ميلان كونديرا وحالة تغيير التاريخ

ميلان كونديرا

“التاريخ يكتبه المنتصرون”، “التاريخ يُعيد نفسه”، عباراتان دارجتان تخرجان إلى السطح مع كل مناقشة بين مجموعة من البشر عن التاريخ، ولا أعرف لماذا يميل الناس لتفسير العبارة الأولى بنوع من الانهزامية والتباكي، ولماذا يصورون الأقوياء الذين يكتبون التاريخ على أنهم أشرار؟ واقعيًا، القوة وحدها هي ما تجعل التغيير حدثًا مُمكنًا، ومن حق تلك القوة أن يُخلد اسمها، أنها صنعت ذلك التغيير، كلنا نؤمن بفكرة مُعينة، وندافع عنها بكل ما لدينا من قوة الإقناع أو حتى التدخل لجعل الأمور تسير لصالحها، وكُلنا يعتقد أنه على صواب وأن فكرته ونظرته وإيمانه هو الصحيح، والأقوى حجة فينا أو حتى قُدرة هو من تتمكن فكرته من النجاح والاستمرار والخلود كتغيير طال التاريخ. وبدون أن نذهب بعيدًا، نحن أيضًا كعرب مسلمون كتبنا التاريخ يومًا وكُنا مُنتصرين، فتوحات امتدت للصين والأندلس كُنا فيها أصحاب إيمان سيّرنا تجاه تلك البقاع، أصحاب حلم، وأمل، نحن أيضًا هزمنا أقوامًا نظروا لقوتنا أحيانًا على أنها بطشًا، ويُمكن القول بأن هذا الاختلاف في نظرة البشر للهزيمة والنصر والتاريخ ككل ناتج عن اختلاف الثقافات، فيما يُعرف في العصر الحديث بصراع الحضارات، لكن حتى القوة يجب أن تكون مسئولة، لنستطيع أن ننطق مقولة “التاريخ يكتبه المنتصرون” بإتزان من يوقن أن البقاء للفكرة الأقوى دون الشعورالتام بالقهر، ورُبما هنا بالتحديد مربض الفرس، أن القوة أحيانًا مغرورة باطشة وليست دومًا عادلة، تُزيح من طريقها كل ما يُخالفها ولو كان مُسالمًا لمجرد المزيد من إثبات ذاتها.
هل حياة الناس مُنفصلة عن التاريخ؟ بقليلٍ من التمعن نُدرك أن الأحداث السياسية والحروب تُسهم بشكل مُباشر في تشكيل الحياة اليومية، تصبغها بلونها وتمنحها مسارًا يُحدده كل تصعيد أو تغيير أوحتى سلام، تُغير العادات والتقاليد وتُغير نُظم الإقتصاد والقوانين حتى، تزول بلدان من وجه خارطة الدُنيا وتزول معها ثقافات وعرقيات وتندثر لغات وتراث إنساني بأكمله نتيجة حدث سياسي ما، كان الأقوى فيه يرى أنه على صواب، وكان استخدامه لقوته المُفرطة أيضًا يراها حق، لأعود لنفس المقولة وأقول، ولكن تلك المرة بحسرة أشترك فيها مع المنهزمون بكسرة ما في الروح: “التاريخ يكتبه المنتصرون”.

ميلان كونديرا من أشهر الروائيين التشيكيين اليساريين. يبتدئ كتابه (كتاب الضحك والنسيان) بذكر قصة تاريخية :

في شهر فبراير من عام ١٩٤٨ وقف الزعيم الشيوعي (كليمان غوتوالد) على شرفة قصر من العصر باروكي من قصور براغ ليخطب في مئات الآلاف من المواطنين المتجمهرين في ساحة المدينة القديمة. كان هذا منعطفًا كبيرًا في تاريخ بوهيميا (منطقة في وسط أوروبا). بل لحظة مشهودة وحاسمة في ذلك التاريخ فيه.
كان (غوتوالد) محاطًا برفاقه، وبجانبه وقف (كليمانتس). بدأ الثلج يسقط في جوّ من البرد القارص، وكان (غوتوالد) عاري الرأس. فقام (كليمانتس) بنزع قبعته من الفرو ووضعها بعناية على رأس (غوتوالد).
وقد أعادت شعبة الدعاية والإعلام إنتاج مئات آلاف النسخ من صورة (غوتوالد) المحاط برفاقه وهو يطل بقبعة الفرو من الشرفة، ويتحدث إلى الشعب. وهكذا بدأ التاريخ الشيوعي لبوهيميا من هذه الشرفة. كل الأطفال كانوا يعرفون هذه الصورة، لكثرة ما شاهدوها في الملصقات أو في الكتب المدرسية أو في المتاحف.
بعد ذلك بأربع سنوات اتُّهم (كليمانتس) بالخيانة، وشُنق، فقامت شعبة الدعاية بحو أثره من التاريخ، وبطبيعة الحال من كل الصور الفوتوغرافية. ومنذ ذلك الحين صار (غوتوالد) يظهر وحيدًا على الشرفة. ولم يعد يظهر حيث كان يقف (كليمانتس) سوى حائط القصر الفارغ. ولم يبقَ من (كليمانتس) سوى قبعته على هامة (غوتوالد).
يبدأ بعد ذلك في وصف مشهد عادي من أيامنا الحالية، يُبين فيه كيف نتعامل مع الماضي والمستقبل كبشر :
كان (ميريك) يريد محو بعض الصور من حياته، فليس لأنه لم يكن يحبها، بل لأنه أحبها حقًا. محاها هي وحبها. لقد مسح الصور مثلما مسحت شعبة الدعاية صورة (كليمانتس) من الشرفة التي ألقى منها (غوتوالد) خطبته التاريخية. فـ(ميريك) يعيد كتابة التاريخ تمامًا كما يفعل الحزب الشيوعي، وكما تفعل كل الأحزاب السياسية، وكما تفعل كل الشعوب. وإجمالًا كما يفعل الإنسان. جميعهم يعلنون الرغبة في صنع غد أفضل، لكن الأمر غير صحيح، لأن المستقبل ليس سوى فراغ مهمل لا يهم أحدًا، مقابل الماضي المفعم بالحياة، ووجهه مزعج وبغيض إلى حد أننا نرغب في تدميره أو إعادة تلوينه. لذلك لا يطمح الناس إلى التحكم في المستقبل إلا بقصد اكتساب القدرة على تغيير الماضي. فهم يتصارعون من أجل الوصول إلى المختبرات التي تُجرى فيها الروتوشات على الصور، ومن ثم تُعاد كتابة السير والتواريخ.