فن الكتابة، وحياة الكتّاب. حوار مع الكاتب البريطاني؛ آيان ماك إيوان

أجرى الحوار: لاين روزن. لصحيفة (ذه انكوايرر)

ترجمة: دلال الرمضان

حوارنا اليوم مع الكاتب البريطاني (آيان ماك إيوان)، الذي تم تصنيفه من قبل صحيفة التايمز البريطانية واحدًا من أفضل خمسين كاتب بريطاني منذ عام 1945. والذي استحوذت رواياته على اهتمام شريحة واسعة من القراء حول العالم. كان من بينها رواية (أمستردام) الحائزة على جائزة مان بوكر لعام 1998، و رواية (الكفارة) الصادرة في عام 2001، والتي تم تحويلها إلى فيلم حاز على جائزة الأوسكار في 2007.

جرى الحوار في مكتبة لندن الأربعاء الماضي. حيث حدثنا (آيان ماك إيوان) عن روايته الجديدة (قشرة الجوزة) المقتبسة عن مسرحية (هاملت) لـ(وليم شكسبير)، والتي تُروى أحداثها من قبل جنين في رحم أمه. عن هذه الرواية، وعن حياته ككاتب، كان لنا معه الحوار التالي:


أظن أن هذا هو كتابك السابع عشر، إن لم أكن مخطئاً؟

إنه عملي القصصي السابع عشر، والروائي الخامس عشر. فأول كتابين لي كانا عبارة عن مجموعة قصصية .

تندرج كتاباتك ضمن العديد من الأجناس الأدبية، بما في ذلك السيناريو السينمائي، والأفلام التلفزيونية، أليس كذلك؟

أجل. لقد وجدت نفسي، مؤخراً، منغمساً في كتابة السيناريو السينمائي بشكل كبير. إذ لدي عملان قيد الإنتاج. وهما مقتبسان من كتابيّ (قانون الطفل) و(على شاطئ تشيسل). حيث ستكون الممثلة الإيرلندية (سيرشا رونان) البطلة في أحدهما .

هل بمقدورك إخبارنا عن الحالة التي تمر بها في غضون ولادة أي عمل أدبي لك؟ كيف تعمل؟ وبأية سرعة تكتب؟ وما هو الأسلوب الذي تتبعه؟

حالما أبدأ في الكتابة فإنها تستحوذ على تفكيري تمامًا. ما يجعلني أصب جُل أفكاري في الموضوع الذي أكتب عنه. وإن حدث أن وصلت حصيلة كتابتي إلى ما يقارب 450 إلى 500 كلمة في اليوم الواحد، حينها سأكون في ذروة سعادتي. يبدأ عملي في التاسعة والنصف صباحاً من كل يوم. و لا أجد أي مبرر للتوقف عن العمل. لأنني أعلم جيداً أنني سأصل إلى تلك اللحظة التي ينتابني فيها التردد، فأتوقف عن العمل ليوم كامل، أو ربما لأسبوع، لأعاود العمل من جديد فيما بعد .

أحياناً، أعمل في وقت متأخر من الليل. وفي أحايين أخرى، إذا سارت الأمور على ما يرام، أعمل في الساعات الأولى من الصباح. غالباً ما أستهل يومي بمراجعة ما كتبته بالأمس. لقد كنت من أوائل من تبنوا فكرة معالجة النصوص في أوائل الثمانينات. إنه لأمر حسن أن يكون الكاتب قادراً على تصحيح ما كتب باستمرار. وفي هذه الحالة، أظن أن عليه أن ينفصل عن النص الخاص به بشكل تام، ليعود للنظر إليه بطريقة حيادية، وكأنه عملٌ لكاتب آخر.

هل سبق لك أن قمت بالتدريس؟

لقد أدرت العديد من النقاشات في عدة حلقات بحثية، مع طلاب عدة، بما في ذلك طلاب كلية الفنون الجميلة، حيث جرت العادة أن أحاورهم بعد إعطائهم الحصة المقررة كل صباح. وحتى قبل أن أقوم بنشر كتابي الأول بمدة طويلة، كنت ألقي محاضرات في ورش تعليم الكتابة في جامعة آيوا. لقد استمتعت كثيراً بعملي. وأظن أن الطالب المجدّ هو من يأتي بفائدة و يغادر بأخرى. إذ لا بد له أن يستفيد من حضوره تلك الورشات. بيد أن أكثر فائدة يمكن أن تجنيها من تلك الورش هي وجود من يترقب أعمالك. أنت بذلك تكسب القارئ. وهذا يعني أنك تكتسب جمهوراً جديداً. إذ ثمة فرق هائل بين وجود ثلة من الناس ممن يقرؤون أعمالك، وبين عدم وجودهم .

ثمة عدد كبير من القراء ممن يستخدمون كلمة واحدة لوصف أعمالك، ألا وهي “محطِّمة” فهل تظن أن بإمكان هذه الكلمة أن تصف القصص التي تكتبها بدقة؟ وهل تحاول، متعمداً، ترك ذلك الأثر العاطفي العميق في نفوس قرائك؟

لا أنوي تحطيم قلوب قرائي بالضرورة. بيد أنني آمل أن يقعوا تحت تأثير ذلك السحر الذي يوقد لديهم فضولاً تجاه النص. ذلك لأن فعل قراءة الرواية التي تخلو من ذلك الإحساس بالترقب، هو فعل باهت يفتقر لأي معنى. يمكن لهذا الإحساس أن يكون ترقباً فكرياً أو عاطفياً، أو مزيجاً منهما معاً. هو شيء يحثك على متابعة القراءة. إذ يرى الكاتب البريطاني (هنري جيمس) أن الوظيفة الأولى للروائي هي أن يحقق المتعة للقارئ. وربما أعي تماماً ما يعنيه بذلك. أما بالنسبة لي، فلا شك أنني سأضع الرواية جانباً، إذا لم تُثر فضولي. أود أن أُحدث شيئاً ما. ولا يجب أن يتعلق ذلك الشيء بتلك الأدوات التي أشتهر بها. آمل، فقط، أن يشعر قرائي بصعوبة ترك الرواية دون الرغبة بالعودة لقراءتها مجدداً.

