حديث المازني، عن متاعب الكتابة

المازني

إبراهيم عبد القادر المازني (1889-1949) شاعر وناقد وصحفي وكاتب روائي مصري من شعراء العصر الحديث، عرف كواحد من كبار الكتاب في عصره كما عرف بأسلوبه الساخر سواء في الكتابة الأدبية أو الشعر واستطاع أن يلمع على الرغم من وجود العديد من الكتاب والشعراء الفطاحل حيث تمكن من أن يوجد لنفسه مكاناً بجوارهم، على الرغم من اتجاهه المختلف ومفهومه الجديد للأدب، فقد جمعت ثقافته بين التراث العربي والأدب الإنجليزي كغيره من شعراء مدرسة الديوان.

كتب (المازني) مقالة بعنوان “متاعب الطريق” ضمّنها كتابه (قبض الريح)، وهو يعرض فيها رأيه في الجهد الذي يُعانيه الفنّانون عامّة والكتّاب خاصّة في عملهم، والذي قد يغفل عنه أكثر القرّاء والمتذوقين، فهم كما يقول مُعاصِره مصطفى صادق الرافعي (1937-1880): “والنّاس يحسبون أنّ الإنسان يستطيع أن يكتب في كل وقت ومع كل حالة كأنّه مطبعة ليس إلا أن تدور فيخرج الكتاب.. هذا غير صحيح؛ فلا بدّ من أحوالٍ هادئة مؤاتية ما دمنا في أمر الفنّ والابتكار وإيجاد ما ليس موجودًا”.

يقول (المازني):

… والأديب شبيع بالعاشق، يعرض له الخاطر فيستهويه ويسحره ولا يجري في باله في أول الأمر شيء من المصاعب والعوائق ولا يتمثّل له سوى فكرته التي اكتظّت بها شِعاب نفسه، ولا ينظر إلا إلى الغاية دون المذاهب، ويشيع في كيانه الإحساس بالأثر الذي سيحدثه، وقد يتصوّر الأمر واقعًا ولا يندر أن يتوهّم أنه ليس عليه إلا أن يتناول القلم فإذا به يجري أسرع من خاطره، وإذا بالكتاب تتوالى فصوله وتتعاقب أبوابه، وتصفّ حروفه ويُطبع ويُغلّف ويُباع، ويُقِبل عليه النّاس يلتهمونه وهم جَذِلون دَهِشون مُعجبون، وإذا بصاحبه قد طَبَق ذكره الخافقين وسار مسير الشمس في الشرق والغرب وخلد في الدنيا إلى ما شاء الله!!

يكبر كلّ هذا في وهمه لحظة تطول أو تقصر، ثمّ يهمّ بالعمل ويعالج أداءه فيتبيّن أن عليه أن ينضج الفكرة ويتقصّى النظرة ويلمّ بهذا ويعرّج على ذاك، ويستطرد هنا ويمضي إلى هناك، ويدخل شيئًا ويخرج خلافه.. ثم أن يصبّ ذلك في قوالب ملائمة ينبغي أن يُعنى بانتقائها، وأن يتوخّى في الأداء ضرورات تَقسره عليها طبيعة الخواطر والمسائل: هذه تتطلّب إيضاحًا وتلك لا معدى في سوقها عن تحرّي القوّة في العبارة أو اللين أو السهولة أو الجمال أو غير ذلك. وأحرِ به حين يُكابد كل ذلك أن تَفتُر حرارته الأولى وأن يدبّ الملل في نفسه، وأن يضجره أن يضطر إلى أن يقطع الطريق خطة خطوة، ويكتب الفكرة الرائعة الجليلة التي استغرقته وفَتَنَته كلمة كلمة، ويتناول منها جانبًا بعد جانب، وأن يعاني في أثناء ذلك مشقّات التعبير ومتاعب الأداء، وأن يُذعن لأحكام الضرورات فلا يستعجل فيفسد الأمر عليه، بل يكرّ أحيانًا إلى ما كتب ويُعيد فيه نظره ويُجيل قلمه مرة وأخرى وثالثة إذا احتاج الأمر إلى ثانية أو ثالثة، ويصبر على برح ذلك وعنائه وتنغيصه وتغثيته يومًا وآخر، وأسبوعًا وثانيًا، وشهرًا وعامًا وأكثر من عام أو أعوام إذا دعت الحال.

