أوليفر ساكس: أن تعيش حياتك الخاصة وتموت ميتتك الخاصة

“إن قدر كل إنسان -من الناحية الوراثية والعصبية- أن يكون فريدًا وأن يكون له طريقه الخاص في الحياة وأن يعيش حياته الخاصة وأن يموت ميتته الخاصة”

“إن الندم على أننا لن نعيش بعد مئة عام لا يختلف عن حماقة الأسف على عدم الحياة منذ مئة عام”، هكذا قال الفيلسوف الفرنسي (مونتين) في القرن السادس عشر متأملاً الموت وفن الحياة. “إن أعظم كرامة يمكن أن نجدها في الموت هي كرامة الحياة التي سبقت ذلك الموت”، كانت تلك كلمات الجراح وأخصائي أخلاقيات البحث العلمي الراحل (شيروين نولان) التي كتبها بعد خمسمائة عام في بحثه التأسيسي عن الأخلاق.

لكني لم أجد حتى الآن شخصًا جسد هذه الحقائق الصعبة ومارسها عمليًا على نحوٍ أصدق من طبيب الأعصاب البريطاني (أوليفر ساكس) (09 يوليو 1933 – 30 أغسطس 2015).

لقد واجه الموت مباشرةً بفضول ينم عن الشجاعة وشفافية مشرقة في أحد مقالاته في جريدة نيويورك تايمز، وتم جمع تلك المقالات بعد موته في كتاب صغير يمنح الأمل في الحياة باسم العرفان بالجميل (المكتبة العامة)، ويمثل هذا الكتاب هدية الفراق الرائعة التي توضح لنا ما يتسم به الطبيب (ساكس) من حكمة وود بخصوص أسلوب العيش وكرامة الموت، وقام تحرير ذلك الكتاب شريك (ساكس) الكاتب والمصور (بيل هايز) وصديقه ومساعدة على مدى ثلاثين عامًا (كيت إدغار).

فبعد أن علم الطبيب (ساكس) -الذي لن يُعوّض- بالتشخيص النهائي لمرضه نجده ينعم النظر في أعماق الوجود من منبر تلك الحياة الحلوة والمرة في الوقت ذاته التي كانت طويلة لتدنو من نهايتها على حين غرة وعلى الفور كحياة محدودة:

لقد أصبحت واعياً بشكل متزايد. على مدى العشر سنوات الأخيرة تقريبًا, بحالة الموت بين معاصريّ، إن الجيل الذي أنتمي له في طريقه إلى الزوال، فكنت أشعر بأن كل وفاةٍ تمثل توقفًا مفاجئًا وانتزاعًا لجزءٍ من ذاتي، إننا لن نُعوَّض عندما نرحل، ولكن لا يوجد شخص مثل شخص آخر، مطلقًا، فعندما يموت البشر فإنهم لا يُعوَّضون، فهم يتركون خلفهم ثغرات لا يمكن ملئها، لأنه قُدِّر لكل إنسان ـــــ من الناحية الوراثية والعصبية ــــ أن يكون فريدًا، وأن يكون له طريقه الخاص في الحياة وأن يعيش حياته الخاصة وأن يموت ميتته الخاصة.

ومع دنو نهاية طريقه الخاص في الحياة، وهي تلك النهاية التي نجح في تجنبها بشق الأنفس منذ عقودٍ مضت عندما تمكن من إنقاذ حياته بالأدب والغناء، فيقول:

لا يمكنني التظاهر بعدم الخوف، ولكن الشعور الذي يسيطر عليّ هو العرفان بالجميل، لقد أحببت وكنت محبوبًا، لقد حصلت على الكثير وقدمت شيئًا في المقابل، لقد مارست القراءة وسافرت ومارست التفكير والكتابة، لقد اتصلت بالعالم، ذلك الاتصال الخاص للكتاب والقراء.

وفوق كل ذلك كنت كائنًا حساسًا، حيوانًا مفكرًا على هذا الكوكب الجميل، وكان ذلك في حد ذاته امتيازًا كبيرًا ومغامرة لا مثيل لها.


