علم النفس الفردي: قوة النظرية وتميزها

من المعلوم في حقل العلاج النفسي ونظريات الشخصية، أنه وبعد ثورة العلاج المعرفي السلوكي والنظريات الإنسانية الوجودية لم يَعُد يُنظر للتحليل النفسي كما في السابق [على وجه الخصوص: التحليل النفسي الكلاسيكي] وأصبح البعض يراها مجرد نظرية تاريخية في علم النفس والطب النفسي، إلا أن النظرية التحليلية التي بقيت متماسكة بكيانها ومفاهيمها بل وتزداد قوةً وشعبيةً وحضوراً في العلاج النفسي هي نظرية: (علم النفس الفردي) للطبيب وعالم النفس (الفرد آدلر). [Alfred Adler, 1870-1937]
وذلك لأنها نَظَرت للإنسان نظرة حقيقية عميقة كما هوَ، فلم تبالغ به وتجعله فوق منزلته، ولم تنزل به ليكون كالحيوان أو كالآلة، وأتت بمفاهيم تكاد تُشكِّل المحاور الرئيسية لأي إنسان على وجه الأرض؛ الذات الخلَّاقة، أسلوب الحياة، عقدة الشعور بالنقص والقصور، الشعور الاجتماعي.


الذات الخلَّاقة:

ينظر (آدلر) للذات الخلَّاقه بأنها الرأس أو الهرم لأعماله، ويشير (آدلر) إلى أن الذات الخلَّاقة هي التي تجعل للحياه هدف ومعنى، و تجعلنا نشعر بالطاقة و تُحرِّكنا بقوة نحو تحقيق الأهداف [آل تركي، ٢٠١٥م].
كما يرى (آدلر) أن هناك قوه تعطي الإنسان القدرة على التَّفرُّد لينقل الحقائق الموضوعية إلى حوادث شخصية ذات معنى وقد سمَّاها بالذات الخلَّاقة، والذات الخلَّاقة تحفظ الشخص من أن يكون ضحية للناحية البيولوجية والظروف الاجتماعية، وهي تُحرِّك الشخص تجاه فردية أكثر واستقلالية أكثر [عبداللطيف، ٢٠١٣، نقلاً عن: الشناوي، ١٩٩٣، prochaska,1994].
يقول (آدلر):

لا تخلو دراسة تَصوُّر الفرد عن معنى الحياة من الفائدة لأنه في نهاية الأمر هي القاعدة التي تؤطِّر تفكيره وانفعاله ومن ثم نشاطه، ولكن المعنى الحقيقي للحياة يتكشَّف في المقاومة التي يواجهها الفرد عندما يتصرف بطريقة خاطئة، إن مشكلة التعليم والثقافة والشفاء تكون في مد جسر بين معطيين: معنى حقيقي للحياة؛ وسلوك خاطئ يقوم به الفرد…حين يتشبَّث فرويد بفكرته حول الموت الذي يجذب الكائنات البشرية، إلى حد أنهم يتشهونه في أحلامهم، نجد أن هذه الفكرة غير ناضجة وقابلة للكثير من النقاش والجدل.
لا شك أن هناك أناس يُفضِّلون الموت على الكفاح والعمل ضد المعضلات الخارجية القاسية التي يواجهونها، ذلك لأنهم يخشون لغرورهم وكبريائهم الفشل في حل هذه المعضلات! هؤلاء هم أنفسهم الذين يرغبون بشكل أبدي أن يَظلُّوا في أحضان أمهاتهم، وأن يقوم الآخرون بالعمل الموكل إليهم بدلاً عنهم، هم المُدلَّلون ذوو النفوس الصغيرة التي لا طائل منها في حياة تستوجب العمل والصراع المرير كي تأخذ معناها…إن الشعور بالرضا والألم الذي يرافق هذا الصراع ليس سوى عامل مساعد للفرد في طريقه، والبحث الخالد عن الأمان هو الذي يدفع الفرد إلى الانتصار على الواقع الحالي الماثل أمامه، وذلك من أجل فرض واقع أفضل، فالحياة البشرية تصبح مستحيلة دون دورة الحضارة هذه والتي لا تتوقف عن دفعنا للأمام [آدلر، ٢٠١٩م].


