حيث تتحدى فكرة الفصل بين الجنسين، وتتحدى فكرة أن جنس الإنسان جزءٌ من الذات الأساسية، بل إن الجنس اعتمد بدلا من ذلك على الطبيعة المبنية اجتماعيا للهويات الجنسية المعطاة لها، فالمؤسسات الاجتماعية هي التي صنعت الهياكل الاجتماعية الجنسية المعيارية للبشر.

ونلحظ مدى تأثير البناء الثقافي لكل جنس، وفكرة الثنائيات المتأصلة لدى دوركايم. فالأنثروبولوجيا النسوية تسعى لإظهار النظام الاجتماعي بصورته الديناميكية الحقيقة الواقعية باعتماد الأمر على الفرد بذاته لا على جنسه ذكرا كان أو أنثى. وتم تأسيس هذه النظرية الديناميكية بناءا على فكرة ماركس بأن العلاقات الاجتماعية تتجلى مع الممارسة في الواقع، فالتركيز الآن يجب أن يقع على الهوية لا على الجنس.

وتدرس حاليا الموجة الثالثة من الأنثروبولوجي النسوي الاختلافات بين النساء بعضهن البعض، وليس بين الإناث والذكور كالسابق. فقد أصبحت القوة هي العنصر الحاسم في التحليل الأنثروبولوجي. كل ما علينا الآن فعله كما أشارت ماريان هستر هو أن نكرّم ذكر الساحرات تقديرا وإجلالا للقوة.

فلتحيا الساحرات!

A group of people sitting in front of a building

Description automatically generated

كيركي في (أوديسية) هوميروس .. السحر والساحرات وأوديسيوس

هوميروس

(هوميروس) الشاعر الذي عاصر حرب طروادة في القرن التاسع قبل الميلاد، وكتب شعره الأعظم عنها (الإلياذة) تلتها (الأوديسة).

لم يكن (هوميروس) اسم الشاعر بل كان لقباً للشاعر باللغة الإغريقية القديمة، والذي يعني الأعمى، فقد قيل إنه فقد بصره آخر حياته بعد مشاركته في طراودة. وقيل إن (هوميروس) ليس شخصاً واحداً فقط، بل هو مجموعة من الشعراء، وهو شخصية خيالية لا وجود لها على أرض الواقع، و(هوميروس) هو الاسم الذي يمثّل هذه المجموعة؛ نظراً لاستحالة كون كل هذا العظمة الشعرية والأدبية في رجل واحد فقط! وقال آخرون بل إن (هوميروس) بالفعل شاعر كتب (الإلياذة)، لكنّ شاعراً آخر مجهولاً قد كتب (الأوديسة)؛ نظراً لاختلاف الزمن والأسلوب! ذلك أن (الأوديسة) كُتبت في السبعمائة قبل الميلاد. لكن تم الرد على تغير الأسلوب بأن من الطبيعي أن يتطور الأسلوب مع التقدم في العمر لدى غالب الشُعراء، ولم يتم إثبات تواريخ كتابة القصائد.

وهذه الأقاويل والتكهنات لم تؤثر للحظة على اسم (هوميروس)، فقد لُقّب بالمعلّم الأول في عالم الشعر والأدب.

السحر في عالم (هوميروس)

كان السحر عند (هوميروس) خيالاتٍ لامتلاك القوى .. القوى الخارقة! كان سحر (هوميروس) ألوهية صغرى.. كان القوة في جوهره .. القوة لتغيير العالم! القدرة على التأثير على البشر .. كان شكلا من أشكال السلطة .. كان كذلك شكلا من أشكال التحكم في المصير، وكان دفاعاً عن النفس في قصص أبطال (هوميروس).

لم يفرق (هوميروس) بين السحرة من الجنسين رجالا ونساءً. كان أفراد الأسرة سحرة رجالها ونساؤها دون أدنى تفرقة! كان (آييتس) و(كيركي) الأخ والأخت الشقيقين السحرة الأقوى على الإطلاق. وكانت أختهم (باسيفاي) ساحرة كذلك،

ثم وُلدت ميديا ابنة (آييتس) التي كبرت لتصبح أشهر الساحرات على الإطلاق. 

