فقه الأخلاق

أسرار خفية خلف عبقرية ابن خلدون

يحدثنا  (ابن خلدون) عن مقدمته فيقول:

فأقمت بها [أي: قلعة ابن سلامة] أربعة أعوام متخليًا عن الشواغل وشرعت في تأليف هذا الكتاب وأنا مقيم بها وأكملت المقدمة على هذا النحو الغريب الذي اهتديت إليه في تلك الخلوة، فسالت فيه فيها شآبيب الكلام والمعاني والفكر، حتى امتخضت زبدتها وتألفت نتائجها.

وعلى ضوء هذه المقدمة من المؤلف نفسه يمكننا وبشكل خاطف وموجز من التقاط بأطراف أقوى الأسرار الخفية التي حركت كوامن العبقرية في نفس وعقل (ابن خلدون):

أولًا: خوضه غمار السياسة

و ما ناله منها على وجه شخصي، من انقلابات وتعنيف وثورات وتنقل بين الحال وضدّه؛ كبين الرفعة والذل وبين النصر والخيبة، ولذا فإن تفاعله المباشر مع مجموعة تلك التجارب والمغامرات والتقلبات أنضجت فكره وصقلت عقله وضاعفت من قوة بصيرته الخارقة وحِدّة نظرته الناقدة، نظر بعين قلبه ورأسه إلى سقوط عروش، وفلول دول، وتقلّب كراسي وولادة أمارات وسطوع نجوم جديدة، ونشأة ممالك، ونجاح مؤامرات وفشل ثورات، لقد تعلم (ابن خلدون) من مخالطته بلاط السلاطين لغة الدبلوماسية وبهذا سلم في مقدمته من سوء فهم العوام ومن إثارة ارتياب الغيورين على الدين.

  ولم يتعرف من خلالها على السنن الحاكمة على حركة التاريخ الظاهرة الذي لا يثبت على حال، ولا يؤتمن غدره وسرعة تقلبه، بل وأدرك أن الذي يقف خلف ذلك تأثير فاعل من مجموع النفس البشرية لضعفها وسرعة تقلبها وسعيها المستعر لنيل ما يعلي مقامها والذي لا يقف عند تجميع واكتناز الثروات، بل يتعداه إلى التنازع للحظوظ من الأمارات والسلطات، وأدرك اختلاف طبائع الناس وتأثير النشأة والبيئة وحتى الهواء على مزاجها وانفعالها ومستوى نجابتها، ومما لم يسبق إليه أحد أنه أدرك من الكليات أن قوانين الاجتماع الإنساني محكومة بظواهر تشبه القوانين المسيرة لقوانين الكون، هذا وغيره لم يكن ليجتمع في ذخيرة عقل (ابن خلدون) لولا اتساع مساحة نظره ولكثرة ما يُنقل إليه من أخبار الأعيان، وأحوال الرعاع، بحكم مسؤولياته وإبان تقلبه في المناصب الوزارية وحضوره بلاط الأمراء والسلاطين. 

ثانيًا: خلوته في قلعة (ابن سلامة)

يسمي “ساطع الحصري“؛ هذه الحالة التي انتابت (ابن خلدون) بعدة تسميات “التدفق الفجائي” و”الحدس الباطني” و”الاختمار الشعوري” [1] .

 وهذا -كما نعرفه- هو السر وراء كثير من الابتكارات والاكتشافات. وقد شهد بتغير (ابن خلدون) بعد عزلته كل من تتبع سيرته؛ إذ دخل فيها بوجهٍ وخرج منها بوجه آخر؛ اختار العزلة بعد أن ترك السياسة مرغمًا، و لكنه خرج منها وهو ماقتًا لها فهذه الحالة الرفيعة من السمو النفسي والوعي الفكري والسلام الروحي لم تكن من مكتسبات الخلوة فحسب، بل رافقها شعور قوي وغريب يتمثل في  نفور نفسي وضجر عقلي من العودة إلى غِمار السياسة التي كان يعشقها سابقًا ويتقرب إلى رجالاتها، ويسمح لنفسه بالزج في أتون صراعاتها. حدث هذا التغيير والتحول بعد أن ذاق حلاوة التأمل واتساع النظر ولذة تقليب الفكر ونشوة تتبع الأفكار المتناثرة والأسباب المتشابكة ونظمها في مغزل واحد.

ثالثًا: اجتيازه مراحل الاغتراب

إن تنوع خبرات (ابن خلدون) ما بين عالم السياسة والجاه والأسفار إلى عالم الخلوة والسكون مع العلم والفكر، ينمان عن شخصية آمنت بنفسها، واحترمت اختياراتها في الحياة، وأشبعت احتياجاتها، ولم تدس أو تطمر دافعًا من نزعاتها؛ و لكن بعدما ذاق (ابن خلدون) الحالتين فقد آثر لذة الخلوة مع النفس، وحضور الفكر ولذة الروح على غربة العقل ومتاع الجسد .

 ويستعير (علي الوردي)[2] مصطلح “الرجل الحدي” عن Marginal Man في توافقه مع حالة (ابن خلدون) ويراد به هو ذلك الذي يوقعه القدر بين مجتمعين أو ثقافتين متضادين، وبهذا يكون ذهنه كالبوتقة التي تنصهر فيها الثقافات و تمتزج.

 وعن Stonquist the Mrginal Man نقل المراحل التي يتنقل من خلالها:

  • المرحلة الأولى: لا يفطن صاحبها للتناقض الذي يحيط به، شأنه شأن عامة الناس
  • المرحلة الثانية: يبدأ التناقض الاجتماعي والثقافي يسيطر على الرجل. فتنشأ عندئذ في داخله أزمة، وتأخذ القيم التي بداخله بالتفكك
  • المرحلة الثالثة: يحاول أن يوجد السبل للتوفيق بين العوامل المتناقضة في نفسه، وهو قد ينجح في ذلك أو يفشل، وكثيرًا ما يكون الصراع النفسي أقوى مما تحتمله مواهب الرجل فتتفسخ شخصيته من جراء ذلك

فثمة طريقان مفتوحان أمامه إما شخصية متفسخة أو شخصية خلاقة.

ولكن- بعد فضل الله تعالى – فإن متانة أخلاق (ابن خلدون) ورجاحة عقله وعمق تأمله وسِعة تجربته وتنوع ثقافته، وانفتاحه المتزن المدروس على الفلسفة والمنطق وعلوم من سبقوه هذا فضلًا عن نشأته الفاضلة جعلت من (ابن خلدون) عبقرية سبق زمانه والأزمنة التي تلته.


بقلم: هدى مستور

المراجع:

[1] (دراسات عن مقدمة ابن خلدون) 135 ص 

[2] منطق ابن خلدون ص 180

زر الذهاب إلى الأعلى