أسلوب الحياة:

هو الذي يجعل الفرد يتكيَّف مع بيئته ويواجه العقبات التي تعترض في حياته، ومن خلاله يحقق الانسان أهدافه، وهو الذي يجعل الأطفال كذلك يناضلون بطرق وبأشكال فردية من أجل تحقيق الكمال والتفوق، فمثلاً الطفل الذي يُنتَقد كثيراً من قِبل الأطفال الآخرين في الحي، غالباً ما يُطوِّر أسلوباً ونمطاً لفظياً معيناً للتعامل وللتأثير على الأطفال الآخرين والتحايل عليهم، ومن ثم فإن هذا السلوك يمكن أن يُعوِّض عن النقص الذي تعرَّض له الطفل جرَّاء انتقادات الآخرين له، ويعتقد آدلر أن أسلوب الحياة يرتكز على التغلب على سلسلة من القصور والنواقص لدى الفرد، ومعظم هذه الامور يمكن أن تنشأ في سن الرابعة والخامسة من العمر، وبالتالي يصبح من الصعب على الإنسان تغير أسلوب حياته بعد ذلك. في الحياه بعد ذلك.
ويشير (آدلر) إلى أن أسلوب الحياة يمكن أن يُفهَم من خلال مراقبة كيفية قيام الأفراد بمعالجة ثلاثة مهمات رئيسية مترابطة: المهنه، المجتمع، الحب [علاء الدين، ٢٠١٣م].
يقول (آدلر):

من الواضح أننا لسنا متأثرين بالوقائع ولكن بتصورنا حولها…نصل الى نتيجه مفادها أن كل واحد منا يحمل في ذاته تصور عن نفسه وعن مشكلات الحياة وخطَّاً معيناً يتبعه فيها، وقانوناً ديناميكياً يحركه دون أن يفهمه أو يدرك كنهه، هذا القانون الديناميكي يولد في الإطار الضيق للطفولة، ويتطور تبعاً لاختيار محدد تقريباً، وذلك باستخدام حر للقوى الفطرية وللانطباعات حول العالم الخارجي، دون القدرة على التعبير عنها أو تعريفها بصيغة رياضية.
منذ وقت طويل وأنا أحاول الإحاطة بمسائل الحياة هذه وتحديدها بثلاثة أشكال: الحياة في المجتمع، العمل، الحب. من السهل معرفة الأهمية التي تأخذها هذه المسائل في فرض وجودها علينا دون أن نستطيع شيئاً للتخلص منها، ذلك لأن جميع مواقفنا تُشكِّل الجواب الذي نقدمه بفضل نمط حياتنا. وبما أن هذه المسائل الثلاث مرتبطة ببعضها، خاصة وأنها تتطلب درجه كافية من الشعور الاجتماعي لحلها نرى أنه من السهولة أيضاً فهم أن نمط حياة كل واحد منَّا ينعكس بطريقة واضحة تقريبا في مواقفه اتجاهها…في الحب الذي يسد حاجة الفرد على المستوى النفسي والجسدي أيضاً، يبدو الشعور الاجتماعي كمبدأ خلَّاق مباشر لقدرنا، وكذلك في الصداقة وعلاقات الأطفال فيما بينهم ومع آبائهم، إن الحب الذي نتكلم عنه هنا هو علاقة بين اثنين من جنسين مختلفين يقوم بدوره في دوام النسل واستمرارية النوع البشري في الوجود، لذا لا يوجد مشكلة بشرية تُعنَى بخلاص الفرد في المجتمع في كالحب، إن مشكلة بين اثنين لها نظامها الخاص، ولا يمكن حلها بطريقة مُرضيَة بالطريقة نفسها التي يتعرض لها الشخص الواحد. كي تستكمل مشكلة الحب شروطها على الشريكين أن ينسيا نفسيهما كاملاً، فيتحد أحدهما بالآخر كي يُشكِّلا كلَّاً واحداً من جديد.
أن نأخذ الحب كمفهوم سطحي، أي كما نراه في العلاقات السريعة المختلطة أو الدعارة أو الانحرافات…إلخ، يعني أن نُجرِّده من قيمته الفضلى وبريقه وسحره الجمالي. إن رفض علاقة دائمة يزرع الشك وعدم الثقة في نفوس الشركاء، ويجعلهم عاجزين عن الوفاء والإخلاص نحو بعضهم، فمشكلات كهذه حتى لو كانت متنوعة حسب الأوضاع، يمكن لها أن تبدو كإشارة لشعور اجتماعي ناقص في حالات الحب جميعها أو الزواج التعس، وفي حالات العجز جميعها للقيام بالأعمال التي ننتظرها منهم. لاشك عندي البتَّة أن الحط من قيمة الحب والانتقاص من قدره، وهو ما يعني انتكاساً في الشعور الاجتماعي، يفتح الباب أمام الأمراض وتدمير الحياه الفردية والعائلية والشعوب بأكملها [آدلر، ٢٠١٩م].