[المصدر]

 

 

عن الشعر والشاعرية، من يوميات بيسوا

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا ( 1935- 1888) شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، لكنه أكثر شغفاً بكتابة النثر كونه يجسد شيء من الحرية المطلقة التي يبحث عنها الكاتب.

كتب (بيسوا) في مذكراته، والتي ترجمها الأستاذ (المهدي أخريف)، ونشرتها دار توبقال بعنوان (اليوميات)، نصًا يحكي فيه بداية عن تفاهة الإنسان، يقول فيه:

وحينئذ، ما الإنسان في ذاته؟ أليس سوى حشرة تافهة تطنّ مصطدمة بزجاج نافذة؟ ذلك لأنه أعمى، غير قادر على النظر ولا على التحقق مما يوجد بينه وبين الضوء. لذلك يتحمس مجتهدًا في محاولة الدنو أكثر فأكثر، فكيف للعلم أن يساعده؟في إمكانية معرفة متانة الزجاج أو هشاشته معًا، والتأكد من مدى سُمك جزء منه ورهافة جزء آخر؛ واحد أثخن وآخر أرهف. بهذا كله ما مدى دنوّك من الضوء أيها الفيلسوف اللطيف؟ وما مقدار ازدياد إمكانات الرؤية لديك؟ هل بوسعي الإيمان بأن رجل الموهبة، أعني الشاعر، يبلغ على نحو معين حد تهشيم الزجاج باتجاه الضوء، ليشعر بالفرح والفتور الناجمين عن الإنوجاد أبعد فأبعد عن الآخرين جميعًا. لكن أليس هو نفسه أيضًا أعمى؟ هل تمكن أحد، من الدنو من الحقيقة الأبدية؟

يتابع بعد ذلك (بيسوا)، قائلًا:

دعوني أمضي باستعارتي نحو الأبد. بعضهم يبتعدون عن الباب الزجاجي في الاتجاه المعاكس، إلى الخلف، ويصيحون عندما يتأكدون من أنهم لم يصطدموا بالزجاج، لأنه ليس خلفهم. “لقد مررنا”، يقولون.

أنا شاعر محفز بالفلسفة، ولست فيلسوفًا ذا مزايا شعرية؛ مفتتن أنا بملاحظة جمال الأشياء وبرسم اللامرئي والمتناهي الصغر مما يميز الروح الشعرية للكون.

شعرية الأرض لا تموت أبدًا. في وسعنا القول أن عصورًا سالفة معينة كانت شعرية. لكن بوسعنا القول (*)

الشعر موجود في كل شيء، في البر وفي البحر، في البحيرة، وعلى ضفة النهر، وموجودة أيضًا في المدينة، لا تنكر ذلك، يبدو جليًا أمام عينيّ وأنا جالس؛ ثمة شعر في ضوضاء السيارات على قارعة الطريق، في أيّما حركة مبتذلة ومضحكة لصبّاغ في الناحية الأخرى من الشارع وهو يلوّن إعلانًا لدكّان اللحّام.

ثم يقول (بيسوا) عن الحاسة الشعرية:

الحاسة الأعمق لديّ تهيمن على حواي الخمس على نحو يجعلني أرى أشياء الحياة، أنا واثق، بصورة مختلفة عن باقي البشر. لقد وُجد أو يوجد، بالنسبة إليّ ثراء في مدلول شيء مضحك وتافه، في مفتاح، باب، مسمار في جدار، في شاربي هر. بالنسبة إليّ ثمة إيماء روحي تام في دجاجة تعبر الطريق مقوقئة، يوجد بالنسبة إليّ مدلول أعمق من خوف الأشخاص في رائحة الصندل، في علبة أعواد ثقاب منسية، في ورقتين وسختين في يوم عاصف تطوفان الهواء، ثم تتبعان شارعًا سفليًا.

