قواعد السلوك عند أندريه جيد الشاب

يجب أن نسعى كبشر لتحقيق غاية واحدة فقط، وأن نستمر في هذا المسعى بلا توقف. فمن المؤكد عند ذلك أننا سنحصل على ما نريد.

يُعد المؤلف الفرنسي (أندريه جيد) (1869 – 1951) أحد الكتاب الأكثر تأثيرًا في القرن العشرين، ويرجع ذلك إلى حدٍ كبير وعلى نحو يدعو إلى المفارقة، إلى إيمانه الراسخ بأن الكاتب الكبير يجب عليه دومًا أن يسبح ضد تيار عصره. لقد كرّس حياته لمشكلة الحرية الشخصية، وأصبح نصيرًا مخلصًا للمضطهدين. ولطالما كانت أعماله بمثابة الإلهام للإصلاحات القضائية في “الكونغو” كما ساعدت في تخفيف قبضة الاستعمار، وكانت تدعم عملية إصلاح السجون، وتحقيق ظروف أكثر آدمية للمسجونين، ووضعت الأساس الفلسفي للمساواة في الزواج قبل قرنٍ من تحقق تلك المساواة قانونيًا. وكانت ضريبة ذلك الإخلاص الذي تمتع به (أندريه جيد) في قول الحقيقة بشجاعة في وجه السلطة هو تعرضه المستمر وعلى نحوٍ ممنهج لازدراء المؤسسة الأدبية، فكان بعيدًا كل البعد عن ترشيحات الجوائز المختلفة، ولكن  حدث وقبل وفاته بفترة قصيرة أن قامت الأكاديمية السويدية بمنحه جائزة نوبل في الآداب لما أبداه من “حب شجاع للحقيقة وفهم نفسي عميق لها”، ولكن حتى بعد تسلمه لتلك الجائزة أعلن جيد الذي كان يبلغ من العمر الثامنة والسبعين حينها وبفخر لأحد الصحفيين أنه لو طُلب منه التنازل عن أيًا من أعماله التي كانت تقوّض السلطة حتى يتأهل للحصول على هذا الوسام المرموق لكان غض الطرف بسعادة “عن جائزة نوبل”.

لكننا لا نجد هذا “الحب الشجاع للحقيقة والفهم النفسي العميق لها” على نحوٍ أكثر وضوحًا ودقةً منه في تلك العقود الستة من حياة جيد التي كرسها لكتابة يومياته التي خطّها وسردها في إطار نظرة داخلية متعمقة لذاته تعكس على نحوٍ رائع الفكرة التي تقول “كلما زادت رغبة الشخص في التطرق إلى أدق تفاصيل حياته زاد انتشاره على المستوى العالمي”، ولا يمكننا أن نجد هذه الحياة التي تدّب في أعمق أعماق جوهر شخصية جيد وفهمه الأكثر عالمية للخبرة البشرية بشكل كامل و أكثر ثراءً إلا في كتابه: يوميات أندريه جيد.ففي ذلك الكتاب وجدت الكاتبة الشابة سوزان سونتاغ ما اسمته “تلك المشاركة الفكرية المثالية” كما كتبت في يومياتها الخاصة“انتهيت من قراءة هذا الكتاب في الثانية والنصف صباحًا من اليوم ذاته الذي حصلت عليه فيه، كان عليّ أن أقرأه ببطء أكثر، ويجب أن أقرأه مجددًا عدة مرات.”، ولم تكن سونتاغ الوحيدة في ذلك الشعور، فلا يمكن التوقف عن تكرار قراءة يوميات جيد باستمرار مثلما لا يمكن إنهاؤها دون الشعور بالتحوّل التام.

