في جوهر الفنون، عند مارتن هايدغر

مارتن هايدغر [١٨٨٩-١٩٧٦]

تبرز أهمية (مارتن هايدغر)، الفيلسوف الألماني، بعدد من كتبه، مثل كتاب (مدخل إلى الميتافيزيقيا) في دراسة وتحليل جوهر الأشياء، بما في ذلك أسئلة الوجود والصيرورة والكينونة والواقع. أو كتابه الآخر (الكينونة والزمان)، والذي يُعد كتاب (هايدغر) الرئيسي -كتبه عام 1927- ويُعتبر باتفاق عام بين الباحثين؛ أعظم تحليل للوجود البشري ظهر في [الفلسفة الوجودية] على امتداد هذه الحركة كلها. ومن الممكن النظر إلى تركيزه في هذا الكتاب على موضوعات مثل: الهم، القلق، والإثم، والتناهي.

في كتابه الصادر عن [منشورات الجمل] والذي حمل عنوان (أصل العمل الفني)، والذي يقول (هايدغر) في مقدمته:

“الصيغة الأولى لهذا البحث تُشكّل محتوى محاضرة، كنت قد ألقيتها في ١٣ نوفمبر ١٩٣٥ في (الجمعية العلمية الفنية في مدينة (فبرايبورغ) بمنطقة (برايسغاو)، وأعيد إلقاءها في شهر يناير ١٩٣٦ في (زيورخ) بدعوة من (الجمعية الطلابية) في الجامعة.”

[…]

يبتدئ بعد ذلك (هايدغر) في تعريفه للأصل، فيقول:

“الأصل يعني؛ هنا، من أين، وبماذا يكون هذا الشيء وما هو؟ وكيف هو؟

هذا هو الذي عليه الشيء، وكيف هو، نسميه جوهره. أصل الشيء هو مرجع جوهره، والسؤال عن أصل العمل الفني سؤال عن مرجع جوهره.

والعمل ينبع وفقًا للتصور العادي من نشاط الفنان وعن طريق نشاطه. ولكن عن طريق أي شيء وكيف يستطيع الفنان أن يكون ما هو عليه؟ إنه يكون كذلك عن طريق العمل الفني؛ وإذا كان العمل الفني يُثني على الفنان، فلذلك يعني أن العمل الفني هو الذي يجعل الفنان يبرز بوصفه الفنان.

الفنان هو أصل العمل الفني، والعمل الفني هو أصل الفنان. لا وجود لأحدهما دون الآخر!

على أنه في الوقت نفسه لا يحمل أحدهما الآخر وحده، الفنان والعمل الفني هما دائمًا في ذاتهما، وفي علاقتهما المتبادلة، موجودان عن طريق ثالث.

هو الأول .. أي ذلك الذي اتخذ منه الفنان والعمل الفني اسميهما، وهو طريق الفن.”

[…]

يتحدث (هايدغر) في موضع آخر من كتابه، بأن “السؤال عن أصل العمل الفني، يُصبح سؤالًا عن جوهر الفن!”، ثم يقول بعد ذلك في مطلع حديثه عن الفن:

“أما ما هو الفن؛ فينبغي أن يُستمد من العمل الفني .. ونحن لا نستطيع أن نعرف ما هو العمل الفني، إلا من جوهر الفن.”

– [مارتن هايدغر]

المصدر:

رسالة الشاعر الفيلسوف (ديفيد وايت)، عن سحر التجربة الأولى

ما زلت أتذكر ما راودني عند نظرتي الأولى للقمر، بواسطة تلسكوب صغير، قد قام بتهريبه والدي من ألمانيا الشرقية؛ لطالما كان القمر هناك، وها أنا للتو أشعر بقربه، وكم هو حقيقي، وكأن أصابعي ذات الستة اعوام بإمكانها ملامسة خشونة ذلك السطح المتوهج. مشاعر ذهول مصحوبة برعشة لرؤية شيء ملأني بالدهشة ولا يُمكن أن أؤخذ بعيدًا عنه، شيئًا يبدو وكأنه بات ينتظرني لوقت طويل، حتى أعثر عليه. وبعد قرابة عقد من الزمن استطاع سحر المرة الأولى أن يأخذني مرة أخرى لنفس تلك الاحاسيس عند قراءة رواية (إلى الفنار).

