فريدريك لونوار، وكلماته في أن نصبح أحرارًا

فريدريك لونوار

 

فريدريك لونوار (مواليد 1962)، فيلسوف وكاتب وعالم اجتماع فرنسي له، العديد من الكتب والراويات.

في مؤلفه الرائع (فن الحياة) يكتب تحت عنوان “أن نصبح أحرارًا” مفهومه الخاص للحرية والتي استلهم جزء منها من فلاسفة وحكماء يأتي على ذكرهم فيها، فيقول مبتدئًا الحديث:

كلنا مولعون بالحرية، ولكن هل نقدر قيمة الاستقلال الذاتي الذي ننعم به ونستخدمه بمعرفة تامة، وهو شرط ملزم للتعبير عن ذاتيتنا؟

كانت الحرية الفردية، حتى فترة زمنية قريبة نسبياً، تعيقها بشدة قوة الروابط الاجتماعية و العائلية، و وطأة التقاليد والطابع السلطوي للأنظمة الأساسية . أما اليوم فنحن نتمتع في الغرب بحظ خارق يتجلى في القدرة على تحقيق خياراتنا في الوجود. فباستطاعتنا البت في قضية مهنتنا ومكان إقامتنا، تغيير المدينة أو البلد، اختيار شريك حياتنا، وتحمل مسؤولية تأسيس عائلة أو عدم إنجاب أطفال. ويحق لنا بالطريقة ذاتها, وبحرية وصدق أن نتبنى القيم تبدو لنا  أشد صوابية لتوجيه حياتنا. وبإمكاننا اختيار دين نلزم أنفسنا به أو لا نلزمها، وأن نسلك هذا الطريق الروحي أو ذاك. كل ذلك يبدو أمراً مبتذلاً، ولكن لا ننسى مع ذلك أن الدين والمعايير الأخلاقية، في كثير من البلدان، وحتى إلى اليوم، تفرضها السلطات السياسية والدينية عبر توحيد جهودهما. فمن ينتهكها، أو ما هو أسوأ أيضاً، من يرفض تبنيها باسم حرية المعتقد أو قناعاته العقائدية، يعاقبه القانون وقد يتعرض لعقوبة الموت.

على أن حرية الاختيار والمعتقد، أياً كانت أهميتها، لا تكفي وحدها لجعلنا أحراراً تماماً. فثمة في الواقع شكل آخر من الاستلاب (انتقاص الحقوق) يتبدى في العبودية الداخلية، وأقصد به انقيادنا واستسلامنا لأهوائنا، ولرغباتنا الواعية أو اللاواعية، ولروابطنا الداخلية المكبوتة. هذا الاستلاب يجعل منا أسرى ذواتنا، فلنتمهل في مراقبة أنفسنا. فئة قليلة منا ستعترف بكل نزاهة أنها نجحت في حيازة حريتها الباطنية كاملة. إننا جميعاً، متأثرون بأحكام مسبقة وحاجات ورغبات أو حالات نفور غاية في العنف بحيث إنها تجتاح أحياناً فضاء حريتنا. ولنا جميعاً، وبدرجات متفاوتة، عادات سيئة بتنا عبيداً لها، وهي تحول دون تحقيق ذواتنا بصورة تامة وبدون إقامة علاقات طيبة مع الآخرين. هذه العوائق الباطنية هي قيود غليظة أشبه بالقيود التي كانت، في الأنظمة الشمولية، تجعل الناس سجناء بالجسد.

ثم ينتقل بعد ذلك إلى حديث أعمق عن مفهوم “الحرية الداخلية”، التي تطرق إليها قبلًا، فيقول، مستشهدًا بتعاليم (بوذا) و(سقراط) و(يسوع):

أراد معلمو الحكمة الثلاثة هؤلاء تحرير الفرد من قيود الجماعة وعبء التقاليد، فلم يكن ذلك بهدف جعله مستقلاً سياسياً وحسب، بل لتمكينه من شق طريق له قيوده إلى التحرر الباطني. ففي نظر (بوذا)، الحرية الحق هي الحرية التي يتوجب على كل كائن بشري أن ينالها بمقاومة أهوائه ورغباته وشهواته، والتي تشكل في الواقع قيوداً تربطه بعجلة “سمسار” ويقوم كل تعليمه على بضع حقائق حول العطش إلى الشهوات والتعلق بها، توثق الفرد بدورة التجسدات الجهنمية. أما في رأي (سقراط)، فالجهل هو علة كل الشرور؛ علة الخطأ، الظلم، الخبث والحياة الفاسقة، أي علة كل  شيء يسيء إلى الآخرين، وبخاصة إلى الإنسان نفسه. فالناس بجهلهم إجمالاً، يلحقون الأذى بأنفسهم. وبمعرفة أنفسهم وطبيعة الأشياء الحقيقية يتحررون من الرذيلة والشقاء. فمن توصل إلى معرفة الحق والعدل والخير لا يسعه إلا أن يكون إنساناً طيب القلب فاضلاً.

وجاءت رسالة (المسيح) متناغمة مع رسالتي (سقراط) و(بوذا)، وهو الذي وعد مستمعيه قائلاً: “إن ثبتم في كلامي، كنتم تلاميذي حقاً تعرفون الحق، والحق يحرركم”. وأضاف: “كل من يرتكب الخطيئة يكون عبداً للخطيئة”.

إذاً يتفق (بوذا) و(سقراط) و(يسوع) ليؤكدوا أن الإنسان لا يولد حراً بل يصبح كذلك عندما يخرج من الجهل، ويتعلم تميز الحق من الباطل، والخير من الشر، والعدل من الظلم، ويتعلم كذلك أن يعرف نفسه، ويتحكم بها، ويتصرف بحكمة ورحمة.