جياكومو ليوباردي، الشاعر، الكاتب، المترجم

جياكومو ليوباردي
جياكومو ليوباردي، هو شاعر إيطالي ولد عام ١٧٩٨ وتوفي عام ١٨٣٧، كما كان فيلسوفا وكاتبا ومترجما. وهو أشهر شعراء إيطاليا في القرن التاسع عشر. ورغم أن (ليوباردي) قد نشأ في قرية ريكاناتي المحافظة، إلا أنه كان على تواصل مع الكتاب التنويرين في إيطاليا. كانت له لمسة مجددة في العصر الرومانطيقي عبر أسلوبه الشعري الذي يتأمل فيه الطبيعة واللبشر وسائر المخلوقات وعلاقتها ببعضها.

كان لنشأة (ليوباردي) دور كبير في ثورته. فوالده هو مونالدو ليوباردي وهو دجل طيب القلب وثري، لكنه رجعي ومتدين. أما أمه فهي الماركيزة (أديليد)، وكانت سيدة باردة القلب ومتسلطة ومهووسة بزيادة ثراء العائلة بعد تسبب زوجها بإفلاس العائلة لإدمانه لعب القمار. ففرضت على أبنائها قواعد صارمة تلزم الأبناء بتعلم العلوم الدينية واللغات والتوفير. وهكذا نشأ جياكومو مع أخوه كارلو وأخته باولينا.

بدأ (جياكومو) دراسته في المنزل على يد قسين، لكنهما لم يرويا تعطشه الدائم للمعرفة. فاعتمد على نفسه وصار يقرأ بنهم في مكتبة والده التي تضم شتى صنوف المعرفة. وخلال فترة قصيرة، أتقن (ليوباردي) اللاتينية، والإغريقية، والعبرية. عشق (جياكومو) للعلم والمعرفة جعله يسهر الليالي منكبا على القراءة وهذا العشق صار هوسا أدى إلى إصابته بأمراض أوهنت بدنه، وأضعفت بصره، وجعلت ظهره محدبا.

كان عام ١٨١٧ عاما مهما في حياة (جياكومو ليوباردي)؛ ففيه زار (بييترو جورداني) وهو أحد التنويريين المنطقة التي يقطن فيها (ليوباردي)، وحل ضيفا مكرما على منزل عائلة. وكون (جياكومو) علاقة صداقة مع (جورداني) امتدت لأعوام بعد ذلك. وفي عام ١٨١٨، قرر (ليوباردي) الهرب من قرية ريكاناتي، لكن والده أفشل مخططه في اللحظة الأخيرة. تدهورت بعدها علاقة الابن بوالده، وصار الوالد يراقب ابنه باستمرار خشية تكرار ما حدث.

وفي عام ١٨٢٢، تمكن (جياكومو) من الذهاب إلى روما. لكنه صدم من تفشي الفساد فيها وهرطقة الكنيسة. كان معجبا بالمفكر (تاسّو)، لتآلفه مع حزنه وعدم سعادته، وتأثر بـ(دانتي) و(فرانشيسكو بيترارك). وفي عام ١٨٢٤ دعاه صاحب دار نشر ستيلا إلى ميلان ليكتب بعض كتبه هناك، وخلال  تلك الفترة تنقل الكاتب بين بولونيا وميلان وبيزا. وفي عام ١٨٢٦، التقى (جياكومو) بـ(أليساندرو مانزوني) لكنهما لم يكونا على وفاق. ربما لأن (جياكومو) كان يميل للعزلة.

بدأت صحة (جياكومو) بالتدهور في عام ١٨٢٨، فحذره الطبيب من إجهاد نفسه. بعدها انتقل إلى مدينة نابلس أو نابولي الإيطالية ليكون بالقرب من صديقه (أنطونيو رانييري)، حيث ظن الأخير أن هواء نابلس النقي سيساهم في تعافي (جياكومو). لكنه مات في فترة انتشار وباء الكوليرا عام ١٨٣٧. ويظل سبب وفاته مجهولا؛ فهو إما بسبب مرض صدري أو أزمة قلبية.

