الحب عند حنة أردنت وكيفية العيش بخوف متأصل من الخسارة

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

“أحب لكن حذارِ مما ستحبه” كانت هذه النصيحة التي كتبها الفيلسوف الروماني الأفريقي القديس (أوغسطينوس) في السنوات الأخيرة من القرن الرابع. وإذا نظرنا للأمر بعمق فإننا ما نحب -نصبح هو بقدر ما يصبح هو نحن، فهو يستدعي عددًا من بواعثنا الواعية واللاواعية من شوقٍ ويأسٍ ورغبةٍ منقوشة فينا. ولكن يظل هناك تناقضٌ عميقٌ يشوب هذا النداء للتفكير بهذا المفهوم لكوننا نمارس الحذر والحيطة في الحب- لتحب يعني أن تعرف حدود اللاعقلانية التي تهوي وتنزلق حتى من بين يدي أصلب العقول وأعندها حين يمسك القلب بزمام الأمور بتلك اللامبالاة اللذيذة التي هي صفته.

كانت فكرة كيفية إتباع نصيحة (أوغسطينوس) لا بالخضوع بل بفهم أعمق لتجربتنا في الحب هو ما بحثت فيه (حنة أردنت) في عمله الأقل شهرة ولكن الأجمل (الحب والقديس أوغسطينوس)، وهي أول مخطوطة بحجم كتاب لـ(حنة أردنت) وآخر ما نُشر بالإنجليزية، والذي أنقذته العالمة السياسية (جوانّا فيكشيارلي سكوت) والفيلسوفة (جوديث شيلس ستارك) من أوراقها بعد وفاتها.

يتضح أنها و بعد نصف قرن من كتابتها لهذا العمل كأطروحة لدرجة الدكتوراة سنة 1929 -في الوقت الذي سيصبح فيه هذا العقل حواريّ المنطق والذي سيصبح أحد أعمق عقول القرن العشرين التحليلية والتي كان أثناءها تؤلف رسائلها المتقدة المتبادلة مع (مارتن هيدجر)- راجعت المخطوط و شرحته. وعلى النقيض من تخلي (أوغسطينوس) عن أفكاره الفلسفية شحذت (أردنت) جوهر فلسفتها وعلى رأسها القطيعة المقلقة التي رأتها بين الفلسفة والسياسة كما يتجلى ذلك في ظهور أيدولوجيات من قبيل الشمولية والتي بحثت فيها بجهود واضحة لا تخفى. وكانت استعارت من (أوغسطينوس) العبارة “ amor mundiأي حب العالم والتي ستصبح سمة مميزة لفلسفتها. يأسرها سؤال لِم نخضع للشر و نطبعه حددت (حنة) جذور الطغيان بأنها فعل تحويل البشر الآخرين لكائنات لا أهمية لها، ومرارًا وتكرارًا رجعت إلى ترياق (أوغسطينوس): الحب.

لكن بينما كان مفهوم حب الجوار القديم والذي كان ملهمًا لـ(لوثر كنج) محور اهتمام (حنة) الفلسفي الأساسي وسبب اهتمامها بـ(أوغسطينوس) فإن أهمية السياسية لا تنفصل عن النبع الأعمق الذي لا بنضب للحب: الحب الشخصي. فكل الحكمة السياسية والفلسفية التي استقتها من أفكاره كانت (اعترافات أوغسطينوس) فيها يحركها تجربته الشخصية في الحب- القوة الأبدية التي تحكم الشمس والقمر ونجوم حيواتنا الداخلية- والتي انعكست ودونت في بنيتنا الثقافية والإجتماعية.

واضعة نصب عينيها تصور (أوغسطينوس) عن الحب كـ “نوعٍ من الشهوة” (appetitus) وهي الكلمة اللاتينية التي اُشتقت منها كلمة شهية، وتأكيده على “أن الحب ما هو إلا اشتهاءٌ لشيء لذاته ورغبة به” اعتبرت حنة هذه الرغبة الموجهة بدافع حبًا:

“كل شهوة مرتبطة بكيان محدد، وهذا الكيان هو كل ما مطلوب لإثارة هذه الرغبة وبالتالي ابتكار هدفٍ لها. إن الشهوة تتحدد بإعطائها ما تسعى إليه بالضبط كحركة يحددها الهدف الذي تتحرك باتجاهه”. لذا فالحب كما كتب (أوغسطينوس) “شكلٌ من أشكال الحركة وكل حركة هي باتجاه شيءٍ ما”. أما ما يحدد حركة الرغبة فهو معروف دومًا مُسبقًا، فرغبتنا بشيء تهدف إلى عالمٍ نعرفه و لا تكتشف شيئًا جديدًا لا نعرفه. إن الشيء الذي نعرفه ونرغب به هو “جيد” وإلا لما كنّا نسعى إليه شوقًا، كل الأشياء الحسنة التي نرغب بها في حبنا الذي نسعى إليه هي كيانات مستقلة غير مرتبطة بكيانات أخرى، وكل كيان منها لا يمثل إلا حسنه هو المنفرد. أما السمة التي تميز هذا الشيء الحسن الذي نرغب به هي أننا لا نملكه. ومتى ما نلنا هذا المرغوب تنضب رغبتنا ما لم نكن مهددين بفقده، وحينها تتحول الرغبة التي كانت تعترينا إلى خوف من الفقد. كمسعى للحصول على ذلك الشيء الحسن تحديدًا لا الحصول على أشياء كثيرة عشوائيًا تكون الرغبة خليطًا بين “استهداف” و“الإشارة إلى”. إنها الإشارة إلى الفرد الذي يعرف خير العالم وشره ويسعى إلى العيش بسعادة، ذلك لأننا نعرف السعادة التي نريدها لنكون سعداء، ونظرًا لأنه لا شيء مؤكد وثابت كرغبتنا بأن نكون سعداء فإن مفهومنا للسعادة يرشدنا في تحديد الأشياء الحسنة المعنية التي ستصبح بعدها رغباتنا. الشهوة أو الحب هو إمكانية الظفر بامتلاك الإنسان للحسن الذي سيجعله سعيدًا، هو الظفر بحيازة ما هو على الأرجح يخصه.