وعلى الرغم من بساطة لغتي الانجليزية، إلا أن زاوية مظلمة في عقلي تناغمت مع عذوبة سيمفونية (فرجينيا وولف)، واستنارت بأحرفها.

إن للمرة الأولى في معرفة أو اكتشاف وجود شيء ما جمالًا لايتكرر، يفوق القبلة الأولى ذاتها جمالًا. لعل ذلك يكمن في حدوثها دائمًا بلا ترقب، بعظمة تجليها تمامًا مثل ظهور المالك الحزين ازرق اللون عند بزوغ الفجر على أطراف بحيرة يحيط بها الضباب. يتجلى سحرها مابين غلافين لكتاب رائع أو قصيدة تنتهي بانعطافة مذهلة. بكل مرة أولى تنتظر أن يُكشف عنها لتُظهر ماتخبئه من ملذات.

أشار الراوي (أمبرتو إيكو) الى أن في الكتب التي لم نقرأها ونتذوقها بعد، قيمة ولربما لذة أكبر من تلك التي قرأناها، وهذا مايُطلق عليه “anti-library”.

وبعد جيل، وجه الشاعر والفيلسوف (ديڤيد وايت) رسالته في كتاب (رسائل للقارئ الصغير)؛ مائة وواحد وعشرون رسائل مصوّرة موجهة للأطفال .. وضح في رسالته إيمانه بالطاقة الملهمة في الكتب والقادرة على تشكيلنا وذلك بكل ماتحتويه من شعراء، فيزيائيين، عازفون، فنانين. وآخرون ملهمون من أيضًا وصلوا الى ماهم عليه من خلال القراءة.

كتب (وايت):

عزيزي الصديق الصغير،

أتمنى بشدة أن أكون في مكانك الآن، أتمنى لو كنت واقفًا حيثُ أنت،

 أتمنى لو كان بإمكاني مقايضة كل ما تعلمته خلال قرائتي مُقابل هذه اللحظات، 

كنت لأقايض كامل مكتبتي الزاخرة بآلاف الكتب، وكل رحلة ومغامرة خضتها بين صفحاتها، 

وكل الأفكار التي تمحورت حول العالم وذاتي و الضحكات والمآسي واللحظات الصادمة ولحظات الارتياح، 

كل تلك الكتب التي ادهشتني وعاودت قرائتها مرارًا وتكرارًا، 

سأقايض كل هذا لأجل أن أحظى بفرصة عيش المرة الأولى.

أتمنى بشدة أن أكون في مكانك الآن وكل تلك الكتب من حولي تنتظر مني الولوج الى صفحاتها، 

سيكون من الرائع التعرف على كولريدج وسماع صوته لأول مرة، 

أود لو يُمحى من ذاكرتي كل ماتعلمته عن شكسبير وجين اوستن، 

وأن أغمر مرة أخرى بحقيقة وجود روزاليند، أو اليزابيث بينيت. ولاحقًا، ايميلي ديكنسون! 

لأجد نفسي في نهاية المطاف أتبع خطواتهم بكل خجل وارتياب ويداي تحاولان ان تكتب ولو قليلًا مما كتبوه،

 أتمنى أن أعود لأخطو أولى خطواتي في عالم القراءة والكتابة وأنظر له بأعين يافعة، كم أتمنى ذلك.

أتمنى لو كنت مكانك الآن وأنا مفعم بشغف المعرفة، والقراءة، والكتابة. 

أتمنى لو أفتح الباب وأعبر وسط كل الكتب التي قرأتها أو كتبتها وكأني لم أفعل من قبل.

