قصة إختفاء آغاثا كريستي العجيبة

آغاثا كريستي

ولدت (آغاثا ماري كلاريسيا) ملير المعروفة بـ(آغاثا كريستي) في الخامس عشر من سبتمبر عام 1890 بتوركوي ديفون في إنجلترا ، وهي الابنة الصغرى من الأبناء الثلاثة لـ(كلارا) و(فريدريك ملير) ، اشتهرت (آغاثا) بمسرحيتها (مصيدة الفئران) التي صنفت كأفضل وأطول عمل مسرحي في التاريخ، وكتبت مايقارب 66 رواية بوليسية و14 مجموعة من القصص القصيرة.
تعرفت (أغاثا) بعمر الثانية والعشرين بزوجها الطيار الماهر الذي كان يعمل بإكستر (آرتشابيلد) أو (آرتشي كريستي)، والذي حصلت على لقب (كريستي) منه.
في أحد حفلات رقص في سنة 1912 وارتبطا بعلاقة حب وتزوجا في رأس السنة لعام 1914 في فترة عودة (آرتشي) لقضاء الإجازة بعد عودته من عمله من فرنسا أثناء اندلاع الحرب العالمية الأولى.
وفِي فترة انشغال زوجها للقتال في أنحاء أوروبا لسنوات قليلة، عملت (آغاثا) كممرضة متطوعة في مستشفى الصليب الأحمر بتوركاي مسقط رأسها، و قيل بأن من أسباب الإلهام للكتابة وابتكارها لشخصية المحقق البلجيكي المشهورة في رواياتها (هرقل باوارو) أولئك اللاجئون البلجيكيون الذين كانوا يتواجدون بتوركاي، بالإضافة لتحدي شقيقتها الكبرى (مارغريت) واثبات قدرتها على الكتابة فنشرت أول قصصها البوليسية (قضية ستايلز الغامضة) في مجلة (ڤانتي فير) متبعةً أساليب الغموض والإثارة في كتاباتها.آغاثا كريستي في طفولتها
وبعد إنتهاء الحرب وعودة (آرشي) وتوليه منصباً في وزارة الطيران انتقل الزوجان إلى لندن، ووقعت (آغاثا) عقدها مع شركة (بودلي هيد للنشر) في عام 1919 لتنشر أولى رواياتها وانتقلت فيما بعد للتوقيع مع (دار كولنز للنشر) وذلك بعد حصولها على عرض ٍمغري مقابل مائتي جنيه إسترليني إضافية، وحصدت أولى ثمار عملها بشراء منزل جديد في بيركشير بستايلز وانتقلت إليه مع زوجها وابنتهما (روزاليند).
وعلى الرغم من النجاحات والمكاسب التي حققتها (كريستي) إلا انها كانت شديدة الحرص في النفقات وتصر على التحكم بزمام الأمور المالية فكانت تجبر أسرتها بإتخاذ أسلوب معيشي متواضع، وهذا بلا شك كان نتيجة لما حل بعائلة (ملير) من فقر وبعد إصابة والدها، رجل الأعمال الأمريكي، بعدد من النوبات القلبية التي أدت إلى وفاته في تشرين الثاني / نوڤمبر 1901 وهي طفلة بعمر ال 11 عاماً.
وعلق البعض على أن هذه الرقابة الصارمة على موارد الأسرة المالية كانت السبب في توتر العلاقة مع زوجها (آرشي)، للحد الذي دفعه لارتباطه بعلاقة مع مساعدته (نانسي نيل) ابنة الـ25 ربيعاً.
فإكتشاف علاقته معها كانت بمثابة “القشة التي قسمت ظهر البعير” على (كريستي) بطلبها الطلاق منه، وخاصة ان هذا تبع وفاة والدتها الحبيبة جراء اصابتها بمرض الالتهاب الشُعبي.
وبهكذا تبتدأ قصة (اللغز العجيب) الذي لا ينسى أبداً، ففي ليلة الثالث من ديسمبر عام 1926 نشب شجار بين الزوجين وعلى اثره ترك (آرشي) المنزل لقضاء إجازة نهاية الأسبوع بعيداً مع أصدقائه ومعهم عشيقته (نانسي) وبعده خرجت (آغاثا) في نفس الليلة تاركةً ابنتهما مع الخادمة في المنزل .