كان السحر في قصص (هوميروس) مرتبطاً بالحب واللعنات، وكان السحر بالنسبة إليه معرفة وحكمة. كان السحر المعمول باستخدام خلطات الأعشاب والنباتات معرفة خارقة للطبيعة، لم تتواجد المردة والشياطين في عالم سحر (هوميروس)، كان هناك عوالم سفلية من الأموات والأرواح، وكان هناك إراقة للدماء من أجل استدعاء الأرواح.

وكان عالم السحر مرتبطا بالطيور أيضا، حيث ساد الاعتقاد بأن للطيور القدرة على الانتقال بين عوالم الأحياء والموتى، وكانت تأخذ معها الساحر للانتقال من عالم الأحياء إلى عالم الموتى. وكان آييتس يملك قوة إحياء الموتى. وكانت هذه المعارف تعدّ معارف إيجابية وليست شريرة على الإطلاق.

وقد جعل (هوميروس) للسحرة بعض السمات؛ كالعصا في اليد، والتلويح بها في حركة لإلقاء التعاويذ، إضافة إلى العلاقة القوية بين السحرة والحيوانات.

تتواجد القطط دائما حول السحرة، وقد كان لدى (كيركي) قطة تسميها أسدي، بالإضافة لامتلاكها مجموعة كبيرة من الأسود والذئاب. وكان لدى (آييتس) مجموعة كبيرة من التنانين.

عُرفت الساحرات كذلك بالضفائر، في مظهر يوحي بالغرابة والجمال. قيل إن الضفائر آلية لربط وفك العقد لتعاويذ السحر؛ من أجل إطلاق الطاقة السحرية. وقيل بل كانت الجدائل لخشية الساحرات من تعلق خصل شعورهن في أغصان الشجر عند ذهابهن لجمع الأعشاب من أجل عمل السحر.

عُرفت (كيركي) بالضفائر في وصف (هوميروس) لها، فقد كان يقول إن ضفائرها تملك القدرة على الخلق والدمار، وعلى تغيير الأقدار. كانت (كيركي) أول ساحرة في الأدب الغربي. تنافسها في اللقب الساحرة اندور في التوراة لكن وصف “ساحرة” لم يتم إثباته على اندور، وعلى ذلك تتوج (كيركي) كأول ساحرة في الأدب.

(كيركي) .. “الآلهة التي تتحدث كالبشر!

هكذا وصف (هوميروس) (كيركي)؛ ابنة إله الشمس (هيليوس) وحورية البحر (بيرسي). قيل إنها آلهة القمر وأنها ذات أصل بابلي. وقيل إنها آلهة الحب!

عاشت (كيركي) طفولتها وحيدة بين الآلهة، وبعد أن كبرت وقعت في غرام (بيكوس)، الذي سُمي بهذا الاسم لاعتماده على نقار الخشب في العرافة. وقد كان (بيكوس) فارسا ماهرا ووسيما للغاية سعت خلفه الحوريات لجماله. لكنه كان متزوجا من (كانسيس)، لكنّ ذلك لم يمنع (كيركي) من الوقوع في غرامه! إلا أن حبها قُوبل بالرفض والازدراء فما كان من سيدة كـ(كيركي) إلا أن تنتقم أشدّ الانتقام! قامت (كيركي) بتحويل (بيكوس) إلى نقار خشب! وقامت بتحويل رفاقه إلى مجموعة متنوعة من الوحوش. تاهت إثر ذلك زوجة (بيكوس) بجنون في الغابة حتى لقت حتفها على ضفاف نهر التيبر، تاركة خلفها ابنا لها من (بيكوس) يدعى (فاونوس).

تزوجت (كيركي) بعد ذلك أمير كولشيس، وقيل ملك سرماريا. وفور انتهاء شهر العسل تولت (كيركي) السيطرة التامة على عرش مملكة زوجها ثم سممته حتى تستولي استيلاءً كاملاً على الحكم. لكن بمجرد اكتشاف قتلها لزوجها لم يكن أمامها سوى الفرار خياراً. فرّت أو قيل نُفيت من قبل والدها إلى جزيرة آيايا التي تقع وراء الشرق والغرب عند بزوغ الفجر على ساحل إيطاليا..