من أشهر آثاره الأدبية كتابه (إليك أفكاري)، وهو كتاب يضم تأملاته وفلسفته في الحياة. ترجم مشروع كلمة هذا الكتاب المهم. كما أن له ديوانا بعنوان (الأغاني) أو (الأناشيد) يجمع فيه قصائده.

يوم السبت في القرية:

عذراء من الريف أقبلت
مع غروب الشمس،
جاءت تحمل العشب،
وفي يدها بنفسج وزهور،
لتزيين به صدرها وشعرها بها.
أما العجوز فجلست على الدرج،
تكلم الجارات..
وهي ترنو إلى غروب الشمس،
عن أيام صباها الجميلة،
وطلتها البهيّة في مساء السبت،
ورقصها حتى طلوع الشمس.
أما الآن، فالهواء صار أثقل في كل مكان
وكسا السواد السماء مجددا
واختفت الظلال من الأسقف والتلال.
وبان البدر المنير
حينها أعلنت النواقيس بدء الاحتفال،
وصوتها مريح للقلب.
إن الفتية في الساحة يصرخون،
وفي كل مكان يمرحون.
بينما يذهب الإسكافي إلى منزله،
وهو يصفر .. فرحا بيوم الراحة.
لاحقا، عندما تُطفأ الأنوار،
ويهدأ  كل شيء..
ستسمع صوت المطارق ومنشار النجار،
في آخر الليل،
يعمل بكد حتى الشروق.
هو أكثر أيام الأسبوع ترقبا،
مليء بالبهجة والمرح.
لكن الغد سيجلب معه الحزن والملل من جديد،
وسينشغل الجميع.
أن يلهو الصبي مرحا،
هو نهار سعيد ويوم بهيج
واستهلال سماوي ليوم الاحتفال.
فاستمتع به يا بني،
إنها سويعة لطيفة، ولحظة ستنقضي
وآخر دعواي:
أن يتأخر يوم الأحد، وأن
لا يُحبطك ما حييت.

إلى سيلفيا:

سيلفيا .. أمازلتي تذكرين..
ذلك الوقت من حياتك الفانية؟
حين كان الجمال يشعّ باسما من عينيك الساحرتين ؟
حين كنتي تتأملين أفول هذا الشباب؟
كانت الغرفة الهادئة،
والشوارع المحيطة،
تغني معك كلما غنيتي،
وأنتِ على المغزل تعملين.
في مايو الشذي
كنت حينها في المكتب أقرأ.
فتركت الأوراق التي دفنت فيها أزهى أيام عمري
وأصغيتُ إلى صوتك العذب،
وشاهدت يديك تديران النول.
ثم  نظرت إلى السماء الصافية والحدائق،
والبحر هنا، والجبال هناك.
لا يمكن أن أصف شعوري.
يا لنقاء أفكاري وآمالي وقلبي آنذاك
يا حبيبتي سيلفيا!
كما لو أن الحياة والقدر قد ابتسما لنا.
حينما أتذكر كل ذلك الأمل
أشعر بالمرارة .. والغضب على سوء حظي
أيتها الطبيعة، يا طبيعة ..
لم لا تفين بوعودكِ؟
لم تضللين أبناءكِ؟
وقبل أن تذبل  الأزاهير في الشتاء،
ذبلتي ..
أوهنكي المرض ومُتّي.
ولم تري أزاهير عمرك المقبلات،
ولم ينبض قلبك عشقا،
ولم تتحدثي عن الحب أيام السبت
مع صديقاتك.
وقبل ذلك بأمد طويل،
مات أملي الغض أيضا،
لقد حرمني القدر من شبابي أيضا.
صِرتي ماض ماضياً يا رفيقة براءتي،
ويا أملا أندبه !
هل أهذا هو العالم؟ وهل هذه هي تراها
المتع والحب والحاجة والتجربة
التي تحدثنا عنها كثيرا؟
هل هذا مصير الإنسان؟
عندما اقتربت منكِ الحقيقة..
سقطتِ.. أيتها المسكينة
ومن بعيد أشار الموت إليكِ بإصبعه
من قبر خال.