ويوضح بعد ذلك (بيسوا) سبب استشعاره الشعري لهذه اللحظات البسيطة في الحياة، فيقول:

وذلك لأن الشعر دهشة وحيرة، مثل كائن سقط من السماء ثم تأكد أثناء سقوطه، ذاهلًا، من سقطته. مثل مَن عرف أشياء الروح وفي مجاهدته لتذكر تلك المعرفة تحقق من أن تلك الأشياء لم تكن كما عرفها ولا وفق تلك الصورة وتلك الشروط، ثم وجد نفسه عاجزًا عن تذكر المزيد.

على الفنان أن يكون رائعًا ونبيلًا، لأن من يُعجب بالجمال لا يجب أن يفتقر إليه. ولا شك في أن ما يسبب ألمًا رهيبًا للفنان هو ألا يجد في نفسه شيئًا مما يبحث عنه بعناء. من يستطيع وهو يتأمل صورة شيلي، وكيتس، بيرون، وميلتون وإدغاربو ومحل إعجاب كما كانوا يمتلكون حرارة العيش والفرح الإلهي، تمامًا كما يليق بأي شاعر، وأي إنسان.


(*) نص محذوف.

التجربة الحياتية والإبداع الأدبي

دروس الحياة

التجربة الحياتية بما فيها من معاناة، وآلام، وأفراح هي ينبوع الكتابة الحق، ولا تقل أهمية عن الموهبة الفطرية، والقدرة على التخيّل.

ليس بوسع أي كاتب أن يكتب عن أي شيء، وعن أي إنسان. فهو ليس مطلق الحرية في اختيار موضوعاته وأبطاله، مهما كان موهوبا، لأن له حدودًا لا يستطيع تجاوزها، والتي تتحدد بالمجتمع الذي يعيش فيه، وخبرته الذاتية، والدروس التي تعلمها من الحياة، لذا على الكاتب أن يكتب عما يعرفه بتجربته الخاصة، وهذه التجربة مطلوبة بقدر ما تكون مدخلاً لتجربة فنية، يعبّر فيها الكاتب بأسلوبه المتميز، عن عالمه الروحي، ونظرته إلى الأشياء.

إن العمل الأدبي إذا لم يكن نابعاً من ذات الكاتب، و لم ينفعل به فانه لن يكون عملاً مؤثراً وناجحاً على الرغم من أن المؤلف قد كتبه بحسن نية. لأن مثل هذا المؤلف لا يعرف أبطاله ولا يفهمهم.

ربما ثمة إمكانية لتوالد بعض الصور المضببة في ذهن كاتب يعيش في جزيرة مقفرة، ولكن لن يكون لديه أي حافز لتأليف رواية، ذلك لأن الكاتب إنما يكتب عن الناس وللناس، لقد كتب الروائي الفرنسي (مارسيل بروست) رواياته (داخل غرفة ذات جدران صماء لا تخترقها الاصوات). ولكن (بروست) كان قد عاش بين الناس، ودرس المجتمع الفرنسي الأرستقراطي لمدة طويلة، قبل أن يسجن نفسه في غرفة معزولة.

إن خيال الكاتب الروائي أو القصصي قادر على تغيير تناسب الظواهر والأحاسيس وملامح الشخوص وأنماط سلوكهم، ولكن ليست ثمة رواية سواء كانت خيالية ام طوبائية لا ترتكز على الواقع، إن وصف سكان كوكب المشتري في رواية (ولز) أو سكان (سالاماندر) في رواية (جابك) ليس إلا هجاء للمجتمع الإنساني.

ربما يقال أن للخيال الدور الأكبر في بعض أنواع القصص، وهذا صحيح، ولكن الخيال ينبغي أن يكون مقنعاً وصادقاً ومنطقياً، أي خيالاً يمكن أن يحدث في الواقع. فالمؤلف ليس إلهاً حتى يستمر في فرض شطحات خياله على القاريء، وثمّة خطر جسيم يلازم نسج الأكاذيب، فقد لا يصدّق المتلقي ما يقرؤه.

