آلان باديو يتحدث عن علاقة المسرح والفن بالحب

آلان باديو

آلان باديو، من مواليد 1937، كان ناشطًا سياسيًا منذ وقت مبكر من حياته، وهو أحد مؤسسي الحزب الاشتراكي الموحد في فرنسا. ومع بداية الثمانينات قدّم نفسه في الكتابات الفلسفية، وكتب عدة كتب مهمة، منها؛ (نظرية في الذات)، وكتابه المرجعي الأهم (الكينونة والحدث).

في كتابه (في مدح الحب)، والذي كان عبارة عن تفريغ نصي لأحد مقابلاته والتي دارت حول موضوع الحب، ليطرح (باديو) بذلك نظرته الفريدة حول الموضوع الذي يتكلم عنه الأغلبية بسطحية تامة. وككاتب مسرحي، شارك في شبابه بالتمثيل في عدد من المسرحيات، يقول عن الفن، مستفتحًا حديثه الشيق:

يتمتّع الفن بنقطة قوية جدًا وهي تحقيق العدالة للحدث. هذا يمكن أن يصبح حتى تعريفًا من ضمن التعريفات المحتملة للفن: الفن هو ما يقوم بتحقيق العدالة تحقيقًا كاملًا للحدث، على المستوى الفكري. في السياسة، يقوم التاريخ بترتيب الأحداث بعد وقوعها. لكن الفن متفردًا في استعادة أو محاولة استعادة، كامل قوتها الكثيفة. وحده الفن يستعيد بُعد المعاني للقاء، للثورة، للتمرد. إن الفن في كل أشكاله هو تأمل عظيم للحدث كما هو.
 ثم يتحدث عن سبب حبه للمسرح، وعن تشابه التمثيل على المسرح مع دخول الإنسان في علاقة حب يقول:
حبي للمسرح معقد جدًا ويعود إلى زمن طويل. لعله أكثر قوة من حبي للفلسفة. بأتي حبي للفلسفة لاحقًا، ببطء وبصعوبة أعظم. أعتقد أن ما بَهَرني في المسرح، حين كنت شابًا ومثّلت، ذلك الشعور الذي انتابني فورًا بأن جزءًا ما من اللغة والشعر مرتبطان بالجسد على نحو لا يمكن التعبير عنه تقريبًا. وربما كان المسرح في الأساس بالنسبة لي، استعارة لما قد يكون الحب في ما بعد، لأنه كان اللحظة التي تلاشت فيها الحدود بين الفكر والجسد على نحو ما. فهما مكشوفان لبعضهما بطريقة لا يمكن أن تقول معها: “هذا جسد” أو “هذه فكرة”. الاثنان ممتزجان، تحاصر اللغة الجسد، بالضبط مثلما تقول لشخص ما: “أحبك”، إنك تقول ذلك لشخص ما على قيد الحياة، يقف أمامك، لكنك تخاطب كذلك شيئًا ما لا يمكن اختصاره إلى هذا الحضور المادي البسيط، شيئًا ما يتجاوزه ويتضمّنه كلية، في الوقت ذاته. هذا هو المسرح، في أصوله؛ إنه الفكرة في الجسد، إنه الفكرة في الجسد. يمكن أن أكرر كلمة فكرة مرة أخرى بمعنى آخر. لأن المسرح، كما نعرف، يعني التكرار. يقول المخرج: “فلنكرر المشهد مرة أخرى”. لا تندمج الفكرة بسهولة في الجسد. إنها مسألة معقدة: علاقة الفكرة بالمكان مع الإيماءات التمثيلية. لابد أن تكون عفوية ومدروسة في الوقت ذاته. هذا ما يحدث في الحب أيضًا. الرغبة قوة آنية، لكن الحب يتطلب فوق ذلك الاستئناف والرعاية. يعرف الحب نظام التكرار. “قل مرة