لِم تصعب الكتابة عن الموسيقى في الأدب؟

آن فالنتي، كاتبة أمريكية فازت مجموعتها القصصية المعنونة بـ (By Light We Knew Our Names) بجائزة دزانك.

نشرت (آن فالنتي) مقالة في موقع (مركز السرد)، ننقلها بترجمة حصرية لدى ساقية.

رغم أنني سمعتُ مرارًا وتكرارًا أن تضمين الثقافة الشعبية في الأدب لن يخدمه سوى بتحديد زمان الرواية أو القصة القصيرة إلا أنني أحب دمغ أعمالي الإبداعية زمانيًا. لِم الادعاء بأن شخصيات قصة تقع أحداثها في الحاضر ليست من رابطة معجبي برنامج (الأعزب) الحالمة؟ لا يُفترض بالعوالم الخيالية أن تنشأ في فراغات خاوية، وبالنسبة لي فإن واحدة من أعظم متع العمل على رواية هو اكتشاف سياق عالم الرواية، والثقافة الشعبية التي لربما تأوي لها كل شخصية وتغوص فيها. لكنني لم ألحظ حتى سُئلت خلال مقابلة عن روايتي الأولى -التي نُشرت في شهر أكتوبر من سنة 2003، عن السبب الذي يجعلني أضمن الأفلام والمسلسلات والبرامج التليفزيونية التي تشاهدها كل شخصية، لكني لم أضمن أبدًا أي تفصيل يتعلق بأغاني وفناني الشخصيات المفضلين.

باغتتني هذه الملاحظة على حين غرة: لطالما كانت الموسيقى الشكل الجوهري الأساسي من أشكال الثقافة الشائعة الموجود في حياتي منذ صغري، لذا لا أعلم أبدًا لِم كانت النوع الوحيد من الثقافة غير الموجود في أعمالي الأدبية. نشأتُ أستمع لمجموعات والداي من أسطوانات ألبومات فرقة (Beach Boys) و فرقة (Sly & The Family Stone)، راسمة لوحات بسيطة لمحتويات الألبومين (Led Zeppelin IV) و (Every Good Boy Deserves Favour) لأعلقها على جدران غرفتي. تعلمتُ العزف على البيانو في عمر الثامنة، لأتقن حين بلوغي المدرسة الثانوية إبداعات باخ ومعزوفات سكوت جوبلين من موسيقى الراجتايم. حين كنتُ في الخامسة من عمري اصطحبني والداي لأول حفل موسيقي أحضره لفرقة (The Who) والذي أدى بي إلى مراهقة امتلأت بعروض الفرقتين (Radiohead) و (10,000 Maniacs)، ولجدران غرفة نوم تغطيها منشورات لعروض مقامة في القبو للفرق (Le Tigre)، (The White Stripes)، (Interpol)، (Built to Spill).

عشقتُ الموسيقى كثيرًا قبل أن أصبح كاتبة أدبية، كنتُ صحفية موسيقية أكتب أسبوعيًا مراجعات عن الألبومات والحفلات الموسيقية. أحببتُ ذلك العمل لكني سرعان ما ألفيتُ نفسي أكتب مراجعات تبدو بعيدة كل البعد عن مقدار ولعي الحقيقي بالموسيقا. لم أعرف كيف لي أن أخبر القارئ أنه لربما هز الاستماع لأغنية ما أعماقه، كيف لي أن أترجم تجربة الوقوف صامتة أسفل أضواء المسرح بين جمع مشدوه مسحور لنص غير كافٍ لإيضاحها. انتقلتُ لصحافة الطعام التي كانت الكتابة فيها أسهل جدًا وأكثر دقة لذكر شطيرة مطعم تحوي الكزبرة وصلصة الثوم، نكهتان لا مثيل لهما. وهكذا لم أكتب عن الموسيقى مرة أخرى أبدًا.

لربما سأظل دومًا قريبة جدًا من الموسيقى، لهذا النوع من الحب، لشعور أنني لا أعدل بحقها أبدًا.