لهذا السبب يبدو الحب الكريم غير المتملك -الحب الذي لا يُنقصه الفشل ببلوغ الحسين الذي يرغب به- كإنجاز لا يقدر عليه إلا إنسان خارق. (“إذا لم تكن العاطفة متساوية/ فلأكن أنا الأكثر حبًا” كان هذا ما كتبه صديقه الطيب لـ(حنة) وأشد معجبيها (ويستن هيو أودن) في قصيدته السامية الموجهة “انتصار قلب الإنسان الخارق” لكن الحب المبني على التملك تحذر (حنة) من تحوله إلى خوفٍ حتمي، الخوف من خسارة ما كسبت. بعد ألفي سنة من تقديم (إبكتيتوس) وصفته لعلاج القلب المكسور قبولٍ لفكرة أن كل الأشياء فانية وكذلك الحب الذي يجب التمسك به بأصابع الانفصال الطليقة كتبت (حنة) -التي لاحظت دين (أوغسطينوس) للفلسفة الرُّواقية- تقول:

طالما أننا نرغب بأشياء زائلة لزمن طويل نحن مهددون دومًا، ويماثل خوفنا هذا من الخسارة والفقد رغبتنا بالامتلاك. تنبع الأشياء الحسنة المؤقتة و تهلك منفصلةً عن ذلك المربوط بها برغبته. مقيدين دومًا بالرغبة والخوف من مستقبل تملؤه الشكوك نجرد كل لحظة من لحظات المستقبل من سكينتها وقيمتها الجوهرية تلك التي لا نقدر على الاستمتاع بها. وهكذا يدمر المستقبل الحاضر.  

أضافت (حنة) بعد نصف قرن من تحذير (تولستوي) بأن “الحب في المستقبل غير موجود لأن الحب فعل حاضر فقط“:

ليس الحاضر محددًا بالمستقبل على هذا الأساس.. ولكن بسبب أحداث معينة نتمناها أو نخاف المستقبل بسببها، والتي تبعًا لها نشتهي ونسعى، أو نتحاشى ونتجنب. تتمثل السعادة في التملك، في حيازة الحسن الذي يخصنا والاحتفاظ به، بل وحتى في الثقة بعد خسارته وفقده. لكن سعادة الامتلاك بالنسبة لـ(أوغسطينوس) لا يناقضها الحون ولكن الخوف من الفقد. إن مشكلة سعادة البشر أنها مثقلة دومًا، ليست المشكلة في انعدام الامتلاك بل سلامة الامتلاك واستمراريتها هي التي على المحك.

والموت طبعًا هو الخسارة العظمى – في الحب وكذلك في الحياة- و هو لذلك العنصر الأقوى في مستقبلنا الذي يحكمه الفزع. ورغم ذلك فإن الهرب من الحضور من بوابة القلق -الذي هو ربما الداء الأكثر عرضة للإصابة به- هو ذاته موت على قيد الحياة عن ذلك كتبت (حنة):

خوفًا من الموت يعيش هؤلاء حياة الخوف، حياة مآلها الموت.. المزاج الذي تُعرف فيه الحياة وتصور على أنها قلق، وحينها يصبح موضع الخوف خوفًا بذاته. وحتى لو علينا أن نفترض عدم وجود ما يتطلب خوفنا، وأن الموت ليس شريرًا، ستظل فكرة الخوف من أن كل الأشياء ستتلاشى وتفنى.

وبعيدًا عن هذه الخلفية السلبية تشكل (أردنت) وتمثل شكل هدف الحب الأسمة حسب (أوغسطينوس):

إن الجسارة والشجاعة هي ما سعى إليه الحب. فالحب كرغبة يحدده هدفه وغرضه، وهذا الهدف متحررٌ من الخوف.

وعن العاطفة توضح الآلية الجوهرية التي يخدع فيها الإحباط الرضى (المؤقت) في الحب الرومنسي تضيف:

الحب الذي يسعى إلى أي شيء آمن ومتاح على الأرض دومًا ما يكون حبًا محبطًا يتحول ويصبح هدفه وغرضه باطلًا، وحينها لا يعود أي شيء مرغوبًا سوى الحرية من الخوف. وشجاعة كهذه لا توجد إلا في السكينة التامة التي لا تعود أحداث المستقبل قادرة على زعزعتها.

