تشوميسكي، عن الإنسان والمعرفة

تشومسكي

نعوم تشومسكي (مواليد 1928) هو أستاذ لسانيات أمريكي، وفيلسوف وعالم بالإدراك والمنطق، ومؤرخ وناقد وناشط سياسي.

في مقالة نُشرت باسم “النظرية التعليمية لـ(نعوم تشوميسكي)”، من كتابة وتحليل كل من (سكوت بوفيتش)، (زاك كوليمور)، (تانيشا برامويل-جونز) و(إليزابيث ماساس)، وبترجمة حصرية لدى ساقية، عن نظرية المعرفة، بنظر (تشوميسكي). فكُتب في المقالة:

نظرية المعرفة: النحو التوليدي والنظرية المعرفي:

غالبية كتابات (تشومسكي) فيما عدا ما يتصل بطبيعة المعرفة تتعلق ببناء اللغة واستخداماتها. فمثلا نظريته عن النحو التوليدي، على الرغم من التطور المستمر لها، تقف بمثابة نموذج لوجهة نظره حول طرق العقل البشري في أخذ وتخزين المعلومات. وصحيح ان كثير من هذه النظريات قابلة للتطبيق في مجال اللغة، ولكنها بمثابة رأي صارخ عن أفكاره حول التعليم وكيف يتشكل الفكر وبقية المعارف البشرية.

“لقد تم تشكيل الفكر عبر قرون من الوعي الإنساني، من خلال التصورات والمعاني التي تربطنا بالطبيعة، لذلك إن أصغر كيان حي، سواء اكان ذرة أو جزيئا، هو بالتأكيد موجود في بنية الأرض وفي جميع مخلوقاتها، سواء كانوا بشرا او من اي اشكال الحياة الأخرى “. معرفة اللغة: أصلها وطبيعتها واستخدامها، ص. إكسي (تشومسكي، 1986) .

نظرية (تشومسكي) عن النحو التوليدي هي في جوهرها وصف الطريقة التي يتعلم الناس بها التواصل. جوهر هذه النظرية هو فكرة أن كل لغات البشر تنشأ من مصدر مشترك، وهي مجموعة فطرية من القواعد والنهج النحوية التي هي جزء من العقل البشري. هذا هو نهج طبيعي جدا، ولكن واحد التي وجدت قبول متزايد من أي وقت مضى بين الخبراء في هذا المجال (تشومسكي،1986).

إن النهج الأساسي المستخدم في نظرية المعرفة مشابه جدا للنهج المستخدم في نظرية معالجة المعلومات. وفقا لـ(تشومسكي)، من أجل الحفاظ على المعرفة، يجب أن تكون هنالك معرفة سابقة موجودة بالفعل لكي ترتبط المعلومات الجديدة بها. ويشار إلى هذه العملية على أنها “بناء” على المعرفة السابقة.

بسبب التشابه في مفاهيم الشبكات الأولية في نظرية معالجة المعلومات، يفترض (تشومسكي) أنه بمجرد ان تدمج المعرفة وخاصة المعرفة الإجرائية في شبكة ما، تصبح غير قابلة للاختزال وللتبسيط (تشومسكي، 2000). فبمجرد ان يتحول شيء واحد إلى شيء معروف ويتصل بشكل ناجح ، سيصبح متصلا بشكل فوري بشبكته الموجودة في ذهن المتعلم. بكلمات تشومسكي؛ “لاحظ أن اعتبارات مماثلة تبين أن المهارة – على سبيل المثال :مهارة ركوب دراجة – لا يمكن تحليلها من حيث القدرات والتصرفات، وما إلى ذلك؛ إذ يبدو أن هناك عنصرا إدراكيا غير قابل للاختزال”. – آفاق جديدة في دراسة اللغة والعقل، ص 52 (تشومسكي، 2000)

وجهة نظر (تشومسكي) للمعرفة كما يتوقع المرء من لغوي كانت تركز على الإدراك بشكل كبير. إن إطاره النظري يقترب من مفهوم “المعرفة” كظاهرة إدراكية محضة، منفصلة عن قدرة الفرد على تطبيق تلك المعرفة مباشرة على العالم، إنها ظاهرة إدركية وهي في جوهرها مضادة للسلوك. (تشومسكي) نفسه يقول ؛ “لاحظ أخيرا أن تناول المعرفة وإدراكها من ناحية القدرة، ثبت انها غير منتجة تماما ، وهي مجرد معرفة” – آفاق جديدة في دراسة اللغة والعقل، ص 52 (تشومسكي، 2000 )