أدب الكتب وأدب الحياة

إن أغلب الروائيين المعاصرين هم من خريجي التخصصات الأدبية أو اللغوية في الجامعات، وهم يعملون في مكاتبهم بين رفوف الكتب التي تحاصرهم، ولا يريدون النزول الى الشارع والاختلاط بالناس، والخوض في الحياة العملية واكتساب التجارب التي لا غنى عنها لفهم الآخرين.

الجامعات لا تعلّم سوى الأدب الكلاسيكي، وأنه ينبغي أن تكتب الرواية استنادا إلى التجارب الشخصية. وهذا أمر جيد من حيث المبدأ. ولكن كم رواية بإمكان شاب لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره أن يكتبها عن نفسه؟ قد يكتب رواية واحدة جيدة اذا كان صاحب موهبة، ولكن الرواية الثانية ستكون عن شاب كتب رواية ناجحة، ولا يملك الآن نقودا، وليس لديه صديقة أو حبيبة، ويتبهدل يوميا في وسائط النقل العام. وهذا أمر غير ممتع على الإطلاق.

لو كان (ديكنز) قد عمل حسب هذا المبدأ، لكتب رواية (ديفيد كوبرفيلد) فقط. (تولستوي) كان قد خدم في الجيش وخالط علية القوم، وحرث الأرض قبل أن يكتب (الحرب والسلام) و(آنّا كارينينا).

في عام 1916 نشرت مجلة (ليتوبيس) أي ” الوقائع ” التي كان يصدرها (مكسيم غوركي) في العاصمة الروسية القيصرية بطرسبورغ قصتان قصيرتان لإسحاق بابل.

أثارت القصتان اهتمام القراء والنقاد، وأصبح اسم “بابل” معروفًا إلى حد ما. وواصل الكاتب الشاب كتابة قصص جديدة، حيث كان يكتب قصة واحدة كل يوم ويعرضها على (غوركي)، الذي كان يقرأ القصة بتمعن، ثم يقول: “إنها غير صالحة للنشر”. وتكرر ذلك مرات عدة. وأخيرًا تعب كلاهما. وقال (غوركي) بصوته الجهوري الأجش: “إنك تتخيل أشياء كثيرة تقريبية؛ لأنك لا تعرف الحياة بعد. عليك التوجه إلى الناس، ومعرفة الواقع، واكتساب تجربة ذاتية تساعدك على فهم الحياة، قبل أن تكون قادرًا على كتابة قصة جيدة”.

أفاق بابل في صباح اليوم التالي ليجد نفسه -بمساعدة (غوركي) بطبيعة الحال- مراسلًا لصحيفة لم تولد بعد، مع مئتي روبل في جيبه. لم تولد الصحيفة قط، لكن الروبلات المنعشة كانت ضرورية له. استمرت رحلة بابل في خضم الحياة سبع سنوات (1917: 1924م) كان في أثنائها جنديًّا في الجبهة الروسية – الرومانية إبان الحرب العالمية الأولى، ومراسلًا حربيًّا في فرقة «الفرسان الحمر»، وموظفًا في مفوضية التعليم، ومديرًا لدار نشر في أوديسا، ومندوبًا لبعض الصحف في بطرسبورغ وتبليسي. قطع كثيرًا من الطرق، وشاهد كثيرًا من المعارك. وكان طوال تلك السنوات يكتب ويطوّر أسلوبه. ويجرب التعبير عن أفكاره بوضوح واختصار. وبعد تسريحه حاول نشر نتاجاته، وتسلّم من (غوركي) رسالة يقول فيها: “ربما الآن يمكنك أن تبدأ”.