إذا كان الحاضر – طارد التوقعات- شرطًا أساسيًا لتجربة حب حقيقة، فإن الزمن هو العنصر الأساسي الهيكلي للحب. بعد قرابة نصف قرن وبعد ما أصبحت أول امرأة تتحدث في محاضرات (جيفورد) الشهيرة في الذكرى الخامسة والثمانين للسلسلة، ستجعل أردنت هذا المفهوم عن الزمن كانطلاقة للأنا المفكرة محورًا لمحاضرتها الهامة حياة العقل. والآن وبالاقتباس من كتابات (أوغسطينوس) تأخذ بعين الاعتبار مفارقة الحب خارج حدود الزمن للمخلوقات الزائلة مثلنا:

حتى لو كان يفترض بالأشياء ألا تزول فإن حياة الإنسان ليست كذلك. نحنُ نخسرها يوميًا. فبعيشنا تمرنا السنون وتبلينا نحو العدم. ويبدو أن الحاضر هو الحقيقي فقط بالنسبة “لأشياء مضت وأشياء لن تأتي“، ولكن كيف يمكن للحاضر -الذي لا أقدر على قياسه- أن يكون حقيقيًا وهو لا يملك أي “حيزًا”؟ إن الحياة دومًا هي إما لا مزيد أو ليس بعد، وكالزمن تنبع الحياة من “ما ليس بعد مارةً بما لا يملك حيزًا ومختفية في ما عاد موجودًا“. هل يمكن قول أن الحياة موجودة أصلًا؟ تظل حقيقة أن الإنسان يقيس الزمن، ربما يتملك “الحيز” حيث يمكن حفظ الزمن كفاية لقياسه وليس هذا “الحيز” والذي يحمله الإنسان معه متخطيًا الحياة والزمن؟

يوجد الزمن بقدر ما يُمكن قياسه والمعيار الذي نقيسه به هو الحيز.

بالنسبة لـ(أوغسطينوس) كما لاحظت الذاكرة هي الحيز الذي يُقاس فيه الزمن ويخبأ:

الذاكرة هي مستودع الزمن، هي حضور “لا أكثر من ذلك” كاستثناء لحضور “ليس بعد”. لذلك لا أقيس لا أكثر من ذلك، ولكني بعض الأحيان أفعل ذلك في ذاكرتي التي يظل ثابتًا فيها. لا يوجد الزمن أبدًا إلا باستدعاء الماضي والمستقبل إلى حاضر التذكر والتوقع. و من ثم فالزمن الصحيح الوحيد هو الحاضر، الآن.

أحد أهم الثيمات التي بحثت فيها خلال الاكتشاف هو سؤال الزوال هذا حتى لأكثر تجاربنا خصوبةً. كتبت (مارجريت فولِّر) -إحدى كتابي المفضلين- مرةً: “اتحاد طبيعتين معًا لزمنٍ أمر عظيم“. هل علينا أن نيأس أو نبتهج بخصوص حقيقة أن حتى أعظم حب يوجد فقط “لزمن”؟ إن ميزان الزمن مرن، ينكمش ويتمدد بعمق و جسامة كل حب، لكن له دومًا نهاية وحدود كالكتب، كالحيوات، كالكون نفسه. إن نصر انتصار الحب هو في الشجاعة والنزاهة التي نُسكن فيها التجربة الفائقة الزائلة التي تجمع شخصين لمدة من الزمن قبل أن تحررهم بنسبة متساوية من الشجاعة والنزاهة. غلب تعجب فولِّر من رؤية لوحات كورديجو لأول مرة على الجمال الذي عرفته قبلًا، الجمال الذي يشع حقيقة ضخمة عن قلب الإنسان: “يا روح الحب الحلوة! عليّ أن أقلق منك أيضًا لكنها كانت جميلة ذاك اليوم“.

حددت (أردنت) مكان هذه الحقيقية الجوهرية عن القلب في كتابات (أوغسطينوس). فبعد قرن من تأكيد (كيركغورد) أن “أن اللحظة على الأرجح ليست ذرة من الزمن ولكنها ذرة من الخلود” لاحظت:

الآن هو ما يقيس الزمن جيئةً وذهابًا؛لأن الآن بالمعنى الدقيق لكلمة ليس الزمن ولكنه خارج الزمان. في الآن يتقابل الماضي والحاضر، لأجل لحظة عابرة هما متزامنين ليحفظا في الذاكرة التي تتذكر الأشياء الماضية وتحمل توقعات ما سيأتي مستقبلًا. لأجل لحظة عابرة (الآن الزائل) كأنما يبقى الزمن ثابتًا، و الآن هو ما أصبح نموذج (أوغسطينوس) للأبدية.

و(أوغسطينوس) نفسه رصد هذا الزوال المهم:

من سيمسك القلب و يعالجه ليبقى ثابتًا لبرهة ويلتقط للحظة روعة الأبدية التي تبقى ثابتة للأبد، ويقارنها باللحظات العابرة الزائلة التي لا تثبت ولا تبقى، ويرى أنها لا تُقارن.. لكن و لأن كل هذا في الأبدية لا شيء يمضي ولا يمر لكن الحاضر هو الكامل.