من اليمين آغاثا وزوجها آرتشي سنة 1922

من اليمين : آغاثا وزوجها آرتشي سنة 1922

وفِي صباح اليوم التالي عثرت شرطة ساري على سيارة (آغاثا) متروكة على بعد أميال، ومغمورة جزئياً داخل شجيرات في غيلدفورد ساري نتيجة لحادث، ومما أثار الغموض بأن السائق في عداد المفقودين وان المصابيح الأمامية مضاءة، وعثر على حقيبة و معطف في المقعد الخلفي.
وفجأة اصبح اختفاء الكاتبة العجيب، يتصدر العناوين الرئيسية للصحف وحددت على أثرها مكافئة هائلة لمن يأتي بأي مشاهدة أو أي دليل جديد.
وفِي أعقاب اختفائها، أشارت أصابع الإتهام الى (آرتشي كريستي) وعشيقته (نانسي نيل) بأن لهم يداً في اختفاء (آغاثا)، وباشر رجال الشرطة مع آلاف من المتطوعين المتحمسين للبحث عنها، فقد تم جرف احدى البحيرات التي كانت تسمى بـ“البركة الصامتة” للعثور عليها، وبهذا يصبح مصير (آغاثا) كمصير أحد شخصياتها البائس.
خاضت شخصيات مشهورة حل هذا اللغز كوزير الداخلية آنذاك (ويليام جوينسون هيكس) للضغط على الشرطة لتستعجل البحث على الكاتبة بالإضافة الى مشاركة زميلها الكاتب (آرثر كونان دويل) فاستعان بعراف باستخدامه لأحد قفازات (آغاثا) كمرشدٍ للعثور عليها.
وبعد مضي عشر أيام على الاختفاء، اتصل رئيس النادليين من أحد الفنادق في هاروغيت بيوركشير على الشرطة، ليخبرهم بالبشرى الساره وانه عثر على الكاتبة متخفية بهوية ضيفة قادمة من جنوب أفريقيا تدعى (تيريسيا نايل) وبدت ودودة وبكامل حيويتها.
سافر (آرتشي) مع الشرطة الى يوركشير وأخذ مقعداً في زاوية غرفة الطعام بالفندق ليشاهد زوجته المبتعدة منذ ايام تتجول، وأخذ مكان على طاولة أخرى وأمسك الصحيفة المتصدرة عنواينها اختفاء الكاتبة وباشر بالقراءة، وأحاطت الحيرة والدهشة الجو العام، فبحسب ما لاحظه الشهود انه عندما تم الإشارة على زوجها الذي تزوجته منذ ما يقارب 12 عاماً لم تتمكن (آغاثا) من تذكره.

الفندق الذي عثر فيه على آغاثا بعد إختفائها

الفندق الذي عثر فيه على آغاثا بعد إختفائها

وأصبح سبب إختفائها العجيب، محل جدل كبير لسنوات وتراوحت الآراء حول ذلك فمنهم رجح انه نتيجة لانهيار عصبي تعرضت له بعد وفاة والدتها والحرج من علاقة زوجها بأخرى، ومنهم من سخر من الموضوع بأنها حيلة ترويجية لأحد كتاباتها.
وفِي ذلك الوقت صرح (آرشي كريستي) بأن اثنين من الأطباء أكدا على ان (آغاثا) تعاني من مرض فقدان الذاكرة واحتمالية إصاباتها بإرتجاج في الدماغ ومما يوافق هذا التفسير هو صعوبة تعرفها على زوجها بعد حادثة الاختفاء.
وبعد فترة وجيزة ، انفصل الزوجان (آغاثا) و(آرشي) ليذهب كلاً منهما الى طريقه المنفصلة وبعد ذلك، تزوجت (آغاثا) من عالم الآثار (ماكس مالوان) وتزوج (آرشي) (نانسي نيل)، وبات موضوع اختفائها أسيراً للصمت فلم يتطرق إليه احد مرة أخرى ولم يذكر حتى في سيرة حياتها التي نشرت بعد رحيلها في نوڤمبر 1977، وهكذا يبقى السر الأكثر إثارة للجدل والإهتمام من أسرار (كريستي) دون حل.