الشعور بالنقص:

يرى (آدلر) أن الشعور بالنقص هو الذي يحرك الإنسان نحو التميز ومحاولة الوصول للكمال، والنقص يشمل النقص الجسمي والعقلي والاجتماعي الحقيقي أو المتوهم. ويعتقد آدلر أن جميع الناس يمرون بمشاعر النقص، ولكن منهم من تدفعه تلك المشاعر للنجاح والتميز ومنهم من تكون سبب في إصابته بالعصاب [آل تركي، ٢٠١٥م].
يقول (آدلر):

منذ وقت طويل، و أنا أُصرّ على أنَّ معنى الكائن البشري يكمن في شعوره بالدونية…وهو يشبه إلى حد كبير التوتر المؤلم الذي يتطلب حلاً للتخلص منه…يمكن للتوتر في بعض الظروف أن يترافق مع آلام دائمة أو عابرة، كما يحدث أحياناً في سفر من نحب، أو فقدان صديق وفي، وكما يقوم الرضيع بحركاته كي يعبر عن حاجاته ونقصها، ومحاولته بتحسين وضعه، وإيجاد الحلول الحيوية، كذلك تاريخ البشرية، والذي يشبه إلى حد بعيد الشعور بالدونية في محاولته وبحثه الدؤوب عن إيجاد حلول لكل ما يصادفه من عوائق في الحياة … بيد أنّ الحضارة في تقدّم مستمر، وهي تحيط بنا من كل جانب من جوانب الحياة، وتُبيِّن لنا حاجتها الدائمة للأمان، وتُرينا الإنسان بكل وضوح في حالته العاطفيّة الدائمة، وهو يشعر بالدونية التي تخصه، وتدفعه دفعاً كي يتحرك، ويعمل بكل طاقته للوصول إلى أقصى درجة من درجات الأمان … يهيمن الشعور بالدونية على الحياة النفسيّة، وإننا لنرى ذلك
بوضوح في شعورنا الدائم بالنقص فيما نملك، وبعدم الكمال بما نقوم به من أفعال تُفرض علينا…يبدو الشعور البشري بالدونية، والذي عادة ما يُستنفد في الصراع من أجل التقدم، أكثر حركة وحيويّة في عواصف الحياة ومخاضاتها، وأكثر وضوحاً في التجارب القاسية التي تواجه الفرد، إنه يعبر عن نفسه بشكل مختلف تبعاً للأوضاع التي يصادفها ، وإذا ما أردنا الإيجاز في التعبير عن تجلياته في كل حالة من هذه الحالات، فإننا نجده يمثل نمط حياة كلّ فرد على حدة، وهو يظهر بأشكال متشابهة في مواقف الحياة جميعها [آدلر، ٢٠١٩م].


المراجع:

١.ادلر، الفرد.معنى الحياة. ط١. دمشق: دار الفرقد. ٢٠١٩م.

٢.علاء الدين، جهاد محمود. نظريات الإرشاد النفسي (التحليل النفسي والسلوكية). ط١. عمَّان: الأهلية للنشر والتوزيع. ٢٠١٣م.

٣.أبو أسعد، أحمد عبداللطيف. علم نفس الشخصية. ط٢. الأردن: عالم الكتب الحديث. ٢٠١٣م.

٤.آل تركي، خالد تركي. التحليل النفسي بصورة مبسطة. ط١. مصر: دار العلوم العربية للنشر والتوزيع. ٢٠١٥م.