في روايتك الجديدة (قشرة الجوزة) كيف اخترت صوت الراوي؟ و ما الذي جعلك تحاكي “هاملت“؟ 

لقد أتى ذلك من اتجاهات مختلفة. فبينما كنت أحضر اجتماعاً مملاً، تبادر إلى ذهني السطر الأول من الرواية، والذي يقول: “هأنذا، أقف رأساً على عقب داخل جسد امرأة “ حيث قمت بتدوين بعض الملاحظات. ثم غادرت ذلك الاجتماع .

حين يتعلق الأمر بكتابة الرواية، غالباً ما تتسم البدايات بالبطء. فأية فكرة يمكن أن تبدو فكرة رائعة في يوم بعينه، بيد أنها قد تصبح بخلاف ذلك، بمجرد مضي شهرين من الزمن .

في تلك الأثناء، كنت أشاهد مسرحية (هاملت) إذ بدأت الفكرتان بالتناغم مع أفكاري. وبمجرد أن يأخذ صوت الراوي مكانه المناسب، كما هو حال الخطة التي رسمتها لسير أحداث الرواية، والتي تركز على حث القارئ على التخلي عن شكه، فإن كل الأحداث، بعد ذلك، تسير وفقاً لتسلسلها المنطقي .

تكمن الصعوبة الحقيقية في بداية الرواية. أي في اختيار الأسلوب المتبع في قص الحكاية، على وجه التحديد. وبما أن القصة كانت مرحة، فلا عجب أن أختار أسلوباً مرحاً لسرد أحداثها بلغة شعرية تغلب عليها قافية التفعيلة الخماسية التي كانت بمثابة اعتراف بكون (شكسبير) المصدر الأول لإلهامنا. فلغتنا متشبعة بكلمات ذلك المبدع. فلم يؤثر بنا (شكسبير) بآلاف الأمثلة، والشخوص، والأفكار التي تبناها فقط، بل وصل تأثير كلماته إلى أولئك الذين يرددونها دون معرفتهم به. فحين يرددون العبارة التالية: “كن كل شيء، أو لا شيء” هم يقتبسون عبارة (شكسبير) الشهيرة دون علمهم بذلك. (شكسبير) هو المصدر الذي أعاود اللجوء إليه باستمرار. وهذا نوع من الإجلال للخط الذي سار عليه ذلك المبدع.

كيف يبدو يوم الكاتب (إيان ماك إيوان)؟ وهل بإمكانك الخروج دون أن يتعرف عليك المارة؟ وكيف يتصرف الناس عند معرفة هويتك؟

نعيش أنا وزوجتي في الريف، حيث لا يوجد أحد. إن شهرة الأديب تختلف كل الاختلاف عن شهرة مشاهير الغناء، أو الرياضة، أو التلفاز. فلن تصادف معجباً يحاول أن يشد قميصك، على سبيل المثال. فالقارئ الشغوف بنتاجي الأدبي، إن حدث وتعرف علي، فربما لن يحرك ساكناً. ولعله سيكتفي بالاقتراب مني بكل احترام، وبالقول: “تعجبني تلك الرواية” ومن ثم ينصرف بكل هدوء. حياتي تسير كحياة باقي البشر. قد يختلس المارة النظر إلي في الشارع أحياناً. بيد أن ذلك لا يحدث سوى في الفترات التي أصدر فيها رواية جديدة.

ما الذي تعنيه لك فرصة اللقاء بقرائك، والتفاعل معهم؟

عندما تلتقي بقرائك، فإنك تقابل مجموعة من الناس انتقيتها بنفسك. حذارِ أن يخطر ببالك أن العالم كله يقرأ كتاباتك، وأن الجميع معجب بك. إن لقاء القراء تجربة ممتعة للغاية. لقد صادفت قراءً بأعمار متفاوتة؛ بدءًا من عمر السابعة عشر، وحتى عمر الثمانين سنة، أو حتى التسعين، ممن قرأوا أعمالي طوال حياتهم. حين زرت حديقة ذات يوم، برفقة ابني، في وسط لندن -حيث كنا نسكن – كان الناس يتنزهون في وقت الغداء. جلبت رزمة من الكتب التي كان من بينها كتبي، وأخرى لكتاب آخرين. ثم قمت بتوزيعها على المارة. كانت كل امرأة تطلب مني ثلاث كتب، في حين كان الرجال يردون بالقول: “لا، شكراً لك”

أيقنت حينها صدق شعوري بأن “فن الرواية سيؤول للتلاشي، لولا جمهوره من القارئات” 


[المصدر]

عن اللحظات المؤثرة في تشكيل الإنسان عند زكي نجيب محمود

زكي نجيب محمود ( 1905-1993م)، فيلسوف وكاتب وأكاديمي وأستاذ فلسفة مصري، من مؤلفاته (المنطق الوضعي) في جزأين، و(موقف من الميتافيزيقا) و(تجديد الفكر العربي).