[المصدر]

 

هل انتهى عصر الأسطورة ؟

Willard Van Orman Quine

في مقدمة الترجمة العربية من كتاب (من وجهة نظر منطقية) للفيلسوف الأمريكي (ويلارد فان أورمان كوين)، والتي قدّمها للقراء العرب الأستاذ (حيدر حاج إسماعيل)، تساءل المترجم: “هل انتهى عصر الأسطورة؟ وتحديدًا، هل انقضى ذلك العصر بولادة العلم؟”. ثم أجاب في مقدمته قائلًا:

أحد الأجوبة نقع عليه عند (جورج لاكوف) وزميله (مارك جونسن)، فهذان الباحثان يريان أن النظرة الموضوعية إلى الحياة والكون، والعلم أبرز أمثلتها، ونقيضها، النظرة الذاتية، إن هما إلا أسطورتين. ويوضحان بأنهما لا يستخدمان مصطلح “أسطورة” بأي معنى استخفافي، “فالأساطير توفر طرقًا لفهم التجربة، وهي تسبغ نظامًا على حياتنا”. ثم يعددان بنود النظرة الموضوعية بما يلي :

١. في النظرة الموضوعية يبدو العالم مكونًا من أشياء، وهذه الأشياء لها صفات مستقلة عن كل من يختبرها من بشر وغير بشر.
٢. ومعرفتنا بالعالم تكون باختبارنا أشياءه وصفاته.
٣. وفهمنا أشياء العالم تتم بواسطة مقولات وتصورات، وهذه تطابق صفات الأشياء وعلاقاتها.
٤. هناك واقع موضوعي. ونحن نستطيع أن نقول كلامًا صادقًا أو كاذبًا وبصورة موضوعية عنه.
٥. والكلمات لها معانٍ ثابتة.
٦. ويستطيع البشر أن يكونوا موضوعيين ويتكلموا بموضوعية إذا استخدموا لغة واضحة ومحددة.
٧. يجب تجنب الاستعارة وأنواع اللغة الشعرية والخيالية والخطابية والمجازية عندما نتكلم بموضوعية.
٨. وحدها المعرفة الموضوعية تؤلف المعرفة.
٩. أن تكون موضوعيًا معناه أن تكون عقليًا. وعكس ذلك أن تكون ذاتيًا فتكون لا عقليًا وتخضع للعواطف.
١٠. النظرة الذاتية يمكن أن تكون خطرة، إذ إنها قد تقود إلى الانفصال عن الواقع. وهي نظرة غير منصفة لأنها شخصية وتبالغ في قيمة الفرد.

أما مكونات أسطورة النظرة الذاتية فهي:

١. الاعتماد على الحواس والحدس في معظم النشاطات العملية اليومية.
٢. اعتبار المشاعر، والحساسيات الجمالية، والممارسات الأخلاقية، والوعي الروحي، أهم الأشياء في حياتنا.
٣. كلا الفن والشعر يتجاوزان العقلانية والموضوعية ويضعاننا على تماسّ بواقع مشاعرنا وحدوسنا التي هي الأهم. ونحن نحصل على هذا الوعي بواسطة الخيال وليس العقل.
٤. إن لغة الخيال ولاسيما الاستعارة، ضرورية للتعبير عن أكثر نواحي خبرتنا أهمية من الوجهة الشخصية.
٥. الموضوعية يمكن أن تكون خطيرة، لأنها تفقد ما هو أهم وأكثر مغزى للأفراد. والموضوعية ليست منصفة لأنها تتجاهل أهم مناطق خبرتنا لمصلحة ما هو مجرد، وشامل، ولا شخصي . والموضوعية، وللأسباب نفسها، يمكن أن تكون غير إنسانية، والعلم لا فائدة منه عندما يتعلق الأمر بأهم الأمور في حياتنا.

