سركون بولص، وحديثه عن التحولات الثلاث في فكر نيتشه

سركون بولص (1944 – 2007) شاعر عراقي، قدّم العديد من الدواوين الشعرية، بالإضافة إلى ترجماته للعديد القصائد إلى اللغة العربية لعدد من الشعراء، مثل (تيد هيوز). 

في كتابه (الهاجس الأقوى عن الشعر والحياة)، تطرّق (بولص) إلى “التحولات الثلاث” التي ذكرها الفيلسوف (فريدريك نيتشه) في كتابه الأشهر (هكذا تكلم زرادشت)، وقام بشرحها بشكل لطيف، ضمن مقالة حملت عنوان “ملاحظات على الشعر والتحولات الثلاث”. يقول (بولص):

هناك مثال يصف علاقة المبدع بالعالم في “التحولات الثلاثة”، وهي أول خطبة يفتتح بها (نيتشه) كتابه (هكذا تكلم زرادشت)، يقول فيها كيف ينبغي للروح أن تصير جَملًا في المرة الأولى، ثم يصبح أسدًا، وفي النهاية يتحول الأسد إلى طفل.

يبدأ (بولص) في شرح الحالة الأولى، وهي حالة الجَمل، فيقول:

ويرمز الجمل إلى مهمة القيام بحمل أعباء العالم والمعيشة فيه، بينما يقتات على الشوك والعاقول ليشبع جوعه إلى الحقيقة. إن مشيئة الإنسان الخلّاق، يقول (نيتشه)، ترضخ لضرورة التعلم من الظواهر والوقائع والأشياء بأن تصير جزءًا من مسار العالم، وأن تتفاعل مع قضايا العالم الحديّة، هذه هي الخطوة الأولى.

ومن ثم، يبدأ في شرح الحالة الثانية، وهي حالة الأسد، قائلًا:

لكن الروح، بعد ذلك، تحتاج إلى الاستئساد في صراعها مع العالم لكي تنحر تنين القيم الخارجية، […] بهذا الفعل تتخذ الروح كينونة قادرة على الحرية والخلق من جديد. هذه هي المرحلة التي ينبذ فيها الشاعر جميع الآراء السابقة ليجد منابعه ومراجعه الخاصة.

وأخيرًا تكون حالة الطفل، هي ختام التحولات الثلاث. فيقول (بولص):

وأخيرًا على الأسد أن يصبح طفلًا، لأن الروح الجديدة لن تدخل إلى العالم سوى عن طريق الطفل الذي يملك البراءة والقدرة العفوية على النسيان. وهذه هي لحظة الخلق الأصيل؛ يستدير الشاعر بكامل وجوده إلى لحظة كتابة بعقل البدايات، حرًا من جميع الدوافع الأخرى، ما عدا رغبته في أن يقول ما يريد، كما ينبغي أن يُقال.

يعقب على ذلك (بولص)، فيقول عن الفنانين عمومًا، مخصصًا حديثه عن الشعراء منهم:

الشعر بلا رؤيا، لا يمكن أن يحمل أية قيمة جوهرية من حيث كونه شعرًا، وليس لعبة ذهنية أو لفظية. وبالرؤيا، لا أعني هنا شطحة الخيال المغمضة العينين […] ذلك أن رؤيا الشاعر ليست واسطة، ليست جسرًا إلى مدى آخر، بل هدف بحدّ ذاته من حيث أنها تجسيد للعالم بوجهيه، الظاهر والكامن.

وربما يصدق على ذلك قوله، في أحد اللقاءات الصحفية، والتي نُشرت في مجلة (السفير) عام 2000م، إذ قال:

طبيعي أن الشاعر الحقيقي يعيش الشعر دائمًا في كل لحظة في حياته.

فريجينيا وولف؛ عن العلاقة بين العزلة والإبداع

لو كان بوسعي القبض على ذلك الإحساس، لفعلتها؛ ذلك الشعور بترنُّم العالم الحقيقي، بما أن المرء منقاد بالعزلة والصمت عن الانغماس في هذا العالم.

ثمة نوع من الوحدة التي تفرض نفسها على المرء دون أن تتركه. وأكثرها جلباً للمقت هي التي تغزوك  أثناء وجودك بين رفاقك، وعامة الناس، وليست تلك التي تشعر بها في عزلتك. إن كان للعزلة المقدرة على إثراء خيالك، فإن الوحدة من شأنها أن تفرغه من الحيوية، وتكسو الروح بذلك الضجر من التوق الى التواصل، والتشارك، والنجاة. بالرغم من أن هذا الضجر هو الذي ساهم بولادة أعظم الأعمال الأدبية على مرّ الزمان.