اتجهت (أردنت) إلى قلب المفارقة:

ما يمنع الإنسان من “العيش” في الحاضر الأزلي هو الحياة نفسها والتي لا “تثبت” إطلاقًا. الشيء الحسن الذي يشتهيه الحب ويرغب به موجود بعيدًا عن كل الرغبات المجردة. فإذا كان محض سؤالٍ وبحثٍ عن الرغبة فإن كل الرغبات ستنتهي بالخوف. ولأن أي شيء يواجه الحياة من الخارج كيكان لما يرغب به هو ما يُسعى إليه لأجل الحياة (الحياة التي سنفقدها) فإن الكيان والشيء الأقصى الذي نرغب به هو الحياة ذاتها. الحياة هي الشيء الحسن الذي علينا أن نسعى إليه وتحديدًا الحياة الحقيقية.

ثم تعود إلى الرغبة التي تأخذنا في الوقت نفسه خارج الحياة و تغرقنا فيها:

تتوسط الرغبة بين الموضوع والهدف وتبيد المسافة بينهما بتحويل الموضوع إلى حبيب والهدف إلى محب. وبالنسبة للحبيب فهو لا ينفصل أبدًا عن ما يحبه، هو ينتمي له.. لكون الإنسان كائن غير مكتفٍ بذاته ولذلك دومًا ما يرغب بشيء خارج نفسه، وسؤال من هو يمكن إجابته فقط بالحصول على ما يرغب به وليس بكبت دوافع الرغبة نفسها -كما تعتقد الفلسفة الرُّواقية -: “كل أحد هو ما يحب” كما كتب (أوغسطينوس) بدقيق العبارة: من لا يحب ولا يرغب هو لا أحد إطلاقًا.

هذا الشخص لا يمكن تحديد جوهره؛ لأنه دومًا يرغب بالانتماء لشيء خارج نفسه ويتغير تبعًا لذلك… وإذا ما أمكن قول أن له طبيعة واحدة جوهرية فهي انعدام اكتفائه الذاتي. وبالتالي فهو منقاد للهرب من عزلته بوسائل الحب لبلوغ السعادة، التي هي نقيض الوحدة والعزلة، وما هو مطلوب أكثر من الانتماء المحض. لا تحقق السعادة إلا عندما يصبح المحبوب عنصرًا أصيلًا دائمًا في وجود الواحد الذاتي.


[المصدر]


		

أمبيرتو إيكو يتساءل: هل الرواية أكذوبة؟

أمبيرتو إيكو (1932-2016)، فيلسوف إيطالي، وروائي وباحث في القرون الوسطى، ويُعرف بروايته الشهيرة (اسم الوردة)، ومقالاته العديدة. وهو أحد أهم النقاد الدلاليين في العالم.

في مقالة نُشرت في صحيفة (إيسبريسو) الإيطالية، ونقلها إلى العربية المترجم القدير (معاوية عبدالمجيد)، عبر مدونته الشخصية، تساءل (إيكو) عما إذا كانت الرواية عبارة عن أكذوبة، فيقول:

غالباً ما يصعب على القرّاء التمييز بين الحقيقة والخيال في رواية ما. ويقوم أكثرهم بنسب أفكار الشخصيات وآرائها إلى كاتب الرواية، دون بذل أدنى جهد في الربط بين عناصر الحبكة. وجدتُ دليلاً على ذلك في موقع إلكتروني ينشر أقوالاً مهمة لعدد من الكتّاب، من بينها مقتطفات تحت اسم (كلمات لأمبرتو إيكو) مثل: “إنّ الإيطاليّ غدار، كذاب، خائن وخسيس، يفضّل الخنجر على السيف والسمّ على الدواء، يراوغ في مواقفه، ويغيّر وجهته دوماً كما تأتي الرياح”. لا أنفي أنّ في ذلك شيء من الصحة. لكن هذه الجملة – في روايتي (مقبرة براغ) – أطلقها رجلٌ كانت قد بدت عليه في الصفحات السابقة نزعة عنصرية تختلف كليّاً عما ورد في هذه الجملة، مستخدماً عبارات اعتيادية وعبثية جدّاً. حسناً، سأحاول ألّا أضع شخصيات تافهة في رواياتي القادمة، فقد تنسب إليّ يوماً ما مقولات مثل: “ليس لدى الإنسان من الأمهات سوى واحدة”!

وكما يتّفق معي الكثيرون على أنّ الحدود بين الحقيقي والمصطنع تتلاشى في التخييل الروائي، وأنّ القرّاء يأخذون الرواية على محمل الجدّ، كأنها تنحصر على سرد أحداث وقعت فعلاً؛ فإنني أتّفق مع الكثيرين على أنّ التخييل الروائي قد يكون أكثر صدقاً من الحقيقة عينها، وأنه يستطيع أن يدخلنا في حالة من المطابقة مع الشخصيات لنجد أنفسنا فيها. فيجعلنا نفهم الظواهر التاريخية، ونكتسب أساليب جديدة من الإدراك الحسي. إضافة إلى أنه يفتح أمامنا أبواباً جمالية: فلا يخفى على أحد منّا أنّ مدام بوفاري مثلاً ليست شخصية حقيقية، ورغم هذا نستمتع بالطريقة التي ألّف بها (فلوبير) تلك الشخصية.

