نجوم العصر الفضي الروسي في قبو “الكلب الضّال”

كان الربع الأول من القرن العشرين في روسيا، عصر ازدهار ثقافي مبهر، فقد برز خلال تلك الحقبة القصيرة عدد كبيرمن العباقرة في الأدب والفن والفلسفة والموسيقي والمسرح والباليه، الذين كانوا ينتمون الى اتجاهات حداثوية – تجريبية مختلفة، تتنافس فيما بينها في صخب. وكان القاسم المشترك لكل هؤلاء هو الاهتمام الشديد بالقضايا الروحية والإجتماعية، والبحث المكثف عن وسائل جديدة للتعبير الفني.

وقد اصطلح على تسمية تلك الحقبة بـ“العصر الفضي”، تمييزا له عن “العصر الذهبي” للأدب الروسي في القرن التاسع عشر، الذي يرمز إلى إبداع الشعراء والكتّاب الروس الكبار؛ (ألكسندر بوشكين)، و(نيكولاي غوغول)، و(فيودور دوستويفسكي)، و(ليف تولستوي) و(إيفان تورغينيف)، و(أنطون تشيخوف).


كباريه “الكلب الضّال”

في ذروة العصر الفضي، في أواخرعام 1911، طرأت فكرة مدهشة في ذهن المخرج والممثل المسرحي الروسي (بوريس بونين) [1875-1946]، وهي جمع نجوم الثقافة الروسية في العاصمة سان بطرسبورغ في مكان واحد ـ أشبه بالمقهى أو النادي الإبداعي – يقضون فيه أوقاتاً ممتعة بعيدا عن عيون المتطفلين، يتبادلون خلالها وجهات النظر والآراء، أو يقدمون نتاجاتهم الجديدة، أو يشاهدون عروضا مسرحية، أو موسيقية، أو غنائية، وغيرها من الفعاليات الثقافية.

وقد تحمس لفكرته بعض أصدقائه الفنانين والشعراء، وأخذوا يجوبون معا أنحاء مدينة بطرسبورغ بحثا عن مكان ملائم لتأسيس المفهى المنشود، ولكنهم لم يعثروا على منزل يصلح لهذا الغرض. وعندما هدّهم التعب قال أحد الشعراء: “نحن أشبه بالكلاب الضالة التي تبحث لها عن مأوى”. وقد راقت العبارة لفنان تشكيلي وقال: “لنسمي مكان لقاءاتنا؛ كباريه الكلب الضّال”. وقد عثروا في نهاية المطاف على قبو فارغ في فناء جانبي لأحدى العمارات في وسط المدينة، وكان موقعا مثاليا، من دون أية نوافذ على الشارع، حيث لا يمكن للشرطة أن تلتفت إلى الضجيج الصادر عنه.

كان القبو في السابق مخزنا للخمور، وهواؤه مشبعا بروائح الخمور العتيقة، مما ألهب خيال الشعراء والفنانين الذين أسهموا في تأسيس المقهى.

وقد قام كل من الفنانين، (سيرغي سوديكين) [1882-1946]، و(نيكولاي سابونوف) [1880–1912] برسم لوحات فنية رائعة على جدران القبو: أجساد نسائية، وأقنعة، وزهور برية، مستوحاة من قصائد “ازاهير الشر” لـ(بودلير). وطيور خيالية، وشخصيات حكايات (كارلز غوتسي) الكاتب والمسرحي الايطالي [1720-1806]، ومؤلف مسرحيات خرافية، باستخدام عناصر الفولكلور الايطالي. كانت هذه الرسوم الفنية تنقل الحاضرين إلى عالم خيالي.

أصبح حفل افتتاح المقهى في ليلة رأس السنة الجديدة 1912، الذي جمع بين عدد كبيرمن أبرز نجوم الأدب والفن في العاصمة بطرسبورغ، وحضره عدد من أعضاء مجلس الدوما (النواب)، حدثا مشهودا في حياة بطرسبورغ الثقافية؛ الرجال في بدلات السموكنك، والسيدات في فساتين السهرة (الديكولتيه)، نلتمع في اعناقهن قلادات ثمينة مرصعة بالأحجار الكريمة.

وكان سعر بطاقة الدخول إلى مقهى “الكلب الضّال” ثلاث روبلات لمن لديه توصية خطية من أحد أعضاء مجلس الإدارة، و25 روبلا للآخرين – وكان هذا مبلغا كبيراً نسبياً في ذلك الوقت، ويعادل الراتب الشهري لموظف عادي، وذلك لتغطية نفقات الحفل، ولمنع أي طاريء على الأدب والفن، أو فضولي من حضور حفل الافتتاح.

وضعت إدارة المقهى سجلا كبيرا مغلفا بالجلد الأزرق في المدخل يوقع عليه الحضورعند قدومهم، وقد يكتب فيه الشعراء آخر ما جادت به قرائحهم من أبيات شعرية.

 لم يكن لـ“كباريه الكلب الضّال” أية صلة بما تقدمه الكباريهات من عروض إثارة رخيصة ومبتذلة، بل كان أقرب الى المقهى الأدبي والمسرح الفني معا، ويتكون من قاعتين تتسعان لحوالي 200 شخص، قاعة للمسرح واخرى للكافتيريا. ومفتوحا في الليل فقط من الساعة الحادية عشرة ليلا الى الثامنة صباحا، وربما لهذا سماه صاحبه بالكباريه.


