أودري لورد: الشعر ليس ترفاً.

51_PORT_1

أودري جيرالدين لورد (1934-1992)، كاتبة أميريكية كاريبية، شاعرة وناشطة. معاصرة لمثيلاتها من الشاعرات النسويات (سيلفيا بلاث) و(أدريانا ريتش) اللاتي كنّ يسعين نحو تغيير تقاليد النثر والشعر لأن تكون كسيرة ذاتية أكثر، كانت (لورد) جامعةً الأنواع كلها، كانت الحياة بالنسبة لها نصاً فصار كل شيئ أشبه بالسيرة الذاتية فعلاً.

ركزت (لورد) في قضاياها على الإختلاف بين جماعات النساء وبين الأفراد كذلك، كما قالت مرة: أنا أُعرّف بكل جماعة كنت جزءًا فيها، كما عرّفت عن نفسها “سلسلة متصلة من النساء” و“مهرجانٍ من الأصوات”، قائلة: كل ماهو دخيل علينا، هو في آن الوقت نقطة ضعفٌ وقوة؛ ولكن بدون المجتمع لا تتحقق الحرية، لا مستقبل، فقط هدنة ركيكة ومؤقتة بيني وبين القمعوكما قال عنها النقاد أيضاً، بأن التعددية الثقافية في ذاتها، كانت منعكسة عليها في نصوصها. في حين ان الثقافات الفردية هي كياناتٌ لم تعد منفصلة ومستقله لكنها تنصهر في دوائر أكبر دون أن تفقد أهميتها الفردية. رفْضُ لورد لأن تصنّف إجتماعياً وأدبياً، كان بمثابةِ سمة تميزها كفرد بعيداً جداً عن الصور النمطية.

هنا في هذه المقالة تحت عنوان Poetry is not a Luxury (الشعر ليس ترفًا) التي نُشرت لأول مرة في مجلة Charysails العدد الثالث (١٩٧٧)، ثم جُمعت فيما بعد في كتاب (Sister Outsiderالذي حوى عدداً من مقالاتها وخطاباتها الخالدة. أنقلها لكم بترجمة حصرية.

تتحدث (لورد) الشاعرة النسوية، عن بالغ أهمية الشعر في كونه الكلمة الأعلى والمسموعة للوصول إلى التغيير، في كونه لغة عميقة رقيقة تترجم مطالب حقيقية. تحدثت لورد عن قدرة القصيدة الخارقة، على تسمية أفكارنا وتصنيفها. حاثّة على أن يكون صوت الأفكار عالياً، فلطالما كان صوت (لورد) عالياً، في مواجهة الصمت السائد والقمع.

جودة الضوء الذي نستشف به حيواتنا تنعكس على ثمرة مانعيشه، وعلى جميع التغييرات التي نتمنى استمطارها، من خلال هذه الحيوات، وعبر هذا الضوء الذي نشكّل به أفكارنا، سعياً وراء هذا السحر وتحقيقه. هذا هو ضوء الشعر، الشعر الذي من خلاله نطلق التسميات على تلك الأفكار التي قبل أن تكون قصيدة، لا إسم لها ولا شكل، كانت على وشك الولادة وهاهي تتنفس الآن. استمطار الخبرات هذا الذي يولد الأفكار من ينبوع الشعر الحقيقي، كمفهوم ولادة الحلم، والشعور بولادة الفكرة، وولادة المعرفة التي تسبق الفهم. كما تُعلمنا استيعاب حميمية هذا التبصر واستقراءه، واستخدام ثمرة هذا التبصر للسيطرة على حياتنا، حتى تفقد هذه المخاوف التي تتحكم في حياتنا وتشكّل صمتنا سيطرتها علينا.

الشعر في داخل كل منّا، هنا بداخل مكامن قوتنا التي هي بداية كل التغيير، فقالت (لورد):