تم ربط (كيركي) بطيور الموت المعروفة باسم (كيركوس)؛ لأن صرخات هذه الصقور تصدر بصوت: “كيرك كيرك”. وهي صقور تُطوّق فرائسها قبل أن تقتلهم. وكانت (كيركي) تُطوّق فرائسها البشرية داخل منزلها على الجزيرة قبل أن تلقي بتعاويذها السحرية عليهم كذلك.

وقيل من الكلمة اللاتينية سيرك وجذرها “سيرس”، وتعني لعبة جنائزية، وهذا يوافق وصف عرين (كيركي) أو “سيرس| على جزيرتها. ونجد اسم كيركي يُكتب باليونانية بحرف الكي وبالانجليزية بحرف السي، لذلك نجده تارة ينطق كيركي وتارة سيرس!

صقلت (كيركي) مهارتها في حرفة السحر بنفسها على الجزيرة على مدى مائة جيل كما قيل. تقول (كيركي) عن ممارستها للسحر:

كنت أسير في عالم نعسان وبليد وخامل، ثم علمت أنه يمكنني ثني العالم لإرادتي حيث تم ثني القوس للسهم! كنت سأفعل ذلك العمل الشاق ألف مرة للحفاظ على هذه القوة التي في يدي. فكرت هذا ما شعر به زيوس!

ترى (كيركي) العمل كالحب يصنع الحياة، تقول (كيركي) بعد إتقانها السحر: “طوال هذا الوقت كنت حائكا بلا صوف، سفينة بلا بحر”.

رحلة (أوديسوس) إلى إيثاكا

يروي (هوميروس) حكاية (كيركي) الشهيرة و(أوديسوس) في (الأوديسة). كان (أوديسوس) ملك إيثاكا، وكانت (الأوديسة) تركز على رحلة (أوديسوس) البحرية للعودة إلى إيثاكا بعد تروي أو ملحمة طروادة. والتي استغرقت منه عشرة سنوات ضاع فيها هائما في البحر يواجه تحديا تلو الآخر، بسبب غضب إله البحر منه؛ لتهوّر بحارته. حتى ظنت (بينولوبي) زوجة (أوديسوس) أن زوجها قد مات في تروي، وكان عليها رفض العروض الكثيرة التي انهالت عليها بالزواج، خاصة بعد عودة المحاربين من طروادة. وتنتهي (الأوديسة) بعودة (أوديسوس) لزوجته، وانتقامه من كل الرجال الذين حاولوا الوصول إليها.

رست سفينة (أوديسوس) على شاطئ جزيرة آيايا، فأرسل (أوديسوس) ثلاثة وعشرين رجلا من بحارته؛ ليستكشفوا الجزيرة قبل دخوله لها.

صادف رجاله مجموعة متنوعة من الحيوانات البرية، وأثار دهشتهم أن الحيوانات كانت تقترب منهم بطريقة ودية، في محاولة لإلقاء التحية! ورغم كون هذا اللقاء محيرا جدا إلا أن البحارة استمروا في استكشاف الجزيرة، حتى وصلوا لمنتصفها فسمعوا غناءا هادئاً جميلا من بعيد، – شيء ما آسرٌ في الأغاني الهادئة ترغمنا بمحض إرادتنا على استرعاء السمع، تجذبنا تغوينا لملاحقتها بكل انتباه، نحنو لها وكأننا سنلقى السعادة عند الوصول لمصدر الصوت -، ربما لذلك اتبع البحارة الصوت لمعرفة مصدره على الرغم من الغرائب التي شاهدوها، ليتفاجئوا بـ(كيركي) واقفة أمامهم مرحبة بهم! دعتهم (كيركي) إلى منزلها لتقديم الضيافة، وإقامة وليمة على شرفهم. وبمجرد انتهاء البحارة من تناول الطعام حتى شعروا بالخدر، ثم بدأت أجسادهم بالتحول إلى أجساد خنازير. فأخذتهم (كيركي) إلى الحظيرة التي خصصتها لهم. بحّارٌ واحد تمكن من الهرب، فرّ هاربا إلى السفينة ليخبر (أوديسوس) بما حصل لبقية البحارة. واقترح عليه أن يغادر الجزيرة على الفور بلا عودة، لكن (أوديسوس) أبى أن يتخلى عن رجاله ويتركهم لهذا المصير.