كما تعد أحد أبرز مؤلفاته هي (قصة نفس)، والتي تمثل سيرة ذاتية سيكلوجية له. ضمن الكتاب الأخير، كتب (زكي نجيب محمود):

ليست لحظات الزمن في حياة الإنسان سواسية كلها من حيث قوتها في توجيه الأحداث، وأثرها في تكوين الشخصية وتشكيلها، فمنها ما قد يمضي ولا أثر له، ومنها ما يكون له من بعد الأثر وعمقه ما يظل يؤثر في مجرى الحياة إلى ختامها، ولا عجب أن تجيء حيوات الأفراد متفاوتة الوزن والقيمة، متباينة الخصوبة والثمر. فمنها ما تتابع فيه اللحظات على وتيرة واحدة، حتى لكأنها في نهاية الأمر لحظة واحدة مكررة معادة، فضلا عما تتصف به هذه اللحظة الواحدة من خواء؛ ولذلك فهي حياة تمضي وكأنها لم تكن شيئا. ولكن منها كذلك حياة تجيء لحظاتها ثقالا بأحمالها، فتمضي تاركة وراءها أثرا يبقى على وجه الدهر أمدا طويلا، وبأمثال هذه اللحظات الحبالى تُصنع الحضارات وتُبنى.

يقول بعدها:

إن النظر إلى حياة بمجموعة أحداثها، كالنظر إلى صورة فنية لا يسير عليها البصر في خط مستقيم بادئا في حافة الإطار إلى حافة الإطار هناك، بل إنه ليقع أول ما يقع على نقطة مركزية فيها، كشجرة فارعة على يمينها، أو قمة شامخة على يسارها، أو بقعة لونية في أي موضع منها تلفت النظر إليها لتكون له نقطة ابتداء، ثم ينساب البصر في مختلف الاتجاهات، عائدًا آنا بعد آن إلى نقطة البدء، فكأنما هذه النقطة المركزية ينبوع تفجرت منه سائر النقاط، وكذلك قل عند النظر إلى حياة فرد من الأفراد بمجموعة أحداثها، فهناك كذلك يتجه الانتبهاه إلى لحظات أمهات كانت حاسمة في توجيه صاحب تلك الحياة.

ثم تساءل بعدها عن معايير هذه اللحظات المحورية في تشكيل الإنسان، وإذا ما كانت لحظة الميلاد أحداها، فيجيب:

إنه لوهم غريب هذا الوهم الذي يوهم الإنسان باتصال شخصه من لحظة الميلاد إلى لحظته الراهنة! نعم إنها وسيلة نافعة لغيري من الناس أن يعدّوني فردًا واحدًا متصل الحياة، بدأ في اللحظة الفلانية ولبث ينتقل هنا وهناك حتى انتهى إلى ما هو عليه الآن. أقول إنها وسيلة نافعة للناس لكي يسهل عليهمو عدّ الأفراد عند الإحصاء، ولكن ما لي أنا وما ينفع الناس عند العدّ والحساب؟ المرجع عندي هو خبرتي كما أحياها واعيًا بها، وليس ذلك الطفل الذي يروون لي عن زمان مولده ومكانه وجزءًا من تلك الخبرة الحية الواعية.

الحياة عقد إيجار

نشأت وأنا أخاف الموت واعتدت على ترك التلفاز يعمل أثناء نومي ليلاً حتي لاتنجرف أفكاري نحو النهاية المحتومة، رأيت مقطورات في فيلم مخيف عام 2012 مما سبب لي صعوبة في التنفس وانخراط في البكاء. حينما كنت بعمر السابعة أو الثامنة كانت فكرة إنتهاء حياتي وهلاكي أنا وأحبائي تملأني بالبؤس. هذا ما أنبثقت عنه ذاكرتي كأول أفكار روادتني عن الموت وكلما كبرت في السن قلَّت نوبات القلق الوجودي لدي فقد أصبح لدي أشياء أخرى لكي أقلق بشأنها. عندما كنت طفلاً دمر الركود الإقتصادي عائلتي فتركنا العيش في بيت مستقر وانتقلت مع أمي من مكان لآخر، لم يكن لدي وقت للتفكير في الموت ولكن مع ذلك لم يغادر الموت قط تفكيري. ركزت على أن أكون مُنتجاً وأضمن مستقبلاً أفضل ومع ذلك لم أتمهل لأستريح أو لأجد السعادة في أيامي التى أقضيها.
على حد تعبير (أوغسطينوس):

لقد ضاق صدري بسبب التعب من مشقة الحياة والخوف من الموت.

مع ذلك كان ينتابني شعور غريب بالإرتياح طوال الوقت الذى كنت ألهث فيه خلف تحقيق أعلى المعايير التي أضعها بنفسي كنت أشعر أنني بخير حتى لو لم أكن سعيداً . ولكن وجهة نظري تغيرت حينما التحقت بأول سنة لي في الجامعة والتحقت بدورة الفلسفة الهلنستية، فقد أثَّرت بي مقالة (سينيكا) “الحياة قصيرة” التى يخاطب فيها الفيلسوف الراقي (بولينيوس) [من المحتمل يقصد (ومبيوس بولينوس) والذي كان سيناتوراً رومانياً وربما صهر (سينيكا)] في العام الذي عاد فيه إلى روما من المنفى في كورسيكا.
يبدأ المقال:

يا (بولينوس) معظم البشر يشتكون مر الشكوى من قسوة الطبيعة، لأنهم يعيشون حياه قصيرة وحتى هذة الحياة القصيرة تمر سريعاً بخلاف عدد قليل لاتقسو عليهم الحياة فإن معظم البشر يجدون أن الحياة نبذتهم قبل حتى أن يعدوا أنفسهم ليستمتعوا بالحياة.