أتمنى جدًا أن أكون في مكانك الآن.

خالص الشكر،

ديڤيد وايت.


[المصدر]

عن نيوتن، والطاعون، وكيف حرض الحَجر الصحي على القفزة الأعظم في تاريخ العلم

“وما الحقيقة إلا ثمرة للصمت والتأمل”

في خمسينات القرن السابع عشر للميلاد، بدأت غمامة الطاعون باجتياح العديد من بلدان أوروبا. حيث ضرب الوباء إيطاليا، أولاً، تلتها إسبانيا و ألمانيا، ثم هولندا. في ذلك الحين، كانت إنكلترا -التي يبدو أن إرادة الله شاءت أن تحميها من ذاك الوباء- تراقب الدول المجاورة لها من خلف جدار القنال الإنكليزي بوَجلٍ شديد، ثم بهدوء يسوده الحذر لمدة وصلت إلى ما يقارب عقدًا من الزمن.

بيد أن العالم بأسره، آنذاك، كان يضع التجارة في مقام رفيع، كما أن قوى العولمة كانت آخذة بالانتشار. وبما أن اقتصاد إنكلترا كان يعتمد اعتمادًا كبيرًا على التبادل التجاري، فإن موانئها كانت تعج بالسفن المحمّلة بالحرير والشاي والسكر القادم من كافة الحدود المكتشفة في العالم. لكن هذه السفن كانت محملة، أيضا، بالجرذان التي تحمل على أجسادها براغيثا، وهذه البراغيث هي التي تحمل البكتيريا المسببة للمرض؛ والتي كانت عبارة عن مملكة من الكائنات الحية الدقيقة أحادية الخلية، علماً أن الخلية لم تكن مكتشفة بعد، في ذلك الحين؛ إذ تنتقل العدوى من تلك البراغيث إلى جسد الإنسان عند رسوّ السفن.

وهكذا, تم الإعلان عن أول حالة وفاة بالطاعون في لندن في يوم الميلاد عام 1664. تلتها حالة أخرى في شهر شباط \ فبراير, ثم تتالت الحالات بعد ذلك. وهذا ما دفع كاتب اليوميات الإنكليزي (صموئيل بيبس) ليكتب في شهر نيسان\ أبريل من العام ذاته قائلاً:

“في هذه المدينة، ثمة مخاوف كبيرة من المرض. ليحفظنا الرب جميعا.”

صموئيل بيبس

بيد أن الرب لم يكن نظيرًا لانعدام المعرفة العلمية الأساسية بعلمي الأحياء والأوبئة. كانت الوفيات سريعة ومروعة، وسرعان ما أصبحت كثيرة إلى الحد الذي لم يتمكن أحد فيه من حمل الجثث. لتزداد أعداد الضحايا عشرة أضعاف بحلول فصل الصيف. إذ قفز عدد الوفيات من المئات إلى الآلاف في الأسبوع الواحد. لذلك فُرض على المرضى البقاء في منازلهم. كما تم وضع العديد منهم في سفن وتركوا ليلقوا حتفهم بمعزل عن المدينة. أما بيوتهم، فقد رسم عليها من الخارج صليب كبير للدلالة على وجود مصابين في الداخل. وفيما يخص المسرحيات، والرياضات الدموية العنيفة، وما إلى ذلك من تجمعات لحشود الناس، فقد مُنعت منعًا باتًا. كما منع الباعة المتجولون من بيع السلع، وموزعي الصحف اليومية من الهتاف في الشوارع، فانزوى الجميع إلى الداخل. ليخيم على مدينة الصخب والضجيج صمتًا موحشًا وغريبًا. وتغلق الجامعات، هي الأخرى، أبوابها.