ويكمل حديثه بعد ذلك قائلًا:

وتجب الإشارة إلى أن الكاتبين قالا ما قالاه وهما في سياق شرح وجهة نظرهما الاستعارية التي بحسبها يكون نظام تصوراتنا ذاته مؤلفًا من استعارات، وليست الاستعارات صفة اللغة فحسب. ويعتبران وجهة النظر هذه الخيار الثالث الذي يشكل مخرجًا أو حلاً.

نقطة أخيرة لابد من ذكرها وهي أن الباحثين يعتبران الأساطير مثل الاستعارات، ضرورية لإنشاء معنى لما يجري حولنا. وأن “البشر لايمكنهم العلم من دون الأساطير كما لا يمكنهم العمل بلا الاستعارة”.

ـ د. حيدر حاج اسماعيل في تقديمه لترجمة كتاب من وجهة نظر منطقية ، تسع مقالات فلسفية لويلارد كواين .
( شوف إذا تبا تكتب دا ولا مش مهم )

في السخرية عند محمود درويش

محمود درويش

محمود درويش (1941 – 2008)، أحد أهم الشعراء الفلسطينيين والعرب والعالميين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن. يعتبر درويش أحد أبرز من ساهم بتطوير الشعر العربي الحديث وإدخال الرمزية فيه. في شعر درويش يمتزج الحب بالوطن بالحبيبة الأنثى. قام بكتابة وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني [2] التي تم إعلانها في الجزائر.

في كتاب حمل اسم (الرسائل)، جُمعت تلك الرسائل التي تبادلها كلًا من (درويش) وصديقه (سميح القاسم) (1939-2014)، وأحد أهم وأشهر الشعراء العرب والفلسطينيين المعاصرين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والمقاومة من داخل أراضي العام 48، رئيس التحرير الفخري لصحيفة كل العرب، عضو سابق في الحزب الشيوعي. 

في رسالة أرسلها (درويش) إلى (سميح) بالخامس من أغسطس، عام 1986 من العاصمة الفرنسية (باريس)، تحدث (درويش) عن السخرية، فقال في رسالته:

هل أسخر؟ أسخر كثيرًا. فالسخرية وهي البكاء المُبطن خير من دموع الاستعطاف، لأن الرجل قد امتد بنا إلى ما دون أرذل العمر، إلى يوم نهبُّ فيه لمواساة القاتل بما حلّ به من مصاب. هو تأنيب الضمير، حين أتقن لعبة البكاء الإلكتروني على ضحايانا، فكدنا نقول له: “اغفر لنا موتنا على يديك .. اغفر لنا أننا سببنا لك بعض الإزعاج!”.

اضحك، يا ولدي، اضحك. فليس في وسعنا أن ننساق في لغة الحزن أكثر مما انسقنا، فلنوقفها بالسخرية، لا لأن السخرية هي “اليأس وقد تهذّب” كما يقولون، بل لأنها لا تثير الشفقة، ولأنها تنزل القاتل من منزلة الفكرة المجردة، السلطة المطلقة، إلى “إنسانية” تتعارض مع إنسانية البشر ومع الطبيعة الإنسانية، إلى “إنسانية” مضحكة بقدر ما هي مرعبة.

روجر روزنبلات، عن القوى الخفية لنجاح الكتابة

Roger Rosenblatt

روجر روزنبلات (مواليد 1940)، هو كاتب أمريكي. لفترة طويلة، امتهن كتابة المقالات لعدد من المجلات، مثل (تايمز)،  و(پي بي إس نيوز أور). كما قام بكتابة عدد من الكتب. في مقالة كتابها في الخامس والعشرين من شهر أغسطس، من عام 2017، والتي نُشرت في صحيفة (نيويورك تايمز)، تحدث عن “القوى الخفية لنجاح الكتابة”، ننقلها لكم في ترجمة حصرية لدى ساقية:

صرحت الكاتبة والناقدة (كاثرين شولتز) في مقالتها عبر مجلة نيويورك قبل عدة أعوام بأننا غير قادرين على رؤية أغلب الأشياء التي تتحكم في حياتنا. فالمجالات المغناطيسية والتيارات الكهربائية وقوة الجاذبية غير مرئية وهي مشابهة بذلك أفكارنا وميولنا الشخصية وشغفنا و أذواقنا ومزاجنا وأخلاقنا وحتى أرواحنا – إذا كنت ممن يؤمنون بالروح. فالعالم الخفي يتحكم في العالم الظاهر كدولة قومية خفية.