وهكذا نرى ان فكرة النحو  الغرزي والطبيعي هي التي برزت. كذلك يشير (تشومسكي) ان بعض الوظائف الأساسية للدماغ البشري تنتقل كما الغرائز عن  طريق الطبيعة البشرية المحضة. فعلى سبيل المثال لا يتم تعليمنا كيفية التنفس . إن مفهوم المصفوفة العقلية الكامنة التي تسترشد بها كل لغة الإنسان هو مجرد خروج عن وجهات النظر التقليدية حول أصل التواصل اللفظي (تشومسكي، 2000)

هذا الرأي قائم ويستند عل الطبيعة البشرية. يشير (تشومسكي) ان كل لغة تنشىء اليوم، لها جذر مشترك في مركز اللغة الموجود في الدماغ البشري. ويمكن أن تعزى الأشكال المختلفة التي نشأت بها اللغات إلى انها مجرد طرق ونهج متنوعة للربط بين الكلام وبناء الجمل، ليست تطورا ثقافيا فحسب من خلال أجيال من التجربة والخطأ، ولكنها كانت في الاساس إعادة تشكيل لغرائز كانت موجودة بالفعل منذ الازل.

وفي نقطة أخرى عن الطبيعة البشرية، كُتب:

نظرية الطبيعة البشرية: ما هو الإنسان؟ كيف يختلف عن الكائنات الأخرى؟ ما هي حدود الإمكانيات البشرية؟

(نعوم تشومسكي) لديه وجهة نظر طبيعية جدا أو فطرية للطبيعة البشرية. فوفقا لـ(تشومسكي)، (سوبر، 1998) يرى الإنسان كائن بيولوجي وحيوي مثل أي كائن آخر، إلا أنه يتمتع بقدرة فكرية فريدة قادرة على التفكير والتعقل والتعبير عن الافكار والمنطق (التواصل)، وأن هذه القدرة مشروطة بالحرية. انها مرتبطة داخليا بتكويننا الوراثي تماما مثل نظمنا البصرية والعضلية و النظم البيولوجية الأخرى. خلال مقابلة مع (ميشال فوكو)، قال (تشومسكي) (1971):

“إذا كان هذا الافتراض صحيحا لاحظ كيف أن كل طفل إنساني عادي يكون السلوك الابداعي المعرفي بشكل تلقائي ، وأن الاطفال جميعا وكلهم يفعلونها بنفس الطريقة وتقريبا بلا جهد يذكر ، بينما قد يستغرق الامر قرون من المهارة ليستطيع المرء ان ينتقل من الأدلة إلى النظرية العلمية، فإن الشخص الملاحظ ، إذا كان عقلانيا، سيستنتج أن بنية المعرفة المكتسبة في حالة اللغة هي في الأساس اساسية في العقل البشري “

ويكمن جذر هذا المفهوم في أنه إذا كان الإنسان سليم وراثيا، فسيكون قادرا على تطوير هذه القدرات بغض النظر عن الظروف البيئية ، مثل، مكان ولادته ، أو ممن ولد. هذه الطبيعة البيولوجية والحيوية من خواصنا الاصيلة المهمة جدا والتي من شأنها أن تسمح للإنسان الحصول واستخدام قدرات عديدة مثل التفكير والمنطق والاتصال بالاخرين.