عندما أرسلت جامعة “كامبريدج” طلابها إلى منازلهم، كان هنالك شاب شغوف بعلم الرياضيات و الحركة والضوء. هذا الشاب الذي توفي والده الأمي قبل ولادته بثلاثة أشهر. والذي كان يعبد “إله النظام لا الفوضى” وبدأ دراسته الجامعية عن طريق خدمته لبعض الطلاب الأثرياء من أجل تحصيل مصاريف دراسته. حيث أخذ كتبه التي جمعها، وعاد بها إلى مزرعة أمه.

هنا، حيث العزلة والوحدة، إذ يواصل الوباء امتداده بشراسة، كان (إسحق نيوتن) يحلم بنقطة الارتكاز التي تنتشل البشرية من عصور الظلام. في هذا المكان، سواء كانت الحادثة حقيقة أم مشكوك بصحتها؛ سقطت التفاحة. وفي ظل تلك التفاحة بزغت الفكرة الثورية لقانون الجاذبية التي يراها (نيوتن) قوة “يمتد تأثيرها حتى مدار القمر” على طول المسافة الفاصلة  بينه وبين الأرض دون انقطاع أو حدود. في ذات المكان شرع (نيوتن) بحساب تلك القوة التي يعتبرها “عنصرًا ضروريًا لإبقاء القمر في مداره، بفعل قوة الجاذبية على سطح الأرض” في غضون حسابه لهذه القوة، قوة الجاذبية، وكضرورة للقيام بذلك، ابتكر (نيوتن) نظرية التفاضل و التكامل.

في كتابه المميز (إسحاق نيوتن) الذي يعد مقياساً ذهبياً للسيرة الذاتية والسرد القصصي، والذي يجسر الهوة بين العلم و الشعر، كما يعرفنا على القصص الكامنة خلف المشاهير “الوقوف على أكتاف العظماء“* يحدثنا الكاتب الأمريكي (جيمس جليك) عن (نيوتن) الشاب  الهارب من الطاعون إلى منزل طفولته، إذ يقول:

“لقد أنشأ (نيوتن) رفوف مكتبته بنفسه، وشيّد مكتبة صغيرة. فتح (نيوتن) دفتر ملاحظاته الذي يحتوي على ما يقارب الألف صفحة، والذي كان قد ورثه من زوج أمه وأسماه “كتاب مهمل” وبدأ بملئه بملاحظاته التي سرعان ما تحولت إلى بحوث حقيقية. لقد جلب لنفسه المشاكل؛ فقد تفكر بهذه الملاحظات بهوس شديد، محصياً الإجابات الواردة فيها، وطارحًا المزيد من الأسئلة. لقد تجاوز (نيوتن) حدود المعرفة، على الرغم من عدم علمه بذلك. فكانت سنة الطاعون هي سنة التغيير الجذري بالنسبة له.  فقد جعلت منه تلك الوحدة والعزلة عن العالم الخارجي عالم الرياضيات الأهم في العالم.”

[جيمس جليك] – إسحاق نيوتن

 ومن حسن حظ (نيوتن) أنه عاش حياةً طويلة، فقد بلغ عمره عند وفاته أربعة وثمانين عاما، أي أنه عاش أكثر من ضعف متوسط العمر المتوقع للإنسان في تلك الفترة. حيث حُمل نعشه من قبل اللوردات و النبلاء آنذاك. كان (نيوتن) سيعيد النظر إلى أكثر مراحل حياته الفكرية ثراء  خصوبة وهو يدرك بأن “الحقيقة ليست سوى ثمرة للصمت و التأمل”


*يقصد بها عبارة نيوتن الشهيرة التي أجاب بها عندما سئل عن قدرته على رؤية ما لا يراه الآخرون، والوصول إلى قوانين لم يستطع غيره الوصول إليها  ” إذا كانت رؤيتي أبعد من الآخرين، فذلك لأنني أقف على أكتاف العمالقة من العلماء الذين سبقوني” 

[المصدر]

سركون بولص، وحديثه عن التحولات الثلاث في فكر نيتشه

سركون بولص (1944 – 2007) شاعر عراقي، قدّم العديد من الدواوين الشعرية، بالإضافة إلى ترجماته للعديد القصائد إلى اللغة العربية لعدد من الشعراء، مثل (تيد هيوز). 