لقد شعرت وكأن (سينيكا) تشاهدني، لم يخطر في بالي أبداً من قبل أنني كنت أضيع وقتي وحياتي بتجاهلي لإقتناص السعادة من الوقت الحاضر.
من المحتم لأن الدافع الخفي خلف سعيي لتحقيق طموحاتى العالية والذي لا يتوافق مع معدل وفاتي ولا مع حالتي البائسة في ظروفي الحالية. لو أنني استمريت في السعي لتحقيق أهداف أعلى مع تجنب التفكير في الموت أو حتى تجاهل وجود الموت باعتباره واقع سيخلق هذا لدي شعور وهمي بأن الحياة لن تنتهي في نهاية المطاف فإن التقليل من شأن الموت سيؤذينا. في الواقع فكرة عدم وجودنا في المستقبل تشجعنا على الإستفادة من الحياة التى لدينا الآن بينما لازلنا نملكها.

كتب (سينيكا):

حياتنا ليست قصيرة ولكننا نجعلها كذلك لأننا نضيع الوقت فيما لايفيد ولكنها طويلة لمن يرتب أولوياته بشكل صحيح.

ألقت كلماته في وجهي كأساً من الماء البارد، أيقظني من غفلتي، عقدت العزم وبدأت أقضي وقتي في فعل أشياء استمتعت بها حقًا وهممت بفعل ما شعرت أنه جديرا بإهتمامي مثل المشي على الشاطئ وقراءة المزيد من الفلسفة و الإهتمام بقضايا ذات صلة بالعدالة الإجتماعية وممارسة الرياضة.
لعل أكثر ما يسير إستيائنا من الموت هو ليس لأنه ينهي وجودنا فحسب ولكن لأنه ينهي أحلامنا وأمالنا المستقبلية.
نحن مضطرون لتقبل عدم وجود خاتمة.
عند الموت لن يعرف المرء أبداً كيف ستسير الأمور، لن نعرف مطلقاً إذا كان البشر سوف يكتشفوا أسرار الكون الأبدية أو أنهم سيخرجوا من درب التبانه إلى مجرات أخرى ليستعمروها.
جد جد جدي الأكبر لم يكن يعلم عن وجودي ولم يكن يأمل حتى بأن يعرف عني وكذلك لن أعرف أى شيء عن حفيد حفيد حفيدي الأصغر ولا أعرف إن كان سينجح أم سيفشل أو حتى سيولد.
عدم وجودنا مطلقا إلى جانب جهلنا التام هو ما يقتتات علينا.
غالبا ما يُمجِّد البشر هبة الحياة و لكنهم يعادون فكرة الموت في النهاية وخسارة هذة الهبة ولكن الجبن في مواجهة الطبيعة وإنكار الموت لايعني سوى أن تعيش في الوهم.
على حد تعبير (ماركوس أوريليوس):

كن حراً وأنظر للأشياء باعتبارك رجلاً أو كائناً بشريا أو مواطناً أو مخلوق مصيره الموت.

بالرغم من عدم نجاحي دائماً حاولت تغيير أفكاري بشأن الموت بالأخص الإنتحارية منها مما رفع من روحي المعنوية.
لأنني أتعامل مع وجودي في الحياة على أنه هو كل ما أملك، فلم أعد أرى سبباً لتعجل النهاية الحتمية بغض النظر عن سرعة إنتهاء الحياة.
تذكُّر أنني سأموت يوماً ما يشجعني. فلم يعد الموت يكبلني، ولم تعد كآبته تخنقني.
كما ذكر (ميشيل دي مونتين) في كتاباته (الخبرات):

لأحمق هو من يسع في الدنيا متبطراً قلقاً على ما ستمنعه عنه الدنيا في المستقبل.

ومع ذلك لا أستطيع التخلي عنها بدون ندم ولكنها كشيء من طبيعته الفناء فإن عدم كره الموت محتمل لمن لايستمتع بحياته.
يحتاج الأمر لحسن إدارة للحصول على حياة ممتعة.
دعونا لانؤجل الاستمتاع بالمستقبل لكن لنقتنص مسببات السعادة في الحال وهنا بينما نهتم بمستقبلنا، كلاهما معا. إغترف من الحياة المزدهرة بدلاً من الإنجراف في الغفلة والعادات.
لا تضيع وقتك فيما لا يفيد واقتنص من وقت فراغك للاستمتاع بكل يوم.
تأمل في حياتك التي عشتها وذكرياتك الحميمة مع ترك مساحة للإستمتاع بأخرى جديدة.
كما كتب (سينيكا):

لكن أولئك الذين ينسون الماضي ويتجاهلون الحاضر ويخافون على المستقبل لديهم حياة قصيرة جدًا ومليئة بالقلق: وعندما يواجهون الموت، يدرك هؤلاء البائسون بعد فوات الأوان، بأنهم شغلو أنفسهم بما لايُرجى منه فائدة.

علمني (ميشيل دي مونتين) و(سينيكا) و(ماركوس أوريليوس) أن الحياة ما هي إلا عقد إيجار. إنه شيء نستعيره ونعيده، وليس هبة أبدية، لذلك يجب أن نبذل مجهوداً متضافراً لإستخدامه بحكمة. فكر في إيجاز الحياة حتى لا تضيع منك -فقط عندها ستبدو حياتك طويلة-.