وليس من قبيل المصادفة أن لكل كاتب عظيم تجربته الحياتية الثرية والمتنوعة التي تشكل منهلا لا ينضب لأعماله الأدبية. (همنجواي) كان مراسلا حربيا في الحرب العالمية الأولى والحرب اليونانية – التركية، وخبر عن قرب مآسي الحرب وانطباعاته عنها أصبحت جامعته الأولى، وانعكست في كل أعماله المبكرة، التي تعتبر مواقف ولحظات من سيرته الذاتية، وكان شاهدا على الأزمة الأقتصادية في بلاده، وزار العديد من البلدان المختلفة. وعاش معظم حياته خارج وطنه الولايات المتحدة الاميركية ولم يكتب عنها الا الشيء القليل نسبيا.

(جون شتاينبك) عمل مراسلا لصحيفة “سان فرنسيسكو نيوز” ليس لأنه كان بحاجة الى المال، بل لأنه أراد أن يخوض في أعماق الواقع الإجتماعي ويجمع المادة الأولية لروايته عن هذا الطريق، العمل كمراسل قادته الى معسكر العمال الوقتيين المهاجرين. هكذا ظهرت رواية (عناقيد الغضب). أما (دوس باسوس) فقد جاب البلاد بحثاً عن المادة الأولية لرواية (مانهاتن) وثلاثية (الولايات المتحدة الأميركية).

كبار الروائيين أمثال (بلزاك) و(فلوبير) و(تولستوي) و(دوستويفسكي) و(غوركي)، و(أندريه موروا)، و(ترومان كابوتي)، و(نورمان ميلر) وغيرهم، خاضوا في أعماق الحياة، قبل الجلوس امام طاولة الكتابة.

حقائق الحياة المؤثرة ثمينة بحد ذاتها حتى بمعالجة أدبية بسيطة. ولكن الأدب ليس أثنوغرافيا، أو تأريخا، أو علم اجتماع. معرفة شيء ممتع أوشائق والكتابة عنها مهمة الصحفي وليس الكاتب. ثمة كتّاب تنقلوا بين مهن كثيرة وشاهدوا الكثير من الحوادث الغريبة  وكتبوا عنها، ولكنهم فشلوا في كتابة عمل فني ناضج. لأن استنساخ الواقع  عجز عن الإبداع . الكاتب المبدع لا يجمع المواد لعمله الأدبي، بل يعيش في داخل هذه المواد، ويتفاعل معها ليحولها إلى تجربة روحية  يعرض فيها شيئا لم يكن بمقدور القارئ أن يراه لو كان في مكان الكاتب.

يبدأ الإبداع عندما يصمم الكاتب في ذهنه نموذجا للموقف. يرسم صور الشخصيات، ويطور الفعل. ويملأ الهيكل باللحم والأعصاب. وهنا يتطلب الخبرة الحياتية أين ومتى عاش الأبطال، ما هي ملامحهم، وماذا يعملون، وماذا يلبسون، وكم يكسبون من نقود، ويتنقلون بأي واسطة نقل، وماذا يحيط بهم. الكاتب يتوجه الى ذاكرته وخبرته. وتظهر ملامح الورشة، التي عمل فيها في وقت ما، والأماكن، التي استجمّ فيها.

فهم المادة الحياتية يعني القدرة على إدراك معنى كبير في حقيقة صغيرة. على الروائي أن يتعمق في جوهر الأشياء، ولا يكتفي بوصف مظاهرها الخارجية فقط.

كيف أصبحت المرأة هي الآخر؟ برأي دي بوفوار

سيمون دي بوفوار (1908-1986) كاتبة ومفكرة فرنسية، وفيلسوفة وجودية ونسوية إضافة إلى أنها منظرة اجتماعية. كتبت (دي بوفوار) العديد من الروايات والمقالات والسير الذاتية ودراسات حول الفلسفة والسياسة وأيضاً عن القضايا الاجتماعية. اشتهرت (سيمون دي بوفوار) برواياتها اشتهرت بكتابها (الجنس الآخر) والذي كان عبارة عن تحليل مفصل حول اضطهاد المرأة وبمثابة نص تأسيسي للنسوية المعاصرة.