رغم انعدامها في أعمالي إلا أنني أحببتُ الطرق المختلفة التي تناول فيها الكُتاب الموسيقى في كتاباتهم. تصف آجا غابل في روايتها الأولى الصادرة سنة 2018 بعنوان ((The Ensemble بجمالية العالم التنافسي للموسيقا الكلاسيكية من منظور أربعة موسيقيين يؤلفون المقطوعة الرباعية فان نيسّ. بإبحار هؤلاء الأصدقاء الأربعة معًا في النجاحات والإخفاقات في مهنتهم تجمع لغة الرواية بثراء بين نغمة الغليساندو و ستاككاتو لعازفي كمان، سيعرف عازف الكمان وعازف التشيللو بطبيعتهما هذا التناغم. قدرتُ الدقة الموجودة في رواية غابل بينما لم أعرف كذلك كيف أضمن تلك اللغة في أعمالي في ظل غياب أبطال العمل الذين يجيدون المصطلحات الموسيقية. كما أعجبت أيضًا بكتاب حنيف عبد الرقيب الذي يضم عددًا من مقالاته بعنوان (They Can’t Kill Us Until They Kill Us) والذي يستطلع ويتقصى بروعة التقاطع بين الموسيقى والثقافة والسياسة. يضع كتاب عبد الرقيب القارئ مباشرة في قلب تجربة حضور الحفلات الموسيقية متباينة ومختلفة كالحضور لبروس سبرينغستين و كارلي لي جيبسن، وهو يفعل ذلك بطريقة توصل للقارئ الثقل العاطفي لهذه الأصوات. ومع ذلك لم أقدر على معرفة طريقة تطبيق ما تعلمته من هذا الكتاب على تجربة شخصياتي في العالم الخيالي.

يرجع السبب لذلك على الأرجح لكوني وبعيدًا عن أعمال كرواية غابل لا أجد نفسي عادةً متأثرةً باستخدام الموسيقى في الأدب. قرأتُ روايات وقصصًا قصيرة ضمن فيها مؤلفوها أسطرًا من أغاني في مشهد من العمل، نصوصٌ تبدو لي عادةً كاختصارات للوصول إلى العواطف والمشاعر التي يثيرها المشهد. أغنية تصدح من الراديو في سيارة مركونة بينما تنقطع علاقة شخصيتين. بطل رواية يرتدي سماعات الرأس ويتجه لرحلة طويلة سيرًا. في أمثلة كهذه تشق كلمات الأغاني طريقها بين النثر باختصار، مقاطع مطبوعة بخط مائل، تبدو هذه الأسطر مختارة لتكون كتعليق على ما يحدث في المشهد. لطالما بدا هذا بالنسبة لي كتسلسل في الحلم في الأدب حيث علينا كقراء أن نلغي بعضًا من الرمزية دون أن يبذل المؤلف جهدًا إضافيًا لتطوير الشخصية أو لكشف موضوعها.

هذا غير عادلٍ طبعًا لأن أغنية على الراديو أو ألبومًا يصدح من المسجلة عادة ما تعني لي في حياتي أكثر بكثير من فكرة لاحقة. جلستُ في سيارة مركونة أفسخ علاقتي بأحدهم بينما كانت أغنية كات باور (Moon Pix) تصدح من مسجلتها. ارتديتُ سماعاتي ومشيتُ لأميال طويلة أستمع لفرقة (Yo La Tengo) لأنني كنتُ في الناحية الأخرى من العالم بعيدةً عن شخصٍ أحبه. لكن حين حاولتُ دمج هذه اللحظات الصغيرة التي تشكل حياتنا وتبنيها في العوالم الخيالية الأدبية لحيوات الشخصيات فشلتْ. حذفتها. لربما ما كان يُفترض بي أن أُدهش وأتفاجئ بتلك الملاحظة لأن الحال هو هكذا: لا تظهر الموسيقى في رواياتي أو قصصي القصيرة رغم حبها طيلة حياتي. لربما من الأسهل أن أضمن أن شخصية ما تعشق مسلسل (Six Feet Under) أسهل من شخصية أخرى شاهدت كل مباراة في دوري مباريات البيسبول (2012 World Series) لحبها لفريق ديترويت تايجرز. لربما سأكون دومًا قريبة جدًا من الموسيقى، لهذا النوع من الحب، للإحساس بأنني أسديها معروفًا هكذا.

