تأملات الإمبراطور ماركوس أوريليوش

Prisoners-9420081718850

الإمبراطور الروماني السادس عشر ماركوس اوريليوس انطونيوس (١٢١-١٨٠)، حكم الإمبراطورية الرومانية بين الأعوام ١٦١م حتى ١٨٠م، إلا أن شهرته كفيلسوف فاقت شهرته كإمبراطور يحكم امبراطورية مترامية الأطراف. عُرف (اوريليوس) رجلا وفيلسوفا دمثا وودودا، ومع أن منهجه الفلسفي وسم قناعاته التي مالت نحو التسامح والتعاطف، إلا أن واجباته كإمبراطور قادته لطريق مغاير مال نحو الحزم والشدة. بهذا يمثل (اوريليوس) مفارقة الفيلسوف-الملك الذي يطبق القانون ويدير النظام، لكنه في الوقت ذاته يرنو نحو نظرة كونية للعالم تستصغر البلابل السياسية التافهة.

اتبع (اوريليوس) مبادئ الفلسفة الرواقية التي آمنت بأن الكون كُلٌّ عضوي، وكل فرد لديه دور يؤديه في هذا الكون. وجوهر الوجود الإنساني هو المنطق والتفاعل الاجتماعي. وبأن واجبنا كبشر هو وضع العقل في خدمة العدالة، وبأن الأخلاق هي دليل مسار الحياة. كما آمن الرواقيون بالمواطنة العالمية وبالعدالة. وهي الأفكار التي أثرت بفلسفات (اسبينوزا) و(كانط). تتمثل مبادئ الرواقية في كثير من كتابات الإمبراطور، جاء في مذكراته الشهيرة التي حملت عنوان (تأملات ماركوس اوريليوس):

تذكر دائما بأن الكون وجود حي كُلي، جوهره واحد وروحه واحده. وتأمل كيف أن كل شيء ينتهي إلى مرجعية واحدة، مرجعية الوجود الحي الكُلي، وكيف أن كل شيء يتحرك بوحدة، وأن الموجودات نتائج موجودات أخرى، وتأمل دوران الخيوط المتواصل وبُنية الشبكة.

ويقول أيضًا:

تأمل كيف أن كل شيء يتبوأ مكانه من خلال التغيير. وعوّد نفسك على فكرة أن طبيعة الكون لا تحب شيئا كما تحب تغيير ما كان والإتيان بجديد يشبهه. فكل شيء موجود ما هو إلا بذرة ما سيأتي. وإن كانت فكرتك عن البذور هي فقط ما يُزرع في التراب أو في الأرحام، فاعلم أنها فكرة رثة.

العنوان الأصلي لنص (تأملات ماركوس اوريليوس) هو: “إلى نفسي”، فلم تكن التأملات موجهه للعامة، هي فقط مذكراته الخاصة التي كتبها بخط يده خلال حروبه الطويلة للدفاع عن حدود الإمبراطورية. أراد (اوريليوس) تقييم نفسه والسعي وراء الحقيقة والعناية بصحته الروحية وذلك بوعظ نفسه وتذكيرها بالقيم التي آمن بها. من مذكراته لنفسه:

أفضل وسيلة للثأر لنفسك هي بأن لا تكون مثل مرتكب الإساءة.

وفي موضع آخر:

امح الأوهام من فكرك، توقف عن محاولة التحكم بكل شيء. حدد نفسك بحاضرك. استوعب جيدا الأحداث التي تمر بك أو بغيرك. فكر بساعتك الأخيرة. دع السيئة التي ارتكبها الإنسان تبق في زمن ارتكابها.

ويقول:

استقبل الجاه والثروة دون غطرسة، واستعد لتركها تذهب.

ثم يوصي نفسه فيقول لها:

لا تُصْدر فعلا واهنا، ولا تتحدث بلا هوادة، ولا تجنح لأفكارك، ولا تدع نفسك تنازع نفسها، ولا تكن رخوا، ولا تنغمس في العمل دون أن تقسم لنفسك وقتا للنقاهة.

ويتبع:

لا تقم بفعل دون غاية، وليكن فعلك وفقا لمبادئ الفن الكاملة.

كما يقول:

لا تتصرف وكأنك ستعيش عشرة آلاف عام، فالموت يطوف فوقك. في حياتك افعل الخير ما استطعت.

وأخيرًا، وليس آخرًا:

ابق متيقظا كي لا تتحول لقيصر، وبأن لا يتم صبغك بهذه الصفة، فهذه أمور تحدث لك ولا تُحدثها أنت. حافظ على نفسك بسيطا، طيبا، نقيا، جديا، لطيفا، عطوفا، نشيطا في كل أفعالك. اسع لأن تكون كما تريد الفلسفة أن تكون. أطع الآلهة وساعد الناس. الحياة قصيرة. الورع والروح الاجتماعية هي ثمار الحياة الدنيا.