فعاليات ادبية وفنية متنوعة

شهد المقهى خلال عمره القصير، الذي لم يتجاوز ثلاث سنوات ونصف السنة، حفلات تكريم الشعراء والفنانين، وعروضا مسرحية رائدة،  ومعارض تشكيلية، وحفلات موسيقية وغنائية، ومحاضرات أدبية وفكرية، واحتفالات رأس السنة الميلادية، وحفلات تنكرية وراقصة، ولقاءات مع كبار الشعراء الأجانب من زوار العاصمة بطرسبورغ.

القبو مليء بدخان السكائر والغليونات، وهواؤه مشبع بروائح الخمور والعطور، رغم وجود ساحبة هواء لا يسمع طنينها في صخب المقهى. ولكن الجو كان ممتعا للغاية. الضحكات تتعالى، وبين حين وآخر يصعد احد الشعراء على خشبة المسرح، ليلقي قصيدة جديدة له، فيعارضه في الحال شاعر بقصيدة ارتجالية.

هنا تفتحت مواهب شعراء شباب أصبحوا لاحقا مفخرة الأدب الروسي؛ (آنّا أخماتوفا)، و(نيكولاي غوميليف)، و(فلاديمير ماياكوفسكي)، و(أوسيب ماندلشتام). وكان الشعراء (خليبنيكوف) و(أندريه بيلي)، (كونستانتين بالمونت)، (ايغور سيفيريانين). والكاتبة والشاعرة (زينائيدا غيبوس)، والكاتبة (الكساندرا تافّي) أيضاً، من رواد المقهى الدائميين. وقد لا يعني ذكر أسمائهم – باستثناء (ماياكوفسكي)، و(أخماتوفا)، و(ماندلشتام) – شيئا للقارئ، الذي ليس له اطلاع واسع على الأدب الروسي الكلاسيكي، ولكنها أسماء كبيرة في عالم الأدب، وفي ذاكرة القراء في روسيا، حيث دخلت أعمالهم الأدبية الى المقررات الدراسية في المرحلة الثانوية، وإلى المناهج الجامعية للتخصصات الأدبية واللغوية.

وكان للمقهى شعار رسمه فنان شهير من رواد المقهى، ونشيد خاص كتبه الشاعر (ميخائيل كوزمين) [1872- 1936] تحت عنوان “لكي ننجو من النسيان” وذلك لمناسبة مرور عام واحد على تأسيس المقهى.

كان عمالقة المسرح الروسي (يفغيني فاختانكوف)، (فسيفولد ميرخولد)، (الكساندر تاييروف)، يسهرون في هذا المقهى إلى وقت متأخر من الليل، بل أن بعض الأدباء كانوا يسهرون فيه حتى الصباح الباكر، ومنه يتوجهون الى أعمالهم أو منازلهم. ويخيل إليهم أن كل الحياة متركزة هنا، في هذا المكان تحديداً، ولا توجد حياة أخرى يماثلها. وأصبح المقهى البيت الأول للعديد من المبدعين.


محاضرات أدبية

وشهد المقهى إلقاء محاضرات لألمع النقاد والمفكرين. هنا ألقى (فيكتور شكلوفسكي) [1893 – 1984]، رائد المدرسة الشكلانية في الأدب الروسي والعالمي – محاضرة تحت عنوان “الآفاق المستقبلية لتأريخ اللغة”، كما ألقى الشاعر (سيرغي غوروديتسكي) [1884 – 1967]  محاضرة عن تيار“الذروة” في الشعر الروسي، صاغ فيها لأول مرة المبادئ النظرية لهذا التيار الصاعد، الذي حل محل المدرسة الرمزية. وأعقبت المحاضرة مداخلات لـ(أخماتوفا)، و(غوميليف) وشعراء آخرين.

وفي أبريل 1914 أقام المقهى أسبوع “الثقافة القفقازية” ألقى خلاله العديد من الأدباء الروس محاضرات عن زياراتهم إلى منطقة القفقاز، وانطباعاتهم عن ثقافات شعوب المنطقة، وقد أقيم ضمن فعاليات الأسبوع معرض للمنمنمات الفارسية، التي اقتناها أحد الأدباء في منطقة القفقاز.


شعراء عالميون من زوار المقهى

 وكان المقهى يستضيف كبار الأدباء الأجانب، عند زيارتهم لبطرسبورغ. فقد استضاف الشاعر الايطالي الشهير (فيايب مارينيتي) [1876- 1944]، الرائد المؤسس للمدرسة المستقبلية في الشعر، الذي القى محاضرة قيمة عن المستقبلية أثارت دهشة الحضور، وترحيبهم، وخاصة (فلاديمير ماياكوفسكي) الذي جلس يستمع إلى أستاذه الإيطالي مذهولا. كما ألقى الشاعر الفرنسي، (بول فورت) [1872-1960]، محاضرة عن الشعر الفرنسي. وهذا الشاعر الذي يكاد يكون مجهولا للقاريء العربي، تم اختياره –بعد استطلاع للرأي جرى عام 1912 – أميرا للشعراء الفرنسيين.

كما زار المقهى الشاعر البلجيكي، فرنسي اللغة، (أميل فيرهارن) [1855- 1916]، والعديد من الأدباء الأوروبيين، زوار العاصمة بطرسبورغ.


