أحمد أمين يلخص تاريخ الفلسفة الإسلامية

الأديب-أحمد-أمين

أحمد أمين (1886-1954) هو أديب ومفكر ومؤرخ مصري كتب العديد من المؤلفات المهمة مثل ثلاثيته “فجر الإسلام” و”ضحى الإسلام” و”ظهر الإسلام”. في أواخر كتاب “مبادئ الفلسفة” الذي ترجمه عن رابوبيرت، أضاف فصلًا  عن تاريخ الفلسفة الإسلامية حيث يعتبر مدخلاً هاماً لكل من أحب أن يتعرف على أهم ملامحها.

كانت أمة العرب في جاهليتها أمة أمية ندر فيها القارئ والكاتب، ولم يعرف عنهم أنهم بحثوا في علم ودونوه، وهذا طبيعي في الأمم المتبدية، وإنما كانت لهم معارف أرشدتهم إليها التجارب والنظر ونوع المعيشة ؛ فمعيشة كثير منهم مثلًا في الصحراء حيث السماء صافية والجو مفتوح، وحاجتهم إلى الأمطار وهبوب الرياح، لفت نظرهم إلى السماء فعرفوا شيئًا عن النجوم والمنازل والأنواء. ولكنهم لم يبحثوا في ذلك بحثًا علميًا ولا دونوه كما تدون العلوم، ولم يكن لهم بالضرورة فلاسفة يدعون إلى مذاهب معينة، ولا يضعون مبادئ للسير عليها في الحياة كالذي رأيناه عند اليونان، ذلك لأن العلم والفلسفة لا يكونان إلا حيث تعظم المدنية، فيسهل تحصيل المعاش وتوفير أسباب العلم.

[…]

ثم جاء الإسلام ٦١٠م فوحد دينهم ولغتهم وأميالهم، وقد كانت متعددة، وملك الدين عليهم نفوسهم فكانت الحياة حياة دينية، وسياسة الحكومة سياسة دينية، والتشريع تشريعًا دينيًا. لذلك كان البحث في عصر الخلفاء الراشدين والدولة الأموية إلى سنة ١٣٢هـ إنما كان بحثًا في الأمور الدينية وما يتعلق بها.

[…]

وفي آخر الدولة الأموية كانت لهم أبحاث دينية مما هو من أبحاث علم الكلام أو ما بعد الطبيعة، فبحثوا في حرية الإرادة وأن الإنسان مجبور أو مختار، وفي مرتكب الكبائر أمؤمن أم كافر، وفي خلق القرآن ونحو ذلك.

[…]

فلما جاءت الدولة العباسية ١٣٢-٦٥٦هـ عظمت حضارة المسلمين، وهضموا ما أخذوه بالفتح عن الفرس والروم والهند، ونقلوا علوم الأمم التي سبقتهم في المدنية ولا سيما الهند واليونان (…) فترجموا في القرن الثاني والثالث للهجرة كتب أفلاطون وأرسطو وأقليدس وبطليموس وجالينوس وغيرهم، وبحثوا فيها وتداولوها يشرحونها مرة ويختصرونها مرة، وخصص كثير من المسلمين حياتهم لدراسة الفلسفة وتفهمها فكانوا بعدُ فلاسفة.

[…]

وكان أغلب مؤسسي الفلسفة عند العرب ومؤيديها أطباء وعلماء في الطبيعيات أكثر منهم رجال دين، وعلى العكس من ذلك فلاسفة الغرب في القرون الوسطى فقد كان أكثرهم قساوسة. (…) غير أن ما ابتكروه من عند أنفسهم قليل إذا قيس بما نقلوه من اليونان. نعم إنهم في بعض فروع العلم كالكيمياء وعلم المعادن والطب وعلم وظائف الأعضاء كان لهم أثرًا ظاهرًا، واستكشفوا من القوانين مالم يصل إليه اليونان قبلهم، ولكنهم في غير ذلك من فروع العلم كالمنطق والنفس والأخلاق كانوا نقلة أكثر منهم مبتكرين، وكانوا في طريقتهم العلمية ونظامهم في البحث وأنظارهم إلى العالم وترتيب فلسفتهم وقواعدهم متأثرين تأثرًا عظيمًا بفلسفة أرسطو والأفلاطونية الحديثة.

[…]

غير أنه يؤخذ على فلاسفة المسلمين أنهم لم ينظروا إلى الفلسفة اليونانية كما كان ينبغي أن ينظروا إليها – من أنها مجموعة أقوال ومذاهب قد يناقض بعضها بعضًا، وأنا ما يذهب إليه أرسطو في مسألة قد يكون مناقضًا ما يذهب إليه أفلاطون فيها، بل نظروا إليها كأنها حقيقة واحدة ملتئمة.

[…]

وقد كان انتشار الفلسفة بين المسلمين في القرن الثالث والرابع والخامس للهجرة سببًا في حركة جديدة قام بها المتكلمون – علماء الكلام – يريدون بها مقاومة تعاليم أرسطو وأفلاطون والأفلاطونية الحديثة المتعلقة بالإلهيات أو الرد عليها ودحضها.

[…]

ولكن أحدًا منهم لم يخص الفلسفة بالطعن ولا رد عليها من جميع جهاتها حتى جاء الغزالي ٤٥٠-٥٠٥هـ فدرس الفلسفة اليونانية درسًا دقيقًا – كما يحدث هو عن نفسه – ثم حمل عليها حملة شديدة من جميع جهاتها.

[…]

هذا مجمل حال الفلسفة في الشرق؛ أما في المغرب أعني الأندلس وشمالي أفريقيا فقد ازدهرت الفلسفة حينًا أكثر من ازدهارها في الشرق. وكان فلاسفة الأندلس والمغرب أكثر ابتكارًا من فلاسفة المشرق (…) وقد تعاون المسلمون واليهود على الاشتغال بالفلسفة في الأندلس، ولم يلبث أن نبغ منهم كثيرون مع مقاومة العامة وأشياعهم مقاومة أشد من مقاومة المشارقة. ومن أشهرهم ؛ ابن ماجة، وأبوبكر بن طفيل، وابن رشد.

[…]

وبانتهاء القرن السادس الهجري تقريبًا وقف المسلمون عن البحث الفلسفي والنظر في العلوم الكونية ولم يكن العلم إلا نقلًا، فالمؤلف ينقل عمن قبله فحسب، حتى لا تكاد تجد في كتاب جملة ذات معنى جديد.