تقول (سيمون دي بوفوار) في كتابها (الجنس الآخر): “نحن لا نولد نساء ولكن نصبح كذلك” وتطرح سؤالا عميقا، كيف وصل الحال بالمرأة إلى ماهو عليه اليوم ؟ أي أن تكون الآخر.
أوضحت (دي بوفوار) أن المعطيات البيولوجية التي حددت مفهوم الذكر والأنثى بالأعضاء التناسلية ليست مبررا لاعتبار المرأة هي الجنس الآخر، ولا يمكن تقرير مصير المرأة النهائي بناء على تلك المعطيات، كما أنها لا تحدد التمايز بين الجنسين، وأحالت (دي بوفوار) رأيا آخرا من أجل تفسير الآخر بناءً على نظرية (فرويد) الذي يرى أن النقص عند المرأة هو حرمانها من العضو الذكري على اعتبار أنه رمز الامتيازات الممنوحة للصبيان، وبالتالي فإن وجهة نظر التحليل النفسي للمرأة لا تعطي إقناعا كافيا باعتبار المرأة الجنس الآخر.
إذن كيف أصبحت المرأة هي الآخر؟ لو أحلنا الأسباب التاريخية كسبب مباشر لاعتبار المرأة الجنس الآخر، فإننا بالتالي لن نحصل على الإجابة المقنعة. المجتمع الإنساني كان أمميا وفي العصور المتلاحقة تدرجت المرأة حتى غدت في سيطرة الرجل، وهي السيطرة الأبوية القائمة على الملكية الفردية، وأصبحت المرأة تابعة للرجل باعتبارها ملكه الخاص.
ومنذ تلك الفترة والمرأة تعيش في صراع داخلي حول أنوثتها وكيانها المنفصل، فالفتاة تربى لتصبح امرأة ثم زوجة تابعة لزوجها وخاضعة له بحيث تجد نفسها جنسا آخرا لا وجود له دون الرجل صاحب الكيان المستقل الذي يخضعها لرغباته، وبحسب (دي بوفوار) إن الرجل هو الذي يمسك زمام المبادرة في أغلب الأحيان، وحين تصبح زوجة فإن البيت هو ملاذها ترعى شؤون المنزل و الأطفال.
وهذا يحيلنا إلى حقيقة واضحة وجلية، أن المرأة هي التي جعلت نفسها الآخر، رضيت بمصيرها المحتوم كزوجة وأم، وفرضت عليها نشأتها الاجتماعية أن تكون آخرا مجرد متاع للرجل، خادمة مطيعة في بيت زوجها، لا تنفك عنه فهي جزء من الآخر استسلمت فيه للمجتمع وقيمه، ولم تحاول التمرد. مقتنعة من أنها الآخر، لم تحاول الخروج من عباءة الرجل، ولم تحاول أن تعبر عن رأيها خوفا من هجر الرجل لها ومن نظرة المجتمع.
وقد تطرقت (سيمون دي بوفوار) في كتابها (الجنس الآخر) إلى نقاط مهمة، أن المرأة لا تؤمن بتحريرها، في الحقيقة الحرية تختلف من شخص إلى آخر، هناك نساء مقتنعات بحدود الحرية المتاحة إليهن ويعتبرونها الحرية المنشودة حتى وإن ظلت قابعة في المنزل، فهي ترى حريتها ضمن نطاق منزلها، وتلك أنموذج لامرأة رضخت للواقع ونظام الحياة الذي نعيشه، مؤمنة بقيم مجتمعها و أعرافه فهي تجد في معنى الحرية الفضفاض انحلال أخلاقي.
وعلى النقيض تماما فهناك نساء تمردن على عادات المجتمع وقيوده، ويجدن في الحرية منطلقا لتحقيق رغباتهن وأحلامهن، فالحرية بمعناها الواسع حرية الفكر والتعبير.
أما النقطة الأخرى التي أتارثها دي بوفوار ، أننا إذا حررنا المرأة فإننا نحرر الرجل ولكنه يخشى ذلك ، فهل يخشى الرجل الحرية أم تفوق المرأة عليه ؟ ، هل لأن الرجل بطبيعته مسيطر ويرى نفسه أنه قوي ليمتلك إنسانا ضعيفا هو المرأة ؟.
إن الرجل أيضا مسلوب الإرادة في مجتمعه، يمارس عليه القمع ولا يستطيع التعبير عن رأيه بحرية، لذا فنراه يسيطر على المرأة الضعيفة، لأنه أصلا ضعيف أمام السلطة، وبالتالي فإن المرأة والرجل لن يتحررا مادامت الأنظمة السياسية والاقتصادية غير حرة.
و لربما سيطرة تلك الأنظمة السياسية و الاقتصادية على الرجل جعلته يعتبر المرأة هي الآخر باعتبارها الحلقة الأضعف، محتاجة له متناسيا حقيقة مهمة أنه كذلك لا يمكن الاستغناء عن المرأة فحاجته إليها أكثر من حاجتها إليه.
إن الصراع بين الذكورة والأنوثة لا يزال قائما، كل يحاول الانتصار لنفسه، إلا أن الذكورة انتصرت لأنها تعيش في ظل مجتمع ذكوري يعتمد على حقائق واهية وغذت الأنوثة هي الآخر لأنها تعيش في صراع ذاتي مذبذبا فلم تستطع أن تدافع عن نفسها ولا أن تدافع عن حريتها.