قصص حب لا تنتهي

لم يقتصر هذا المقهى الإبداعي على الذكور فقط، فقد كان عدد لافت من الكاتبات والشاعرات يحرصن على التردد إلى هذا المقهى الإبداعي. كما كان كثير من رواد المقهى يصطحبون معهم زوجاتهم أو صديقاتهم. وقد ولدت هنا، والتهبت قصص حب لأشهر أدباء وفناني العصر الفضي، بينهم (فلاديمير ماياكوفسكي)، وأدت إلى تغيير حيواتهم ومصائرهم. ومن الأحداث الدراماتيكية المرتبطة بتأريخ “الكلب الضّال” أن الشاعر (فسيفولد كنيازوف) انتحر بعد خيبة أمله في كسب ود فنانة أحبها إلى حد الوله.

كانت هذه الحياة الفنية الساخنة جانبا واحدا من جوانب الحياة في القبو، أما الجانب الآخر، وربما الأهم، فهو ذلك التحرر الروحي الذي ظل عالقا بذاكرة رواده طوال حياتهم. وكانوا يتذكرون القبو بحنين جارف ولوعة محرقة، كما جاء في مذكراتهم الشخصية.


(آنّا أخماتوفا) في مقهى “الكلب الضّال”

 كانت (آنّا أخماتوفا)، في الثالثة والعشرين من عمرها. امرأة جذّابة، وشاعرة رقيقة، ذات موهبة عظيمة، مفعمة بالأنوثة، والبراءة، والرومانسية، ونشرت قصائد تنم عن ولادة شاعرة واعدة. وذاع صيتها، حتى قبل ان تجمع قصائدها المنشورة في المجلات الأدبية المرموقة بين دفتي ديوان صدر في آذار عام 2012 تحت عنوان؛ “المساء”.

وكانت (اخماتوفا) وزوجها الشاعر (نيكولاي غوميليف) [1886-1921] يشكلان ثنائيا مبهرا. وكان الأخير ضابطاً في الحرس الإمبراطوري، وشاعرا ذاع صيته وهو في مقتبل الشباب.

وكان كثير الأسفار، يجوب البلدان التي تختلف ثقافتها كثيراً عن الثقافة الروسية، فقد قضى فترة من الزمن في مجاهل افريقيا، ونشر عنها بعض الكتب. أما (أخماتوفا) فقد كانت تسهر في هذا المقهى حتى الفجر بجوار الموقد شتاءً، شاحبة الوجه، ترشف القهوة السوداء، وتدخن سجائر نسائية رقيقة، وترتدي تنورة حريرية سوداء ضيقة لتبدو – كما تقول في قصيدة لها مكرسة للقبو  – أكثر رشاقةً، وتشد خصرها بحزام جلدي عريض، وتجلس مع سيدات ذوات عيون وسيعة، يرتدين قبعات عريضة الحوافي، يحيط بهن جمهور من المعجبين بشعر (أخماتوفا). كانت الشاعرة الشابة مرحة دائما، تتعالى ضحكاتها في ارجاء القاعة، فيقترب منها شاعر متمرس، ويطلب منها هامساً، أن تخفض صوتها، كما يليق بشاعرة معروفة. وعندما يطلبون منها إلقاء أبيات من شعرها، يرتسم على وجهها تعبير جاد، وتتوجه إلى خشبة المسرح، وتلقي ببراعة ممثلة مقتدرة، شعرا حداثبا بإيقاعه الجميل وصوره المجازية المبتكرة.


العاصفة

كان هذا في زمن الازدهار الثقافي، قبل النكبات التي حلت بروسيا في السنوات اللاحقة. ورغم أن الوضع السياسي كان مشحونا بنذير أحداث عاصفة، الا أن ذلك لم يمنع من مواصلة الحياة الإبداعية الصاخبة في هذا المقهى الفريد من نوعه في روسيا والعالم. فقد كانت الأحلام الجميلة ما زالت ممكنة التحقيق، وأصبحت (أخماتوفا) معبودة الشعراء من مدرسة الذروة “الأكميزم” – الذين شكلوا تجمعا أطلقوا عليه اسم “ورشة الشعراء” بمبادرة من الشاعر (غوميليف) – وتثير قصائدها رغبات حسية دفينة وموجعة لدى الجيل الجديد. ولم يدر بخلدها في ذلك الحين، أن المستقبل محمّل بالمصائب.

وفي هذا المقهى توثقت علاقة (أخماتوفا) بواحد من اعظم الشعراء الروس في القرن العشرين وهو (أوسيب ماندلشتام) [1891- 1938]. ذات مرة عندما انهت (اخماتوفا) إلقاء قصيدتها صعد (ماندلشتام) إلى خشبة المسرح، وارتجل إحدى روائعه التي يصف فيها الشاعرة الموهوبة (آنّأ) وشالها الكلاسيكي، المزيف على حد تعبيره. وبعد أيام كانا يتجولان في شوارع بطرسبورغ، عندما دخلت (آنّا) إلى كابينة التلفون، وبعد ان أنهت مكالمتها، ارتجل (ماندلشتام) قصيدة في وصف جمالها، وكيف تبدو وراء زجاج الكابينة وهي تتحدث في التلفون.


(فلاديمير ماياكوفسكي): إليكم يا من تحبون النساء والعربدة!

ظهر الشاعر (فلاديمير ماياكوفسكي) في “الكلب الضّال” لأول مرة في خريف عام 1913، وكان عمره عشرين عاماً  ولم يكن يرتدي قميصه الأصفر المخطط الشهير، بل بدلة عادية ويعتمر قبعة عالية.