كتبت الصحفية الأمريكية (دوروثي داي) يوماً قائلة: “لقد عشنا، جميعًا، شعور الوحدة الطويلة” بيد أن بعض المبدعين يعرفون هذا الشعور حق المعرفة أكثر من غيرهم من البشر. لكن أحدًا منهم لم يتمكن من الوصول إلى ذلك المستوى من الشفافية المذهلة، والوضوح الرائع الذي وصلت إليه (فرجينيا وولف)  في حديثها عن هذه المعرفة. 

لقد تغلغل شعور الوحدة في  كتابها (يوميات كاتبة) ذلك المصدر الذي لا ينضب لحكمة (وولف) المتعلقة بتلك الأبعاد المتنوعة للوجود، كمفارقات التقدم في العمر، ومرونة الوقت، ومفتاح ديمومة العلاقات الإنسانية، ناهيك عن المنافع الخلاّقة لعادة تدوين اليوميات. إن حالة (وولف)، في واقع الأمر، ليست سوى عملية تحويل لتلك الوحدة التي كانت تشعر بها إلى نوع من الارتباط بتجربة الإنسان الشاملة، والتي أضفت، بدورها، على كتابات (فرجينيا) تلك القوة  الأبدية النافذة. 

في أواخر صيف عام 1928 للميلاد, وقبل شهر واحد من نشر رواية (أورلاندو) التي تمكنت من نسف بعض الصور النمطية وأحدثت ثورة فكرية، وجدت (وولف) نفسها تتصارع، من جديد، مع ثنائية العزلة والإبداع. ففي مقدمة يومياتها التي كتبتها في (منزل مونك)، ذاك المنزل الريفي الذي اشترته وزوجها في مقاطعة “ساسكس” الإنكليزية قبل عقد من الزمن، حيث خطت معظم روائعها الأدبية، تكتب (فرجينيا) ما يلي:

غالباً ما أشعر في هذا المكان أنني دخلت إلى حرم مقدس. إذ تنتابني نزعات من الألم مرة، ومن الرعب مرات أُخر. إنه خوف من الوحدة، ومن رؤية ما يختبئ في آخر النفق.

هذه إحدى التجارب التي مررت بها خلال وجودي هنا في بعض أشهر (أغسطس – آب) لأدرك، عندئذٍ، ما أسميه “واقع” هذا الشيء الذي أراه يلوح أمامي. شيء تجريدي لكنه يسكن في الأرض والسماء. لا شيء يضاهيه في الأهمية، وبه يمكنني أن أستريح وأشعر بكينونتي. هو ما أسميته “واقع” ويخيل لي، أحيانًا، أنه أكثر الأشياء ضرورة بالنسبة لي، وجُل ما أسعى إليه. ولكن، من يدري، حالما يأخذ المرء قلمًا ويبدأ بالكتابة؟  ما مدى صعوبة عدم جعل الواقع على هذا النحو أو ذاك، في حين يكون هو، في الأساس، شيء واحد. ربما تكون هذه هي الهبة التي أمتلكها، وهذا ما يميزني عن غيري من البشر. أعتقد أن من النادر امتلاك إحساس ثاقب كهذا، ولكن، من يدري؟ بودي أن أعبر عنه أيضًا.

في الخريف التالي، وبعد ثلاثين يومًا من نشر كتاب (غرفة تخص المرء وحده)، والذي كان بمثابة ترنيمة للعلاقة بين الوحدة والطاقة الإبداعية، تعود (وولف) لذات الموضوع في يومياتها للتفكر في الأساليب الغريبة التي نتبعها في إنكار، أو منح الصلاحية لشعورنا بالوحدة.  

إن الوحدة، في النهاية، ليست سوى قشعريرة داخلية مستقلة تماماً عن  كافة العوامل الخارجية. وغالبًا ما تتفاقم تلك البرودة الداخلية عندما تبدو ظروفنا، التي نغطي بها واقعنا غير المحتمل، مثالية من منظور العالم الخارجي. تكتب (وولف) في هذا الصدد قائلة:

هذه الأيام من شهر (أكتوبر – تشرين الأول) تبدو لي مرهقة و محفوفة بالصمت. ولا أدري ما الذي أعنيه بالكلمة الأخيرة. لأنني لم أتوقف عن التواصل مع البشر .. لا أقصد الصمت بمعناه العام .. بل أعني ذلك الشعور الداخلي بالوحدة. 

