سونتاج عن حكمة الأدب وخطر الآراء ومهمة الكاتب

 

سوزان سونتاغ

سوزان سونتاغ (1933 – 2004) ناقدة ومخرجة وروائية أميركية.

على الكاتب أن لا يكون ماكِنَة آراء.. مهمة الكاتب هي السماح لنا برؤية العالم كما هو مليء بالكثير من الادعاءات والأجزاء والتجارب المختلفة.

“تنتمي الكلمات إلى بعضها” سجلت (فرجينيا وولف) في التسجيل الصوتي الوحيد الباقي لها. “الكلمات أحداث، فهي تحدث أشياء وتغير أشياء” كتبت (أورسولا لي جوين) بعد عقود عديدة لاحقة في تأمل سحر الحوار الحقيقي. أما الشاعر (ديفيد وايت) فلقد أدهشه “جمال الكلمات الخفي والغاوي بغموضه” في رحلته لاسترداد المعاني الأعمق للكلمات الاعتيادية.

لكن ماذا تفعل الكلمات حقًا؟ ما هي المسؤولية التي تحملها الكلمات تجاهنا وما المسؤولية التي نحملها تجاه الكلمات؟

هذا ما تتقصاه (سوزان سونتاغ) في خطابها المذهل لقبول جائزة القدس عام ٢٠٠١ والذي نشر تحت عنوان “ضمير الكلمات” في كتابها (في آنٍ واحد: مقالات وخطابات). الكتاب الذي لا غنى عنه والذي نشر بعد وفاتها من مقتطفات أدبية مختارة أتاحت لنا مقالات عدة لـ(سونتاغ) عن الشجاعة الأخلاقية وقوة المقاومة المنضبطة للظلم، الأدب والحرية ، الجمال مقابل الجاذبية، ونصيحتها للكتاب.

تبدأ (سونتاغ) بقياس مرونة اللغة وقدرة الكلمات على تضخيم المعاني بالقدر نفسه الذي يمكنها به تقليصها.

نحن الكتاب تقلقنا الكلمات. تحمل الكلمات معاني وتشير إلى أشياء. الكلمات أسهم عالقه في الجلد الخشن للواقع. وكلما كانت الكلمات منمقة و متداولة كلما أصبحت تمثل غرف وأنفاق من الممكن أن تتسع أو أن تتداعى. يمكن للكلمات أن تحمل رائحة سيئة وغالبًا سوف تذكرنا بغرف أخرى حيث نفضل السكون أو غرف نظن فيها أننا بالفعل أحياء. من الممكن أيضًا أن تكون مساحات نخسر فيها فن وجزالة الاستقرار. وأخيرًا هذه الغايات العقلية الجسيمة التي لا نستطيع العيش فيها سوف تهجر وتتوارى وتغلق.

على سبيل المثال ماذا نقصد بكلمة “سلام”؟ هل نقصد غياب الاضطراب؟ هل نقصد النسيان؟ هل نقصد الغفران؟ هل نقصد إعياء عظيم ومرهق أم هل نقصد التجرد من الضغينة؟ يبدو لي أن ما يقصده معظم الناس “بالسلام” هو الانتصار. انتصار جانبهم، هذا ما يعنيه لهم “السلام” بينما يعني “السلام” للآخرين الهزيمة. يصبح السلام مساحة لا يعلم الإنسان كيف يستقر فيها.

تأملاً في الاسم الكامل للجائزة التي أنتجت خطابها – جائزة القدس لحرية الفرد في المجتمع – تتفكر (سونتاغ) في علاقة الكاتب بالكلمات كأدوات تمثل الكاتب شخصياً:

ليس مهماً ما يقوله الكاتب، المهم هو الكاتب نفسه.

الكتاب – ومن اقصد هم أعضاء الجماعة الأدبية – هم رموز للاجتهاد، وضرورة، الرؤية الفردية.

ولكن لأن “هناك الكثير مما يبعث التناقضات في كل شيء” كما لاحظت (سونتاغ) بأسى قبل ربع قرن، هنالك جانب مظلم لمفهوم الرؤية الفردية. في نص يتناسب جداً وعصرنا، عصر الانتشار الذاتي والهوية، (سونتاغ) التي عاشت خلال عصر الأنا كتبت:

الدعاية الترويجية الغير منقطعة في عصرنا “للفرد” تبدو لي مشبوهة جدًا فيما تصبح “الفردية” مرادفًا للأنانية. مجتمع رأسمالي يصبح مهتمًا بتمجيد “الفردية” و“الحرية” والذي من الممكن أن يعني أن لهذا المجتمع حق أبدي في تضخيم النفس والحرية في التخزين والاستيلاء والاستغلال والاستنزاف حتى يندثر هذا المجتمع.

