دانيال بناك: لا يتحمل فعل “قرأ” صيغة الأمر

دانيال بناك  كاتب سيناريو وأديب ، وروائي فرنسي ولد في الدار البيضاء (1944)، اشتهر بحبه وشغفه اتجاه القراءة حتى أنه خصص مؤلفات للغوص في عالم القراءة وفهم الكيان البشري اتجاه علاقته بالكتب والقراءة، ومن الملفت في الأمر أنه لم يكن طالباً متفوقاً بعكس كثير من الكتاب والأدباء، لكنه حصل على عدة جوائز في كتابة النثر والقصص القصيرة ومن أشهر مؤلفاته في عالم القراءة كتاب (متعة القراءة) الذي حقق مبيعات عالية بين القراء، حيث يناقش الكتاب عدة مواضيع ذات صلة أهمها “ولادة الكيمياء” الذي يتحدث من خلالها عن اختلاف ثقافة القراءة بين الأجيال.

يفتتح صفحاته بقول:

لا يتحمل فعل “قرأ” صيغة الامر. وهو اشمئزاز تشاطره عدة أفعال “أحب” .. وفعل “حلم” طبعاً تبقى المحاولة ممكنة. هيا لنحاول : “أحبني!”أحلم!”اقرأ“، أقول لك “أقرأ أمرك أن تقراً!”

والنتيجة؟؟ لا شيء .

وتزداد عدم قدرتنا على فهم الاشمئزاز من القراءة خاصة إذا كنا ننتمي إلى جيل، إلى مرحلة، إلى وسط إلى عائلة، حيث كانت النزعة السائدة تقوم بالأحرى على منعنا من القراءة.

– هيا توقف عن القراءة ستهلك عينك!

– من الافضل أن تخرج للعب ، فالطقس رائع

– أطفي النور فالوقت متأخر!

لا حظوا أن الفعل في الحالتين، حالة السماح بالقراءة أو منعها، قد صرف بصيغة الأمر. حتى في الماضي كنا كما نحن الآن. لقد كانت القراءة حينذاك فعل تمرد!! فإضافة إلى اكتشاف الرواية كانت هناك الإثارة التي يولدها عدم الخضوع لإرادة الأهل. روعة مضاعفة، اه يا لذكرى ساعات القراءة تلك التي كنا نختلسها، متخفين تحت اللحاف على ضوء المصباح اليدوي! كم كانت (أنا كارنينا) تعدو بسرعة بسرعة نحو (فرونسكي) في الساعات من الليل لقد كانا يعشقان بعضهما البعض رغم إرادة الأب والأم، ورغم وظيفة الرياضيات التي كان من الواجب إنهاؤها، ورغم موضوع الفرنسي الواجب تسليمه، ورغم الغرفة الواجب ترتيبها لقد كانا يعشقان بعضهما البعض بدل أن يجلسا إلى مائدة الطعام، تباً كم كان جميلاً ذلك الحب وكم كانت الرواية قصيرة.

وعن اختلاف الاجيال في شغف الاطلاع والتعلم كتب (بناك) قائلاً:

إن العقود التي تفصل بين جيل أطفالنا وشبابنا نحن كقراء تعادل قروناً من الزمن بحيث أن، إن كنا نشعر، نفسياً أقرب إلى أطفالنا من قرب أبائنا إلينا فإننا، فكرياً، بقينا أقرب إلى أبائنا.

عند هذه النقطة، جدل ،نقاش، تحديد لمعاني المنصوبات “نفسياً و فكرياً“. تعزيز بمنصوب أخر: عاطفياً

– أقرب إليهم عاطفيا

– لم أقل فعلياً، قلت عاطفيا

– أي أننا، بكلام أخر أقرب إلى أطفالنا عاطفياً، لكن أقرب إلى أبنائنا فعلياً

– أهذا ما أردت قوله؟

– هذه حالة اجتماعية تراكم حالات اجتماعية يمكن تلخيصها على الشكل التالي: أطفالنا هم أبناء وبنات عصرهم بينما نحن لم نكن سوى أطفال أهالينا

– طبعاً عندما كنا مراهقين لم نكن زبائن مجتمعنا. أقول زبائن من وجهة نظر تجارية وثقافية. كان المجتمع يومها مجتمع بالغين. ثياب مشتركة. كان الاخ الاصغر يرث ثياب الاخ الاكبر، كنا نأكل نفس الوجبات، في نفس الوقت الطاولة، كنا نقوم بنفس النزهات يوم الاحد وكان التلفزيون يربط جميع أفراد العائلة أمام نفس القناة ومن ناحية القراءة كان هم الاهالي الوحيد هو في وضع بغض الكتب على الرفوف التي لا يمكن أن نطالها

– أما الجيل الاسبق، جيل أجدادنا، فقد كان يحرم بكل بساطة القراءة على الفتيات خاصة قراءة الروايات، لان الخيال خراب البيوت وهذا ليس في صالح الزواج

– بينما اليوم .. يُعد المراهقون زبائن حقيقين في مجتمع يُلبسهم ويسليهم و يغذيهم ويثقفهم. في مجتمع تتكاثر فيه المطاعم  الماكدو وماركات الوستون و الشوفنيون وغيرها. كنا نقرأ كتاباً، والان يطرقون كاستيات … كنا نحب التواصل على أنغام  البيتلز، بينما ينغلقون على أنفسهم تحت سماعة الوكمان.

وأن لم يكن الذنب ذنب التلفزيون أو الجنون الاستهلاكي فسيكون خطاً المدرسة: تعلم المدرسة بشكل خاطئ، عدم ملائمة البرامج المدرسية، عدم كفاءة المدرسين، سوء حالة الصفوف، قلة المكتبات، ميزانية وزارة التعليم .. شيء بائس والحصة الضئيلة جداً المخصصة للكتاب.

– كيف يمكن لابني أو لابنتي، كيف يمكن لا طفالنا، للشباب، أن يقرأون ضمن هذه الشروط

– بالمناسبة الفرنسيون يقرأون أقل فأقل

وعن الحميمية المفقودة في طقس القراءة اليوم، يقول (بناك):

عندما نعاود التفكير، الان وقد بدأ الارق في طقس القراءة الذي كنا نقوم به كل مساء حافة السرير في ساعات محددة وبحركات لا تتغير فأننا نرى هذا الطقس أشبه بطقس الصلاة تلك الهدنه المفاجئة بعد صخب النهار، تلك اللقيا خارج كل الحوادث المحتملة ذلك الصمت القدسي قبل أولى كلمات القصة نعم كانت تلك القصة المقروءة كل مساء تحقق أجمل وظائف الصلاة، الوظيفة الاكثر تجرداً، والاقل صخباً، والتي لا تعني إلا البشر: غفران الاساءة. لم يكن هناك أي اعتراف بالذنوب، أو أية محاولة للحصول على حظنا من الخلود، بل كانت فقط لحظة مشاركة قربانيه فيما بيننا، لحظة غفران النص، لحظة عودة إلى الفردوس الوحيد الذي له القيمة الحميمة. حينها اكتشفنا دون وعي إحدى أهم وظائف الحكاية، وبشكل أوسع إحدى وظائف الفن بعامة، والتي تكمن في فرض هدنه على صراع البشر وهكذا كان الحب يكتسي ثوباً جديداً مجاناً، دون أي هدف نفعي كان كل شيء يتم في عالم المجانية، المجانية عملة الفن الوحيدة .