لكنّ البعد الجمالي يحملنا إلى نقيضه: البعد الأخلاقي، المعنيّ ﺒ”مفهوم الحقيقة” الذي يشترك فيه الفلاسفة والعلماء والقضاة على حدٍّ سواء. إذ ليس حريّاً بقاضٍ أن يحرّك مشاعره أحدُ المذنبين عندما يروي أكاذيبه بطريقة جمالية.

هذا هو الفرق إذن بين الخيال والكذب. فالروائي لا يرغب أن يكون كاذباً، بل يتصور أنّ ما يقصّه قد حدث بالفعل، ويطلب منا أن نشاركه التخيّل، تماماً كما نتقبّل طفلاً يمسك عصا ويلعب بها كما لو كانت سيفاً. ويطلب منا الكاتب بعد ذلك أن “نؤجّل شكوكنا” مثلما أوصى الشاعر كولريج. فنحن نتأثر بمصير إيما بوفاري حتى البكاء، مع أننا نعرف أنها من صنع الخيال الذي يدفعنا إلى البحث عن ذاتنا في عمق شخصيتها. وإذا لم يكن لمدام بوفاري أي وجود، فإن الكثير من النساء يشبهنها حقاً، وربما يشبهها بعض الرجال أيضاً. وهكذا نتعلم درساً عن الحياة بشكل عام وعن أنفسنا بشكل خاص.

كان الإغريق القدماء يؤمنون بحقيقة ما جرى لأوديب، لتمنحهم مأساته فرصةً للتأمل في القدر. بينما كان (فرويد) يعلم أنّ (أوديب) ليس إلّا بطلاً خيالياً، فقرأ في أحداث تلك الأسطورة مغزىً عظيماً عن أسرار اللاوعي.

فما الذي ينتاب أولئك القرّاء إذن؟

إنهم ينشغلون بوقائع الرواية دون أن يهتموا بجودتها الفنية. فهم يعانون من عجز في الخيال – على حدّ تعبيري – لأنهم لا يسعون إلى استنتاج العبرة، أو إلى الاندماج في الحكاية وشخصياتها. فتراهم يغفلون في نهاية الأمر عن كل الدلالات والقيم الجمالية… والأخلاقية أيضاً.


[المصدر]

ما هي الفلسفة؟ برتراند راسل يجيب

برتراند راسل (1872-1970) فيلسوف وعالم منطق ورياضي وأيضاً هو مؤرخ وناقد اجتماعي بريطاني.

في لقاء تلفزيوني، سُئل (راسل) عن مفهوم الفلسفة. فابتدأ جوابه مستفتحًا:

لا أظن أن هناك فيلسوفان سيجيبانك بنفس الإجابة على هذا السؤال.

وجهة نظري هي أن الفلسفة هي فرضيات حول أمور لا يمكن الحسم فيها بطريقة نهائية من الناحية المعرفية، هذا جوابي وليس جواب أحد آخر.

سُئل بعد ذلك (راسل) عن الفارق بين الفلسفة والعلم، فأجاب:

يمكنك القول أن هذا يتلخص في عبارة “العلم هو ما نعلم، والفلسفة هي ما لا نعلم“، هذا التعريف المبسط. لأسئلة تمر باستمرار من الفلسفة إلى العلم، مع تطور العلم.

بعدها سُئل عن الفائدة من الفلسفة، فكان جوابه:

أظن أن للفلسفة فائدتين تقريبًا؛ أحدهما هو الإبقاء على التكهنات المتعلقة بالمسائل التي لا يستطيع العلم الآن أن يتطرق لها. المعرفة العلمية تغطي قسمًا صغيرًا جدًا من المسائل التي يهتم لها الجنس البشري، والتي يجب أن تهمه. هناك العديد من الأشياء التي لها أهمية كبيرة، التي يتكلم عنها العلم تمثيليًا. ولا أريد خيال الناس أن يكون محدودًا ومقتصرًا على ما نستطيع معرفته حاليًا. وأظن أن من فوائد الفلسفة إيساع نظرتكم عن العالم إلى مستوى الافتراض.

هناك فائدة أخرى أظنها على ذات القدر من الأهمية، وهي أن تري الناس أن هنالك أشياء ظننا أننا نعلمها ولكننا لا نعلمها، هي تمكننا من الاستمرار في التفكير في الأشياء التي قد نعلمها يومًا من جهة، ومن جهة أخرى تمكننا من البقاء متواضعين وواعيين بكم الأشياء التي كانت تبدو كمعرفة، وهي ليست كذلك.

بيسوا في كتابته عن العزلة

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا ( 1935- 1888) شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، لكنه أكثر شغفاً بكتابة النثر كونه يجسد شيء من الحرية المطلقة التي يبحث عنها الكاتب.