هنا وعلى مسرح المقهى ألقى الشاعر الشاب قصيدته الطويلة الشهيرة “غيمة في بنطلون”. أثارت القصيدة هيجانا لم يسبق له مثيل. كانت أصوات الشجب والإستنكار تتعالى في أرجاء المقهى، فطلب الكاتب الروائي (ميخائيل فولكوفسكي) – وكان شبخاً مهيباً بلحيته البيضاء الكثة – الكلام للتعقيب وقال: “أنا عندكم هنا لأول مرة، ولم ألتق بكم سابقا. لقد ألقى الشاعر الشاب قصيدة غير تقليدية. ولولا بعض الكلمات الخادشة في نهايتها لكانت قصيدة رائعة. هذا شعر جديد وأصيل، وغير مألوف، لذا فأنه أثار غضبكم. ولكن مهلا، إنه شاعر موهوب وستتعودون على مثل هذا الشعر، وكل جديد يثير لغطا في البداية لينتهي إلى الأعتراف بموهبة شعرية أصيلة”.

ومع بداية الحرب العالمية الأولى، واشتراك روسيا فيها كتب (ماياكوفسكي) قصائد تدين الحرب بكل صورها. وفي أوائل عام 1915، وفي ذروة الزمهرير الروسي، جاء (ماياكوفسكي) من الجبهة تواً – وكان قد استدعي للخدمة العسكرية الإجبارية – وحضر إلى “الكلب الضّال” وطلب من (بونين)، صاحب المقهى السماح له بإلقاء قصيدة جديدة له بعنوان “إليكم”، قائلا له: “دعني أتحرش بالبورجوازيين قليلا”. وكان (بونين) من المعجبين بشعر (ماياكوفسكي)، كما يقول في مذكراته عن القبو. وقف الشاعر المثير للجدل على خشبة المسرح بقامته المديدة، وألقى قصيدته الشهيرة “إليكم” بصوته الجهوري. وكانت قصيدة هجاء لاذعة، يسخر فيها من هؤلاء السادة الذين يعيشون في منازل مدفأة، تتوافر فيها كل وسائل الراحة، ويقضون أوقاتهم في المغامرات العاطفية، والسكر والعربدة، وأكل ما لذ وطاب، في وقت تخوض فيه روسيا حربا دامية، وتخسر كل يوم عددا من خيرة شبابها. أثارت القصيدة غضبا عارما، ونقاشات حامية داخل المقهى، وانتقل النقاش في اليوم التالي إلى إحدى كبريات صحف بطرسبورغ (بيرزفوي فيدومستي). وظهرت في الصحيفة مقالة وصفها (بونين) بأنها قذرة. مقالة تحريضية ضد المقهى، بقلم صحفي كان يرتاد المقهى بانتظام، ويسكر فيه أكثر من أي زائر آخر. لفتت المقالة انتباه الشرطة، التي داهمت المقهى، ولم تجد فيه مخالفة تذكر، سوى عدم الالتزام تماماً بالقرار الحكومي الذي صدر في أوائل الحرب بمنع تقديم الخمور في المطاعم والحانات والمقاهي، حيث عثرت الشرطة على بعض القناني الفارغة تحت الأرائك، فتم غلق المقهى في 3-3-1915.

خلال الحرب العالمية الثانية تحول القبو إلى ملجأ آمن من الطائرات الألمانية المغيرة. وصادف وجود (أخماتوفا( خلال إحدى الغارات بالقرب من القبو، فلجأت إليه مع أناس آخرين. ولا أحد يدري، ما الذي كان يدور في خلد الشاعرة العظيمة في تلك الدقائق، التي لجات فيها إلى المكان الذي شهد أجمل ايام حياتها. وقالت فيه قصائد مرحة، وتحدثت عنه في مذكراتها، وفي قصيدتها الطويلة “ملحمة بلا بطل”.


استغلال اسم “الكلب الضّال” تجارياً

أما اليوم فإن البعض يحاول استغلال اسم وشهرة “الكلب الضّال” تجاريا، فقد تم إعادة ترميم وتجميل القبو، ليس من أجل تأسيس مركز ثقافي فيه، بل تحويله إلى (ريستوران) يحمل اسم “الكلب الضّال”. يقدم فيه – إلى جانب الأكلات الروسية – فعاليات مسرحية، وغنائية بأسعار باهظة. ويحاول صاحب الريستوران أو القاعة عبثا، تقليد الجو الذي كان سائدا في القبو في أوج ازدهاره وشهرته في العصر الفضي. ورغم الدعاية الهائلة، إلا ان االمكان اليوم يفتقد روح مقهى “الكلب الضّال”، وأجوائه الإبداعية، وعباقرته الذين تحولوا إلى أساطير جميلة في ذاكرة الأجيال الروسية المتعاقبة. وإذا كان من الممكن انتحال اسم المقهى القديم، وتقليده في كل شيء  فمن يعيد إليه عباقرته، وروحه، والأجواء الإبداعية التي كانت سائدة فيه ؟

تجربة (إيغلتون) العميقة لقراءة الأدب

تيري إيجلتون

يعد (تيري إيغلتون) أحد أهم النقاد المعاصرين الذين كتبوا حول نظرية الأدب ووظيفة النقد وأيدولوجيا علم الجمال.