الورقة:

أين ستذهبين
أيتها الورقة الصغيرة،
بعيدا عن غصنكِ؟
نزعتني الريح بعيدا عن خشب الزان،
حيث ولدت.
وصرت أدور كما تدور،
تنقلني من الغابات إلى المروج،
ومن التلال إلى الوديان،
أسافر معها بلا نهاية.
متجاهلة معها كل شيء.
وحيثما يذهب كل شيء أذهب؛
حيث تذهب أوراق الورود،
وأوراق الغار .. أذهب.

القشّة (أي أن الإنسان هش):

هنا.. بجوار هذا الجبل المرعب ..
فيزوف المدمر،
حيث لا توجد شجرة أو وردة تشرح الصدر
تنثر وحدتك..
في المنزل .. في الأماكن القاسية.
ليأتي من يحب أن يعظّم شأننا
إلى هذه المنحدرات، ليد الطبيعة الطيّعة

.
إن الطبيعة النبيلة هي تلك التي
تجرأت ورفعت عينيها، لتواسينا في مصيرنا
بكلمات صادقة وحقيقية
معترفة بأن مصيرنا الألم
.
ومؤمنة بأن كل البشر
متحالفون ضدها منذ بدء الخليقة
إلا أنها تغمرنا بحب حقيقي
وتتوقع المساعدة السريعة عند المخاطر،
وعند احتدام صراعنا المشترك
كم جلستُ على هذه المنحدرات التي كانت مهجورة.
حيث تسيل الحمم الآن،
وهي ترتدي الجمر، وتتحرك كالموج.
لكن على سطح البحر البعيد،
رأيت انعكاس النجوم المتلألئة بالزرقة،
في كل مكان.
وما إن دققتُ النظر في تلك النقاط المضيئة،
حتى تذكرت أنها هائلة الحجم،
وما الأرض ببحارها إلا نقطة مقارنة بها.
لا يساوي الإنسان شيئا في هذا العالم.
.
كيف لي أن أفكر بعدها بالبشر؟
.
عاد بركان بومبي الخامد
للنور العلوي
من النسيان القصي.
كهيكل عظمي كان مطمورا.
وفي تلك الليلة الخاوية .. بين المسارح الخالية
وأنقاض المعابد  .. والمنازل المدمّرة،
حيث تواري الخفافيش صغارها،
سال بقسوة بين المباني الخاوية..
كمشعل شرير، تدفقت الحمم
وقضت على كل ما حولها.
.
وأنت أيضا (الإنسان) قشة طيّعة
يا من تزيّن هذا الريف المهجور.
ستُقاد قريبا إلى القوة الكامنة
ودونما مقاومة منك..
ستسلم عنقك للمنجل الحاصد.

الأبدية:

 

لطالما كان هذا التل الوحيد عزيزا علي
هو وهذا السياج الذي يحجب رؤية الأفق الشاسع
لكن عندما جلست وحدقت فيه ..
رأيت بعين قلبي مساحات لا نهاية لها، وصمتا مطبقا
وهدوءا قاتلا.
فزيفت  حينها أفكاري لأنها كادت أن ترعبني.
وعندما سمعت هزيز الرياح بين هذه النباتات
بدأت أقارن ذلك الصمت اللامتناهي.. بهذا الإزعاج.
فكرت بالأبدية، والفصول المنسية، وتلك الحالية.
وهكذا غرق فكري وغدا حطاما في هذا البحر العذب.