ودخل إلى الجزيرة باحثا عنهم من أجل إنقاذهم، فالتقى هناك بـ(هرمس) مبعوث الآلهة؛ ليخبره بكيفية إنقاذ رجاله، وحماية نفسه من كيركي. فلما التقى (أوديسوس) بـ(كيركي) رحبت به بأذرع مفتوحة ظنّا منها أنها وجدت ضحية جديدة من ضحاياها. تظاهر (أوديسوس) بالنوم بعد تناوله الطعام الذي أعدته (كيركي). وجهت (كيركي) عصاها السحرية نحوه ولما ضربته بها تفاجأت به يقفز واقفا موجها سيفه نحو عنقها! تفاجأت (كيركي) واستسلمت فورا راكعة له استجداءً للرحمة.

استجابت (كيركي) لـ(أوديسوس) وأعادت له بحارته، بل إنها قدمت نفسها وبيتها له. طلب منها (أوديسوس) بأن تعيد رجاله أجمل وأطول مما كانوا عليه تعويضا لهم عما أصابهم. لكن (أوديسوس) لما همّ بإعادة رجاله لطبيعتهم كبشر فرّوا منه هربا واختبأوا، وعندما تمكن (أوديسوس) من الإمساك بأحدهم وأعاده لبشريّ، وكان (إلفونروس) تفاجأ بأنه كان أبعد ما يكون عن الشكر والامتنان! بل إنه كان غاضبا حانقا ممتعضا، واشتكى قائلا:

إذاً أعدتني للاشتغال؟! مرة أخرى! أعدتني للتعرض للمضايقة وللتعرض للمخاطر، ولإجبار عقلي وفكري على اتخاذ قرارات جديدة؟! لقد كنت سعيدا جدا بحالي كخنزير، كنت أتمرغ في الوحل طوال اليوم، مستمتعا بأشعة الشمس الدافئة، ألتهم الطعام في أي وقت وبأي كمية. وتخلصت من كل الشكوك وكل الأفكار، لماذا أتيت وأعدتني إلى هذه الحياة البغيضة؟!

يتساءل (باومان) هنا في مقدمة كتاب (الحداثة السائلة): “لماذا أصبحت الحرية لعنة؟!” ويجيب -باعتبار أن الوضع لا يزال مشابها للواقع اليوم-: إننا قد نلقي اللوم على الثقافة الحديثة التي صممت لجعل الناس متعطشين للترفيه، بدلا من الإشباع الفكري. أو أن ننتقد الليبرتارية وارتباط السعادة بمساحة الحرية. ويتفق (باومان) مع (توماس هوبز) و(إميل دوركايم) في التشكيك في فوائد الليبرتارية للحرية.

ونلحظ هنا الفرق الكبير بين الراحة والحرية. الحرية جهد والراحة سكون. غالبا المرتاح لا يُبدع والحرية إبداع! المرتاح ربما يجد متسعا من الوقت ليتعلم أكثر ليطلع أكثر، لكن الضغط وحده من يدفع الإبداع للظهور، أيا كان نوع الضغط، وأيا كان نوع الإبداع. من هنا استحق العظماء عظمتهم؛ لأن للحرية مصاعب وضغوط تحملت عظامهم ثقلها بكل جلادة وصبر حتى تكسرت؛ لتنتج لنا كمية من الإبداع الفكري الرائع!

هل ساعدك الوباء على قراءة الروايات الكلاسيكية الطويلة؟

مبيعات رواية (الحرب والسلم) و(دون كيخوته) و(مدل مارش) تزدهر. قراءة الروايات الطويلة أصبحت أكثر جاذبية أكثر من أي وقت مضى.

ما الذي يفعله الناس لقضاء ساعات فراغهم في المنزل؟ ندفن أنفسنا في روايات طويلة جداً مثل (الحرب والسلم)، و(دون كيخوته)، على ما يبدو. في بداية حظر التجول الأول، طوال طريق العودة في شهر مارس، أُبلغنا أن القراء بدأوا في تخزين الروايات الطويلة والقصص الكلاسيكية. بعد أكثر من سبعة أشهر، أفادت دار النشر راندوم هاوس أن مبيعات نسختها من (الحرب والسلم) – التي تصل إلى ١٤٤٠ صفحة – قد ازدهرت بنسبة ٦٩٪ في المملكة المتحدة حتى الآن هذا العام: وفقاً لشركة نيلسون بوكسكان لمراقبة مبيعات الكتب، فقد تم بيع ٣٧٠٠ نسخة في عام ٢٠١٩ إلى ٦٣٠٠ نسخة في عام ٢٠٢٠ حتى الآن.

