فلسفة البؤس عند هوغو

فيكتور هوغو (1802-1885) صاحب الروائع من الروايات العالمية التي لاتموت، وكاتب (البؤساء) و(أحدب نوتردام)، وهو كاتب رواية (عمال البحر) عن الإنسان في مواجهته للطبيعة في سكونها وضجيجها، في روعتها ورعبها.

أما عن (عمال البحر) فتقع أحداث القصة في جزيرة جيرنزي التي نفي إليها الكاتب لمدة 15 عاما. نُورد لكم هنا اقتباسين من موضعين متقاربين في الرواية تفصّل عمق الحزن الذي تشعر به الشخصية، وقد تفنّن (هوغو) في تفسيرها وهي:

 “…. و لا يعني ذلك أن وضعه لم يكن في حالة تغيّر. فالحزن كالغيم و هو يُغيّر شكله. إن الأرواح القويّة، تعزل في بعض الأوقات تحت بعض ضربات البؤس. و صفات الرجولة -كصفات لاتياري- تتفاعل في وقت معيّن. و لليأس درجاته الصاعدة. فمن الإنهاك يصعد المرء إلى الانهيار، و من الانهيار إلى الحزن العميق، و من الحزن العميق إلى السّهوم. السهوم هو الغسَق. يذوب فيه الألم في فرحة قاتمة، إنّ السّهوم هو سعادة الحزن”.

وقوله:

“هذه الظروف الرثائيّة المخفّفة، لم تكن مصنوعة للسيّ لاتياري. إنّ طبيعة مزاجه وفصيلة بؤسه، لا تتحمّلان هذه المعاني و المواقف. […] شيء واحد فقط، هو أنّ اليقظة الحالمة ليأسه الأول كانت تميل في الوقت الذي رجعنا فيه إليه، ومنذ أسبوع تقريبًا إلى التلاشي. دون أن يكون أقلّ حزنًا، فهو أقلّ جمودًا، ولكنه مستمرّ في القتامة، غير ضائع في حزنه. لقد كان يعود إليه نوع من الإدراك للواقع وللأحداث. وبدأ يُحسّ بشيء من تلك الظاهرة التي يُمكن أن نسمّيها (رجوعاً إلى الحقيقة الواقعة) وهكذا لم يكن في غرفته المنخفضة أثناء النهار يُصغي إلى أقوال الناس و لكنه كان يسمعها…. هذا القبول النصفي للواقع، هو في نفسه، علامة طبّية. إنه آية على النّقاهة. البؤس الكبير في حالة دوار، ومن هنا يخرج المرء منه، لكن أثر هذا التحسّن في البداية كان مزيدًا من الخطورة! إن حالة الحلم السابقة كانت تخنق الألم، فالرؤية مضطربة، والشعور قليل، ومن ثم ينرف من كل مكان، الجرح تزيد حدّته، والألم يعنف أمام كل التفصيلات التي يراها صاحبه، إنه يعود إلى رؤية كل شيء في الذكرى، ووجدانه كل شيء هو حزن على كل شيء.

وفي تلك العودة إلى الواقع كل أنواع المشاعر المُرّة السّابقة!

في هذا الأمر تحسّـن، و لكن فيه المزيد من السّوء!

– هذا ما كان يحسّ به لاتياري -“.