وفي أثناء ذلك كم خالجة عزيزة يضطر أن ينزل عنها ويدعها مدفون في طيّات نفسه لعجزه عن العبارة عنها وتصويرها وإبرازها في الثوب الذي ينسجم عليها ويجلوها للقارئ كما هي في ذهنه، أو لأن كلمة واحدة-واحدة لا أكثر-تنقصها لتستوفي حقها من التعبير الذي يكفل لها الوضوح أو الحياة؟ كم معنى يتركه ناقصًا أو غامضًا وهو يحسّه تامًا ويتصوّره في ضميره كأجلى ما يكون؟

وما كل امرئ يدخل في مقدوره أن يحتمل هذا المضض كلّه.

ومن الكتاب من لا يكاد يلتقي بأول صخرة في الطريق حتى ينكص راجعًا وهو يشعر بمرارة الخيبة بعد الغبطة التامّة التي أفادته إياها الفكرة حينما نشأت، ويروح يطير من فكرة إلى أخرى ولا يكاد يصنع شيئًا لأن العوائق التي لم يقدّرها تغلبه، والوعور التي لم يتوقّعها تهيضه، والمشقات التي لم يفكر فيها تُسئمه.

وهو هنا يتساءل: هل يُفكر النّاس بالنَصَب الذي يلاقيه الفنّان في إبداع فنّه؟

وكم من الناس يفكرون فيما يُقاسيه الأديب؟! أين ذاك الذي يُطالع الكتاب أو الديوان ويعنى بأن يصوّر لنفسه الجهد الذي بذله صاحبه والغصص التي تكبّدها وصبر عليها: جهد التفكير والأداء، وغصص النجاح والفشل على السواء؟

إنه لا يُقدر ذلك إلا من عانى هذه المآزق وخاض غمراتها وذاق مرارتها.

وشبيه بهذا أن يقف رجل من الأوساط العاديين أمام صورة يتأمّلها ويُدير فيها عينيه ويُعجب بها أو لا يُعجب، وهو لا يدري أنّها ليست ألوانًا وأصباغًا مزجها المصوّر (=الرسّام) وزاوج بينها وساوقها، بل قطعة حية من نفسه إذا نظر إليها صاحبها كرّت أمام عينه سلسلة طويلة من الألم واللذة والندم والغبطة والغيظ والكمد والسخط والرضا والأمل والخيبة ومن أسبابها ودواعيها المباشرة وغير المباشرة.

وبعد ذلك يُدلي برأي في العلاقة بين مدى الإحساس بالفكرة والقدرة على التعامل مع مصاعب تجسيدها في الفنّ:

ويظهر أنه ليس أعون على المُثابرة والصبر من خفّة الإحساس ومن أن يكون المرء بحيث لا تهتاج آماله أو مخاوفه إلى درجة من الألم والإلحاح لا تُحتمل ولا يسع المرء معها رفقًا بنفسه وإبقاء عليها إلا أن يفرغ من الأمر الذي يُعالجه ولو خسر في سبيل ذلك غايته. وأعني أن يكون المرء هادئ النفس، قليل الاكتراث، قادرًا على الانتظار، مُطيقًا للصبر، راضيًا عن نفسه، مستعدًا للارتياح إلى كل ما عسى أن يشغله؛ يستوي عنده أن يكتب في الفلسفة أو يصف حوانيت الباعة، وأن يستكشف القطب الشمالي أو يهتدي إلى حانة تبيع الويسكي بأثمان زهيدة ومقادير كبيرة، مادام هو الذي يفعل هذا أو ذاك، وما دام رضاه عن نفسه لا يُضعفه سبب من الأسباب.

وليس من النادر أن يُرزق هذا الضرب من الناس حظًا من البساطة الطبيعية ترفعهم وتذري منهم. ولكن ما عسى صبر الذين تطغى بهم البواعث القويّة وتلجّ بهم الأشواق الحادّة والرغبات الجامحة وتدفهم إلى محاولة الوثوب وتعجلهم ولا تدع لهم فرصة راحة يروضون بها نفوسهم؟