في كتابه (كيف نقرأ الأدب) يستعرض بعض الأدوات الأساسية في أسلوب قراءة النص الأدبي واستيعابه بعمق ومتعة. ويقدم تحليلا متفردا لعدد من النصوص الأدبية في خمسة فصول؛ الافتتاحيات، الشخصية، السرد، التفسير وأخيرا القيمة.

إن الأعمال الأدبية قطع بلاغية وتقارير أيضا، وتتطلب نمطا من القراءة على درجة بالغة من اليقظة؛ نمطا متنبها للنبرة والحالة المزاجية والسلاسة والجنس والنحو والتراكب والنسيج والإيقاع وبنية السرد وعلامات التنقيط والإبهام، بل لكل ما ينطوي عليه موضوع الشكل.

وعن افتتاحيات الأعمال الأدبية يقول بأن الأديب يكون في أفضل حالاته في مستهل الفصل الأول:

فتراه تواقا إلى التأثير، راغبا في لفت نظر القارئ، متعمدا أحيانا اقتلاع كل علامات الوقف.

يستعرض افتتاحية رواية (رحلة إلى الهند)” لـ(إدوارد فوستر) التي يصف فيها مدينة “شاندرابور” فيقول: “إننا أمام أديب يتمتع بعين دقيقة الملاحظة شديدة التمييز، ولكنها في الوقت نفسه عين هادئة تنظر من بعد.”

أما افتتاحية مسرحية (ماكبث) لـ(شكسبير) فهي استفهامية: “تحتشد بالأسئلة، وأحيانا بأسئلة تكون أجوبتها أسئلة أخرى؛ مما يساعد في خلق مناخ تكثر فيه الشكوك والقلق والارتياب المرضي. إن طرح سؤال يتطلب شيئا محددا في الإجابة، ولكن الأمر ليس كذلك في هذه المسرحية.”

الفصل الثاني من الكتاب يتحدث عن الشخصية فيقول أن شخصيات النصوص الأدبية لا تمتلك تاريخ قبلي، وحين يصل العمل إلى نهايته تختفي الشخصيات والأحداث في هواء رقيق.

لكن بعض الروايات تنتهي بتخيل أحدهم لمستقبل شخصياتها: “متخيلا إياها وقد تقدم بها العمر وشاب شعرها وابتهجت وهي وسط مجموعة من الأحفاد العابثين. وتجد هذه الروايات صعوبة في ترك أحفادها يذهبون وشأنهم مثلما يجد الآباء في بعض الأحيان صعوبة في ترك أطفالهم.”

في الفصل الخاص بالسرد، يتحدث عن الراوي، ثمة رواة واسعو المعرفة وبعضهم لا يمكن الوثوق بهم. ومع ذلك يمتلك الراوي سلطة على القارئ.

السرد نوع من أنواع الاستراتيجيات يوظف مصادر معينة ويستخدم تقنيات محددة من أجل تحقيق أهداف بعينها.

أما تفسير الأعمال الأدبية والنظر في معانيها فهو أمر لا يمكن التنبؤ به ” فمثلما أن والدينا لا يواصلون السيطرة على حياتنا عندما نتقدم في العمر، فإن الشاعر لا يمكنه بدوره أن يقرر السياق الذي سوف يقرأ فيه كتابه ولا المعنى الذي يرجح أن نستخرجه منه.”

وفي تساؤل عما يجعل العمل الأدبي جيدا؟ أو رديئا؟ نجد أن الأجوبة كثيرة مثل “عميق البصيرة، والواقعية، والوحدة الشكلية، ونيل الاعجاب الشامل، والتعقيد الأخلاقي، والابتكار اللفظي، والرؤية التخيلية.”

أنها القيمة التي تجعل من عمل ما رفيع المستوى ويولّد معاني جديدة بمرور الزمان.

هل ظلم غوستاف لوبون الجماهير أم وصفها؟


غوستاف لو بون (1841-1931) هو طبيب ومؤرخ فرنسي، ولد في منطقة النورماندي بفرنسا، درس الطب ثم الفيزياء النظرية ثم اتجه للانثروبولوجيا واهتم بالحضارة الشرقية وكتب فيها عدة مؤلفات، يُعد من أشهرها كتابه (سيكولوجية الجماهير)

اهتم بعلم النفس الاجتماعي وأنتج فيه مجموعة من الأبحاث المؤثرة عن سلوك الجماعة، والثقافة الشعبية، ووسائل التأثير في الجموع، مما جعل من أبحاثه مرجعًا أساسيًّا في علم النفس، ولدى الباحثين في وسائل الإعلام في النصف الأول من القرن العشرين.

يُعرف غوستاف لوبون للجماهير بأنها “اجتماع مجموعة من الافراد لأجل هدف محدد”.

أما في علم النفس، فلها معنى آخر، ففي بعض الظروف يتولد في الجمع من الناس صفات تخالف كثيراً صفات الأفراد المؤلف هو منها، حيث تختفي الذات الشاعرة وتتوجه مشاعر جميع الأفراد نحو صوب واحد، فتتولد من ذلك روح عامة وقتية بالضرورة إلا أنها ذات صفات مميزة واضحة تمام الوضوح ، وحينئذ يصير ذلك الجمع لفيفاً مخصوصاً لم أجد لتسميته كلمة أليق من لفظ الجماعة المنظمة أو الجماعة النفسية ، فكأن ذلك اللفيف ذات واحدة، وبذلك يصير خاضعاً لناموس الوحدة الفكرية الذي تخضع الجماعات لحكمه. 

