عن ريلكه وكيف تُنتج الأعمال الفنية من ظهر العزلة

“الأعمال الفنية فيها وحدة لانهائية ولا يوجد شيء يُمكن أن يصل إليها مثلما يفعل النقد. فقط الحب يمكنه إدراكه ويكون صامداً اتجاهه”

“إنهم أكثر الناس حزناً على وجه الأرض” كتبت ذلك الشاعرة (ماري أوليفر) خلال تأملاتها في مهمة الفنان وتمثيل الالتزام الأساسي في الأعمال الفنية،حيث أضافت “هم أولئك الذين شعروا بالدعوة إلى العمل الإبداعي، وشعروا بأن قوتهم الإبداعية الخاصة، والتي لم تُمنح من قبل لا القوة ولا الوقت، تستعيد  قوتها وانتفاضتها”.

هذا ما اكتشفه راينر ماريا ريلكه (١٨٧٥ – ١٩٢٦) وهو شاعر آخر عظيم ذو ميل فلسفي و رؤية وجودية نادرة، منذ أكثر من قرن في الرسالة الثالثة التي تم جمعها في كتابه (رسائل الى شاعر شاب) منبع الحكمة في الفن والحياة. والتي تركها (ريلكه) للطالب والشاعر الناشئ (فرانز زافير كابوس).

في أول رسائله إلى الشاعر الشاب وضع أفكاره الأساسية حول ما يلزم ليكون الفنان فنانًا. وبناءً على هذا الأساس في رسالته الثالثة كرر قول (فرانز كافكا) بأن “الصبر هو المفتاح الأساسي لكل موقف” مؤكداً بذلك على أنه المفتاح الأساسي للحياة الإبداعية أيضًا:

أن تكون فنانًا يعني، أنك لا تحسب حساباً، بل تنضج مثل شجرة لا تجبر خلاصتها وتقف واثقة في مواجهة عواصف الربيع دون خوف من أن لا يأتي الصيف. إنه يأتي. ولكن فقط للصبور، الذي  يقف كما لو أن الأبدية مازالت أمامه، لايكترث رغم سعته. يقول: تمرنت على ذلك بشكل يومي، تعلمت ذلك بألم وكثير من الإمتنان، بأن الصبر هو كل شيء!

إن الصبر في صناعة الفن هو أن تكون وحيدًا – و يتطلب لأجل العمل الإبداعي عُزلة عزلة إضطرارية، سواء كانت لأجل الفن ذاته أو لأخذ علم معترف به على نطاق واسع من قبل المبدعين زمنيًا أو منهجيًا.

أوه عزلتي المريحة، كم أنتِ مفيدة لاجل الأفكار الأصيلة.

كتب الأب والمهندس لعلوم الأعصاب (سانتياغو رامون إي كاخال) في بحثه عن البيئة المثالية للإنطلاقة الفكرية.

غَذ نفسك بأفكار عظيمة وبسيطة عن الجمال ليغذي روحك…ابحث عن العزلة.

نصح (أوجين ديلاكروا) نفسه كفنان شاب في عام ١٨٢٤ قائلاً:

العزلة والراحة من المسؤوليات و سلام العقل ستفيدك أكثر من جو الاستديو أو المحادثات.

كما و نصحت الشابة (لويز بورجوا) صديقتها الفنانة في القرن التالي تمامًا كما كانت الشاعرة (ماي سارتون) تبتهج بغِنوة الوَحدة:

لا يوجد مكان أكثر حميمة من الروح وحدها.

 


عمل فني ل آيسول من كتاب رؤى النهار

 

يوضح (ريلكه) لمُراسلهِ الشاب، أن هذه العزلة هي الأهمية الحيوية في العمل الفني، بمشاعر بالغة في الحدة والإلحاح وسط عصرنا السريع والآراء الغير مدروسة:

اترك لآرائك أن تمنو بطريقتها الهادئة وغير المضطربة. أن تتطور مثل أي شيء آخر، عليها أن تأتي من العمّق دون ضغط أو تعجيل. فكل شيء يمر بالحمل ثم بالولادة  ليخرج إلى الحياة. اسمح لكل فكرة و كل جزء من مشاعرك بالانغماس كلياً في نفسها، في الظلام حيث يتعذر تفسيرها، في اللاوعي، و بعيداً عن متناول ذكاء الفرد، انتظر بتواضع شديد وصبر، ساعة ميلاد الوضوح الجديد: هذا وحده كفيل بعيش حياة الفنان: في الفهم كما في الخلق.

مردداً حكمة (غوته) التي تشتد الحاجة إليها بشأن الرد الوحيد المناسب للأعمال الفنية للآخرين:

الأعمال الفنية تحفها وحدة لا نهائية ولا شيء قادرعلى النفاذ إليها كما يفعل النقد، باستثناء الحب، فالحب وحده يمكنه إدراكها والتوجه نحوها.

ستظل (رسائل إلى شاعر شاب)، والتي منحها لنا (ريلكه) حول ما يعنيه حقاً الحب وقيمة عدم اليقين في إطالة الحياة ولماذا نقرآ، أحد أجمل المؤلفات الخالدة و العميقة. تكملة هذا الجزء بالذات ستكون مع (راشيل كارسون) عن الكتابة ووحدة العمل الفني و(فرجينيا وولف) عن العلاقة بين العزلة والفن، ثم العودة لـ(ريلكه) وعن طبيعة الفن.


[المصدر]