نصيحة (كانط) للقلب المفطور: رسالة لطالبة

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

درس عددٌ من الفلاسفة أعمال (إيمانويل كانط) ومساهماته و أخلاقيته، لكن قلة منهم شكلوا حيواتهم بناءً عليها.

في سنة 1791 تلقى (كانط) رسالة من (ماريا فون هيربيرت) النمساوية وهي إحدى مريدي فلسفته. بعثتُ له تسأله النصح للتعايش مع انفطار قلبها مؤخرًا، مأساة شديدة جدًا دفعتها للتفكير بإنهاء حياتها حتى أدركت أن ذلك سيكون منافٍ لأعمال (كانط) وفلسفته.

كانط العظيم؛

أراسلك طلبًا للمساعدة كما يدعو المؤمن ربه يسأله، طلبًا للراحة، أو لنصيحة تجهزني للموت. تثبت كتاباتك وجود حياة آخرة. لكنّي في هذه الحياة لم أجد أي شيء، أي شيء مطلقًا سيحل بديلًا للخير الذي خسرته، أحببتُ شخصًا كان في عينيّ يتضمن في دواخله كل ما هو جدير بالاهتمام؛ لذلك عشتُ لأجله فقط، وكل شيء مقارنة به كان مجرد توافه رخيصة قميئة. حسنًا، أهنتُ هذا الشخص بسبب كذبة كبيرة طال أمدها وكشفتها له الآن، رغم عدم وجود مصلحة شخصية فيها لي، ولم أرتكب أي خطيئة أو رذيلة في حياتي لأحتاج لإخفائها.

لكن الكذبة كانت كافية، وتلاشى حبه. ولكونه رجل شريف لم يرفض صداقتي. لكن ذاك الشعور في بواطننا الذي انبثق مرة فجأة وقادنا لبعضنا اختفى: آه لقلبي الذي يتشظى لآلاف الشظايا! لو لم أقرأ الكثير من أعمالك كنتُ بلا شك سأنهي حياتي. لكن الخلاصة التي استقيتها من نظريتك أوقفتني: من الخطأ أن أموت؛ لأن حياتي هي عذابي، بل وعليّ أن أعيش لوجودي. ضع نفسك الآن في مكاني وإما ِالعني أو أرحني. قرأتُ كتابك (تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق) وقرأت عن الحتمية القاطعة ولم تساعدني ولو قليلًا. هجرني عقلي فقط حين احتجته. أجبني، أناشدك أو أنك لا تتصرف تبعًا لحتميتك القاطعة.

حدد (كانط) القيمة المتأصلة في الحياة الرشيدة وأدان الانتحار لكونه معارض منطقي لنموذجه الأخلاقي لاختيار القرارات.

وكان رد (كانط) مثيرًا للاهتمام نوعًا ما:

لابد أن رسالتك هذه عميقة الشعور نابعة من قلب خُلق لأجل الفضيلة والصدق؛ لأنه منفتح جدًا على تلقي هذه الخصال. عليّ كما طلبتِ -تحديدًا- أن أضع نفسي في مكانك، وأصف لك مسكنًا أخلاقيًا خالصًا. لا أعلم إن كانت علاقتك هذه علاقة زواج أو صداقة، لكن لا فارق واضح بينهما. فالحب سواءً كان للشريك أم للصديق الافتراض المُسبق لذات الاحترام المتبادل للشخص الآخر ما هو إلا وهم جسدي سريع العطب.

هذا النوع من الحب الذي يريد أن يكشف نفسه بالكلية، ويتوقع من الآخر كشفًا مماثلًا لمكنونات قلبه يُضعفه التكتم المرتاب. وهذا هو النموذج الأمثل لمطالب الصداقة. لكن شيئًا في دواخلنا يُحد من هذه الصراحة، عائقٌ لتدفق ما يعتمل في القلب المتبادل هذا مما يجعل الواحد يحتفظ بجزء من أفكاره حبيسة في باطنه، حتى حين يكون الآخر الأشد حميمة له. اشتكى الحكماء القدماء من الريبة السرية كما قال (أرسطو): “أصدقائي الأعزاء لا وجود للصديق!”.