وينطبق الأمر ذاته على الكتابة. فعندما تتخيل صورة أو جملة أو شبه جملة يتراجع عقلك ويتساءل “من أين أتيت بتلك الجملة؟” لا أعني هنا الكتابة التلقائية على الرغم من إمكانية أن تكون جزء من ذلك. ولكن أعني النطاق الأوسع لجميع القوى الخفية الممكنة التي تنتج وتؤثر في الكتابة. فهناك بعض الأمور التي يراها الكاتب وحده و يعجز القارئ عن رؤيتها والبعض الآخر لا يراه الا القارئ بينما توجد بعض الأمور التي يستحيل رؤيتها على كلاً من الكاتب والقارئ. والنوع الاخير هو الاكثر فتنة ويملك قوة من نوع خاص. فهذا النوع يشبه إلى حد كبير الشبح (جايكوب مارل) في رواية”أنشودة عيد الميلاد” لـ(تشارلز ديكينز) حيث يوجه الكتابة إلى اتجاهات غير متوقعة ومخيفة بعض الأحيان ولكنها مثمرة.

فما يراه الكاتب من القارئ هو النوع الأبسط لأنه يتمحور حول المهارة مثل مهارة إخفاء الرموز في الشعر أو النثر على سبيل المثال. فإذا أجاد الكاتب عمله فلن يستطيع القارئ أن يتعرف على الرموز فوراً حتى يكمل قراءة العمل مما يزيد من عمق المعنى. فالرمز مخفي. أي أن العمل سواء كان رواية او مسرحية او مقال او قصيدة هو مخفي أيضا. فالقارئ لا يعي العمل والجهد المبذول من الكاتب لاختيار تلك الرموز والتفكير في الكثير منها قبل العثور على الرموز المناسبة. ويقول الشاعر الإنجليزي (ويليام ييتس) حول كتابة الشعر “اذا لم يبدو الأمر وكأنه مجرد لحظات من التفكير، فإن حياكتنا، للشعر، ستبدو كالعدم”.

فالقارئ لم يطلع على النسخة الأولى أو الثانية أو التاسعة عشر ولكن الكاتب يعرف ويتذكر هذه المسودات والتي تمتلك بدورها تأثير خفي على العمل. فمع تحسن شكل أسطر القصيدة أو شخصية الرواية يزيد فهم الكاتب او الكاتبة لأهداف العمل. فالمسودة الأولى هي بمثابة الطفل الذي يصبح رجلاً و يكون الكاتب متفهماً للعمل بعمق حيث شهد جميع خطوات التطور.

وبالاضافة الى ذلك فان الكاتب على اطلاع بما حدث في القصة قبل بدايتها. فجميع القصص القصيرة تكون منتهية قبل أن نقرأ السطور الأولى منها. فتشكل القصة اللحظة الرئيسية وهي نتيجة لقصة غير مرئية، خفية، وقعت بالفعل. فتوجب على الروائي الامريكي (جيروم سالينغر) أن يعلم جميع الامور حول شخصية (سيمور جلاس) قبل أن يصل (سيمور) الى فلوريدا في قصة “يوم مثالي لاصطياد الموز”. فعند وصوله الى فلوريدا كان الوقت متأخراً بالفعل.