وبالرغم من ذلك، فلا يمكن الفصل بين الصمت الناشئ عن الوحدة، والدافع الإبداعي بالنسبة لـ(وولف). فقبل نصف قرن من مقولة الكاتبة الأمريكية (أدريان ريتش)؛ “إن العنصر المحفز للإبداع غالباً ما ينشأ داخل نفق من الصمت “ تمكنت (فرجينيا) من شرح هذا الشعور شديد الالتباس بمثال حي، حيث قالت:

في ظهيرة اليوم، وبينما كنت أسير في شارع (بيدفورد بليس)، ذاك الشارع المستقيم الذي تحيط به النزل من كلا جانبيه، قلت لنفسي بعفوية شديدة: “كيف أعاني؟ و لا أحد يعلم حجم معاناتي؟” أسير في هذا الطريق منهمكة بألمي. وكما كنت بعد وفاة (ثوبي)* وحيدة، لا زلت أصارع شيئًا ما، وحيدة أيضًا. كنت أقاتل الشيطان، وقتها، لكنني الآن بمفردي. 

عندما أعود إلى منزلي، يخيم الصمت على المكان. إذ تهدأ زوبعة الأفكار في رأسي قليلًا. بيد أنني أواصل الكتابة. إنه فصل الخريف. حيث تشتعل الأضواء. وعملي هذا طويل الأمد، لكنني أصبحت أكثر غنى من ذي قبل، إذ قمت بشراء زوج من الأقراط اليوم. وبالرغم من كل هذا، ثمة فراغ وصمت يسود الأجواء. يغطي كل شيء. غير أني لا أبالي كثيرًا بذلك، فكل ما أسعى إليه هو أن انطلق بحيوية من جانب إلى آخر، مدفوعة بما أسميه واقع.  لو أنني لم أشعر بتلك النزعات الاستثنائية الغامرة، من الراحة والتعب، من السعادة و الضيق، لأذعنت مستسلمة. ثمة شيء يستحق أن نحارب من أجله. فكلما استيقظت في الصباح الباكر أقول لنفسي: “فلتقاتلي!” 

لو كان بوسعي القبض على ذلك الإحساس، لفعلتها؛ ذلك الشعور بترنُّم العالم الحقيقي، بما أن المرء منقاد بالعزلة والصمت عن الانغماس في هذا العالم. كل شيء ممكن. وهذه الحياة الغريبة حقيقية. هل نجحت إحدى العبارات التي قلتها في إيصال المعنى الذي أقصد؟


[المصدر]

[*] شقيق (فيريجينيا وولف)

عن دور الترجمة في شعر سركون بولص

سركون بولص (1944 – 2007) شاعر عراقي، قدّم العديد من الدواوين الشعرية، بالإضافة إلى ترجماته للعديد القصائد إلى اللغة العربية لعدد من الشعراء، مثل (تيد هيوز).

في أحد اللقاءات الصحفية مع (بولص)، والتي أدارها الأستاذ (صلاح عواد)، ونُشرت في مجلة (نزوى) العمانية عام 1996م، تحدث (بولص) عن دور الترجمة في كتاباته الأدبية الخاصة. الجدير بالذكر، أن هذا اللقاء الصحفي، وغيره من اللقاءات، قد جُمعت ونُشرت في كتاب حمل عنوان (سافرت ملاحقًا خيالاتي).

في هذا اللقاء الصحفي، سأل (عواد): “أنت تقول إنك تكاد تمارس الترجمة يوميًا، وترجمت العديد من النصوص، فما هو أثر الترجمة على نصّك الشعري؟”. فكان جواب (بولص):