جمعتُ قائمة أغاني لكل كتاب كتبته لأتذكر الأنماط والإيقاعات، وكذلك النغمة الشعورية للأصوات التي أحاطت بكتابة الكلمات.

خلال كتابتي لأحدث رواياتي واجهتُ هذا المأزق مرة أخرى. حوار بين أختين في رحلة على الطريق إحداهن تعتقد أن قائمة أغاني رحلتهن ستذكر في الرواية. بل وحتى لأن الموسيقى تُشكل حيواتنا فإن كلتا الأختين سُميتا تيمنًا بأغانٍ من ألبوم والديهما المفضل. وهذه الألبومات هي من القائمة الموسيقية التي سترافهما في الرحلة والتي أذكر منها باختصار هنا وهناك ألبوم (Heart) لفرقة (Little Queen) أو ألبوم (Highway 61 Revisited) لبوب ديلان، لكن وفي النهاية لم أستطع أن أحث نفسي على الاستشهاد بأبيات معينة أو حتى أغنيات محددة، هذه الألبومات مذكورة عرضيًا لربما كاستشهاد ناقص في أقصاها. وبدلًا من إغراق الرواية بالموسيقا التي تستمع لها الأختان بالتأكيد طيلة رحلتهما أنشأتُ لي وحدي قائمة بالأغاني التي استمعتُ لها خلال كتابتي للرواية: (Lord Huron، Sylvan Esso، Yellow Ostrich، Valerie June).

جمعتُ مجموعة أغاني في قائمة مماثلة لكل كتاب كتبته لأتذكر الأنماط والإيقاعات، وكذلك النغمة الشعورية للأصوات التي أحاطت بكتابة الكلمات حتى لو كانت الأغنية تمسني شخصيًا لم أنقلها أبدًا للصفحات. بعد كتابتي لرواية الأولى سألتني صديقة إن كنتُ استمعتُ لعددٍ من أغاني الهيب هوب خلال كتابتي للرواية. وكنتُ فعلتُ. خلال تلك السنة التي كتبت خلالها الرواية كنتُ أستمع بأكملها لمجموعة من الأغاني تضم (Earl Sweatshirt، Kendrick Lamar، Anderson، Paak، Run the Jewels). قالت بأنها كانت تسمع تلك الموسيقى في تراكيب وإيقاعات الجمل.

حتى لو أنني لم أجد طريقة لكتابة الموسيقى في الأعمال الأدبية، وحتى لو ما كنتُ لأجدها أبدًا فعلى الأرجح وفي الوقت الحالي هذه أفضل طريقة يمكنني فيها أن أذيب حبي للموسيقا وأدمجه في الشغف الذي يغمرني للكتابة. لربما لم تحضر شخصياتي أول حفلة لها واقفة في صمت صاخبٍ لأضواء مسرح مشعة ومكبرات صوت متفجرة. لربما فسخت علاقاتها في غرفة نوم ساكنة معتمة بعد منتصف الليل بينما كان الراديو مطفئ. لكن إذا كنتُ دومًا أستمع للموسيقا كما كنتُ دومًا منذ عرفتُ أول مرة ما تعينه كلمة مشغل أسطوانات فلربما كانت الموسيقى هناك في اللغة بغض النظر عن غياب الكتابة عنها. أنا متصالحة في الوقت الراهن مع حالة عادلة كهذه: ما زالت الموسيقى موجودة خلف كل إيقاع لمقطع لفظي، خلف كل كلمة.  


[المصدر]