يرى (لو بون) أن الجماعات تتصف بصفات تختلف عن صفات الفرد ذاته، بمعنى أن صفات الفرد تموه بين صفات بقية الأفراد و ينتج مزيجاً مختلفاً عن صفات كل منهم على حدة، وفي الغالب تصبح صفات الجماعات أسوأ من صفات الفرد وحده، و تنحدر في الفكر إلى درجة غياب العقل والمنطق، وبالتالي يمكنها القيام بأسوأ الأعمال. 

هذه الصفات العامة في الطباع المحكومة باللاشعورية الموجودة في جميع أفراد كل أمة بدرجة واحدة تقريباً هي التي لها المقام الأول في حركة الجماعات، فتختفي مقدرة الأفراد العقلية في روح الجماعة وتنزوي بذلك شخصيتهم، وبعبارة أخرى تبتلع الخواص المتشابهة تلك الخواص المتغايرة وتسود الصفات اللاشعورية.

ولكون الجماعات إنما تعمل متأثرة بتلك الصفات الاعتيادية يتبين لنا السر في عدم قدرتها أبداً على الإتيان بأعمال تقتضي فكراً عالياً وعقلاً رجيحاً، حتى إنك لا تجد فرقاً كبيراً فيما يقرره جمع من نخبة الرجال ذوي الكفاءات المختلفة وما يقرره جمع كله من البلداء في موضوع المنفعة العامة؛ لأنهم لا يمكنهم أن يشتركوا في هذا العمل إلا بالصفات العادية التي هي لكل الناس، فالذي يغلب في الجماعات إنما هي البلاهة لا الفطنة، وما كل الناس بأعقل من (فولتير) كما يقولون غالباً ،بل الواقع أن (فولتير) أعقل من كل الناس إذا أردنا بكل الناس الجماعات.

بحسب (لو بون) فمشاعر الجماعات متأججة ومندفعة على الدوام، وفي أكثر من موضع يصف الجماعات بأنها همجية وبربرية.

ليست قابلية الاندفاع والتقلب كل ما تمتاز به الجماعة، بل هي مع ذلك كالهمجي لا تطيق وجود حائلاً بينها و ما تريد، والذي يساعدها على ألا تعقل الحيلولة أن الكثرة تُحدث فيها شعورا بقوة لا حد لها ،فتصور المستحيل بعيد عن الفرد في الجماعة.

ولكن على الرغم من تلك النظرة القاتمة نحو الجماهير فهو يرى شيئاً نافعاً من وراء ذلك الاندفاع اللاعقلاني؛ إذ لولاه لما قامت التضحيات باسم الدين والوطن.

بقي أن الجماعة كما أنها أهل لارتكاب القتل والتدمير بالنار وكل أنواع الجرائم ،هي أهل للاخلاص في العمل و لتضحية المنافع الذاتية والنزاهة بدرجة أرقى مما يقدر الفرد، بل هي أقرب منه إلى تلبية من يناديها باسم الشرف والفخار أو باسم الدين والوطن إلى حد المخاطرة بالأرواح.

كان (لو بون) كما يبدو منبهراً بالتنويم المغناطيسي الذي كان في طور التطوير في تلك الفترة فكان يُشبه الجماهير بالواقع تحت تأثير التنويم المغناطيسي بلا وعي تام او ادراك لأفعاله.

الجماعات كالذوات التي لا تتعقل في حدة التخيل وفعله الدائم، وفي قابليتها للتأثر الشديد، فالصورة التي تحضرها من إنسان أو واقعة أو رزء تكاد تؤثر فيها كما لو كانت الحقيقة بعينها، وحال الجماعات أشبه بالمنوم الذي تقف فيه حركة العقل هنيهة فتحضر في ذهنه صور مؤثرة جداً، لكنها تزول بمجرد التأمل فيها.

ولذا يعتقد (لو بون) أن على خطباء الجماهير استعمال خطابات لا تعتمد على العقل والمنطق؛ بل على المفردات البسيطة و العواطف.

ولهذا فإن الخطباء الذين عرفوا كيف تتأثر إنما يخاطبون شعورها دون العقل، لأنه لا سلطان لقواعد المنطق عليها فلأجل إقناع الجماعة ينبغي الوقوف أولا على المشاعر القائمة بها والتظاهر بموافقتها فيها، ثم يحاول الخطيب تعديلها باستعمال مقارنات بسيطة عادية تشخص أمامها صوراً مؤثرة.

لا يتوقف رأي (غوستاف لو بون) على انحطاط عقلية الجماهير فحسب بل إلى قوادهم أيضاً فهو يرى أنهم لا يمتازون بميزات متفردة على بقية الجموع، بل هم أقلهم عقلاً و هم مندفعون و لا يملكون حكمة أو بصيرة.

ليس القواد غالباً من أهل الرأي والحصافة ، بل هم من أهل العمل و الإقدام ،وهم قليلو التبصر .على أنه ليس في قدرتهم أن يكونوا بصراء؛ لأن التأمل يؤدي غالباً إلى الشك ثم إلى السكون ، وهم يخرجون عادة من بين ذوي الأعصاب المريضة المتهوسين الذين اضطربت قواهم العقلية إلى النصف ، وأمسوا على شفا جرف الجنون؛ لا ينفع الدليل على فساد ما اعتقدوا كيفما كان معتقدهم باطلاً ،ولا تثنيهم حجة عن طلب ما قصدوا بالغاً منه الخطل ما بلغ،ولا يؤثر فيهم الاحتقار ولا الاضطهاد، بل ذلك يزيدهم تهوساً و عناداً حتى إنهم يفقدون غريزة المحافظة على النفس فلا يبتغون في الغالب أجراً على عملهم إلا أن يكونوا من ضحاياه.

