أسباب الإحباطات العربية عند حليم بركات

حليم بركات

دكتور حليم بركات (مواليد 1933)، هو عالم إجتماع و روائى سورى ، له العديد من المقالات و الدراسات المنشورة القيمة و فى دراسة بعنوان ” الاغتراب في الثقافة العربية: متاهات الإنسان بين الحلم والواقع  ” يتحدث الكاتب عن أهم مصادر الإحباطات العربية فى وجهة نظره فيقول:

 اكتشفنا من خلال تحليلاتنا فى مختلف أجزاء هذا الكتاب أن بين أهم مصادر الإحباطات العربية عدم التمكن من العمل الفريقى فى حل المشكلات المستعصية ، فإن الكثير من التغيير الذى حدث بسرعة مذهلة طيلة القرن العشرين تم لنا من دون مساهمة فعّالة من قِبلنا حتى أصبحنا نحسّ و كأننا لا نملك نقاط ثبات نرتكز عليها ، و أن أقدامنا لا تطأ أرض صلبة ، بل على العكس ، ، ظلت الأوضاع الأساسية الأخرى – و بخاصة على صعيد المؤسسات و قيام الحركات الإجتماعية – على حالها تقاوم ما نبتغيه من تغيير جذرى . و قد ساءت بعض الأحوال ختى تكونّن تيار قوى ينشغل بإستعادة الماضى أكثر من إهتمامه بشؤون الحاضر و إنشغاله بصنع المستقبل . إذاً ، كثيراً ما حصل التغيير من دون أن يكون لنا دور جوهرى فى التخطي له و صنعه ، فاجتاحتنا الأحداث حيث و حين لم نتوقعها كما لو كانت طوفاناً ، و كادت حياتنا تتحول إلى كفاح بائس ضمن حدود ضيقة يصعب تجاوزها . و لأن التغيير حصل لنا أكثر مما شاركنا في صنعه ، تراكمت حولنا و فى صلب حياتنا التحديات و التناقضات و المعضلات دون حلول ، و أسوأ من هذا كله أنه أصبح يُعتبر من المثالى أن نفكر بمشروع مستقبلى .

و عن سحق القدرات الإبداعية للمواطنين العرب بواسطة قمع ممنهج يقول

أظهرنا فى مختلف أجزاء هذا الكتاب و كررنا القول أن واقع المجتمع العربى السائد واقع مُغّرب يحيل الشعب – و بخاصة طبقاته و فئاته المحرومة و المرأة – إلى كائنات عاجزة لا تقوى على مواجهة تحديات العصر ، و هذا فى رأينا من بين أهم مصادر الإخفاقات العربية و الحد من القدرة على التغيير التجاوزى . إن الشعب – كما نميزه من الطبقات الحاكمة – عاجز فى علاقاته بالدولة و الأحزاب و المؤسسات العائلية و الدينية و الإقتصادية و الإجتماعية و الثقافية ، إذ تسيطر هى على حياته ولا يسيطر هو عليها ، فيعمل فى خدمتها و لا تعمل فى خدمته ، و يجد نفسه مضطراً إلى التكيُّف مع واقعه بدلا من العمل على تغييره ، و إلى الإمتثال للسلطات المهيمنة على حياته بدلاً من إتخاذ المبادرات و الجرأة على التفرد و الإبداع . و لهذا يعيش الشعب كابوساً لا حلماً . إنه محاصر و دائرة الحصار تضيق بإستمرار ، فيضطر يائساً إلى الإنشغال بتدبير شؤونه الخاصة و تحسين أوضاعه المعيشية المادية لا إلانسانية . لقد سلبته هذه المؤسسات حقوقه و حرياته فى السيطرة على إنتاجه فى مختلف الحقول ، بل وظّفتها فى تهميشه و إفقاره و سحق قدراته الإبداعية .

و عن الخيارات المطروحة أمام الواطن العربى للخلاص من مثل هذه الإخفاقات

إن الخيارات المطروحة أمام الشعب قليلة و محدودة ، فالحصار المضروب على الشعب مزدوج داخليا و خارجياً . جرب أكثر ما جرب الإنسحاب و الهروب من واقعه ، فأدرك بعقله و إحساسه و حدسه أن الهرب لا يفيد ، و قد يكون غير ممكن فى بعض الحالات . كذلك جرب التمرد الفردى و لجأ إلى الإغتيالات و مساندة الإنقلابات العسكرية دون جدوى . و قد نتج من كل هذه التجارب مزيد من الإحساس المرير بالعجز و الغرق فى التخلف . و يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً من أى سؤال آخر فى الحياة العربية المعاصرة خلا ما يزيد على قرن من الزمن : ما العمل ؟