بالإضافة إلى وجهة نظره الطبيعية للبشر وقدراتهم على التفكير والتواصل، يعتقد أيضا أن هذه السمات وخاصة السمات الاخلاقية يمكن العثور عليها عبر الثقافات المختلفة. (تشومسكي) (1998) يدعم هذه الفكرة بالدليل ان الناس من ثقافات مختلفة يمكن ان يقوموا بإيجاد أرضية مشتركة تقبل النقاش لانهم يحملون نفس القوانين الاخلاقية مهما كانت خلفيتهم الثقافية ،ويقول في مقابلة مع (كيت سوبر):

“يمكننا أن نبدأ في رؤية الطبيعة البشرية على انها قدرات معينة لتطوير صفات عقلية معينة، ولكن يمكن أن تذهب أبعد من ذلك، وتبدأ في اكتشاف الجوانب العالمية في هذه الصفات التي تحددها الطبيعة البشرية، فعلى سبيل المثال، منذ وقت ليس ببعيد تحدثت مع اناس في قبائل الأمازون، وبدا لي أن لديهم نفس مفهوم الرذيلة والفضيلة الذي لدي، من المهم ان ندرك انه فقط منخلال تقاسم هذه القيم الاخلاقية نغدو قادرين على التواصل مع بعضنا – لكي نتحدث عن مشاكل وتحديات حقيقية تؤرقنا مثل إجبار سلطات الدولة على الخروج من الغابات، وأعتقد أننا محقين إذا افترضنا انه: لم يكن لدينا أي مشكلة في التواصل رغم أننا كنا مختلفين جدا من الناحية الثقافية”

(تشومسكي) يسقط ويوسع هذه الفضائل  الاخلاقية العالمية إلى كل ثقافة وإلى كل فرد، ويذكر البشر أن يفعلوا الأشياء التي بها تعزيز لحياة الإنسان. ويشرح (تشومسكي) (1998) ذلك بالقول:

“يفسر الناس أعمالهم على أنها تعمل لصالح البشر، حتى في اكثر مستويات الفساد والإجرام يفسروه بدافع نبيل ، فلم يكن النازيون يتباهون أنهم يريدون قتل اليهود، ولكنهم قدموا تبريرات مجنونة – حتى انهم استخدموا تبرير “الدفاع عن النفس”.

والخلاصة منهذا  هي أن الناس “يبررون” لماذا يفعلون الأشياء التي يقومون بها، وهذه الظاهرة عالمية في جميع الثقافات.

ولعل الجانب الأهم في اعتقاد تشومسكي للطبيعة البشرية يكمن في وجهة نظره الأساسية في قدرتنا على أن نكون مبدعين وأن نملك حرية التعبير عن هذا الإبداع. وهذه الحرية ضرورية لإظهار وتنمية هذه القدرات الإبداعية. يمكننا أن نفكر في هذا من خلال التفكير في البشر القليلين الاوليين الذين بدأوا في استحضار لغة مشتركة. بعد العديد من المحاكمات لوضع التنهيدات والزمجرة والتنهد معا والتعاون مع بعضهم البعض، خلق اسلافنا العديد من اللغات التي نعرفها اليوم. وعند هذا المفهوم “التعبير عن إبداعنا بحرية” تورط (تشومسكي) في السياسة. وقال (تشومسكي) (1988):

“بناءً على هذا الرأي عن الطبيعة والاحتياجات البشرية، يحاول المرء أن يفكر في وسائط التنظيم الاجتماعي التي من شأنها أن تسمح للحرية الكاملة لتطوير وتنمية الفرد ، وفي تطوير جميع  إمكانيات الأفراد ايا كان الاتجاه الذي سيتخذونه، من المهم أن نسمح للانسان ايا كان أن يكون إنسانا بشكل تام بكامل حريته وبكامل إبداعه “. (144)

ويبدو أن هذا الوضع بالتحديد يعيق بعض المواقف الحالية للدول والحكومات. فبعض الجماعات تقاوم هذه الحجة القائلة بأن الناس يجب أن يكونوا أحرار في التعبير عن إبداعهم الخاص، ويشيرون بهذا الصدد إلى الإبداع الخلاق أو المدمر، كما كان الحال مع النازيين واليهود خلال المحرقة. وفي حين أن هذا قد يكون صحيحا من حيث النقاش السياسي فإنه لا يزال غير قادر على ان يرفض أن هذا جزء من الطبيعة البشرية.

 


[المصدر]

ملاحظة: هذه المقالة هي الجزء الثاني من أربع مقالات، حول نظرية التعلم والتعليم عند (تشوميسكي)، بترجمة حصرية لدى ساقية. نُشرت المقالة الأولى مسبقًا، وستتبع بالجزئين الأخيرين.