“المقالة ماء الأدب”، كما يقول عمرو منير دهب

 

عمرو منير دهب كاتب سوداني ولد في الخرطوم، كتب بالعديد من الصحف السودانية منذ منتصف التسعينيات متنقلاً من صحيفة الإنقاذ إلى صحيفة الأنباء، ثم جريدة الصحافة وصحيفة الأحداث، وبعدها إلى جريدة السوداني، ثم صحيفة الصيحة.

في مقالة حصرية من الأستاذ (عمرو)، لدى منصة ساقية، حملت عنوان “المقالة ماء الأدب”، يقول الكاتب:

ينطوي تقديرنا لقيمة الماء على مفارقة كبرى نمارس شقّها الشرير كل يوم بضمير مستريح، ففي حين لا نختلف على أنه ليس بوسعنا الاستغناء لبضعة أيام عن الماء الذي جُعل منه كلُّ شيء حيّاً (فضلاً عن دواعي الرفاهية للتمتع بنعيمه كل بضع دقائق)، فإن انتباهنا ينصرف بتقدير أعظم إلى سائر ما هو مشتق من الماء من المشروبات على اختلاف غايات الإنسان منها، وعندما نفطن إلى أننا نجور على الماء في تقديره معنوياً ومادياً – في أعقاب تلذذنا بسواه من العصائر وظمئنا إليه تحديداً – نعود فنتدارك ذلك بإشارة عابرة لتأكيد حاجتنا التي لا تنقطع إلى سبب الحياة الأساس دون أن يدفعنا ذلك إلى الكف عن تبجيل مشتقاته التي لا ننقطع عن ابتداع المزيد منها والدفع بها إلى الأسواق بأثمان مضاعفة مقارنة بما نجود به لقاء قارورة ماء عندما نضطر إلى شراء واحدة منها.

ذلك وجه الشبه الأول بين الماء في الحياة والمقالة في الأدب: الإتاحة للجميع والجحود من قبل الجميع إلا من أفاء الله عليهم بفضله في تقدير مقامات المخلوقات والصنعات البديعة، فأنْ يكون الشيء متاحاً للجميع لا يعني أنه ليس ذا قيمة للجميع، بل العكس هو الصحيح في الغالب. أعز الناس لديك وأنفعهم لك هم الذين يمكثون في مرمى عينيك ولسانك وأحضانك لا أولئك الذين تتطلع إليهم من بعيد وأنت تمنِّي قلبك بنظرة عابرة منهم قد تحظى بها لماماً وقد لا تفعل.