ثانية إنك تحبني”، وفي أحيان كثيرة: “قلها بشكل أفضل من هذا”. وتبدأ دائمًا الرغبة مرة أخرى. يمكن أن نسمع، أثناء الملاطفات، كما لو أن الحب يسكنها “أكثر .. أكثر”؛ نقطة حيث يعزز الحاجة إلى الحركة إصرار الكلمة، والإعلان الجديد دائمًا. نحن نعرف تمامًا أن قضية أداء الحب في المسرح حاسمة، وتدور كلها تحديدًا حول مسألة الإعلان. ولأنه يوجد، كذلك، مسرح الحب هذا وأداء الحب والصدفة، القويان جدًا، على الأقل بالنسبة لي، أحمل هذا الحب للمسرح.
هل يؤيد (باديو) مقولة (فيتز): “هذا ما أردت أن أقدمه مسرحيًا دائمًا: أن أعرض القوة العنيفة للأفكار، كيف تلوي الأجساد وتعذبها”. يقول (باديو):
بالتأكيد. أنت تعرف، (بيسوا)، الشاعر البرتغالي، يقول في مكان ما: “الحب فكرة”.هذه جملة تنطوي على المفارقة، ظاهريًا، لأن الجميع يقول دائمًا إن الحب هو الجسد، هو الرغبة، هو المشاعر، إنه أي شيء آخر سوى أن يكون الحب العقل والفكرة. وهو يقول “الحب فكرة”. أعتقد بأنه محق. أعتقد بأن الحب فكرة وأن العلاقة بين تلك الفكرة والجسد علاقة فريدة تمامًا ويعلّمها دائمًا كما يقول (أنطوان فيتز) العنف الجامح. نختبر هذا العنف في الحياة. وحقيقي جدًا أن الحب يمكن أن يلوي أجسادنا ويثير أقسى أنواع العذابات. إن الحب كما يمكن أن نلاحظ، ليس نهرًا طويلًا هادئًا. لا نستطيع أن ننسى تمامًا العدد المرعب من قصص الحب التي أدت إلى الانتحار أو القتل. إن الحب في المسرح ليس فقط، ولا حتى أساسًا، فارسًا جنسيًا أو قصة رومانسية بريئة. إنه تراجيديا، ورفض وغضب كذلك. إن العلاقة بين المسرح والحب هي كذلك علاقة اكتشاف للمتاهة التي تفصل الأفراد ووصف لهشاشة الجسر الذي يرميه الحب بين كيانين منعزلين.
 يتحدث بعد ذلك عن علاقة المسرح والحب، فيتساءل بداية:
لابد أن نسأل كذلك، وهذا يتصل بسؤالك السابق، ما الذي كان سيقدمه المسرح لو أن الحب غير موجود؟
يجيب قائلًا:
كان يمكن أن يتحدث، وقد فعل، مطوّلًا عن السياسة. إذًا، نستطيع أن نقول أن المسرح هو السياسة والحب وتقاطعاتهما عمومًا. إن تقاطع السياسة والحب تعريف محتمل للتراجيديا. لكن حب المسرح هو، بالضرورة، حب الحب كذلك، لأنه من دون قصص الحب، ومن دون الصراع من أجل تحرير الحب من قيود العائلة، لن يضيف للمسرح الكثير من الحب. إن الكوميديا الكلاسيكية مثل مسرحيات (موليير) تقول لنا أساسًا كيف أن الشباب الذين تلاقوا صدفة يجب أن يقللوا من قيمة الزواج الذي رتّبه لهم آباؤهم. أما الصراع الأكثر شيوعًا، والأكثر توظيفًا على خشبة المسرح هو صراع حب الصدفة في مواجهة القانون العنيد. أما الأكثر براعة فهو صراع الشباب الذي يدعمه البروليتيا (العبيد والخدم)، في مواجهة القديم/العجوز الذي تدعمه الكنيسة والدولة.