نحن معشر النساء، هناك بقعة داكنة تختبئ داخل كل واحدة منا وتنمو حتى تسمو بروحها، قوية جميلة في مواجهة كوابيس الضعف والوهن. هذه القدرات في دواخلنا داكنة ومختبئة، وهاهي تنجو وتكبر لتصبح أقوى عبر الظلام. هذه المكامن العميقة في كل واحدة منا هي مدخَرٌ عظيم من القوة والإبداع، مدخر عظيم من مشاعر وانطباعاتٍ لم تُختبر ولم تُسجل بعد. مكمن القوة في داخل كل واحدة منا ليس أبيضاً ولا طافياً على السطح، بل داكن وعريق وعميقٌ جداً. عندما ننظر للحياة في طابع أوروبي فقط كمشكلة يمكن حلها، فإننا نعتمد فقط على أفكارنا لتحررنا، لذا كان قيماً وثميناً جداً ماقاله لنا الآباء البيض . ولكننا حينما أصبحنا على مقربة شديدة من عراقتنا، هذا الوعي الغير أوروبي للحياة كوضعٍ مجرب تم التفاعل معه؛ فإننا نتعلم أكثر وأكثر كيف نثمّن ونقدر هذه المشاعر حق قدرها، وكيف نحترم مكامن قوانا الداخلية التي من خلالها تكون المعرفة الحقة والأفعال الرنانة. وفي هذا الوقت من الزمان، فإنني أؤمن بأننا النساء نحمل في ذواتنا القدرة على الإلتحام والربط بين هذين الأسلوبين الضروريين للنجاة، وها نحن الآن نقترب من هذا المزيج في قصائدنا.  أنا أتحدث هنا عن الشعر كاستمطارٍ إلهامي للتجارب، لا كمفردة عابثة عقيمة أحياناً، كما شوه الآباء البيض مفردة الشعر لتؤدي بمعناها إلى تغطية يائسة للخيال دون تبصر.

قيمة الشعر الحقيقية، آلية القصيدة في منح التصور الفعلي الصحيح للأشياء:

بالنسبة لنا نحن النساء، فالشعر ليس رفاهية ولا كماليّ، الشعر ضرورة محضة لوجودنا. الشعر يشكل جودة الضوء الموجه نحو آمالنا وطموحاتنا للنجاة والتغيير، لغة ثم فكرة ثم أفعال ملموسة. الشعر هو الوسيلة لتسمية اللامسمى ليكون فكرة. القصيدة هي رتق لآفاق آمالنا ومخاوفنا البعيدة التي نحتتها تجاربنا الصلدة في الحياة اليومية. ها وقد أصبح أمر الإستجلاء الصادق لمشاعرنا متعارفٌ عليه ومقبولٌ، كالأرض الخصبة المحرمة لتَوالُد أكثر الأفكار جرأة وراديكالية؛ أصبحت هذه المشاعر باختلافاتها الملاذ الآمن للتغيير وتصوّر أي عمل هادف. الآن، أستطيع على الأقل تسمية عشرة أفكار قد أجدها مبالغٌ بها أو غير قابلة للنقاش ومريبة، ولكن فقط إن ظهرت بعد حلم أو قصيدة. هذا الأمر ليس خيالاً فاسداً أو فارغاً، بل تنبؤ منضبط وواعٍ إلى المعنى الحقيقي لـنعم، هذا الأمر يناسبني. إننا نستطيع تدريب ذواتنا لتحترم مشاعرنا وتترجمها إلى لغة لتصبح في متناول العالم، وعلى اعتبار أن هذه اللغة لم توجد بعد، فإن هذا هو دور الشعر للمساهمة في رواجها. الشعر ليس فقط أحلاماً ورؤىً، إنه هيكل بناء حياتنا، هو الأساس لمستقبل التغيير، والجسر لعبور مخاوفنا التي لم توجد بعد. سواء كانت قدراتنا لحظية أو أبدية، فليس من السهل الحفاظ على الإعتقاد بفعاليتها. نستطيع أحياناً أن نعمل بجد للبدء بمَدّ جسرٍ للمقاومة الحقيقة في سبيل كل الموتات التي ظننا أننا سنعيشها يوماً. ولكن ما إن يواجه الجسر هذا تهديداً أو قمعاً من قبل فرضيات مفرطة في السخف، كنا قد عايشناها حتى الخوف، أو حتى بسبب الإنسحاب من تلك الاتفاقات التي كنا نُحذّر منها لحفظ سلامتنا.  نرى أنفسنا قلصنا وخففنا من الإتهامات زوراً، في حق الشمولية، القابلية للتغير، والشهوانية.