و تنسحب نظرة (لو بون) أيضاً على المجالس النيابية بالرغم من اعترافه بأنها أحسن الوسائل التي اهتدت إليها الأمم في حكم نفسها، وأنها أرقى أشكال الحكومات عند المفكرين والعلماء.

ومن خواص المجالس النيابية أنها إذا تحرك شعورها وارتقت في الهياج إلى درجة معلومة تصير كالجماعات العادية المختلفة العناصر سواء بسواء ، فتغلو إلى النهاية في مشاعرها ، وتذهب إلى أقصى مراتب الشجاعة و آخر درجات التطرف في القسوة؛ إذ ذاك لا يصير الرجل نفسه بل يبعد عنها بعداً يحمله على تقرير ما يخالف منافعه كل المخالفة.

قوة الفرح: أن تتوافق مع العالم

من لا يرغب في الفرح؟ القوة التي تهزنا والانفعال الذي يمدنا بالحيوية لتذوق الوجود.

في كتابه (قوة الفرح) يحاول الفيلسوف الفرنسي (فريدريك لونوار) أن يفسر هذا الشعور. ويتحدث عن مسارين مهمين لبلوغه: طريق يقطعه المرء نحو ذاته وطريق يتجه صوب الآخر. على المرء أن يهيء نفسه لتلقي الفرح بالانتباه والحضور، الثقة والعطاء والتواصل مع العالم بطريقة صحيحة.

تشغلنا في الأغلب آلاف الهموم وهكذا يختنق ذهننا ولا نعود منتبهين بحال من الأحوال لحياتنا.

[…] وهكذا لو كنا ننظر إلى منظر طبيعي بديع ونحن نفكر في نموذج التأمين الاجتماعي الذي لم نملأه بعد, فليس ثمة فرصة كبيرة ليصادفنا الفرح.

وعن الحضور يقول أنه مرحلة تأتي بعد الانتباه، بحيث يشمل وجودنا كله:

الحضور ليس حسيا فقط. هو ليس تلقيا عاديا لكنه استقبال سخي للواقع والعالم، والآخر. لأننا نعلم أن من شأن هذا أن يثرينا داخليا وربما يسبب لنا الفرح. وأيضا لأن بوسعنا أن نمنحهم شيئا بالمقابل، تجربة ما أو فرحا ما. ليس كم الأشياء التي ننجزها ولكن نوعية الحضور الذي نضعه في كل فعل من أفعالنا هو مايضفي قيمة على الحياة.

الكثير من الناس يعيشون بقلوب مصفحة، أو يحيطونها بغشاء يحميها من المعاناة لكنه قد يعيق وصول الفرح والمشاعر العميقة إليهم.

لكي ينفتح قلبك لابد أن تثق بالحياة.

[…] إن الفرح لا ينمو في الظلام، لكنه ينتشر في نور الصباح.

نعيش رهن عالم متسارع مليء بالخيارات لكننا مقيدين بضيق الوقت وكثرة المشاغل، فنميل دائما لكل مايعود علينا بالنفع.

لكي يتفتح الفرح لايتعين البقاء رهن هذا البعد النفعي الموجود باستمرار والذي يحول بيننا وبين الانفتاح ويحول دون حضورنا الدائم. يأتي الفرح في الغالب في أوقات لا نتوقعها، ولانتوقع أن نجني منه شيئا.

المسار الثاني للفرح هو مسار حب ومشاركة وخلق الروابط الصحيحة والحقيقية.

يختار الأصدقاء والرفقاء الحقيقيون بعضهم بعضا. وهذه العلاقة ليست محتومة أو مفروضة، لكنها تتطلب خيارا ولابد من رعايتها كي تزدهر.

[…] الحب الحقيقي لا يقيّد بل يحرر. ولا يخنق الآخر بل يعلمه أن يتنفس على نحو أفضل. يعلم أن الآخر لا ينتمي اليه لكن يمنح نفسه له بحريته.

 

فان جوخ وحديثه عن جمال وسحر الحزن والعواصف في الطبيعة والحياة

لوحة بورتريه لـ(فان غوخ) مرتديًا قبعة قشية

أوه علينا أن نتنفس بعضًا من الهواء النقي ونشعر ببعض من السعادة، لاسيما الشعور بما تعنيه اللوحة، فلندع  ظلال اللوحة تعبر بكل أسى.

فينسنت فيليم فان غوخ (1853 – 1890) كان رساماً هولندياً، مصنف كأحد فناني الانطباعية. تتضمن رسومه بعضًا من أكثر القطع شهرة وشعبية وأغلاها سعراً في العالم. عانى من نوبات متكررة من المرض العقلي -توجد حولها العديد من النظريات المختلفة- وأثناء إحدى هذه الحوادث الشهيرة، قطع جزءاً من أذنه اليمنى. كان من أشهر فناني التصوير التشكيلي. اتجه للرسم التشكيلي للتعبير عن مشاعره وعاطفته. في آخر خمس سنوات من عمره رسم ما يفوق 800 لوحة زيتية.