ولكن ما الذي يراه القارئ ويكون خفي بالنسبة للكاتب؟ الإجابة بشكل أساسي هي حياة القارئ. فالكاتب ينشر كتابه ويطلقه الى العالم ولا يعلم أين سيحط رحاله أو التأثير الذي سيتركه على القارئ الذي لا يراه. هناك بالطبع تلك اللحظة الرائعة للكاتب حيث يخبره أحد القراء بأن كتابه كان سبب في تغير حياته. وهذه اللحظة جميلة باستثناء إذا كان الكتاب تسبب في تغيير حياة القارئ الى الاسوء. فالكتاب لا يرون القراء وحياتهم التي بمثابة السر. فالكاتب يطمح أن يكون عمله حقيقي بشكل عام بحيث يتقبله القارئ ويجعله جزءاً من قصته الخاصة. فالكاتب يعتمد على ويكتب الى عالم خفي وإذا تمكن القارئ أن يرى نفسه في عمل الكاتب فهذا أمر رائع. ولكن الكاتب لن يعلم هذه الحقيقة أبداً. فالقارئ هو بمثابة شخصية هارفي الصديق الخفي العملاق، والذي نأمل أن يكون لطيفاً.

ولكن النوع الأعظم والأكثر أرضاءاً على الاغلب من الجوانب الثلاثة الخفية هي الأمور المخفية عن الكاتب والقارئ في نفس الوقت ولكن يعلم الطرفين بوجودها. ويحكي الكاتب ورسام الكاريكاتير الامريكي (جول فيفر) قصته عندما بدأ رسم الكاريكاتير في صحيفة (ذا فيليج فويس). وقبل طباعة أول كاركاتير من أعماله حذرته والدته التي تخيفه كثيرا بأنه إذا كان سيرسم امرأة مخيفة وظالمه فمن الأفضل أن لا تبدو مثلها. وأكد جول لوالدته بأنه رسوماته لا تمت لها بصلة ولكن عندما طبع أول كاركاتير كتب جول في مذكراته أنه حدق في تلك الرسمه ورأى والدته.

من يعلم مصدر الأشياء في الكتابة؟ فالشاعر الأيرلندي (شيموس هيني) عبر عن إحساسه بالقدر الموجه من الآله ولكن باختلاف أنواع القوى يتفق الجميع أن أغلبية الكتاب يشعرون بالإلهام والارتباط بأعمالهم. وهذا الالهام يرسم خرائط غامضة تدفع الكاتب لتغير مساره السابق في منتصف العمل وكأنما استولت يد الشبح على زمام الأمور.

أعي تماما بأن كتابتي تحسنت خلال الأعوام التسعة الماضية منذ وفاة ابنتي. فكتابتي الآن أكثر حدة وأكثر حذراً. وسأتخلى بكل سرور عن جميع الكتب التي نشرتها خلال هذه الاعوام التسعة مقابل لحظة واحدة مع أبنتي آيمي. ولكن لاستحالة هذه المساومة، فسأكتب ليمتلئ الفراغ الذي خلفه رحيلها. وسأكتب لأنني إذا كنت أعتقد بأن وفاة آيمي جعلني أكتب بجدية أكثر فهي إذن تعيش معي بشكل خفي. وأنا أكتب كي أراها.

 


[المصدر]

عمرو منير دهب، وحديث عن الروائي الجبان

عمرو منير دهب

عمرو منير دهب كاتب سوداني ولد في الخرطوم، كتب بالعديد من الصحف السودانية منذ منتصف التسعينيات متنقلاً من صحيفة الإنقاذ إلى صحيفة الأنباء، ثم جريدة الصحافة وصحيفة الأحداث، وبعدها إلى جريدة السوداني، ثم صحيفة الصيحة. وله العديد من الكتابات، آخرها كتابه (تبًا للكتابة؛ عن حظوة فنون الكتابة)، والذي تحدث فيه عن “الروائي الجبان”، كما أسماه. فقال:unnamed

مقولة “المترجم خائن” تهمة مفتراة إذا أُخِذت على إطلاقها، لكنها لا تخلو من الدلالة العميقة ببعض التقييد، فالمترجم خائن بغير قصد منه لأنه لا يستطيع نقل المعنى من لغة إلى أخرى بأمانة كاملة وإن سعى إلى ذلك بصدق كامل، وهو خائن عمداً حينما ينهمك في نقل المعنى بتصرّف مراعاةً لمقتضيات كل لغة وثقافتها، ذلك أن التطابق الحرفي بين لغتين أو ثقافتين مستحيل بطبيعة الحال. كل هذا باعتبار توافر النية الحسنة في المترجم، ولكن بغيابها تصبح تهمة الخيانة ثابتة في حق المترجم جملةً وبتفاصيل متراوحة من حالة إلى حالة.

