الوحدة واحتياج البشر إلى العاطفة عند فان غوخ

فان غوخ

فينسنت فيليم فان غوخ (1853 – 1890) كان رساماً هولندياً، مصنف كأحد فناني الانطباعية. تتضمن رسومه بعضًا من أكثر القطع شهرة وشعبية وأغلاها سعراً في العالم. عانى من نوبات متكررة من المرض العقلي -توجد حولها العديد من النظريات المختلفة- وأثناء إحدى هذه الحوادث الشهيرة، قطع جزءاً من أذنه اليمنى. كان من أشهر فناني التصوير التشكيلي. اتجه للرسم التشكيلي للتعبير عن مشاعره وعاطفته. في آخر خمس سنوات من عمره رسم ما يفوق 800 لوحة زيتية.

في الخامس عشر من أغسطس 1879، كتب (فان غوخ) رسالة إلى أخيه (ثيو)، يتحدث فيها عن الوحدة، وحاجة البشر إلى العاطفة والألفة، ننقلها لكم بترجمة حصرية لدى ساقية. يقول (فان غوخ) في رسالته:

عزيزي ثيو،
أنا أكتب إليك لأعبر عن مدى إمتناني لزيارتك. لقد مر وقت طويل منذ أن تقابلنا أو تراسلنا كما كنا نفعل سابقًا. ومع ذلك، فإنه من الأفضل أن نكون مُقربين، لبعض الوقت، على أن نكون عديمي الحياة تجاه بعضنا البعض … على الأقل، أثبتت هذه السويعات التي قضيناها معًا أننا مازلنا ننتمي لأرض الأحياء. عندما رأيتُك مرة أخرى وتجولنا سويًا، شعرت بشيٍئ لم أعد أشعر به كثيرًا، وهو أن الحياة شيئ جيد وثمين، ويجب على الإنسان أن يقدرها. وشعرت أنني سعيد ومفعم بالحياة أكثر مما شعرت به منذ وقت طويل. فمؤخرًا، وبالرغم مني، أصبحت تدريجيًا أشعر باللامبالاة تجاه حياتي، وأحسها أقل قيمة وأهمية، أو هكذا بدت لي.
عندما يعيش الإنسان مع الآخرين ويشعر بعاطفة تجاههم، يكتشف وجود مغزى لحياته وأنه في نهاية الأمر ليس بكائن ضئيل أو قابل للاستبدال، بل صالح لفعل شيئ ما، فتقديرنا السليم لذواتنا يعتمد بشكل كبير على علاقتنا بالآخرين.
سيعاني السجين الممنوع من العمل والمحكوم عليه بالعزلة، بعد مدة طويلة من سجنه، من نتائج كالتي يعاني منها من بقي بلا طعام لمدة طويلة. أنا أحتاج، مثل سائر البشر، إلى المودة والعلاقات الدافئة و الحميمية، فأنا لم أُصنَع من الحجر أو الحديد، فلا يمكن الا أشعر بفراغ أو بغياب شيئ ما، عندما تكون الحياة بدون هذه الأشياء – وأنا أخبرك بكل هذا لتعلم كم كان تأثير زيارتك جيد عليّ.
[…]
وأنا استرجع زيارتك في مخيلتي بإمتنان، تعود أفكاري بي إلى قرارتنا ايضًا: خطط من أجل الإصلاح والتغيير وإثارة الحيوية بداخلي. لقد امتلكت بعض من هذه الخطط في الماضي، حتى الكثير منها في بعض الأحيان، وبشكل مستمر – ولكن، ولا تنزعج من قولي هذا، أنا أخافها قليلًا، لأنني في بعض الأحيان سعيت بالفعل لتحقيقها ولم أجني منها سوى أمال مُحطمة.
التغيير من أجل حياة أفضل، الا يجب علي التعطش إلى ذلك؟ أم أنه يأتي على الإنسان وقت لا يحتاج حينها إلى تحسين حالته؟ أتمنى أن يتغير حالي إلى الأفضل. ولكن أن يكون السبب تحديدًا لأنني أطمح إلى ذلك، فأنا أخاف من العلاج الأكثر ضررًا من المرض.
هل يمكنك لوم مريض على الوقوف في وجه طبيبه ورفض تعاطي العلاج الخاطئ؟ هل من الخطأ أن يُصر شخصًا يعاني من داء السل أو حمى التيفوس أنه سيحتاج إلى علاج أكثر فاعلية من مجرد شرب المياة، وأن يشكك في قوة تأثيرها في حالته؟ سيكون خطأ من الطبيب الذي كتب له هذا العلاج أن يقول: هذا المريض حيوان عنيد وسيلقي بنفسه إلى التهلكة لإنه يرفض تعاطي دواءه – لا، المشكلة ليست في أن المريض غير راغب بذلك، بل لإن ما يسميه الطبيب دواءًا، هو بلا قيمة. فيمكن لهذا الدواء أن يكون ذو تأثير جيد لشيئ ما، لكنه لا يناسب حالته.
هل يمكنك لوم شخص على الشعور باللامبالاة تجاه لوحة صنفت على انها لوحة لميملنج، لكنها لا تملك أي صفة مشتركة مع لوحات ميملنج أكثر من كونها ذات موضوع مماثل للعصر القوطي، ولكن بدون إستحقاق فني؟
والآن، إنني أرى صدقًا أنه سيكون من الأفضل لو أن علاقتنا كانت أكثر قربًا من كلا الطرفين. وإذا شعرت، بجدية، أنني اُشكل عائقًا لك أو لأسرتي في المنزل، أو أنني بلا فائدة لأي منكم … فسيكون من الأفضل لو انني غادرت نهائيًا – عندما أفكر في ذلك، يغمرني شعور بالحزن واليأس. فأنا أجد صعوبة بالغة في تحمل هذه الفكرة، وصعوبة أكبر في تحمل فكرة أنني تسببت بشكلًا ما في الكثر من الحزن والأسى بيننا أو في المنزل، وإذا كان هذا ما حدث بالفعل، فأتمنى الا يتبقى لي الكثير من الوقت على قيد هذه الحياة.
ومع ذلك، عندما تتسبب هذه الفكرة بشعوري بإكتئاب شديد وعميق، يأتيني بعدها بفترة طويلة فكرة أخرى: ربما كان ذلك فقط حلم مرعب، ولاحقًا سأستيقظ وأراه وأفهمه بطريقة أكثر وضوحًا. ام أن ذلك حقيقيًا؟ وهل سيتحسن الحال يومًا ام سيزداد سوءًا؟ ربما يرى الكثيرون انه من الغباء أن تؤمن بالتغيير إلى الأفضل.
في بعض الأحيان يصبح الطقس قارص البرودة، فيقول المرء: “إن البرودة باتت شديدة إلى حد عدم إهتمامي بمجيئ الصيف من عدمه”، فيتغلب الألم على الخير. ولكن، شئنا أم أبينا، يأتي يوم وينتهي فيه هذا الطقس القاس. وفي صباح صاف لإحدى الأيام، تتغير الرياح ويُذيب الدفء آثار البرد والجليد. عندما أقارن حالة الطقس بحالتي النفسية وظروفي، وأراها، مثل الطقس، مُعرضة للتغيير والتحول، أشعر عندها بوجود بعض الأمل في تحسن الأحوال إلى الأفضل.
سأكون سعيدًا للغاية إذا كتبت لي قريبًا مرة أخرى … إلى اللقاء، فلتقبل مصافحتي لك في مخيلتي، ولتصدقني،
المخلص،
فينسنت