كتب (بيسوا) في كتابه الأشهر (كتاب اللاطمأنينة)، والتي ترجمه الأستاذ (المهدي أخريف) إلى اللغة العربية، نصًا عن “العزلة” تحت عنوان “عزلتي”، يقول فيه مستفتحًا:

لأنني أعرف كيف تمتلك الأشياء الأشد صغرًا فن تعذيبي بسهولة، لذلك أتفادى ملامسة أصغر الأشياء. من يتألم مثلي لمرور غيمة أمام الشمس، كيف لا يكون عليه أن يتألم لعتمة النهار المغطى على الدوام بغيمة حياته هو؟

عزلتي ليست بحثًا عن سعادةٍ لا أمتلك روحًا لتحقيقها؛ ولا عن طمأنينة لا يمتلكها أحد إلا عندما لا يفقدها أبدًا، وإنما عن حلم، عن انطفاء، عن تنازل صغير.

يستكمل (بيسوا) حديثه بعد ذلك قائلًا:

الجدران الأربعة لغرفتي هي بالنسبة إليّ، في آن واحد، زنزانة ومسافة، سرير وتابوت. ساعاتي الأكثر سعادة هي تلك التي لا أفكر فيها في شيء، ولا أرغب في شيء، ولا أحلم بالرغبة في شيء، ضائعًا في سبات / ملتبس / من طحلب محض ينمو في سطح الحياة. أستمتع بلا مرارة، بالوعي الباطل بكوني لا شيء، بالطعم المسبق للموت والاختناق.

الحياة الموسكوبية من ثقب إبرة

                        

عاش الكاتب المصري (صنع الله إبراهيم) بضع سنوات في موسكو في مطلع عقد السبعينات طالبا في معهد سينمائي بمنحة سوفيتية لأحد الأحزاب العربية اليسارية . وقد أصدر في عام 2012 أي بعد حوالي أربعين عاما من إقامته في موسكو، وأكثر من عشرين عاما على تفكك الإتحاد السوفيتي، رواية بعنوان (الجليد)، وهي على شكل يوميات موزعة على 126 مقطعا، بعضها أقل من نصف صفحة، وبعضها الآخر صفحة واحدة أو أكثر قليلا. بطل الرواية “شكري” طالب دكتوراه مصري في معهد (التأريخ المعاصر) ويقيم في المنزل الطلابي (الأبشجيتى)، ولا يحسن من اللغة الروسية سوى بعض الكلمات والعبارات الدارجة. ويعيش في دائرة مغلقة ضيقة هي غرف المنزل الطلابي، ومرافقه الخدمية، أو الشوارع القريبة من المنزل. يومياته متماثلة، فهو يفعل اليوم ما فعله بالأمس من دون أي تغيير يذكر.

الراوي رجل في الثالثة والخمسين مصاب بالتهاب البروستاتا، ولكن هذا لا يمنعه من اقامة علاقات حميمة عابرة مع عدد كبير من الطالبات من المنزل الطلابي الذي كان يسكن فيه، وأحياناً حتى مع نساء اخريات تعرّف عليهن في المقاهي والمطاعم.

الرواية مكتوبة بضمير المتكلم “أنا”. والراوي في الرواية الحديثة هو في العادة غير المؤلف، ولكن (شكري) يشير في احدى يومياته الى انه صاحب رواية (امريكانلي) وهذه احدى روايات (صنع الله) نفسه. ونفهم من ذلك ان (الجليد) هي يوميات المؤلف / الراوي (صنع الله).  الراوي لا يهتم الا بالجنس، ولا نرى في يومياته أي تجليات للروح والعاطفة والشعور، وكل شيء يجري على نحو آلي، ليس ثمة لهفة لقاء أو خفقان قلب. العلاقة التي تبدأ في كل مرة بالتعارف، ثم شرب الفودكا او الكونياك، تنتهي غالبا في الفراش. يوميات لا تتغير فيها شيء سوى اسم الطريدة؛ (مادلين)، (زويا)، (اميليا) الإيطالية، (فاليا)، (تاليا)، (فيرا) اليهودية، (أولجا)، (ناتاشا)، (لامارا)، (ليديا)، (ايزادور)، (لاريسا)، (هيلين) اليونانية، (سفتلانا) التشيكية، (أنار) الكازاخية، (دينا) الأوزبيكية التي يسميها “دينكا”، (تمارا)، (لينا)، (يوديت) المجرية وغيرهن.

(الجليد) رواية آيروسية، ولغتها بورنوغرافية خادشة للحياء، وبوسعنا أن نقف عند مقطعين –بعد حذف الجمل الفاحشة منهما – لنتعرّف على هذا الأسلوب التسجيلي المكشوف:

وفى الخامسة وفدت (مادلين). كانت برازيلية فى منتصف العشرينيات، دقيقة الحجم، سوداء الشعر، أسنانها العلوية بارزة بعض الشىء. وكنت قد تعرفت بها هى و(ماريو) أثناء دراسة اللغة. احتضنتها وأحضرت أبريق الشاى من المطبخ. أرتنى فى انفعال أسطوانة (روبرتو كارلوس) البرازيلى الذى يغنى بالبرتغالية وأهدتى عطرا رجاليا رشاشا. وضعنا الأسطوانة فوق «البيك أب» الصغير وأغلقت الباب بالمفتاح. خلعت بنطلونى…

[…] كانت (زويا) تجلس بجوار (هانز) فوق فراشه واستلقت تاليا بعرض الفراش المقابل مسندة رأسها إلى الحائط. وجلست أنا على المقعد الوحيد بجوار المائدة. اقترحت (زويا) إطفاء النور وأشعلنا شمعة. جذبها (هانز) ليرقصا فاستسلمت لأحضانه. لم أتحرك من مكانى. كان بصرى معلقا بوجهها وساقيها العاريتين.