على ذات القياس يمكن افتراع تعبير “الروائي جبان” كمشروع مقولة، ربما بما يحتمل استفاضة أوسع في التأويل ولا يقتضي حرجاً كبيراً بالتالي عند القذف بالتعبير المفترَع إلى أسواق الأدب. 

الروائي جبان لأنه يستتر خلف قصة مختلقة للتعبير عن رأيه، وهو في هذا يقف على مسافة بعيدة خلف الشاعر الذي يصدع بما يرى على لسانه وليس على أي لسان مستعار. وعندما يكون المقصود هو الشاعر العربي الغنائي تحديداً فإن المسافة التي تفصل ما بين الاثنين، الشاعر والروائي، في جرأة التعبير  كلٍّ على لسانه  تبلغ أقصى مدى ممكن.

المدهش أن الروائي لا يستتر خلف شخصية واحدة ليقول ما لا يجرؤ على قوله بلسانه، بل يحشد ما يشاء من الشخصيات ليقول على ألسنتها ليس فقط ما يعجز عن الجهر به على لسانه الخاص وإنما ما يشتهيه من الأقوال (والأفعال) المتناقضة.

ليس مطلوباً من الروائي بطبيعة الحال أن يضمِّن روايته ملحقاً يبيِّن فيه تعقيبه على كل كلمة نبست بها شفتا كل شخصية في الرواية بما يعكس رأيه الشخصي في هذا الموقف وذاك، ولكن في المقابل لا يمكن تجاهل السعادة التي تغمر الروائي للطبيعة الفنية لعمله التي تغدق عليه متسعاً للتعبير عمّا يجيش في صدره دون الحاجة إلى أن ينسب أيّاً مما قال (وفعل) لنفسه سوى بعد أن يأمن العاقبة فيغدو كل ذلك مدعاة إلى الفخر بالسبق إلى جراءة التعبير واقتحام الأماكن المحظورة من مسلّمات أفكار المجتمع.

على هذا الصعيد يحق للشاعر الغنائي العربي أن يهنأ بمكانة منقطعة النظير، فقد تحمّل من سياط النقد الحديث ما تحمّل لجريرة أنه ظل عاجزاً عن مغادرة متردَّم المدح والهجاء والرثاء والفخر والغزل، وربما آن له أن يعتدّ بأنه جاهر في كل تلك الأغراض بآرائه الصريحة، إذا كان مقام التفاخر الأدبي هو السبق إلى الجهر بالصريح من الرأي دون مواربة. 

وإذا كانت المواربة مما يقوم عليه الفن، فلا ريب أن المقصود المواربة في التعبير سعياً وراء القيمة الأدبية والمتعة الجمالية وليس خوفاً من الوقوع في براثن سلطة قضائية من أي قبيل. والأمر كذاك، بإمكاننا أن نرى بوضوح أن المواربة في التعبير عن المعاني بما يخدم القيمة الأدبية والمتعة الجمالية لم تكن مسألة تنقص الشعر الغنائي العربي بحال ولا مما تعيب محترفيه من الشعراء تبعاً لذلك، بل هم فوق ما سبق جديرون بأن يفاخروا بأنهم خاتلوا فنيّاً وجمالياً في الوقت الذي صدعوا فيه بالقول في مقام المواجهة بالرأي على ألسنتهم وليس نسبةً إلى ألسنة غيرهم من الحيوانات أو بني آدم كما ظل يصنع أندادهم من محترفي فنون السرد قديماً وحديثاً.

