أقديس أنت أم إرهابي؟ قراءة في قصة هابيل وقابيل

{واتْل عليْهمْ نبأ ابْنيْ آدم بالْحقّ إذْ قرّبا قرْباناً فتقبّل منْ أحدهما ولمْ يتقبّلْ منْ الآخر قال لأقْتلنّك قال إنّما يتقبّل اللّه منْ الْمتّقين، لئنْ بسطت إليّ يدك لتقْتلني ما أنا بباسطٍ يدي إليْك لأقْتلك إنّي أخاف اللّه ربّ الْعالمين، إنّي أريد أنْ تبوء بإثْمي وإثْمك فتكون منْ أصْحاب النّار وذلك جزاء الظّالمين. فطوّعتْ له نفْسه قتْل أخيه فقتله فأصْبح منْ الْخاسرين. فبعث اللّه غراباً يبْحث في الأرْض ليريه كيْف يواري سوْأة أخيه قال يا ويْلتا أعجزْت أنْ أكون مثْل هذا الْغراب فأواري سوْأة أخي فأصْبح منْ النّادمين} – المائدة.

 نتلقى القصة و نقف عند حدود ما جاء في النص الثابت المحفوظ. 

تعود بنا الآيات، إلى زمن سحيق و موغل في القدم، الى أول تجربة بشرية ما سُجلت في كافة الكتب المقدسة، إلا لكونها، ذات شأن ، حدثت بعدما كونا (آدم) و زوجه أسرة بعد خروجهما من الجنة و هبوطهما إلى كوكب الأرض. أشقاء من بني آدم، تحرك في نفس أحدهما (قابيل) نوازع نارية، ظاهرها الحسد و باطنها الخوف من فوات حظ، فاستجابت نفسه، لدوافع الشر، و نازع شقيقه في نصيبه و حقه، مهدداً إياه بالإكراه و الاعتداء على حقه الطبيعي في الحياة، في حين أن (هابيل) حافظ على رباطة جأشه، و اتزان موقفه، حين صان أعظم قيمة وجودية و هي “حق الحياة” بدافع من خشية الله و تعظيمه. و أمام وطأة الشعور بالخيبة و الخسارة، أصبح (قابيل) يتخبط في ندمه، و قد أسقط في يده حين لم يجد ملاذًا لإخفاء جريمته المتمثلة في جسد أخيه المسجى، شاءت الإرادة الإلهية أن يلقنه وسلالته من بعده دورسًا بليغة لا يعقلها كل أحد، بداية بعدم العثور على طريقة ناجعة، لإخفاء معالم الجريمة النكراء، ومواراة المادة الطينية، بعدما فارقتها طاقة الحياة،  إذ يرسل الله مُعلمًا على هيئة طائرِ ملهم، ليتحول شعور الحسد المرير، إلى شعور قارص بندم يفوق مرارة، بعد ان أدرك ضآلة قدره، و مغبة عاقبته.

  اللافت ان أول جريمة وقعت على كوكب الأرض، لم تكن بين حزبين متنافرين أو قبيلتين متنافستين، بل كانت بين أشقاء، يجمعهم الأصل و المنبت و الغريزة و الفطرة ، الأمر الذي يجعل التعويل على روابط القربى ووشائج  النسب و جذور القبيلة، أمرًا مربكًا و غير مجدي في كل الأحوال. 

 و باعتبار أن قرابين البشر تتفاوت في موازين الرب؛ فالله يعلم السر و أخفى، و إنما يتقبل الله من المتقين، ولأن جذبة الأرض لا تجتمع مع لمعة السماء، و ثقل الطين، لا ينسجم مع خفة الروح، هذا كله و غيره، قد يحول حبل التواصل الى مدِية للتقاطع، و العلاقة إلى معركة، و الحوار إلى صراع.

