تساؤل الفيلسوف والمؤرخ ويل ديورانت عن معنى الحياة

ما معنى الحياة لنا؟ ماذا ستكون إجابة الآخرين عن تساؤل كهذا؟ وما معناها لرجلٍ يمضي بقية أيامه زنزانة مثلًا؟ صحيح أن البحث عن الحقيقة أشبه بالجري خلف السراب، لكن علينا ألا نغفل عنها بينما نواصل حياتنا، وقد تكون لدى البعض فكرةٌ مجردةٌ، أو تجارب حياتية لا تمت للمعرفة النظرية لدى الآخرين.

لا حدود للمعرفة، والجدية الصارمة ليست الطريق الأمثل دائمًا، فالحياة جميلة بتنوعها، بسهولها وهضابها، في لحظاتها الحلوة والمرّة، وكما تتفاوت لحظات الحياة يتفاوت معنى الحياة من شخص لآخر، ولكم هو جميل أن نقرأ آراء مختلفة عنها في هذا الكتاب، ومع معنى الحياة لمؤلفها العظيم (ويل ديورانت)؟

هكذا استفتح المترجم (كنان قرحالي) في كتابه عن الفيلسوف والمؤرخ الأمريكي (ويل ديورانت) [1885-1981] في كتابه (عن معنى الحياة). ففي الخامس عشر من يوليو ١٩٣١، أرسل (ديورانت) إلى عدد من الشخصيات المشهورة، ممن يقيمون داخل الولايات المتحدة أو خارجها. جاء في الرسالة:

عزيزي،

هلا توقفت عن العمل لبرهة وشاركت معي في لعبة الفلسفة؟

أنا أحاول مواجهة سؤالٍ لطالما كان جلينا، أكثر مما هو على استعداد للإجابة عنه: ما معنى، أو قيمة الحياة البشرية؟ سبق أن تم تناول هذا السؤال من قبل المنظرين خصوصًا من (اخناتون) و(لاوتسي) إلى (برغسون) و(سبيلنغلر). إلا أن النتيجة لطالما شكّلت نوعًا من الانتحار الفكري؛ فالفكر، في جوهر تطوره يبدو وكأنه قد دمّر قيمة الحياة ومعناها. فنموّ المعرفة وانتشارها -الأمر الذي صلّى لأجل حدوثه الكثير من المثاليين والإصلاحيين- أدّى إلى خيبة أمل كادت تحطّم روح عرقنا.

لقد قال لنا علماء الفلك إن حياة الإنسان لا تعادل سوى لحظة في حياة نجم، فيما قال لنا الجيولوجيون إن الحضارة ليست سوى فاصل عرضي بين عصرين جليديين. وقال علماء الأحياء إن الحياة في مجملها مجرد صراع وجوديّ بين الأفراد والجماعات والأمم والتحالفات والأنواع، فين حين قال المؤرخون إن “التقدم” مجرد وهم ينتهي مجده بالانحطاط الحتمي. أما علماء النفس فقالوا إن الإرادة والذات امتداد قاصر للموروثات والبيئة، وإن النفس التي كانت يومًا ما طاهرة، ما هي إلا اتقاد دماغي سريع الزوال.

فالثورة الصناعية أدّت إلى دمار المنازل، فيما اكتشاف وسائل منع الحمل آخذ بتدمير العائلة والأخلاقيات القديمة، وربما العرق البشري بكامله [بسبب عقم الاذكياء]. وحُلل الحب على أنه احتقان فيزيولوجية مؤقتة، فيما يتحول الزواج إلى مجرد ملاءمة فيزيولوجية مؤقتة، أرقى قليلًا من حالة الاختلاط الجنسي. أما الديموقراطية فتحولت إلى فساد لم يعرف مثله سوى “الداعية السياسي” الروماني (ميلو). وتلاشت أحلامنا بـ”اليوتوبيا” الاجتماعية، فيما نشهد، يومًا بعد يوم، جشع الإنسان الذي لا يكلّ.

وكل اختراع جديد يجعل القوي أقوى والضعيف أكثر ضعفًا، في حين تحل الآلات الجديدة محل الرجال مضاعفة من أهوال الحروب. أما الغيبيات التي كانت يومًا عزاء حياتنا القصيرة، وملجأنا في الفجيعة والألم، فيبدو أنها اختفت في المشهد، ولا يمكن لأي تيليسكوب أو مجهر اكتشافها. وقد أصبحت الحياة، من خلال المنظور الشامل الذي هو الفلسفة، تفريخًا متناولًا للحشرات البشرية على الأرض. وأكزيما كوكبية قد يتم التخلص منها قريبًا. لا شيء مؤكد فيها سوى الهزيمة والموت – هذا النوم الذي وعلى ما يبدو لا يقظة منه.

ونحن مدفوعون للاستنتاج بأن الخطأ الأعظم كان اكتشاف “الحقيقة”، الذي لم يجعلنا أحرارًا إلا من الأوهام التي سبق أن عزّتنا والقيود التي سبق أن حمتنا. وهي التي لم تجعلنا سعداء، لأن الحقيقة ليست جميلة، ولم تكن تستحق السعي خلفها بكل هذا الشغف.

وعندما ننظر إليها الآن، نتساءل لماذا تسارعنا للعثور عليها، فقد أخذت منا كل أسباب الوجود، عدا المتعة اللحظية والأمل المبتذل بالغد.

أرسل (ديورانت) هذه الرسالة إلى عدد من الأشخاص المؤثرين في المشهد العالمي حينها، مثل (المهاتما غاندي) والروائي الأمريكي (سينكلير لويس) صاحب الرائعتين (بابت) و(الشارع الرئيسي). بالإضافة إلى رئيس جامعة دارتموث (إرنست مارتن هوبكينز)، والناشطة (ماري أيما وولي)، والفيلسوف البريطاني (برتراند راسل) وغيرهم.

يعقب (ديورانت) على رسالته، فيقول:

ما كانت هذه الرسالة لتعبّر بدقة عن استنتاجاتي الخاصة حول معنى وجودنا، فليس من طبيعتي أن أكون شديد التشاؤم، إلا أنني رغبت بداية في مواجهة الاحتمالات الأكثر مرارة، وفي المراهنة عكس رغباتي، وفي طرح المشكلة بطريقة تحمي من التفاؤل السطحي الذي اعتاد الرجال من خلاله على الالتفاف إلى مشكلات الحياة الأكثر عمقًا.


تحرير: أحمد بادغيش