هيلين كلير و دوامة أبيقور

هيلين كلير (1968-1880)، أديبة ومحاضرة وناشطة أمريكية. عانت (هيلين) من المرض في سن أثنى عشر شهراً وافترض أطباء الاطفال بأنها مصابة بحمى القرمزية والتي يصنف بمرض التهاب الرأس مما أدى إلى فقدانها السمع والبصر تماماً، ولها عدد من المؤلفات التي تنضج بالشكر لله على نعمة الحواس وتدعو إلى استعمالها فيما خُلقت، وقد كتبت في أحدى مقالتها وصف لحياة أولئك الغير قادرين على تقدير نعمة البصر والحياة كما ينبغي بكلماتها العميقة:

يجب علينا أن نعيش كل يوم ونحن نقدر تمام التقدير وندرك تمام الإدراك النعم التي تحيط بنا والتي غالباً ما تفقد قدسيتها عندما يمر أمامنا الزمان في هذا المشهد الدائم الذي يمضي بأيامه و شهوره  وأعوامه .. أولئك طبعاً هم الذين يعيشون دوامة الفيلسوف (أبيقور) الذي كان يزعم أن المتعة هي الهدف الرئيسي من الحياة بيد أن أغلب الناس يريدون أن يعيشوا في عذاب وهم يشعرون بحقيقة الفناء الوشيك لكن معظمنا مع ذلك يأخذ الحياة على أنها منحة دائمة. نحن نفهم أن لابد من يوم أت لامحالة نسلم فيها الروح بيد أننا غالباً ما نتصور أن هذا اليوم بعيد جداً؛ إن هذا السبات نفسه هو الذي يهيمن علينا.

وعن فقدان البشر لقيمة حواسهم وتسخرها للعيش بمتعة، كتبت قائلة:

فيما يتعلق باستعمال حواسنا و طاقاتنا. إن الاصم وحده هو الذي يقدر نعمة السمع ؛ وكذلك الكفيف وحده هو الذي يقدر ضروب السعادة التي تكمن في نعمة البصر إن هذه الملاحظة تنطبق عملياً على أولئك الذين فقدوا حاسة البصر أو حاسة السمع في حياتهم المبكرة، لكن الذين لم يسبق لهم أن اشتكوا من الحرمان ولم يسبق لهم أن فقدوا بصراً أو سمعاً ؛ أولئك قليلاً ما يحسون بعظمة نعمة الاستفادة من هذه الحاسة المقدسة. أن أبصار هؤلاء تقع على كثير من المناظر، كما أن أسماعهم تتلقى مختلف الأصوات، ولكن بقليل من التقدير، بل ربما دون اكتراث ودون إمعان إنها فحوى الكلمة التي تُردد: “لا يعرف المرء مقدار النعمة إلا عندما تسلب منه ولا يعرف مقدار عافيته إلا عندما يكون طريح الفراش”.

وقد خصصت الكاتبة حوارات عميقة حول تقدير أصدقائها لنعمة البصر قائلة:

لقد كان يلذ لي أحياناً أن أسال رفاقي الذين يبصرون وقد زارتني في الايام الماضية صديقة من أعز صديقاتي كانت قد رجعت توها من جولة لها طويلة في إحدى الغابات المجاورة، سألتها ماذا رأت وماذا لاحظت؟ فكان جوابها بالحرف “لا شيء يستحق الذكر!!” ولو أنني لم أكن معتادة على مثل هذا الجواب لداخلني الشك فيما سمعت. لقد اقتنعت منذ زمن بعيد أن هؤلاء الذين يبصرون لا يرون الا قليلاً ! قلت في نفسي: “كيف يكون من الممكن أن يتجول المرء لمدة ساعة من الزمن بين منعطفات الغابة ولا يرى شيئاً يستحق الذكر ؟!” يصرخ قلبي من أعماقه في بعض الاحيان وفي شوق متزايد ليشاهد هذه الاشياء، فإذا كنت أستطيع أن أحصل على متعة مثل هذه بمجرد لمس عابر، فأي جمال وأي بهاء أشعر به وأنا أرى ذلك رؤيا العين! قد يكون من الإنسانية أن نقدر قليلاً الاشياء التي لدينا، وأن نتوق إلى الأشياء التي ليست في متناولنا، بيد أن ما يدعو إلى الإشفاق الكبير في عالم النور أن نلاحظ أن حاسة البصر تعد لدينا مجرد أداة زهيدة أكثر من كونها وسيلة تضفي على الحياة الكمال والجمال. فلو كنت رئيسة جامعة لفرضت مادة إجبارية جول موضوع: “كيف تستفيد من عيونك”، ويكون على معلم  هذه المادة أن يحاول إفهام طلبته الوسائل التي تمكنهم أن يضاعفوا المتع التي تزدان بها حياتهم عن طريق الرؤية الحقيقية للأشياء التي تمر أمامهم دون أن يعبروها أدنى اهتمام، نعم .. يكون عليه أن يحاول إيقاظ طاقة طلابه وبعثها من نومها وفتورها.