[المصدر]

فرجينيا وولف : لماذا نقرأ؟ وماهي أوجه الشبه بين أعظم الأعمال الأدبية؟

تترابط عقولنا، نحن البشر، ببعضها البعض. فكل عقل متقد اليوم، يحاكي عقولاً عظيمة كانت موجودة فيما مضى، أمثال (أفلاطون) و(يوربيديس) إذ يمثل تطوراً واستمرارية للشيء ذاته. إنه ذلك الفكر المشترك الذي يربط العالم بأسره .فالعالم، في جوهره، ليس سوى فكر.

لقد أدرجت (باتي سميث) ضمن قائمة المعايير التي وضعتها لتصنيف الروائع الأدبية، قدرة هذه الأعمال على سحر قارئها إلى الحد الذي يشعره بضرورة إعادة قراءتها مرة أخرى. في حين اعتبرت (سوزان سونتاغ) أن عملية إعادة القراءة، تلك، هي بمثابة ولادة جديدة للنص. وأظنني أُوافقهما  الرأي في ذلك، عن طيب خاطر، لأنني أواظب على قراءة رواية (الأمير الصغير) مرة في كل عام. إذ أجدها تبوح لي، في كل قراءة، بمعان جديدة، ومرممات وجودية لكل ما يمكن أن يعكر صفو حياتي في تلك اللحظة.

قد نلجأ، نحن القراء، إلى إعادة قراءة بعض الأعمال المحببة إلينا، لأننا ندرك عدم استمرارية التجارب الإنسانية، بالإضافة إلى آنية تلاقي الحالات والظروف التي تكوّن الذات البشرية في  أية لحظة من الزمن. ناهيك عن إدراكنا لتطور شخصياتنا في العام المقبل، إذا ما قورنت بها في العام الفائت، لتغدو أكثر نضجاً في مواجهة كافة التحديات، و الآمال، والأولويات. حيث تصبح ذاتاً جديدة، مختلفة كلياً عنها فيما مضى.

كانت (فرجينيا وولف) في الحادية و العشرين من عمرها حين سجلت هذا الاعتراف، بصفاء ذهني لا يضاهى، وألق لغوي فريد. ففي صيف عام 1903، انزوت (وولف) بعيداً عن صخب مدينة لندن، لتذهب في إجازة قضتها بين رحابة، وخضرة الريف  الإنكليزي، لتستمتع بعزلتها، وتقرأ ما يحلو لها.

ربما بلغت قراءتي خلال هذه الأسابيع الثمانية في الريف، ما يفوق ما أقرؤه في ستة أشهر أثناء وجودي في لندن.

في غضون تلك الرحلة الاستجمامية مزدوجة الفائدة، والتي حققت فيها مكسب القراءة والتأمل، وصلت (وولف) إلى اكتشاف السبب الحقيقي الذي يجعلنا نقرأ، بالإضافة إلى ما يمكن للكتب أن تقدمه للروح الإنسانية، وكيف لها أن تمهد لما أسمته (إيريس مردوك): “فرصة للتجرد من الأنانية”، وكيف يمكن للكتب أن تؤدي براعتها المذهلة في كونها تنشأ عن ذهن شخص معين، لتتمكن من الوصول، بهذه الحميمية، إلى آلاف، أو ربما ملايين الأشخاص عبر الزمان والمكان، في عملية تداخل بين مختلف المشاعر، ضمن تجربة تشاركية واسعة.

في الأول من يوليو، كتبت (وولف) في مذكراتها ما يلي:

إضافة إلى الكتابة، فإنني أقرأ الكثير. بيد أن الكتب هي أكثر الأشياء التي أستمتع بها.

في بعض الأحيان، أشعر بأجزاء من دماغي تتسع و تكبر أكثر فاكثر، و كأنها تنبض بدم متجدد، بشكل أسرع من ذي قبل. وليس هنالك شعور أكثر لذة من هذا الشعور. أما حين أقرأ التاريخ، فكل شيء يصبح ,على حين غرة، نابضاً بالحياة. متفرعاً جيئة و ذهاباً، مرتبطاً بكل أشكال الأشياء التي كانت بعيدة في الماضي. وكأنني أشعر، على سبيل المثال، بتأثير (نابليون) على أمسيتنا الهادئة في الحديقة. لأرى كيف ترتبط عقولنا ببعضها البعض، وكيف يمكن لأي عقل متقد أن يحمل التركيبة ذاتها التي كونت عقل (أفلاطون) أو (يوربيديس) إنها عملية تتمة وتطوير لذات الشيء. هو ذلك الفكر المشترك الذي يربط العالم بأسره، فالعالم، في جوهره، ليس سوى فكر.

في وقت لاحق من حياتها، كتبت (وولف) في وصفها الرائع لإدراك معنى أن تكون مبدعاً، ما يلي:

ثمة مثال يكمن خلف كل حالة ضبابية. هذا العالم عبارة عن عمل إبداعي. لا وجود لـ(شكسبير) فنحن الكلمات في أعماله، أو (بيتهوفن) فنحن الألحان في موسيقاه، ولا لإله، فنحن الشيء بعينه.

بعد بلوغها الحادية والعشرين من العمر، تمكنت (فرجينيا) من إدراك آنية هذه اللمحات الجزئية للحقيقة، وكيف يمكن لهذا الشعور بالانتماء الداخلي، أو ذاك الشعور بالكينونة، أن ينزلق من بين أيدينا. تكمل (وولف) تدوين ذات المذكرات التي كتبتها في عام 1903 بلفتة رشيقة من إدراكها أن “العالم بأسره ليس سوى فكر” إلى ذاك الهروب المألوف للمعنى، حينما  تجتاحنا تلك الحالة الضبابية لتحيلنا غرباء، مرة أخرى:

ثم أقرأ قصيدة تقول “ذات الشيء يتكرر”. لأشعر أنني تمكنت من القبض على المعنى الجوهري للعالم، و كأن كل هؤلاء الشعراء والمؤرخين والفلاسفة يتبعون طرقاً تتفرع عن ذاك المركز، حيث أقف. ليعتريني بعض الاضطراب بعدها، فيؤول كل شيء للخطأ من جديد.