وجه الشبه الآخر ليس بعيداً عن الأول، فالإتاحة للجميع مترافقة مع سهولة التعاطي/التداول، وسوى بمعايير تقدير النجوم الزائفة من أي سماء، فإن تلك السهولة هي مكمن قوةٍ وباعث اكتساحٍ لكلا الماء والمقالة على صعيدَي الحياة والأدب كلٍّ فيما يخصّه. أجناس الأدب كالقصة والشعر والرواية جميلة بحق،لكنها لن تغني متلقِّياً – أو مبدعاً من قبل – عن تعاطي المقالة التي لا تعدم بطبيعة الحال جمالَها الحق أيضاً.

ومثلما أن أيّ عصير مهما يبلغ من العذوبة والندرة المغرية لن يغني شارباً عن الماء، فإن سائر أجناس الأدب مهما تزعم من الفرادة واللذاذة الخاصة ليس في وسعها أن تغني القرّاء عن تعاطي المقالة حتى إذا كان أغلب أولئك القراء ينظر إلى جنس المقالة الأدبي نظرَ المسلّم بوجوده التلقائي في سوح الكتابة بما لا يحتاج إلى انتباه أو تنويه أو إشادة.

وكما أنه لا يمكن صنع أي عصير إلا من الماء مكوِّناً أساساً للمشروب المنتظَر على اختلاف أذواق المحبين، فإنني لن أتردّد في وصف المقالة بالمكوِّن الأساس الذي تُفترَع منه سائرُ أجناس الأدب إذا كان لا غضاضة من تحليلكل جنس أدبي إلى عناصره الأولية. وهكذا فإنه بإضافة مقادير متراوحة من البلاغة (بصفة عامة) وبعض الموسيقى والحبكة والخيال إلى المقالة نحصل على الشعر والقصة والرواية. وغنيّ عن القول – سوى من باب التأكيد لما عرضنا له في مقامات منصرمة – أن المقالة نفسها لا تنقصها موسيقاها ولا حبكاتها ولا خيالاتها إذا نهض بأمرها من الكتّاب مَن يهمّه تبديدُ أوهام الكتابة الأدبية التي تجعل هذه الأداة التعبيرية حكراً على هذا الجنس الأدبي وتلك اللغة أو هذا الأسلوب حكراً على ذلك الصنف من الكتابة.

هكذا تبدو حياة الأدب كما عرضنا مشتقة من روح المقالة، خاصة بتذكّر ما أشرنا إليه في مقامات سابقة من ضرورة التوسّع في مفهوم المقالة ليشمل الخطب والرسائل والأعمال النقدية ومحتويات المناهج التعليمية وكتب تطوير الذات والأبحاث الأكاديمية ونشرات الأخبار والتعبير عبر وسائل التواصلالاجتماعي الإلكترونية المختلفة… ماذا تبقّى؟

المقالة ماء الأدب، لكنها على صعيدها أشد مراوغة من ماء الحياة، إذ في وسع ماء الأدب أن يتضمّن المفيد اللذيذ من سائر عصائر الكتابة الأخرى، وليس في وسع الرواية مثلاً أن تضبط مقالةً متلبسة بحوار ممتع فتستدعي شرطة الأدب وتطلب تحرير محضر/بلاغ بداعي انتحال أداة فنية من أدوات التعبير، والأمر كذلك مع القصة القصيرة إذا طالعتْ كتابَ مقالات موغلاً في استخدام السرد، ومع الشعر إذا ضبط مقالاً مشحوناً بموسيقاه “الداخلية” الخاصة بما يقترب من “ألحان” قصيدة نثر.

صدْرُ المقالة في المقابل رحب وروحُها “رياضية”، فهي تضبط كل تلك الأجناس الأدبية في حالة تلبُّس مستمر بمائها ولا تذهب في ردّة فعلها أبعد من الابتسام والدعاء بالتوفيق لبنيها وبناتها من أجناس الأدب التي يتسم ردّ فعلها مجملاً بالعقوق والتطاول.