التأثير كان كبيرًا جدًا. والترجمة فن قائم بذاته، وأنا عندما أترجم -خصوصًا الشعر- أقوم بكتابة النص من جديد باللغة العربية، محاولًا أن أجد الصوت الكافل كما ينبغي أن يكون بالعربية لذلك الشاعر المتَرجم. وهذا امتحان قاس جدًا، والترجمة اليومية المستمرة هي نوع من التمرين بالنسبة لي. وهذا التمرين هو ممارسة اللغة لكي أجد البدائل في العربية لأقصى وأدق التعابير في اللغة الإنجليزية. والتحدي هو أن تجد في اللغة العربية التعابير الدقيقة والتراكيب المعقدة التي تجدها أحيانًا عند كبار الشعراء. فمثلًا؛ أحيانًا أقوم بترجمة أبيات من جحيم (دانتي) لأني أحب أن أترجم لنفسي المقاطع الصعبة، لأمتحن اللغة العربية، وأتساءل هل يمكن لهذه اللغة أن تعبّر عن هذا الشيء أو ذاك كما أجده باللغة الإنجليزية، لأحد أعظم شعراء اللغة الإيطالية؟ ويقود هذا التمرين أحيانًا إلى تجاوز نفسك واللغة لاختراع نوع جديد من التراكيب الشعرية، وكل هذا طبعًا يؤثر في النهاية عليّ كشاعر عندما أكتب.

سأل بعد ذلك (عواد)، فقال: “الشاعر الأمريكي (ميروين) مهووس بالترجمة، وقد تلقى نصيحة من الشاعر (عزرا باوند) في بداياته الشعرية الذي حثه على الترجمة، واكتشف الشاعر (ميروين) أن لغته قبل القيام بالترجمة كانت فقيرة وخالية من الدلالات، فهل توفر لديك نفس الإحساس بعد ممارسة الترجمة؟”. فأجاب (بولص) على ذلك:

عندما ترجم (عزرا باوند) للشعر الصيني أحدث أكبر ثورة في اللغة الإنجليزية على الإطلاق، وما زالت أصداؤها تتردد حتى الآن. وفي كتابه (Cathay)، الذي ترجم فيه لأربع عشرة قصيدة صينية معزوفة، عن الحرب، وظهر في عام 1915م، حين كانت الحرب العالمية الأولى جارية. وأثّر في الشعر الإنجليزي بعمق، لأنه قدّم التراكيب أو “Ideographs” الصينية، أي وحدات الفكر والتعبير بها في اللغة الصينية. وعندما وجد لها (باوند) البديل باللغة الإنجليزية أحدث ثورة، ومن هذه الثورة خرج شعراء مثل (غيري سايندر)، الذي لولا تأثره بالشعر الصيني والياباني لما كتب كما يكتب الآن، وغيره من الشعراء، من بينهم (ميروين) الذي هو مترجم عظيم، وعاش طوال حياته على الترجمة. وقدّم العديد من شعراء الاسبانية والفرنسية والبروفانسية إلى قراء اللغة الإنجليزية. فالترجمة هي نوع من التلقيح، وهي نوع من الجسور التي تمتد عبر اللغات، وتجعل من جميع اللغات والكتابات، في النهاية، تتشارك وتتداخل وتتلاحم، لتخلق شيئًا جديدًا.

اختتم (عواد) اللقاء الصحفي بعد ذلك، بأن سأل: “هل تنصح الشعراء الشباب بالترجمة؟”، وكان الجواب على ذلك:

أنا أنصح كل شاعر أن يعرف لغة أخرى بشكل جيد وممتاز، إذا أمكن. وأن يحاول الترجمة، حتى لو كان ذلك من أجل لذته الخاصة، كتمرين.

لماذا نتدارس الرياضيات؟ (راسل) يجيب

برتراند راسل (1872-1970) فيلسوف وعالم منطق ورياضي وأيضاً هو مؤرخ وناقد اجتماعي بريطاني.

في كتابه (عبادة الإنسان الحر)، والذي نقله إلى العربية الأستاذ (محمد عمارة)، تحدث (راسل) عن أحد الأسئلة التي لطالما التقطتها آذاننا حول أهمية علم الرياضيات، والفوائد العائدة على تعلمها. فيتحدث (راسل) مجيبًا في مطلع حديثه عن أحد أهم أهداف الرياضيات:

أحد الأهداف الرئيسية التي تهدف إليها الرياضيات، عندما تدرس بطريقة سليمة، هو إيقاظ إيمان المتعلم بالعقل، وتنمية ثقته في حقيقة ما تم إيضاحه وفي قيمة هذا الإيضاح. هذا الهدف لا يخدمه التدريس القائم حاليًا، ولكن من السهل رؤية الطرق التي يجب أن تخدمه.