كما شهدت دار النشر ارتفاعاً في مبيعات (دون كيخوته) [١٠٥٦ صفحة بزيادة ٥٣٪] و(آنا كارينينا) [٨٦٥ صفحة بزيادة ٥٢٪] و(مدل مارش) [٨٨٠ صفحة بزيادة ٤٠٪] و(الجريمة والعقاب) [٧٢٠ صفحة بزيادة ٣٥%].
يقول (جيس هاريسون)، وهو مدير تحرير بينغوين كلاسيكس:

كنا نتوقع أن نشهد ارتفاعاً كبيراً في القراءات المريحة، مثل روايات الغموض الدافئة أو الروايات الهزلية الخفيفة. وبدلاً من ذلك، يبدو أن القراء قد استلهموا من الإغلاق للتعامل مع الآثار الأدبية العظيمة – الكتب التي ربما كانوا يقصدون دائماً قراءتها، ولكن لم يكن لديهم الوقت من قبل للشروع في ذلك.

يبقى أن نرى ما إذا كان القراء ينتهون من رحلتهم. ولكن هناك بعض قصص النجاح، مثل أكثر من ٣٠٠٠ قارئ شاركوا في Tolstoy Together، وهي مجموعة قراءة لرواية (الحرب والسلم) أشرفت عليها الروائية (ييون لي)، والذي خصص لهم ١٠-١٥ صفحة من القراءة اليومية على مدار ٨٥ يوماً متتالياً.

“لقد وجدت أنه كلما كانت الحياة أكثر غموضاً، كلما زادت الصلابة والبنية التي توفرها روايات (تولستوي)“، تقول (ييون لي“في هذه الأوقات، يريد المرء أن يقرأ مؤلفاً تأثر بشدة بالعالم لدرجة أنه قد يبدو غير متأثر في كتاباته”.

كان هذا بالتأكيد صحيحاً بالنسبة لي. بعد أن دفنت نفسي في الفرح الغامر في (ثلاثية ميرلين) لـ(ماري ستيوارت) [تصل نسختي الشاملة إلى أكثر من ٩٠٠ صفحة] في وقت سابق من هذا الصيف، أقترب حالياً من الانتهاء من إعادة قراءة رواية (كثيب). فقط ٦٠٠ صفحة فردية، تافهة إلى حد ما مقارنة برحلة الروائية (ييون لي) إلى روسيا في القرن التاسع عشر، لكن سيدي، الغرق مرة أخرى في عالم (فرانك هربرت) من الديدان الرملية، والساحرات (ثوبترز) و(بيني جيزيريت)، كان كل ما أحتاجه تماماً. كما أفعل في كل مرة أعيد فيها قراءة (كثيب)، وجدت نفسي أتمتم في سطور مناسبة لنفسي – “الخوف هو الموت الصغير” – وأمارس المشي على الرمال مثل (فريمان) عندما أكون في الملعب مع أطفالي: “يجب أن تحاكي حركتهما أصوات حركة الرمال الطبيعية، وحركة الرياح. لكن عضلاتها اعترضت على نمط السير غير الطبيعي. سحبة… سحبة… خطوة… خطوة… انتظار… سحبة… خطوة.” بعد كل شيء، لا تعرف أبداً متى ستظهر (شاي-هولود) وجهها.

ستؤدي متابعة قراءة (كثيب) مع السلاسل التابعة لها مثل (مسيح الكثبان) و (أطفال الكثبان) إلى رفع عدد صفحاتي إلى مستويات أكثر جدارة بطاقم (الحرب والسلم)، لكنني لست مقتنعاً بعد بأنني سأستمر في الانتقال إلى (فرانك هربرت) (أقل شأناً، في ذاكرتي).