والشاعر الغنائي العربي إذا كان قد وقع على مدى تاريخه في جملة من الأخطاء الأخلاقية في المقابل، إذْ كذب مراراً ونافق تكراراً، فإنه قد تحمّل شجاعة أن ينسب كل ذلك لنفسه لا أن يُجرِيَه على لسان غيره أيّاً كان ويجلس بعدها في مقابلة احتفائية يخاتل في التعبير عن موقفه الشخصي من جملة آراء تضمّنها عمله الخاص، بحجة أن التعبير الصريح عن الموقف الشخصي للكاتب مما يفسد بهجة العمل ويغلق في وجوه الآخرين الأبواب المشرعة أمام كل تأويل ممكن للعمل بخلاف ما قاله صاحبه.    

في المقابل، لم يخلُ محترفو الفن القصصي من الشجاعة في التعبير عن الرأي الخاص أمام الملأ، ولكن يجب الانتباه إلى أن ذلك كان يحدث باستمرار بعيداً عن أعمالهم الفنية أو على هوامشها (في محفل عام أو ندوة تتناول واحداً من أعمالهم على سبيل المثال) وليس في متن أيٍّ من تلك الأعمال كما أسلفنا مراراً، وذلك صنيع لا يمكن إغفاله على صعيد المقارنة بإزاء الشعراء، والشعراء الغنائيين تحديداً.

والحال كما نرى أعلاه، يبدو أن إقحام الرأي الشخصي في ثنايا العمل الفني سمة/مقدرة فريدة لن نقول بأنه لا يجرؤ عليها كل أديب وفنان وإنما لا يتحمّل استيعابها الجنسُ الأدبي نفسه في أغلب الحالات، وعليه فإنها سِمة جديرة بتقدير أكبر مما حظيت به، بل  بالتعبير الأدق  جديرة بالتقدير على نقيض ما حظيت به.

يصح أن نؤكِّد أن تقريراً جنائياً على سبيل المثال ينبغي ألّا تكتنفه الآراء الشخصية لكاتبه، لكن لا أعلم كيف يمكن أن يصح ذلك التعميم في وصف قطعة أدبية، فللقصة والمسرحية والرواية جماليّاتها الخاصة لجملة من الأسباب الفنية ليس من بينها خلوّها الكامل من أراء مبدعيها الخاصة، فآراء مبدعيها متضمّنة على كل حال ولكن بمخاتَلة كما ألمحنا من قبل. غير أن الأهم هنا أن اشتمال العمل الأدبي على الرأي الخاص لمبدعه يسوقه صراحةً ليشمل كافة أبياته (في حال القصيدة العمودية مثلاً) ليس مما يعيب ذلك العمل، كما لا يُعدّ في المقابل عيباً يصِم غيره من الأعمال الأدبية إذا خلا منه إلّا عندما يكون مقام المقابلة هو الشجاعة في التعبير عن رأي المبدع صراحةً في متن العمل وليس مخاتلةً في ثناياه وتقلُّباً بين الصراحة والمخاتلة على هوامشه في الصحف والمنتديات الأدبية.

والأمر كذلك، يبدو الحديث عن الروائي الجريء قولاً تنقصه الدقة بشكل واضح إذا كان مناط الجرأة المقصودة اقتحام مسلّمات المجتمع وليس إقحام أشكال جديدة للتعبير في بنية العمل الأدبي، فالأجدر إذا تضمّنت الرواية عرضاً لمحظور مجتمعي أن يقال “رواية جريئة” وليس “روائي جريء”

وإذا جاز للشاعر الغنائي كما أسهبنا أن يتفوّق على الكاتب الروائي (وكاتب القصة والمسرحية والدراما التلفزيونية وهلم جرّا) في باب الجرأة الشخصية، فإن الأحق بالانفراد ببطولة مسابقات الجرأة الأدبية بلا منازع هو كاتب السيرة الذاتية عندما يتحدّث عن نفسه بلا قيود. 

ولكن لأن الجرأة وحدها لا تكفي لصنع أدب جيد وجميل، فإن الأوْلى بالنظر على صعيد تقفِّي الأعمال الأدبية الجديرة بالتقدير هو التناول مجرّداً من أية ادّعاءات (دعائية كانت أم غير ذلك) بالجراءة في اقتحام المسلّمات، حتى إذا كانت مقتضيات سوق الأدب تغري باللهاث خلف تلك الادعاءات في هذا الزمان وذاك.