ولفهم كيفية تعاملنا مع الرياضيات كأحد تجليات علم المنطق وأساليب الترميز، يقول (راسل):

في بدايات علم الجبر، كان أكثر الأطفال ذكاء يجدون، كقاعدة عامة، صعوبات كبيرة في فهمه، حيث كان استخدام الحروف يمثل لغزًا، ويبدو كما لو أن ليس له من هدف إلا الغموض. وربما كان يستحيل في البداية ألا يُعتقد أن كل حرف يمثل رقمًا بعينه لو كان المدرس يكشف عن الرقم الذي يمثله.

الحقيقة أنه في علم الجبر يتم تعليم العقل في البداية النظر إلى الحقائق العامة، الحقائق التي لا يُقال إنها تنطبق فقط على هذا الشيء أو ذاك، بل على كل شيء فرد من مجموعة من الأشياء. إن القدرة على فهم واكتشاف تلك الحقائق يكمن فيها تمكن العقل من عالم الأشياء الفعلية والممكنة. ومقدرته على التعامل مع ما هو عام يعد إحدى المواهب التي يجب أن يتمتع بها دارس الرياضيات.

ومن ثم يبدأ الجزء الأشد صعوبة في الرياضيات، وهي علم الجبر، والمعادلات غير النهائية. فيتابع (راسل):

عندما يتم تعليم الجبر، تسير الأمور بيسر إلى أن نصل إلى الدراسات التي توجد بها مفاهيم اللانهائية، والمعادلات اللانهائية، وكل الرياضيات العليا. وحل الصعوبات التي كانت تحيط اللانهائية الرياضية ربما كان أعظم الإنجازات التي يفاخر بها عصرنا؛ فمنذ بداية الفكر الإغريقي، كانت تلك الصعوبات معروفة، وفي كل عصر حاولت أعظم العقول الإجابة على السؤال الذي بدا أنه لا إجابة له، والذي سأله (زينو الإلياتي). أخيرًا وجد (جورج كانتور) الإجابة، وتمكن من جعل العقل يقهر مجالًا جديدًا وواسعًا كانت تسيطر عليه الفوضى.

بعيدًا عن آليات تدريس الرياضيات، وعودة إليها ذاتها، وإلى أهميتها، يقول (راسل):

الآن حان الوقت لاكتساح كل ذلك بعيدًا، ولندع الذين يودون الولوج إلى عالم الرياضيات، يتعلمون في نفس اللحظة النظرية الصحيحة، بكل نقائها المنطقي، وبكل التركيز الذي يوفره جوهر مكوناتها.

إذا نظرنا إلى الرياضيات على أنها غاية في ذاتها، وليس تدريبًا تقنيًا للمهندسين -فمن المرغوب فيه بشدة الحفاظ على نقاء وقطيعة تسبيبها- وبالتالي فإن من وصلوا إلى التمرس الكافي بأجزائها الأسهل، يجب أن يوجهوا للخلف قليلًا. فمن الفروض التي قبلوها على أنها ذاتية الدليل إلى الأسس الأصولية التي كان ما يبدو منها في السابق يعد فرضًا يمكن استنتاجه.

يجب أن يتعلموا -وهو ما تظهره نظرية اللانهائية- أن الكثير من المقدمات يبدو ذاتي الدليل للعقل غير المدرب، وأنها بالتمحيص الدقيق تصبح خطأً. بهذه الطريقة يتم توجيههم إلى البحث التحليلي للقواعد الرئيسية، وإلى اختبار الأسس التي ينبني عليها صرح التسبيب المنطقي بكامله، أو باستخدام عبارة أدق؛ يتأسس الجذع الأعظم الذي تخرج منه الفروع الأخرى.

في هذه المرحلة يكون من الأفضل أن تتم دراسة الأجزاء الرئيسية للرياضيات من جديد، دون السؤال عن صحة فرض من الفروض ولكن بالإجابة على السؤال؛ “كيف أمكن إثباته من القواعد المركزية للمنطق؟” الأسئلة من هذا النوع يمكن الآن إجابتها بدقة وتأكد كانا مستحيلين سابقًا، وفي سلسلة التسبيب التي تتطلبها الإجابة، فإن وحدة كل الدراسات الرياضية تفصح عن نفسها.