وبعد أكثر من عقد من الزمن، كررت (وولف) وجهة النظر ذاتها، في واحدة من مقالاتها الاستثنائية التي كتبتها في غضون عملها كناقدة في الملحق الأدبي لصحيفة التايمز البريطانية، والتي تم جمعها، مؤخراً , في كتاب  تحت عنوان (نبوغ و حبر؛ مقالات  للكاتبة (فرجينيا وولف) حول كيفية القراءة) هذا الكتاب الذي كنت سأدرجه، بكل شغف، ضمن قائمة كتبي المفضلة لهذا العالم، لو كنت من أولئك الذين يفضلون إعادة قراءة الروائع الأدبية المحببة إلى قلوبهم.

كما هو حال الشاعرة البولندية الحائزة على جائزة نوبل للأدب (فيسوانا شيمبورسكا) التي اتسم نقدها التأملي بكونه يوظف الكتب كنقطة انطلاق لتأملات سامية حول الفن والحياة، أكثر من كونها نماذج للمراجعة أو النقد، تعامل (وولف) كل كتاب تقوم بمراجعته كحجرة سقطت من جيب معطفها في نهر الحياة [*]. حيث تقوم برصد الصيغة الأساسية للعمل، ومن ثم تراقب حلقات الإدراك التي تتنامى وتترقرق في نهر الوعي . في أولى مقالاتها من تلك السلسلة التي تناولت فيها روايات الكاتبة (تشارلوت برونتي)، تبنت (وولف) وجهة نظر عميقة حول نشأة الروائع الأدبية، والذي نعاود الرجوع إليه مراراً، وتكراراً :

ثمة ميزة تتشارك بامتلاكها كافة الأعمال الأدبية الحقيقية. ففي كل قراءة لها، يلاحظ القارئ تغييرات طفيفة. كما لو أن نسغ الحياة يجري في أوراقها. أو أنها تمتلك، كما هو حال السماء و النباتات، القدرة على تغيير شكلها ولونها بين فصل و آخر. إن تدوين انطباع القارئ حول مسرحية (هاملت) بعد قراءتها في كل عام، من شأنه أن يصبح أشبه بسيرة افتراضية لكاتبها. فكلما ازدادت معرفتنا للحياة، كان لدى (شكسبير) تعقيباُ على ما عرفناه.


[المصدر]

[*] يقصد بها الإشارة إلى حادثة انتحار (فرجينيا وولف)، حيث ملأت جيوب معطفها بالحجارة وألقت بنفسها في نهر أوز.

غسق العبقري

 

لوك فيري

لوك فيري، فيلسوف فرنسي، من مواليد 1952. شغل منصب وزير التربية والتعليم في فرنسا ما بين 2002 و2004. هو واحد من الفلاسفة الفرنسيين الجدد، الذين أحدثوا تحولا عميقا في الأوساط الفلسفية السائدة، برموزها المعروفة أمثال (جاك دريدا) و(جاك لاكان) و(جيل دولوز) و(ميشال فوكو) وغيرهم، لاعتقادهم أنّ الفلسفة ضلت الطريق بتوغلها في مباحث فكرية ومعرفية عويصة ومعقدة لا يفهمها إلا خاصّة الخاصّة.

في مقالة كتبها (فيري)، حملت عنوان “Le crèpuscule d’un Gènie” أو “غسق العبقري”، ونُشرت في مجلة (LE Point) الفرنسية عام ٢٠١٧، ننقلها إليكم بترجمة حصرية لدى ساقية. يقول (فيري) في مقالته:

منذ ما يقارب الأربعين سنة، أزمعت على ترجمة أعمال (كانط) الكاملة والتعليق عليها في دار Plèiade للنشر. كنت حينها أدافع عن ما أسميه اليوم  “الإنسانوي الأول” أو بعبارة أخرى “الإنسانوي الجمهوري وريث الأنوار”، كما هو رأس الأمر مع (فولتير) و(كانط)، فالثورة الفرنسية وحقوق الإنسان. أستشعر هاهنا أن الحديث عنها قد أغلق مع الفيلسوف الألماني (يورغن هابرماس)، منظورا لكوني لي العديد من اللقاءات المنعشة معه كما لي أيضا اخرى مع (كارل ابل أوتو).

بعيد أن تطورت لم أتوقف البتة، كذات جمهورية دون مواربة على النظر لـ(كانط) بوصفه أكبر فيلسوف لزمن الحداثة. بيد أن ثمة سؤالين حاسمين يندفعان بقوة في ركن الإنشاءات الجميلة لفكرة الجمهورية و التي قد اكون  أخذتها بالنسبة لي.