تزييف واقع الحياة في المنازل الطلابية وفي موسكو عموماً ،على هذا النحو، يذكرني بما كتبه (ليف تولستوي) في مقدمته الرائعة  لأعمال (موباسان) الروائية والقصصية:

إن الكاتب الذي يصف الشعب على النحو الذي فعل (موباسان)، والذي لا يصف بتعاطف الا “الأفخاذ والنهود” والخادمات البريتونيات فقط ، يقع في خطأ فني كبير، لأنه يصف الموضوع من جانب واحد فحسب، هو الجانب الممل، الجانب الحسي، ويهمل تماماً الجانب الأكثر أهمية – الجانب الروحي الذي يشكل جوهر الموضوع.

ويقول ايضاً:

ان الشعب الفرنسي لا يمكن أن يكون على هذه الصورة التي يصفونها . واذا كانت ثمة فرنسا التي نعرفها بأبنائها العباقرة الحقيقيين ، وبتلك الأنجازات التي حققها هؤلاء العظماء في العلم والفن والحضارة والتكامل الأخلاقي للأنسانية ، فأن الشعب العامل – الذي حمل ولا يزال يحمل على أكتافه فرنسا التي تعرفها بأناسها العظماء  – يتألف ليس من البهائم  بل من أناس يتحلون بصفات روحية عظيمة.

وبطبيعة الحال لا يمكن مقارنة نتاجات (صنع الله) المتواضعة بنتاجات كاتب عظيم مثل (موباسان). ومع ذلك أقول أن الواقع الروسي لم يكن على النحو الذي يصفه صنع الله بنظرته الشرقية الذكورية.

لقد اتيح لي أن أعيش لسنوات عديدة في المنزل الطلابي التابع للجامعة التي كنت طالباً فيها، ولفترات اطول من اقامة (صنع الله) في أحد المنازل المماثلة العائدة للمعهد الذي كان يدرس فيه.

كل المنازل الطلابية اكانت تخضع لضوابط صارمة؛ الطالبات في الطوابق العليا والطلاب في الطوابق السفلى. وكان يمنع على الطلاب المبيت في الطوابق العليا، ولا يسمح لأحد بدخول المنزل، الا بعد التحقق من شخصيته، وترك هويته او جواز سفره لدى المناوبة أو كما يسميها الراوي (صنع الله) حارسة الباب. وكان باب المنزل يغلق في الساعة الحادية عشرة مساءً. واذا تأخر أي زائر أو زائرة عن موعد الإغلاق تأتي المناوبة وتطلب خروجه او خروجها من الدار على الفور.

رب قائل، ان الواقع شيء والرواية شيء آخر، وهذا صحيح. ولكن الرواية الفنية الحقيقية تتسم دائما بالصدق الفني، وتبدو منطقيا ومقنعا. وثمة خطر جسيم يلازم نسج الأكاذيب، فقد لا يصدقك الناس.


غياب البنية الفنية

لا تتوافر في رواية (الجليد) مقومات العمل الفني، فالرواية ترقى وتسمو بقدر ما تمثل من الحياة الداخلية لا الخارجية، يوميات شكري تسجيل مباشر لأحداث وأفعال يومية عادية لمراهق خمسيني من دون أي محاولة لتحويلها الى عمل فني، فلا حبكة ولا نمو في شخصية البطل، أو في الشخصيات الثانوية، ولا سبر لأعماق عوالمها الداخلية وعواطفها وهمومها، ولا افكار جديرة بالتأمل. رواية ( الجليد) تعتمد على السرد التسجيلي المباشر من دون الحوار، الذي يعد من أهم تقنيات الفن الروائي. وبوسعك أن تبدأ بقراءة اليوميات من أي نقطة، أو صفحة تختارها، حيث لا يوجد فيها أي تسلسل للأحداث، ولا ذروة تحتدم عندها المواقف. يوميات لا تتبدل فيها سوى أسماء الطالبات والنساء، اللواتي لا يرى الراوي  فيهن سوى دمى لإشباع نزواته.

كتب (صنع الله) عن موضوع لا يعرفه، وحاول إيهامنا أنه اطلع على الأدب الروسي، ولكن كل ما عرفه الراوي عن الأدب الروسي كان عن طريق أصدقائه وصديقاته دون أن يكون قد قرأ شيئا من هذا الأدب باللغة الروسية، لأنه ببساطة لا يعرف هذه اللغة بما يكفي لقراءة وفهم الأعمال الأدبية. ومعظم المعلومات التي يوردها خاطئة وسنكتفي بمثالين فقط.