في كتابه (الهاجس الأقوى عن الشعر والحياة)، تطرّق (بولص) إلى “التحولات الثلاث” التي ذكرها الفيلسوف (فريدريك نيتشه) في كتابه الأشهر (هكذا تكلم زرادشت)، وقام بشرحها بشكل لطيف، ضمن مقالة حملت عنوان “ملاحظات على الشعر والتحولات الثلاث”. يقول (بولص):

“هناك مثال يصف علاقة المبدع بالعالم في “التحولات الثلاثة”، وهي أول خطبة يفتتح بها (نيتشه) كتابه (هكذا تكلم زرادشت)، يقول فيها كيف ينبغي للروح أن تصير جَملًا في المرة الأولى، ثم يصبح أسدًا، وفي النهاية يتحول الأسد إلى طفل.”

[سركون بولص] – الهاجس الأقوى عن الشعر والحياة

يبدأ (بولص) في شرح الحالة الأولى، وهي حالة الجَمل، فيقول:

“ويرمز الجمل إلى مهمة القيام بحمل أعباء العالم والمعيشة فيه، بينما يقتات على الشوك والعاقول ليشبع جوعه إلى الحقيقة. إن مشيئة الإنسان الخلّاق، يقول (نيتشه)، ترضخ لضرورة التعلم من الظواهر والوقائع والأشياء بأن تصير جزءًا من مسار العالم، وأن تتفاعل مع قضايا العالم الحديّة، هذه هي الخطوة الأولى.”

[…]

ومن ثم، يبدأ في شرح الحالة الثانية، وهي حالة الأسد، قائلًا:

“لكن الروح، بعد ذلك، تحتاج إلى الاستئساد في صراعها مع العالم لكي تنحر تنين القيم الخارجية، […] بهذا الفعل تتخذ الروح كينونة قادرة على الحرية والخلق من جديد. هذه هي المرحلة التي ينبذ فيها الشاعر جميع الآراء السابقة ليجد منابعه ومراجعه الخاصة.”

[…]

وأخيرًا تكون حالة الطفل، هي ختام التحولات الثلاث. فيقول (بولص):

“وأخيرًا على الأسد أن يصبح طفلًا، لأن الروح الجديدة لن تدخل إلى العالم سوى عن طريق الطفل الذي يملك البراءة والقدرة العفوية على النسيان. وهذه هي لحظة الخلق الأصيل؛ يستدير الشاعر بكامل وجوده إلى لحظة كتابة بعقل البدايات، حرًا من جميع الدوافع الأخرى، ما عدا رغبته في أن يقول ما يريد، كما ينبغي أن يُقال.”

[…]

يعقب على ذلك (بولص)، فيقول عن الفنانين عمومًا، مخصصًا حديثه عن الشعراء منهم:

الشعر بلا رؤيا، لا يمكن أن يحمل أية قيمة جوهرية من حيث كونه شعرًا، وليس لعبة ذهنية أو لفظية. وبالرؤيا، لا أعني هنا شطحة الخيال المغمضة العينين […] ذلك أن رؤيا الشاعر ليست واسطة، ليست جسرًا إلى مدى آخر، بل هدف بحدّ ذاته من حيث أنها تجسيد للعالم بوجهيه، الظاهر والكامن.”

[…]

وربما يصدق على ذلك قوله، في أحد اللقاءات الصحفية، والتي نُشرت في مجلة (السفير) عام 2000م، إذ قال:

طبيعي أن الشاعر الحقيقي يعيش الشعر دائمًا في كل لحظة في حياته.

[…]

فريجينيا وولف؛ عن العلاقة بين العزلة والإبداع

(فيرجينيا وولف)

لو كان بوسعي القبض على ذلك الإحساس، لفعلتها؛ ذلك الشعور بترنُّم العالم الحقيقي، بما أن المرء منقاد بالعزلة والصمت عن الانغماس في هذا العالم.