السؤال الأول يسير في طرحه صعب في حله:

– لماذا يدافع هذا الأنسانوي الأول عن حقوق الإنسان حيث يمكن بكل يسر تحويل وجهتها و استغلالها كعنصرية للأنظمة الكليانية يمينا او يسارا عند (توكيفيل) أو (جول فيري

– ضمن أية ثورة على الحياة الخاصة؛ الزواج الحب والعائلة، سيهتز تاريخ الإنسانية بما فيه أيضا الجسم السياسي والمنظور الروحي وليس ببساطة الأخلاقي منظورا لفعل يظهر مع الإنسانوي الثاني الذي ليس عنده فقط الأنوار بل حقوق العقل، جمهورية العلوم لكن أيضا يأخذ يدافع عن سرديته خارج الأديان. السؤال ههنا منسوب لشكلنة معنى الحياة؟

منظورا من جهة لكون الكتابة العنصرية الكليانية طافحة في كتابات (كانط) عن العرق، بوضوح كانت فيه بمثابة الفكرة الرئيسية والمحركة لفكرة الجمهورية المباشرة.

حيث لم تكن تنازلا نادرا فقط في ذلك الزمن. بل نتيجة للمبدأ الأشد ترسخا في انكشاف الفروق بين الإنسان والحيوان. فهل قدت الحرية منتزعة من الطبيعة إلى غاية دخولها في منطق الإبتكارات والتاريخ؟ والدليل على ذلك القول هو أن الإنسانية هي النوع الحي الوحيد الذي ما فتأ ينتج تحولات ثقافية وسياسية متظاهرة دوما بشكل جيد عن بقية السوائم وذلك تارة بالتعليم، اللغة، الحياة الاجتماعية إضافة إلى بقية أقرانها.

هذا في كله بعيد أيما بعد في أن يظهر في جنس الحيوان، فيما أبعد في تاريخ مدنه الكبرى و مدارسه و متاحفه ومكتباته. هاهنا أي قول يريد أن يفسخ الفرق بين الإنسان و الحيوان بأي ثمن هو مطالب مسبقا بامتلاك أسباب أخرى لذلك الأمر.

بالنسبة لـ(كانط) كما هو الأمر بالنسبة لـ(روسو)، مرد ذلك أننا مسيرون بالغريزة الطبيعية التي تخبرها أيضا الحيوانات في أفعالها في كل مرة؛ مثلا الغيلم حديث الخروج من البيضة يتجه مباشرة نحو المحيط حال دون توجيه أو حماية من أمه معتمدا على نفسه في المشي أو الزحف، فيحين يقبع ضغير النوع البشري خمسة و عشرين سنة عن طيب خاطر في المنزل وهو نفس الامر تقريبا عند الأنواع الأخرى في حين لا يمكن التعرف علم مدننا من عصر لأخر، مثلما هو الأمر بالنسبة لتلال النمل الأبيض أو بقاء النحل على شاكلته من في ألاف خيوطه. إن الطبيعة تتقدم غير ممزوجة بالتاريخ.

من وجهة النظر التي تؤسس فكرة الجمهورية؛ إن الحرية والتاريخانية هما اللذين يشكلان معا الخاصية الإنسانية. لكن الإشكال الذي يطرح هاهنا من قبل المجتمع الذي يقول هاته بدائية في العالم الغربي، إن الحرية والتاريخ هما بإيجاز قابلية استيعاب الابتكارات والإنشاءات المفتوحة التي تستوعب الخاصة الإنسانية.

  • كيف لايريد الجمهوري الكلاسيكي التعاقد مع القبائل البدائية معتبرا إياها أقرب لعالم الحيوان، لما كانت الإنسانية الأوروبية نتيجة محضة لعصر الأنوار؟

  • كيف نفهم تنظيم الجماعات الأولى لإبتكارتها، وحفاظها على أعرافها في الماضي؟

  • على أي نحو سنفهم التنكر لمصالح الجماعات الحديثة للأعراف و التقاليد القديمة؟

إذن مثلما قال رئيس الجمهورية  الفرنسية سنة 2000: “إن الإنسان الإفريقي لم يدخل التاريخ بعد ….! على هذا النحو لماذا لا نعتبر هذا العنوان المؤقت كما لو أنه وجود ما تحت –إنساني .. أو وجود في الحيوان؟”

نحن نستشعر اليوم بعد فهم الأسباب العميقة، أن هاته الإنسانية ليست بعد لنا. إنما العنصرية الكليانية التي تنتمي إلى هذا العالم المتطور أنها أصبحت هي نفسها كريهة أمام أعيننا ..!

  • فمالذي حدث بين دفتي القرن الثامن عشر ونهاية القرن العشرين للجمهوري الأول الذي يبدو على أقل تقدير بعيد عنا في هاته النقطة. لنعيشها أكثر مثلما الأمر لـ(كلود ليفي ستراوس) و(كانط) و(توكوفيل) أو حتى مع (جول فيري)؟

للإجابة ثمة ثلاثة وقائع كبرى تكفي فقط لنثيرها، أولا العالم الثوري الذي نعرفه لجماهير كليانية، ولادة المقاومة –الضد الإمبريالية وأخذ حركة المقاومة بعيد الحرب العالمية الثانية.

ثانيا في تاريخ الأفكار وأيضا في وعينا ما زالت الكليانية تعمل مقترنة مع ما يمكن الإصطلاح بتسميته بالنظرة الأنطولوجية (بكسر النون). لنقول بعبارة رشيقة؛ أنّ فكرة المجتمعات التقليدية ليست بالضرورة بدائية، أو مجتمعات ماتحت التقدم أو حتى رجعية في معيار الكوخ الغربي.

لكن هاته المجتمعات منظمة حول الماضي بإحترام لأعرافها وقوانينها وسلم قيمها المتوارثة، المتنقلة عبر قنوات الماضي بما فيها أسلافها  وألهتها. إذن تبين ههنا أنها بنائية بالجوهر وليست هشة ثقافيا أو أخلاقيا باعتبار أن المجتمعات التقليدية ترفض الابتكار وتخير استجلاب الأعراف خطأ من الماضي فقط.