 إن الغاية التي لأجلها بدأ تاريخ الصراع البشري، هي في حقيقتها مجرد مبدأ وحشي، و هدف بدائي، ومحض عبث و زيف و إدعاء. إذ أن هذه التجربة، تلقننا درسًا لاذعًا في أنه ليست كل المعارك التي يخوضها الإنسان مجدية، مالم تكن بقصد المدافعة، و كف الإيذاء، و منع الاعتداء. و إلا فإن الإنسان هو من يختار الصراع و يفتعل الحروب ضارباً بالحائط، جميع القيم النبيلة و التعاليم المقدسة.

وأن التاريخ و أن سطره الأقوياء، فإن الحق سيسطع نوره يوماً، إذ منذ ذلك الحين، فقد التصقت جريمة (قابيل) باسمه، كما عد (هابيل) أسطورة إنسانية للنبل والبراءة والنزاهة والثبات و التقوى إلى يوم الدين.

وسلالة الناس من بعده، منهم من اتخذ مسالكاً -قرباً و بعداً- تحاكي موقف هابيل في جميل سجاياه، وفي تطلعاته الروحية وقيمه الربانية، واختياره السامي (ما أنا بباسط يدي لأقتلك) ومنهم من قارب أو شابه المعتدي (قابيل)، في استجابته لنزعات السوء، و سذاجة تصديقه لتبريرات الشر ومسوغاته.

(هابيل) و(قابيل)، القديس والإرهابي، يمثلان قطبين متناقضين يسودان العالم: عالم الحب و البراءة والطهر، وعالم الكراهية والشر والخبث، فسطاط النور والفضيلة وفسطاط الظلام والرذيلة، معسكر الحرية والسمو و معسكر العبودية، والانحطاط.

وبينهما برزخ قائم، من يقف بين هذين الصفين، هو في حقيقته منحازًا لأحدهما، فمن يرى الغاشم وهو يشهر مطواته ليخترق حياة أخيه، أو ليسلبه حقه، في مال أو منصب أو نحوه، دون أن ينبس بشفة، هو يشارك الجاني في التلطخ ببعض من دنسه، إلا أنه يفترق عنه، في تهوره و حماقته.

وقس على ذلك، ويلحق به، من يستغل الوضع القائم على الصراعات و المقاومة، بين الظالم الباغي والمظلوم المسلوب، مستعيرًا جياد الرسول الأمين، متظاهرًا بالبطولة الزائفة، ولكن عبر جلد الضحية، واتهامها بالتفريط في حقها، نافضًا عن كاهله أدنى شعور بالتعاطف مع الضحية، و متخلصًا من مرارة الشعور بتأنيب الضمير. 

وفي خضم الصراعات القائمة، والفتن المشتعلة، هناك فريق يجيد فن الاصطياد في الماء العكر؛ باستثمار القضايا الشائكة لصالحه، حين يزايد على الموقف، منتهزًا اختلاط الأمر، وتشابك الخيوط، راميًا لغنيمة باردة، كعلو كعبه وسيادة أمره وخلود ذكره إلخ.

   ومن ينفي نظريات المؤامرات، ويتهكم بمن يعتقد بها، هو في الحقيقة، ليس حالمًا فحسب، بل يشطب على شطر من العالم و يتنكر لجزء من الذات.

إذ من الغرابة، أن هذين العالمين بتناقضاتهما وإن بدا للعيان أنهما لا يتعديان الصورة الخارجية المحسوسة، إلا أنهما في الحقيقة، يجتمعان في أعماق الإنسان نفسه، و لذا فإن عبقرية الإنسان الروحية، ونبوغه العقلي، و اتزانه النفسي، حين يصغي لنداء الحب والفضيلة والإيمان بعمقه، هذا كفيل بطرد عتمة الشهوة، و كبرياء الشبهة، ووهم الضحية، وفوق ذلك حفظ التناغم بين الشقين المتصارعين بعمقه. 

ويبقى السؤال الوجودي القديم ملحًا و حاضرًا،  ومن الحكمة طرحه قبل فوات وقته: متى يكون الإنسان إنسانًا؟ وإن لم يكن (هابيل) خالصًا، فلِم -على الأقل- لا يختار أن يصطف إلى جانبه؟!

بقلم: (هدى مستور)