في إحدى اليوميات الأولى من يوميات شهر نوفمبر من عام 1890 نجد المؤلف البالغ من العمر 21 عاماً فقط يتصارع مع تلك المهمة التي ستصبح فيما بعد مهمة البحث المميزة في حياته بوصفه مفكرًا وكاتبًا: إنها السعي نحو وضع إطار أخلاقي يجمع بين الحرية وضبط النفس، فنجد جيد يحدد بشكل مفصل ما يطمح إليه لتحقيق السلوك القويم فيكتب:

لا أزال أخرقًا، فيجب أن يكون هدفي ألا أكون أخرقًا إلا عندما أريد ذلك، فيجب أن أتعلم أن أظل صامتًا…يجب أن أتعلم أن أتعامل مع ذاتي بجدية، وألا أنظر إلى نفسي بغطرسة، وأن يكون لدي عينين أكثر تنقلاً ووجه أقل تنقلاً، يجب أن أكبت ضحكتي عندما ألقي النكات، وألا أصفق لكل النكات التي يلقيها الآخرون عليّ، وألا أبدي الود للجميع دون تحيز، يجب عليّ أن أربك غيري في اللحظة المناسبة و بتعبيرات جامدة، وعلى وجه الخصوص يجب عليّ ألا امتدح شخصين بالطريقة ذاتها، يجب عليّ أن استخدم طريقة مختلفة تجاه كل فرد ولا أخالف تلك الطريقة إلا عندما أريد ذلك.

ويقدم لنا جيد تحت عنوان “قواعد السلوك” موجزًا لتلك الالتزامات الأخلاقية التي فرضها على نفسه:

النقطة الأولى هي: ضرورة وجود القاعدة.

ثانياً: تتوقف الأخلاق على وضع ترتيب هرمي للأشياء، ومن ثم استخدام الأقل منها للحصول على الأعلى، وهذه هي الاستراتيجية المثالية.

ثالثاً. لا تفقد غايتك مطلقًا، ولا تفضّل وسيلتك دائماً.

رابعاً. أنظر إلى نفسك على أنك وسيلة، وبالتالي لا تفضّل نفسك مطلقًا بوصفك الغاية المختارة على العمل.

(وعند تلك المرحلة سيكون هناك فراغًا سيثور فيه السؤال عن طريقة اختيار العمل وحرية اختيار ذلك العمل. ولكن… هل يمكن للشخص الاختيار؟)

كما يضيف جيد تحذيرًا آخر ضد التركيز على الذات بوصفها الوسيلة:

التفكير في خلاص الذات: أنانية.

يجب على البطل ألا يفكر حتى في خلاصه الذاتي. وذلك لأنه قد نهض طوعًا و على نحوٍ مهلك ليكرّس نفسه للآخرين وليتحمل اللعنات من أجل الآخرين، وكل ذلك فقط لكي تنجلي الحقيقة وتظهر.

وبعد عدة أشهر وفي ربيع عام 1891 يعود (أندريه جيد) إلى مسألة الانضباط في إظهار الغاية عن طريق الوسيلة فيضيف:

يجب أن نسعى لتحقيق غاية واحدة فقط، وأن نستمر في هذا المسعى بلا توقف. ومن المؤكد عند ذلك أننا سنحقق ما نريد، لكني كنت أرغب في كل شيء وبالتالي لم أحصل على شيء، وفي كل مرة كنت أكتشف ـــــ وبعد فوات الأوان ــــ أن شيئًا ما كان يجيئ إليّ بينما كنت أركض وراء شيء آخر.

ثم يقرر:

ليست هناك حلول وسط (سواءً أخلاقية أو فنية)، ولعل من الخطير للغاية بالنسبة لي أن أستمر في رؤية الآخرين، وذلك لأن لدي دائمًا رغبة هائلة لإرضاء الآخرين، ربما أني في حاجة إلى الخلوة… (ولكن يجب ألا تكون ثمة “ربما” في مسائل السلوكيات. فلا حاجة لعلامات الاستفهام.أن أجيب على كل شيء مقدمًا، يالها من مهمة مضحكة! ياله من طيش!).

وياله من إنذار شخصي يقدمه لنفسه أخيراً بين قوسين ويمثل فكرة “الاحتمالات” في دلالة على رغبة جيد المستمرة في زيادة فكره تعقيدًا وتناقضًا، وهي موهبته الأعظم في يومياته التي تُعد كنزًا أبديًا في فهم النفس البشرية والثقة الإبداعية.


[المصدر]