لن توصلنا الفرص للسعادة ولا للشعور بها، فبعض الأروح يثقلها الحزن والأسى أكثر من غيرها. سيكون من السهل الممتنع أن نضفي طابعًا رومانتيكيًا على المعاناة، على الرغم من اختلاف (إليزابيث باريت برواننج) في مذكرتها على ذلك، إلا أن بحوزتنا تاريخ ثقافي حافل في تكريس “أساطير معاناة العباقرة” وواقعهم الأشد مرارة.

ألا يعني هذا أن نعتبر أن الانغماس في الحزن والاشفاق على الذات، جزءان جوهريان في مجاراة الحياة بدلاً من معاداتها؟

هذا ما خاطب به فنسنت (فان غوخ) في رسالة بعثها لشقيقه (ثيو) التي نشرت في كتاب بعنوان (المخلص دومًا فنسنت؛ الجواهر من رسائل فان خوخ)، ذلك الكنز الثمين الذي أهدانا إياه متحدثًا عن اقتران القول بالعمل وكيف يحركنا ارتكاب الأخطاء نحو المضي قدمًا.كتاب المخلص دومًا فنسنت فان جوخ الجواهر من رسائل فان خوخ

على الرغم من الفقر الذي لازمه طوال حياته و الوهن الذي أصابه جراء مرضه العصبي، إلا أنه قد تمكن من تحويل هذه المصاعب المختلفة إلى فن من أعرق الفنون التي انتجتها البشرية.

أثناء مكوثه في لاهاي و صراعه مع المرض بعث في سبتمبر عام 1883 برسالة إلى شقيقه كتب فيها:

كتبت لي عن جولتك لـ(فيل دافري) ذلك الأحد، في اليوم نفسه والتوقيت نفسه كنت أمشي وحيدًا أيضًا، أود إخبارك  بشيء حصل في تلك الجولة، يبدو أن خواطرانا قد تواردت ثانيةً إلى درجةٍ ما.

ذهب (فان غوخ) في جولة قاصدًا أن يصفي ذهنه وينعش فؤاده عقب انتهاء علاقته أخيرًا ببائعة الهوى ومدمنة الكحوليات (سين) التي جمعتهما علاقة حب استمرت لمدة عام ونصف العام، بدأت تلك العلاقة عقب تعافيه من تجربة الانكسار العاطفية التي علمته أن الحب من طرفِ واحد ليس سوى إذكاءِ للفن.

اعترف (فان غوخ) أن انفصالهما كان أمرًا في غاية الغرابة، فعلى الرغم من تعلقه الشديد بسين وأطفالها وتعلقها هي بنفس الشدة إلا انهما لم يستطيعا إسعاد بعضهما البعض على المدى البعيد.

في جولة للصفاء الذهني توجه (فان غوخ) لقضاء برهة من الوقت في رفقة الطبيعة، في تلك اللحظة وفي حالة الاضطراب الداخلية تلك شاهد اجتياح عاصفة قوية ومن الغريب شعوره أن اجتياح العاصفة قد ساعده في تعافيه وإعادة اكتشاف جمال الحياة الحقيقي.

لوحة : أشجار الصنوبر في المساء 1889 (متحف فان خوخ)

ويسرد لشقيقه تفاصيل لقائه الرائع مع الطبيعة قائلًا:

كما تعرف المناظر الطبيعية هناك؛ أشجار رائعة مفعمة بالجلال والصفاء بجوار الخضرة وبيوت صيفية مربعة الشكل مثل بيوت ألعاب الأطفال، وكل مايثقل خيالات الهولنديين من سخافات، من أصحاب الدخل الخاص فينعكس ذلك على طراز أحواض الأزهار وسقائف الشرفات. معظم البيوت قبيحةٌ جدًا و بعضها قديمٌ وأنيق.

والجيد في تلك اللحظة، تدافع السحب واحدة  تلو الأخرى فوق المروج المترامية الأطراف كالصحراء، فيما ضربت الرياح البيوت الريفية بأشجارها على الضفة الأخرى من المجرى المائي على امتداد الأشجار الرائعة على الطريق المتشح بالسواد الفاحم، رأيت بداخل كل شخص منها، أقصد في كل شجرة شيء من المأساة.

حيث بدا كل شيء أجمل في تلك الأشجار التي عصفت بها الرياح إذ تراها في ذواتها. لأن هذه اللحظة قد أضفت شخصية فريدة حتى على تلك البيوت الصيفية غير المتناسقة و الغارقة في المطر. و قد تصورت كيف يمكن أن يتشكل شخص بمظهر عبثي وبقناعات منافية للعقل ومثقل بالغرابة والنزوات داخل قالب مأساوي بشخصية فريدة قد تمكن منها الواقع المرير. لقد جعلني ذلك أفكر في حال المجتمع اليوم و تنشئته يبدو أشبه بلوحة ظلية قد انعكس عليها نور التغيير.

و يضيف قائلاً:

نعم، فبالنسبة لي فإن مأساة الطبيعة تكمن في العاصفة ومأساة الحياة في الحزن وذلك الأمثل .. أوه علينا أن نتنفس بعضًا من الهواء النقي ونشعر ببعض من السعادة، لاسيما الشعور بما تعنيه اللوحة، فلندع  ظلال اللوحة تعبر بكل أسى.

وبعد سبع سنوات من كتابة هذه الرسالة، مزقت المأساة  لوحة حياة (فان غوخ).

لوحة: منظر طبيعي في الطقس العاصف 1885 (متحف فان جوخ)

[المصدر]