فالرياضيات هي البحث في المسببات للنتائج المشهودة لكل الأشياء الفعلية والممكنة، كما يقول (راسل) في موضع آخر من حديثه:

عادة ما يصر الفلاسفة على أن قوانين المنطق، التي تتميز بها الرياضيات، هي قوانين للفكر وأنها قوانين تنظم عمليات عقولنا. بهذا الرأي تم الحط من كرامة التسبيب بدرجة كبيرة؛ فلم يعد بحثًا في قلب الجوهر غير المتغير لكل الأشياء الفعلية والممكنة، وإنما أصبح بدلًا من ذلك بحثًا في شيء إنساني بدرجة أو بأخرى، وعرضة لمحدداتنا.

إن تدبر ما ليس إنسانيًا، واكتشاف أن عقولنا قادرة على التعامل مع مواد دامدة وليست من ابتكارات عقولنا، فوق كل ذلك، إدراكٌ بأن الجمال هو شيء ينتمي للعالم الخارجي كما ينتمي للعالم الداخلي.

يختتم (راسل) حديثه عن الرياضيات، وتأثيرها على حياتنا اليومية، بقوله:

تعد الوسائل الرئيسية للتغلب على الإحساس بالمؤلم بالعجز والضعف تجاه قوى معادية، والتي من المؤكد أنه ينتج عن الاعتراف بالقدرة الغامرة لقوى غريبة، وإن تصالحنا باستعراض جمالها الطاغي وبسيطرة القدر -والذي يعد تجسيدًا لهذه القوى- يكون ذلك هو مهمة التراجيديا.

ولكن الرياضيات تأخذنا إلى أبعد مما هو إنساني؛ إلى منطقة الضرورة المطلقة التي يجب أن ينسجم معها، ليس العالم الفعلي فحسب، وإنما كل عالم آخر ممكن. وحتى هنا فإنها تشكل اعتيادًا، أو نجد اعتيادًا مستمرًا، حيث تتحقق مثلنا العليا، ولا تخيب أعظم آمالنا. فقط عندما نفهم بعمق استقلاليتنا الكاملة التي تنتمي للعالم الذي يجده عقلنا، يمكننا أن ندرك الأهمية الشاملة لجمال هذا العالم.

ديفيد معلوف، والطريقة التي نحيا بها

ديفيد معلوف (مواليد 1934) هو روائي وشاعر استرالي، ذو أصول عربية. يعتبر من أبرز الشعراء المعاصرين في أستراليا، ونال استحسانًا وتقديرًا من أبرز الشعراء في العالم.

في أحد مقالاته، والتي حملت عنوان “الطريقة التي نحيى بها في وقتنا الحاضر”، والتي نشرها (معلوف) في مجلة (Quarterly Essay) الاسترالية، والتي تعنى بالأفكار وتأثيراتها في السياسة والحياة العامة، سلّط الكاتب الضوء على تغير مفاهيمنا ونظرتنا للحياة عن العصور السابقة، التي كان فيها الإنسان معرضًا للكثير من الأزمات والمتاعب اليومية، مقارنة بالعصر الراهن. وقد قامت المترجمة القديرة (لطفية الدليمي) بترجمة المقالة المذكورة، بالإضافة إلى أخريات، وضمّنتها في كتاب حمل عنوان (اكتمال العالم).

يقول (معلوف) مستفتحًا حديثه عن العصر الراهن، وحال السعادة فيه، فيقول:

اسأل أي أحد من أصدقائك أو جيرتك بشأن كونه سعيدً أم لا، وسيكون جوابه المحتمل هو أن ليس ثمة ما يشكو منه. إن ما يعنيه بالفعل كلٌ من هؤلاء هو أن الحياة الطيبة، كما فهمتها الأجيال السابقة ربما، قد تمّ الإيفاء بمتطلباتها وصارت حقيقة على الأرض؛ ضمنت العلوم الطبية أن لا يموت سوى القلة من الأطفال فحسب عند وصولهم إلى سن البلوغ، وأن معظم الأمراض الوبائية المعدية قد باتت تحت السيطرة؛ بل إن حتى أخطرها، مثل (الجدري) و(الطاعون) و(السل) و(شلل الأطفال)، تم اجتثاثها في معظم مناطق العالم، وأن المجاعة ما عادت منتشرة بيننا، باستثناء مناطق محددة في القارة الإفريقية، وأن الأفراد في المجتمعات المتقدمة باتوا موضع عناية الدولة ورعايتها، من المهد إلى اللحد.