جماع القول، يظهر من ثمة أن الإنسانوي الثاني موصول بما يمكن أن أسميه ثورة الحب. أي اختراع العائلة والزاوج الثابت والاختياري. هي إذن واقعة متفوقة وعاطفية من القرون الوسطى استبدلت من الأساس نظرتنا للمقدس، المقدس ليس الديني إطلاقا لكن بوجه عام هو الذي نعرفه بوصفه التضحية والتدنيس من أجل ذلك نموت ونقتل. ضمن ذلك التاريخ بما يتخلله من حروب نعثر على ثلاثة أسباب: الرب بوصفه منطقة الثورة، ثم الإنسانوي البعيد عنا والكانطية التي نحن بعيدون عنها على أي نحو كان حجمها لأنه ليس فقط واجبا بل جليل وحسن حب المقدس الذي نزل إلى الأرض وإمتزج في أمشاج الإنسانية. هو التعالي في التحايث الذي لم يجد بعد زمنا أو فصلا للعظيم صاحب النقود الثلاثة.


قائمة المصطلحات:

١. الكليانية: مفهوم مستعمل من أجل تعريف الدولة التي تحاول فرض سيطرتها على كافة جوانب الحياة الشخصية والعامة قدر إمكانها في إطار محيطها الضيق، او تسعى لفرض هاته الصيغة من الحكم و إسقاطها على بلدان أخرى تستنزف هياكلها وتمارس عليها نوعا من الإسقاط الممنهج يدمر عمق  البلد المستعمر ويسطو على مختلف جوانب حياته.

٢. الإنسانوية: إسم ظهر في نهاية القرن السادس عشر.خلال الحركة الثقافية لعصر النهضة، ويقصد بها دراسة الكتاب الإغريق –الاتينين باعتبارهم مصدر الثقافة الإنسانية، ثم لتمتد هاته التغطية لتشمل كل الأفكار الأولى للعبقريات التي تطرح على نحو كوني.

٣. الكانطية: هي الفلسفة النقدية التي تتوسل طريقة الفيلسوف (كانط) من أجل دراسة شروط المعرفة الممكنة والإنتقال منه لتأسيس نسق كامل يرتكز على فكرة حاسمة فقط، كأن تقول مثلا أن النقد هو أساس المعرفة وتسحب هاته الفكرة الناظمة على كل النظم العلمية الأخرى.

قائمة الأعلام:

١. إيمانيول كانط (1724-1804) فيلسوف ألماني أسس نسقه العقلاني منذ سنة 1770. حين كانت أطلال الميتافيزيقا تقرض العقل البشري وهو متعال عن ما حوله و هاته الإمكانات المعرفية، كانت مناسبة لرصد حدودها في كتاب (نقد العقل المحض) [1781] يبين أن المعرفة تتعاون مع الحساسية وذلك من اجل إنتاج ظواهر الذهن وتنظيمها لإكتشاف قانون الطبيعة، من ثمة تنسحب منهجيا المعرفة المحضة أي المعرفة الميتافيزيقة. يليه كتاب (نقد العقل العملي) [1788] وهو امتحان مباشر يختبر الظروف الممكنة للاخلاق الإنسانية ومعنى الواجب الذي صاغه (كانط) ويظهر ضمنه أن أفكار مثل خلود النفس وحرية الإنسان والله هي ضرورات لتماسك العقل العملي واعتبارها مسلمات أولية. في النهاية ألف كتابه (نقد ملكة الحكم) [1790] حيث يكشف ضمن هذا الكتاب أن الإنسان كما هو الجميل غائية من دون غاية لا يمكن إدراكها وهي التي تجمع كل العناصر المتنافرة في لية جديدة في عمل فني.

٢. جان جاك روسو (1712-1778) فيلسوف وكاتب من جينيف عاين الأنوار، له العديد من الإسهامات منها في خطاب في (أصل الاتفاوت بين البشر) [1754] يبين فيه أن الإنسان يبلور إنطلاقا من تاريخه أن الامساواة تنطلق في بدايتها فيزيائية.وطبيعية ثم تصير فيما بعد لامساواة إتفاقية منظورا للإستبداد السياسي. ثم كتاب (العقد الإجتماعي) و(إميل) في التربية [1762] يفترض فيه علاج مكمل لتعاطي مع فكرة الحرية المدنية الذي يضمنه القانون من خلال الإرادة العامة و الكتاب الثاني يقدم فيه تعليما قادرا على تكوين مواطن حر.

٣. فرانسوا ماريه فولتير (1694-1778) فيلسوف وكاتب فرنسي، اشتهر بطريقته في الكتابة وإلتزاماته السياسية في عصر الأنور. خاض صراعا طويلا من أجل فكرة التسامح كما أسس للشكوكية في مذهبه التي نعثر عليها مثلا في نقده للأنساق الميتافيزيقية. مثل سخريته من النسق الميتافيزيقي في روايته (كانديد) [1759]. شجع مع (لوك) و(نيوتن) في الدفاع عن التفكير التجريبي كشرط اولي للمعرفة بالعالم.

٤. ألكسيس توكفيل (1805-1859) رجل سياسة و مؤرخ فرنسي من كتبه (تحليل الديمقراطية الأمريكية) [1835]، وكتاب أخر تحت عنوان (نظم الحكم والثورة)  ..كان ليبراليا مستقلا يشكك في فكرة التبادل الحر والإستعمار بل ثورة [1848].

٥. جول فيري (1832-1893) محام ورجل سياسة فرنسي.