ثمة نوع من الوحدة التي تفرض نفسها على المرء دون أن تتركه. وأكثرها جلباً للمقت هي التي تغزوك  أثناء وجودك بين رفاقك، وعامة الناس، وليست تلك التي تشعر بها في عزلتك. إن كان للعزلة المقدرة على إثراء خيالك، فإن الوحدة من شأنها أن تفرغه من الحيوية، وتكسو الروح بذلك الضجر من التوق الى التواصل، والتشارك، والنجاة. بالرغم من أن هذا الضجر هو الذي ساهم بولادة أعظم الأعمال الأدبية على مرّ الزمان.

كتبت الصحفية الأمريكية (دوروثي داي) يوماً قائلة: “لقد عشنا، جميعًا، شعور الوحدة الطويلة” بيد أن بعض المبدعين يعرفون هذا الشعور حق المعرفة أكثر من غيرهم من البشر. لكن أحدًا منهم لم يتمكن من الوصول إلى ذلك المستوى من الشفافية المذهلة، والوضوح الرائع الذي وصلت إليه (فرجينيا وولف)  في حديثها عن هذه المعرفة. 

لقد تغلغل شعور الوحدة في  كتابها (يوميات كاتبة) ذلك المصدر الذي لا ينضب لحكمة (وولف) المتعلقة بتلك الأبعاد المتنوعة للوجود، كمفارقات التقدم في العمر، ومرونة الوقت، ومفتاح ديمومة العلاقات الإنسانية، ناهيك عن المنافع الخلاّقة لعادة تدوين اليوميات. إن حالة (وولف)، في واقع الأمر، ليست سوى عملية تحويل لتلك الوحدة التي كانت تشعر بها إلى نوع من الارتباط بتجربة الإنسان الشاملة، والتي أضفت، بدورها، على كتابات (فرجينيا) تلك القوة  الأبدية النافذة. 

في أواخر صيف عام 1928 للميلاد, وقبل شهر واحد من نشر رواية (أورلاندو) التي تمكنت من نسف بعض الصور النمطية وأحدثت ثورة فكرية، وجدت (وولف) نفسها تتصارع، من جديد، مع ثنائية العزلة والإبداع. ففي مقدمة يومياتها التي كتبتها في (منزل مونك)، ذاك المنزل الريفي الذي اشترته وزوجها في مقاطعة “ساسكس” الإنكليزية قبل عقد من الزمن، حيث خطت معظم روائعها الأدبية، تكتب (فرجينيا) ما يلي:

غالباً ما أشعر في هذا المكان أنني دخلت إلى حرم مقدس. إذ تنتابني نزعات من الألم مرة، ومن الرعب مرات أُخر. إنه خوف من الوحدة، ومن رؤية ما يختبئ في آخر النفق.

هذه إحدى التجارب التي مررت بها خلال وجودي هنا في بعض أشهر (أغسطس – آب) لأدرك، عندئذٍ، ما أسميه “واقع” هذا الشيء الذي أراه يلوح أمامي. شيء تجريدي لكنه يسكن في الأرض والسماء. لا شيء يضاهيه في الأهمية، وبه يمكنني أن أستريح وأشعر بكينونتي. هو ما أسميته “واقع” ويخيل لي، أحيانًا، أنه أكثر الأشياء ضرورة بالنسبة لي، وجُل ما أسعى إليه. ولكن، من يدري، حالما يأخذ المرء قلمًا ويبدأ بالكتابة؟  ما مدى صعوبة عدم جعل الواقع على هذا النحو أو ذاك، في حين يكون هو، في الأساس، شيء واحد. ربما تكون هذه هي الهبة التي أمتلكها، وهذا ما يميزني عن غيري من البشر. أعتقد أن من النادر امتلاك إحساس ثاقب كهذا، ولكن، من يدري؟ بودي أن أعبر عنه أيضًا.