يستكمل حديثه بعد ذلك:

نخن نشتكي بالطبع معظم الوقت؛ لكنما شكوانا ليست سوى تذمرًا بديهيًا يتخذ معظم الأحيان مظهرًا طقوسيـًا؛ سياسيونا يفتقدون الرؤية، معدلات الفائدة عالية للغاية، إيقاع المعيشة الحديثة غدا عجولًا مربكًا، الشباب ينقصهم الإحساس بالواجبات الملحّة، القيم العائلية باتت في انحدار مخيف، إلى آخره..

يبدو الأمر كما لو أن الحياة الطيبة ما عادت كافية، وليس ثمة ما نشكو منه ونحن سعداء بما يكفي؛ غير أننا لسنا سعداء تمامًا. لم نزل حتى اليوم، وبشكل ما، غير راضين بأوضاعنا، وعدم الرضى هذا يستشعره الجميع بعمق بصرف النظر عن الأشكال الغريبة والمختلفة التي يتقنّع بها.

لو تمادينا قليلًا في الإلحاح على أصدقائنا فربما سيجيبوننا بأن ما يشكونه في الأساس هو (الضغط) و(التوتر) و(الإجهاد)، ذلك الإحساس الغريب المتخفي الذي يجعلهم يرون كل ما حولهم يبدو على ما يرام، أو في أقل تقدير هذا ما يشعرونه وهم يعيشون وسط العالم، وهو ما يجعلهم في نهاية المطاف يشعرون بفقدان الأمن والسلامة.

يبدأ (معلوف) بوصف تعامل البشر مع الحياة والعالم، فيصف الحالة في عصور سابقة:

كان العالم بالنسبة لأغلب البشر هو ما يرونه لحظيًا أمام أعينهم، ونادرًا ما عدّوه موجودًا فيما وراء منظورهم المحدود ذاك، وإذا ما أراد هؤلاء ابتغاء مصدرٍ للدهشة في حياتهم، فسيجدونه في خزين ذكرياتهم من حكايات الغزو، وبين تلك الحكايات، بالطبع، غزو الطاعون وبداية ظهور أعراضه على الأجساد، وكم كانت تلك الحكايات مخيفة! إذ كان مستحيلًا التنبؤ بمسار الوباء أو أفاعيله القاتلة.

[…] كل هذه المشاهد التي مرّت أعلاه تختلف جوهريًا عن العالم كما نراه اليوم، وربما يكون الجزء الصغير من العالم الذي نتعامل معه ونتحرك في حدوده يوميًا ليس بأوسع من العالم الذي عاش فيه أسلافنا، ما لم نكن دائمي التنقل والسفر. ولكن وعينا بمكانتنا الحاضرة هو ما نال توسعًا عظيمًا لم نعهده من قبل

إن ما نقيم فيه اليوم هو الكوكب بأكمله، وإن ما نرى أنفسنا جزءًا منه، وإن كان بطريقتنا التي تميل لتصغير المشهد اليومي، لهو أكبر بكثير من تلك المشاهد اليومية المبتسرة؛ إنه تجريد مفاهيمي يتوهج دومًا حولنا وتستبطنه المفردات

يضرب (معلوف) مثالًا على كلمته السابقة في مفردة ” البيئة أو المحيط”، والتي كانت أحجية خالية من المعنى في وقت سابق، وهي الآن من المفردات الشائعة في أحاديثنا اليومية.

ومن ثم ينتقل الكاتب إلى وصف التغير في عدة محاور أساسية في حياتنا، مثل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية وغيرها. لكن أحد أبرز المحاور التي تحدث عنها (معلوف) كانت هي الخوف الأكبر الذي يؤرقنا جميعًا، فيقول:

إن أسوأ مخاوفنا في أيامنا هذه ليست كون الموت ختمًا نهائيًا […]، ولكن صار الخوف الأسوأ هو أن تطول الحياة وتبلغ مديات نعجز معها على الوفاء بمتطلبات السيطرة على ملكتنا العقلية أو قدراتنا الجسدية، هناك حيث ننزلق إلى نصف حياة، أو بوصف أدق، موت افتراضي ونحن لما نزل أحياء!

ننزلق إلى وهدة “الطفولة ثانية ونسيان محض؛ بلا أسنان، ولا عيون، ولا قدرة على التذوق، وبلا أي شيء ..” تلك الوهدة التي يختم بها (جاك) في مسرحية (كما تحبها) مداخلته الشهيرة بشأن تاريخنا البشري الغريب والحافل بالحوادث.