تكملة: أنا بالتأكيد لن أعود إلى تلك الأعمال المكتوبة بعد وفاته. لكن قراءة طويلة أخرى ستغريني بالتأكيد. ما هي كتبك الطويلة المفضلة؟ هل وجدت العزاء في تلك الروايات التي يتطلب حملها بكلتا يديك؟


بقلم: أليسون فلود
ترجمة: سليم الشمري
مراجعة وتحرير: أحمد بادغيش

[المصدر]

ملخص عام ٢٠٢٠ .. أبرز خمسة مقالات منشورة في ساقية؛ للشعر وللفلسفة وللتأمل

في كل عام، نقوم بنشر العديد من المقالات المختلفة سواءً المترجمة أو المقتبسة من شتى مصادر المعرفة، والتي تنال الكثير من تفاعل القراء في مختلف العالم العربي، والتي نستمتع بكتابتها كفريق في رحلاتنا الشخصية للبحث عن الحكمة والمعرفة.

نتفق جميعًا أن هذا العام كان مختلفًا عن جميع الأعوام السبع الماضيات، كان من المثير جدًا البحث عن مختلف المقالات المعرفية والأدبية، وسط كل تلك الأفكار والصفحات والكتب، في مواجهة تحديات الحياة حتى النهاية، وفي كل الخواطر التي نقلبها حين صفاء، والتأمل في السنوات الماضيات، وفي استغلال أوقاتنا بالشكل الذي نأمله من ذواتنا. أو كما يقول (سارتر):

إذا شعرت بالوحدة وأنت وحدك، فأنت في صحبة سيئة.

نتمنى لكم سنة سعيدة، في عامنا الثامن معكم في رحلتنا في أنهار المعرفة لانتقاء جواهر الأدب وعيون الحكمة والمزيد من الإلهام


١. مهما بدت مشاهد حيواتنا مشوشة، ومهما كنا، نحن الذين نعيشها، منهكين، بإمكاننا مواجهة تلك المشاهد والسير حتى النهاية

تقدّم الأستاذة (دلال الرمضان) ترجمتها عن اللغة الإنجليزية لمقالة الكاتبة (ماريا پوپوڤا) عمّا يفعله بنا الشعر، وما الذي يتشاركه مع العلوم التطبيقية، ولماذا يقاومه البعض. من كتاب (حياة الشعر) للشاعرة الأمريكية (موريل روكيسر).


٢. يظهر من ثمة أن الإنسانوي الثاني موصول بما يمكن أن أسميه ثورة الحب. أي اختراع العائلة والزاوج الثابت والاختياري. لوك فيري في مقالة بعنوان: غسق العبقري

في ترجمة حصرية أخرى عن اللغة الفرنسية، يقدم الأستاذ (ماهر الفضلي) ترجمة لمقالة الفيلسوف الفرنسي المعاصر (لوك فيري) في مجلة (LE Point)، والتي حملت عنوان “غسق العبقري”.


٣. سيكون بولص .. وحديثه عن التحولات الثلاث للوعي البشري، ودورها في تشكيل رحلة الفنان المعاصر

كما نشرنا سابقًا عن التحولات الثلاث للوعي البشري كما يصفها الفيلسوف الألماني (فريدريش نيتشه)، يعود الشاعر العراقي الآشوري (سركون بولص) للكتابة عن انعكاس هذه التحولات الثلاث على مسيرة الفنان أو الشاعر. في مقالة من كتابه (الهاجس الأقوى عن الشعر والحياة).


٤. الحياة عقد إيجار .. من المدرسة الهيلينية؛ ورسالة (سينيكا) إلى الفيلسوف الراقي (بولينيوس)

من الفلسفة اليونانية القديمة، يكتب (خالد آل تركي) مقالته “الحياة عقد إيجار”، أو كما عيقول (سينيكا): “حياتنا ليست قصيرة ولكننا نجعلها كذلك لأننا نضيع الوقت فيما لايفيد ولكنها طويلة لمن يرتب أولوياته بشكل صحيح”.


٥. عن (نيوتن)، والطاعون، وكيف حرض الحَجر الصحي على القفزة الأعظم في تاريخ العلم

في مقالة مترجمة أخرى من الأستاذة (دلال الرمضان) عن الكاتبة (ماريا پوپوڤا) عن دور الحجر الصحي في عام ١٦٦٤م إثر انتشار الطاعون في أجزاء المملكة المتحدة، على نظريات (نيوتن) الفيزيائية واكتشافها، وكما يكشفها الكاتب الأمريكي (جيمس جليك) في كتابه.