فيرجينيا وولف – يوميات كاتبة

في الخريف التالي، وبعد ثلاثين يومًا من نشر كتاب (غرفة تخص المرء وحده)، والذي كان بمثابة ترنيمة للعلاقة بين الوحدة والطاقة الإبداعية، تعود (وولف) لذات الموضوع في يومياتها للتفكر في الأساليب الغريبة التي نتبعها في إنكار، أو منح الصلاحية لشعورنا بالوحدة.  

إن الوحدة، في النهاية، ليست سوى قشعريرة داخلية مستقلة تماماً عن  كافة العوامل الخارجية. وغالبًا ما تتفاقم تلك البرودة الداخلية عندما تبدو ظروفنا، التي نغطي بها واقعنا غير المحتمل، مثالية من منظور العالم الخارجي. تكتب (وولف) في هذا الصدد قائلة:

هذه الأيام من شهر (أكتوبر – تشرين الأول) تبدو لي مرهقة و محفوفة بالصمت. ولا أدري ما الذي أعنيه بالكلمة الأخيرة. لأنني لم أتوقف عن التواصل مع البشر .. لا أقصد الصمت بمعناه العام .. بل أعني ذلك الشعور الداخلي بالوحدة. 

فيرجينيا وولف – غرفة تخص المرء وحده

وبالرغم من ذلك، فلا يمكن الفصل بين الصمت الناشئ عن الوحدة، والدافع الإبداعي بالنسبة لـ(وولف). فقبل نصف قرن من مقولة الكاتبة الأمريكية (أدريان ريتش)؛ “إن العنصر المحفز للإبداع غالباً ما ينشأ داخل نفق من الصمت “ تمكنت (فرجينيا) من شرح هذا الشعور شديد الالتباس بمثال حي، حيث قالت:

في ظهيرة اليوم، وبينما كنت أسير في شارع (بيدفورد بليس)، ذاك الشارع المستقيم الذي تحيط به النزل من كلا جانبيه، قلت لنفسي بعفوية شديدة: “كيف أعاني؟ و لا أحد يعلم حجم معاناتي؟” أسير في هذا الطريق منهمكة بألمي. وكما كنت بعد وفاة (ثوبي)* وحيدة، لا زلت أصارع شيئًا ما، وحيدة أيضًا. كنت أقاتل الشيطان، وقتها، لكنني الآن بمفردي. 

فيرجينيا وولف

عندما أعود إلى منزلي، يخيم الصمت على المكان. إذ تهدأ زوبعة الأفكار في رأسي قليلًا. بيد أنني أواصل الكتابة. إنه فصل الخريف. حيث تشتعل الأضواء. وعملي هذا طويل الأمد، لكنني أصبحت أكثر غنى من ذي قبل، إذ قمت بشراء زوج من الأقراط اليوم. وبالرغم من كل هذا، ثمة فراغ وصمت يسود الأجواء. يغطي كل شيء. غير أني لا أبالي كثيرًا بذلك، فكل ما أسعى إليه هو أن انطلق بحيوية من جانب إلى آخر، مدفوعة بما أسميه واقع.  لو أنني لم أشعر بتلك النزعات الاستثنائية الغامرة، من الراحة والتعب، من السعادة و الضيق، لأذعنت مستسلمة. ثمة شيء يستحق أن نحارب من أجله. فكلما استيقظت في الصباح الباكر أقول لنفسي: “فلتقاتلي!” 

[…]

لو كان بوسعي القبض على ذلك الإحساس، لفعلتها؛ ذلك الشعور بترنُّم العالم الحقيقي، بما أن المرء منقاد بالعزلة والصمت عن الانغماس في هذا العالم. كل شيء ممكن. وهذه الحياة الغريبة حقيقية. هل نجحت إحدى العبارات التي قلتها في إيصال المعنى الذي أقصد؟

[…]

[المصدر]

[*] شقيق (فيريجينيا وولف)