“المقالة ماء الأدب”، كما يقول عمرو منير دهب

 

عمرو منير دهب كاتب سوداني ولد في الخرطوم، كتب بالعديد من الصحف السودانية منذ منتصف التسعينيات متنقلاً من صحيفة الإنقاذ إلى صحيفة الأنباء، ثم جريدة الصحافة وصحيفة الأحداث، وبعدها إلى جريدة السوداني، ثم صحيفة الصيحة.

في مقالة حصرية من الأستاذ (عمرو)، لدى منصة ساقية، حملت عنوان “المقالة ماء الأدب”، يقول الكاتب:

ينطوي تقديرنا لقيمة الماء على مفارقة كبرى نمارس شقّها الشرير كل يوم بضمير مستريح، ففي حين لا نختلف على أنه ليس بوسعنا الاستغناء لبضعة أيام عن الماء الذي جُعل منه كلُّ شيء حيّاً (فضلاً عن دواعي الرفاهية للتمتع بنعيمه كل بضع دقائق)، فإن انتباهنا ينصرف بتقدير أعظم إلى سائر ما هو مشتق من الماء من المشروبات على اختلاف غايات الإنسان منها، وعندما نفطن إلى أننا نجور على الماء في تقديره معنوياً ومادياً – في أعقاب تلذذنا بسواه من العصائر وظمئنا إليه تحديداً – نعود فنتدارك ذلك بإشارة عابرة لتأكيد حاجتنا التي لا تنقطع إلى سبب الحياة الأساس دون أن يدفعنا ذلك إلى الكف عن تبجيل مشتقاته التي لا ننقطع عن ابتداع المزيد منها والدفع بها إلى الأسواق بأثمان مضاعفة مقارنة بما نجود به لقاء قارورة ماء عندما نضطر إلى شراء واحدة منها.

ذلك وجه الشبه الأول بين الماء في الحياة والمقالة في الأدب: الإتاحة للجميع والجحود من قبل الجميع إلا من أفاء الله عليهم بفضله في تقدير مقامات المخلوقات والصنعات البديعة، فأنْ يكون الشيء متاحاً للجميع لا يعني أنه ليس ذا قيمة للجميع، بل العكس هو الصحيح في الغالب. أعز الناس لديك وأنفعهم لك هم الذين يمكثون في مرمى عينيك ولسانك وأحضانك لا أولئك الذين تتطلع إليهم من بعيد وأنت تمنِّي قلبك بنظرة عابرة منهم قد تحظى بها لماماً وقد لا تفعل.

وجه الشبه الآخر ليس بعيداً عن الأول، فالإتاحة للجميع مترافقة مع سهولة التعاطي/التداول، وسوى بمعايير تقدير النجوم الزائفة من أي سماء، فإن تلك السهولة هي مكمن قوةٍ وباعث اكتساحٍ لكلا الماء والمقالة على صعيدَي الحياة والأدب كلٍّ فيما يخصّه. أجناس الأدب كالقصة والشعر والرواية جميلة بحق،لكنها لن تغني متلقِّياً – أو مبدعاً من قبل – عن تعاطي المقالة التي لا تعدم بطبيعة الحال جمالَها الحق أيضاً.

ومثلما أن أيّ عصير مهما يبلغ من العذوبة والندرة المغرية لن يغني شارباً عن الماء، فإن سائر أجناس الأدب مهما تزعم من الفرادة واللذاذة الخاصة ليس في وسعها أن تغني القرّاء عن تعاطي المقالة حتى إذا كان أغلب أولئك القراء ينظر إلى جنس المقالة الأدبي نظرَ المسلّم بوجوده التلقائي في سوح الكتابة بما لا يحتاج إلى انتباه أو تنويه أو إشادة.

وكما أنه لا يمكن صنع أي عصير إلا من الماء مكوِّناً أساساً للمشروب المنتظَر على اختلاف أذواق المحبين، فإنني لن أتردّد في وصف المقالة بالمكوِّن الأساس الذي تُفترَع منه سائرُ أجناس الأدب إذا كان لا غضاضة من تحليلكل جنس أدبي إلى عناصره الأولية. وهكذا فإنه بإضافة مقادير متراوحة من البلاغة (بصفة عامة) وبعض الموسيقى والحبكة والخيال إلى المقالة نحصل على الشعر والقصة والرواية. وغنيّ عن القول – سوى من باب التأكيد لما عرضنا له في مقامات منصرمة – أن المقالة نفسها لا تنقصها موسيقاها ولا حبكاتها ولا خيالاتها إذا نهض بأمرها من الكتّاب مَن يهمّه تبديدُ أوهام الكتابة الأدبية التي تجعل هذه الأداة التعبيرية حكراً على هذا الجنس الأدبي وتلك اللغة أو هذا الأسلوب حكراً على ذلك الصنف من الكتابة.

هكذا تبدو حياة الأدب كما عرضنا مشتقة من روح المقالة، خاصة بتذكّر ما أشرنا إليه في مقامات سابقة من ضرورة التوسّع في مفهوم المقالة ليشمل الخطب والرسائل والأعمال النقدية ومحتويات المناهج التعليمية وكتب تطوير الذات والأبحاث الأكاديمية ونشرات الأخبار والتعبير عبر وسائل التواصلالاجتماعي الإلكترونية المختلفة… ماذا تبقّى؟

المقالة ماء الأدب، لكنها على صعيدها أشد مراوغة من ماء الحياة، إذ في وسع ماء الأدب أن يتضمّن المفيد اللذيذ من سائر عصائر الكتابة الأخرى، وليس في وسع الرواية مثلاً أن تضبط مقالةً متلبسة بحوار ممتع فتستدعي شرطة الأدب وتطلب تحرير محضر/بلاغ بداعي انتحال أداة فنية من أدوات التعبير، والأمر كذلك مع القصة القصيرة إذا طالعتْ كتابَ مقالات موغلاً في استخدام السرد، ومع الشعر إذا ضبط مقالاً مشحوناً بموسيقاه “الداخلية” الخاصة بما يقترب من “ألحان” قصيدة نثر.

صدْرُ المقالة في المقابل رحب وروحُها “رياضية”، فهي تضبط كل تلك الأجناس الأدبية في حالة تلبُّس مستمر بمائها ولا تذهب في ردّة فعلها أبعد من الابتسام والدعاء بالتوفيق لبنيها وبناتها من أجناس الأدب التي يتسم ردّ فعلها مجملاً بالعقوق والتطاول.