لا يمكننا أن نتوقع الصراحة من الآخرين؛ لأن خوف كل واحد من تعرية ذاته وكشفها بالكلية سيجعل الآخرين يحتقرونه. لكن يظل غياب الصراحة هذه، هذه المقاومة مختلفٌ كليًا عن الخداع. ما هو الصدق سوى رجلٌ يقول الحقيقة لكن ناقصة. أما المخادع أو فهو من يلفظ ما يعرف أنه كذب. ومثل هذا القول يُسمى في نظرية الفضيلة كذبًا. لربما كان غير مؤذٍ لكنه لا يعد بريئًا. هو انتهاك جسيم لواجب الواحد تجاه نفسه: إنه يقوض كرامة الإنسانية في نفسك، ويهاجم جذور تفكيرنا. كما ترين طلبتِ مشورة طبيب لا يتزلف. أتحدث نيابة عن حبيبك وأعرض موقفه بالحجج التي تبرر تزعزع عاطفته نحوك.

اسألي نفسك هل تلومينها لتهورها بالاعتراف أم للأخلاقية المتأصلة في الكذبة. إذا كان للسبب الأول فأنتِ نادمة على إتمام مهمتك. ولِم؟ لأنها تسببت بخسارتك لثقة صديقك. لا يحرك هذا الندم أي شيء أخلاقي؛ لأنه ناتج عن إدراك ووعي لا بالفعل ذاته بل بعواقبه. لكن إذا كان لومك لذاتك مُستندًا على حكم أخلاقي لسلوكك، فإن الطبيب الذي سينصحك بنبذه من عقلك سيكون فقير أخلاقٍ.

حين يتكشف التغير في موقفك لمحبوبك سيحتاج وقتًا فقط لانطفاء آثار سخطه المبرر رويدًا رويدًا، ولتحول بروده لحب أشد رسوخًا وثباتًا. أما إن لم يحدث ذلك فهذا يعني أن دفء عاطفته المبكر كان حسيًا شهوانيًا أكثر من كونه أخلاقيًا، و قد اختفى على أي حال: سوء حظ يواجهنا في الحياة عادةً، وحين نواجهه علينا أن نتحلى برباطة الجأش. طالما أن قيمة الحياة تتضمن المتعة التي ننالها من الآخرين فستكون مبالغًا بها كثيرًا.

بالتالي يا صديقتي العزيزة تجدين التقسيمات التقليدية للموعظة: التوجيه، الجزاء، والراحة. كرسي نفسك للاثنتين الأولى: حين يظهر أثرهما ستُوجد الراحة من نفسها.

كانت وصفة (كانط) الأخيرة: الزمن. وحده الزمن قادرٌ على شفاء الألم الشعوري الذي تحسه في قلبها، ويسمح لحبهما بالتجدد والإذكاء مرة أخرى. وإن لم يشفي الزمن جرحها فإن حبهما كان في أصله “حسيًا وجسديًا” لا أخلاقيًا”.

ردت (فون هيربيرت) عليه وهنا مقتطف مختصر من ردها:

رؤيتي واضحة الآن. أشعر بخواء شاسع تمدد داخلي، وحولي؛ لذلك أحس نفسي زائدة عن الحاجة، غير ضرورية. لا شيء يجذبني. يعذبني ضجر وسأم يجعل الحياة لا تُطاق. لا تظن أني متعجرفة بقولي هذا لكن متطلبات الأخلاق سهلة جدًا بالنسبة لي. سأتصرف بلهفة ضعفي ما تتطلب مني. تنبع هيبة الأخلاق فقط من جاذبيتها للخطيئة، ولا تكلفني مقاومتها أي جهد… لم أعد أدرس العلوم الطبيعية أو الفنون  بعد الآن؛ لأني لا أشعر أني عبقرية كفاية لتوسيع نطاقها، و عن نفسي لا حاجة لمعرفتها. لا أبالي بكل ما لا يؤثر في الحتمية القطعية، ولا في وعي الفائق بالرغم من أنيّ تخلصت من كل هذه الأفكار أيضًا.

ربما أنت قادرٌ على رؤية رغبتي بشيء واحد فقط تحديدًا لقصر هذه الحياة عديمة الجدوى، التي اقتنعتُ بأنها ما كانت لتسوء أو تتحسن أكثر. إذا كنتَ تعتقد أني ما زلتُ شابة وكل يوم يثير اهتمامي فقط بالقدر الذي يقربني من موتي، يمكنك أن تحكم على مدى إحسانك الذي يمكن أن تبلغه إذا كنتَ تسأل نفسك هذا السؤال عن كثب. أسألك لأن تصوري عن الأخلاق صامت هنا بينما يتحدث بحزم في كل المسائل الأخرى. وإذا كنت غير قادرٍ على منحي الجواب الذي أسعى له. أتوسل إليك أن تمنحني شيئًا ينزع هذا الخواء الذي لا يُحتمل من روحي.

لم يرد (كانط) على هذه الرسالة أبدًا.

في سنة 1803 انتحرت (ماريا فون هيربيرت).


[المصدر]