أنا لا أؤمن بأن لتهذيب النفس قيمة وراثية وأعتقد أنه ليس هنالك حضارة، استخدم هذا المصطلح بشكل معياري، لا تملك مقياسًا للإيثار والاهتمام بالغير. أنا أؤمن بأن هنالك قيمة متأصلة في تعميق وعينا بما يمكن أن تكون عليه الحياة الإنسانية. إذا خاطبني الأدب كمشروع ، كقارئة أولاً وكاتبة ثانياً فما هو إلا امتداد لتعاطفي مع أنفس ومجالات و أحلام وكلمات واهتمامات أخرى.

في رؤية متضادة ثقافياً اليوم ، كما نرى مهن تبنى على أفكار معلقه متراكمة (سونتاغ) تعطي اعتبارًا لمهمة الكاتب الحقيقية:

على الكاتب أن لا يكون ماكِنَة آراء.. مهمة الكاتب الأولى هي قول الحقيقة لا امتلاك الآراء. يجب عليه أن يرفض مشاركة الأكاذيب والتضليلات. فالأدب هو بيت التباين والفروق الدقيقة ضد أصوات التبسيط ومهمة الكاتب هي أن يجعل تصديق لصوص الفكر صعباً. مهمة الكاتب هي السماح لنا برؤية العالم كما هو مليء بالكثير من الادعاءات والأجزاء والتجارب المختلفة.

إن مهمة الكاتب هي تصوير الحقائق: الحقائق المنحلة وحقائق الفرح. هذا هو جوهر الحكمة الأدبية، تعددية الإنجازات الأدبية، مساعدتنا على فهم أن ما يحدث الآن يحمل في طياته حدثاً آخر.  

كلمات (سونتاغ) تنشر إدراك مؤلم لنزعتنا المعاصره في بناء آراء سريعة وغلط آراء مبنية على المعرفة بما هي أساساً أصداء لردود أفعال أخرى.

تلاحظ (سونتاغ): “من الفظاظة إشاعة آراء للعامة لا يملك الشخص فيها معرفة مباشرة عميقة.  إذا تحدثت عن ما لا أعرف أو عن ما أعرف باستهتار فإن هذا مجرد تسويق للآراء. مشكلة الآراء هي أن الشخص يعلق فيها. وكلما تصرف الكتاب ككتاب فإنهم دائمًا يرون أكثر.”

توثيقًا لقوة الأدب في ضبط الفوارق البسطية للمعنى واحتفالًا بما تسميه الشاعره (إليزابيث ألكسندر) “تعددية المعاني والأصوات والمتحدثين” تضيف (سونتاغ):

إذا كان الأدب، هذا المشروع الضخم الذي تم تنظيمه، في مجال اختصاصنا، منذ ما يقارب آلاف السنين يتضمن الحكمة – وأنا أعتقد بأنه يتضمن الحكمة وأنها في الأصل جوهر ضرورة الأدب لدينا – فهو يتضمنها من خلال عرضه لازدواجية طبيعة مصائرنا الشخصية والجماعية. سوف يذكرنا باحتمالية وجود التناقضات وأحيانًا النزاعات التي لا يمكن اختزالها بين القيم التي نعتز بها كثيرًا.

هذا الإدراك بالتعددية والتكامل تنشأ منه أرفع مهة للأدب وأعظم جزاء. بعد قرون تلت أحد أعظم مؤثريها (هيغل)، والذي حذر من خطورة الآراء الثابتة، تكتب (سونتاغ):

الحكمة في الأدب معاكسة لامتلاك الآراء.  تَوْرِيد الآراء، حتى الآراء الصحيحة – عندما تطلب – يرخص من قيمة ما يقوم به الشعراء والروائيون على أكمل وجه وهو مناصرة التفكر واستكشاف الغموض.

في رؤية مرتبطة ارتباطًا استثنائيًا بالحاضر، فيما يتزايد كفاحنا للعيش مع الحكمة في عصر المعلومات، تردد (سونتاغ) صدى أفكار بطلها والتر ينجامين الأبدية عن الفرق الجوهري بين المعرفة والتنوير، وتقدر مهمة الروائي المطلقة:

لن تستبدل المعرفة التنوير أبدًا. دع المشاهير والسياسيين يتحدثون معنا بدونية، يكذبون. لو أن كونك كاتبًا وصوتًا عامًا من الممكن أن يرمز إلى ما هو أفضل فإن ذلك سيكون اعتبار عملية تكوين الآراء والأحكام مسؤولية صعبة.

مشكلة أخرى مع الآراء هي أنها من محركات شل الحركة الذاتية. من المفترض أن ما يفعله الكتاب باستطاعته أن يحررنا ويهزنا. أن يفتح طرقًا للرأفة واهتمامات جديدة. وأن يسمح لنا بأن نتذكر أنه من الممكن أن نطمح في أن نصبح مختلفين وأفضل مما نحن عليه. أن نتذكر أننا نستطيع أن نتغير.


[المصدر]