الاحتياج للتغيير في حياتنا هو محفز القصيدة الأول، ومطوّعٌ لطريق السعي وراء الحرية:

ومن هو صاحب السؤال: هل أراني أغير هالتك؟ أفكارك؟ أحلامك؟ أم أنني محضاً أجرك إلى تلك الأعمال الإنتقالية الفاعلة؟ وبالرغم من أن هذا الأخير لا يعني المهمة بحد ذاتها، فإنه أمر كان ولابد من ظهوره في السياق بسبب الاحتياج للتغيير الحقيقي في كل أساس من أسس حياتنا. “أنا أفكر إذن أنا موجود” كالمرأة السوداء فيما بيننا، تلك الشاعرة التي تهمس في أحلامنا أنا أشعر، إذن أنا حرة”. تجعلنا نوقن بأن الشعر يجمع اللغة للتعبير وتوثيق هذا الاحتياج الثوري، السعي الحفيف وراء الحرية.

على كلٍ، فالخبرات علمتنا بأن الأفعال الحتمية هي ضرورة دائماً. أبناؤنا لن يحلمون إلا إن عاشوا، ولن يعيشوا إلا بالغذاء، ومن يستطيع أن يغذيهم بالطعام الحقيقي الذي لا يجعل أحلامهم باختلافٍ بالغٍ عن أحلامنا؟ ويصيح طفلٌ: إن كنت تريدنا أن نغير العالم يوماً، فإننا يجب أن نعيش كفاية للننضج”.

سطوة مواصلة تخيل أفكار جديدة على الطرق التي نحددها -عبر الشعر- لتجديد أفكارنا الساكنة قديماً في رؤوسنا، تلك الأفكار التي آلمتنا يوماً وعبرتنا وكان الشعر هو بلسمها الوحيد:

أحياناً نكبل أنفسنا بإحلامٍ لأفكار جديدة، وتكون نجاتنا هنا في الرأس، العقل وحده هو من يضمن لنا الحرية، ولكن ليس هنالك أي أفكار جديدة تنتظرنا على جناحٍ من الريح لتنقذنا نحن النساء، نحن البشر. هنالك فقط، أفكار قديمة تناساها الجميع، وبتكوين جديد واستقراء وإدراك من ذواتنا جنباً إلى جنب سننجح في محاولةٍ إظهارها. ويجب علينا تشجيع أنفسنا وبعضنا الآخر في محاولة تجنب هرطقة الأفعال التي تمليها علينا أحلامنا، والكثير من وضاعة أفكارنا القديمة. وفي طليعة تحركنا نحو التغيير، لا يوجد هنالك سوى الشعر كتلميح لاحتمالٍ حقيقي. قصائدنا هي من تعيد تشكيل مضامين ذواتنا، ومانشعره ونخشى جعله حقيقة، مخاوفنا، آمالنا، ورهبتنا الأعز. لم تكن مشاعرنا تهدف للنجاة، عبر أشكال الحياة التي تحددها المعيشة من قبل قوة خفية، والتجريد المؤسسي من الإنسانية، بل تم الحفاظ عليها هنا، في حين إعتقادنا بأنه من غير الممكن تجنب تنامياتها أو نشوة عهودها السابقة، هذه المشاعر التي أعتُقِد بأنها قد تركع للأفكار كما اعتُقِد يوماً بأن تركع النساء للرجال. لكن المرأة تنجو بحياتها، والشاعرة كذلك، فلا آلام جديدة، فقد عبرتنا كلها قبلاً، خبأناها في ذات المكان الذي خبأنا بهِ قوتنا. طفت على سطح أحلامنا، وكانت أحلامنا هي من تضع النقاط على حروف الحرية، هذه الأحلام صارت مفهومة عبر قصائدنا التي تمدنا بالقوة وتشجعنا لنرى، لنشعر، لنتحدث ونتجرأ.

(لورد) تختم هنا بجعل الشعر التزاماً وليس رفاهية، التزاماً تجاه أفكارنا ومستقبل التغيير:

ما نحتاجه لنحلم هو أن نرحل بأرواحنا إلى أعمق نقطة مباشرة نحو الالتزام، الذي لم يكن يوماً رفاهية، ولو استسلمت شرارة قوتنا، فإننا نستسلم عن صنع مستقبل لعالمنا. وإن غابت الأفكار المتجددة، فهنالك طرق جديدة لجعلنا نشعر بها، باختبار هذا الفكرة كيف ستكون شعوراً يُعاش في الساعة السابعة من صباح الأحد، بعد تناول الغداء، وخلال حبٍّ غامر ، نصنع حرباً وولادة، نبعث حياةً في موتانا، بينما نعاني من أشواق قديمة، ونتعارك مع محاذير قديمة ومخاوف من الصمت والعجز والوحدة، بينما نتذوق طعم القوة والإمكانيات الجديدة.