 يقول الراوي:

فتحنا زجاجات الشمبانيا والفودكا وتبادلنا الأنخاب. عرضت علينا (إيرما) ألبوم صورها و(ديوان شعر إسحق بابل) الذى تعرض للتعذيب فى لوبيانكا، مبنى المخابرات السوفيتية سنة 1939

ولكن (اسحاق بابل) لم يكن شاعراً قط، ولم ينشر له سواء خلال حياته او بعد اعدامه اي ديوان شعر، ولا حتى قصيدة واحدة، بل كان كاتباً قصصياً شهيراً.

ويقول الراوي:

(فلاديمير فيسوتسكى)، وهو نجم سينما شاب وممثل مسرحى حقق شعبية واسعة بين الشباب . قالت (زويا) إن بعض أغانيه تتناول موضوع معسكرات العمل فى سيبيريا، حيث قضى بعض الوقت قبل عام 1955

 (فيسوتسكي) المولود عام 1938 لم يعتقل ، ولم يقض في أي معسكر للعمل ولو يوما واحدا، خلال حياته، وقبل عام 1955 كان صبيا لا علاقة له بالسياسة.


العيش خارج الزمن

عاش الراوي في موسكو في وقت كانت فيه موجة الشعر الروسي الجديد طاغية على الحياة الثقافية السوفيتية، والجيل الجديد المتطلع الى التغيير والتجديد يقرأ بنهم لرواد هذه الموجة (يفغيني يفتوشينكو)، (أندريه فوزنيسينسكي)، (بيلا أحمدولينا) وغيرهم. ولم يكن يمر اسبوع دون أن يلتقي شاعر أو كاتب ذائع الشهرة بالجمهور الظاميء الى الكلمة الحرة الجديدة. ومن عاش في موسكو في عقد السبعينات، ولو لعدة أشهر، يعرف انها كانت في هذه الفترة زاخرة بالأنشطة الثقافية، حيث تقدم على مسارحها الفنية الراقية عروض مسرحية رفيعة المستوى، وتقام على قاعات الفنون التشكيلية فيها، معارض لرواد الإتجاهات الفنية ولفنانين شباب تجريبيين، كما أن موسكو غنية بمعالمها الحضارية ورموزها الثقافية. لا أثر لكل هذا في يوميات طالب دكتوراه في التأريخ. فقد توارت اهتمامات الراوي الثقافية والعلمية، ولا توجد أي إشارة حتى الى ما كان يدور في أروقة المعهد، ولا أي إهتمام بالتأريخ، بل إننا لا نعرف حتى عنوان رسالته العلمية، ولم يعد يبحث في عاصمة هائلة ومعقدة مثل موسكو، سوى ما يشبع هوسه الجنسي، حيث حوّل هذه المدينة العظيمة الجميلة الى “ماخور”، فهو لا يري في زميلاته الطالبات أو في صفوف النساء في المدينة سوى مومسات رخيصات.


الحب والجنس في موسكو

لم تكن ثمة في موسكو في الحقبة السوفيتية ما يسمى بحياة الليل، فقد كانت كل المطاعم والمقاهي والبارات تطفيء أنوارها وتغلق أبوابها في الحادية عشرة مساءً. يفال ان سائحا غربيا استوقف رجلا من موسكو وسأله: “أين أقرب كابريه؟” فأجابه الرجل: “في هلسنكي”. وقد زار الكاتب والناقد الراحل د. (لويس عوض) روسيا في عام 1971 أي في السنة ذاتها التي التحق فيها الراوي بمعهد التأريخ في موسكو. يقول عوض في كتابه (رحلة الشرق والغرب):

أربعة عشر يوما قضيتها في روسيا بين موسكو ولينينغراد وبعض الريف. لم أر فيها متعطلا او شحاذا او رجلا او امرأة في أسمال أو بغيّا تنساب بيت مصابيح الشوارع. ولا شك أن هناك نماذج من من هؤلاء وأولئك، ولكنها نادرة لا تراها الا العين المترصدة، ولم أر مخمورا رغم شهرة الروس في قريعة الفودكا.

بالطبع كان هناك جنس في روسيا كأي بلد آخر في العالم. ولكن الغالب على العلاقات العاطفية بين الجنسين كان الحب الحقيقي المتبادل. كان النظام السوفيتي متزمتاً جداً، لا مشاهد قبلات في الأفلام أو في العروض المسرحية، ولا أي وصف صريح للعلاقات الحميمة بين الجنسين في الروايات. وكان ثمة حذر من الأجانب زرعه النظام في النفوس. ولم يكن من السهل ان يقيم الطالب الأجنبي علاقة حميمة مع طالبة سوفيتية رزينة، الا بعد لقاءات عديدة حيث يتعرف كل منهما على الآخر جيدا، وينشأ بينهما علاقة حب.

غالبية النساء السوفيتيات كن محتشمات في ملابسن وسلوكهن، وهذا لا يعني عدم وجود البغاء أو النساء المنحرفات، ولكن الدولة كانت تحارب مثل هذه الظواهر بشدة وقسوة.

المرأة السوفيتية بالأمس والروسية اليوم تتمتع بكامل حقوقها اسوة بالرجل. ولكن النظرة الشبقية المتخلفة الى المرأة كوعاء ولعبة للرجل لا تقتصر على المتزمتين في بلادنا، بل تشمل – ويا للمفارقة – بعض الكتّاب الرائجين .