أورهان باموق يصف الحزن في اسطنبول

949

أورهان باموق، روائي تركي فاز بجائزة نوبل للأداب، سنة 2006. ولد في إسطنبول، سنة 1952 وهو ينتمي لأسرة تركية مثقفة. في كتابه (اسطنبول: الذكريات و المدينة) تحدث فيها عن جانب سوداويّ في وصفه لاسطنبول. فقال:

الحزن في اسطنبول سائد في الموسيقا المحلية، وكلمة أساسية للشعر من جهة، ووجهة نظر للحياة، وأمرٌ يومئ لحالة نفسيّة، ومادة تجعل المدينة مدينة من جهة أخرى. و لأن الحزن يحمل الخصوصيات كلها فهو حالة نفسية تفضّلها المدنيّة بتباهٍ أو تتظاهر بأنها تفضلها. لهذا فهو شعور إيجابي بقدر ما يعتبر سلبياً.

و يعقّب:

في اسطنبول، لا تُحمى النصب التاريخية المتبقية، وتعرض ويباهى بها كما في المدن الغربية الكبرى. إنها تعاش بين السكان ليس إلا. وهذا أمرٌ أمتع الكثير من كتّاب الرحلات الغربيين. ولكن بالنسبة إلى سكان المدينة الحسّاسين المشكلين مجسّاتها، فإن تلك الثقافة تنسحب ذاهبة مع قوّة الماضي و غِناه، و يُذكّر ذلك الماضي بفقر اليوم وضياعه بشكل لا يُمكن مقارنته معه. بعض هذه الأبنية “المتلائمة مع بيئتها” يُغطّيها الغبار والطين والإهمال فهي لا تخلّف وراءها متعة الكبرياء، تماماً مثل المنازل المحترقة واحدة واحدة التي أتذكرها في طفولتي.

يُمكن تشبيه هذا الإحساس بعدم فهم (دوستويفسكي) حب سكان جنيف لمدينتهم كثيراً عندما كان في سويسرا عام 1867. كتب (دوستويفسكي) الغاضب من الغرب في إحدى رسائله: ” إنهم ينظرون إلى أبسط الأشياء، وحتى إلى أعمدة في الشارع على أنها جميلة ورائعة “.

 حتى عندما يدلّ الجنيفيون إلى عنوان بسيط, يقولون: ” بعد عبورك ذلك الصنبور البرونزي الرائع و الظريف جداً ” مُباهين بالبيئة التاريخية التي يعيشون وسطها. أما في وضع مشابه فيقول الاسطنبولي: “انعَطِف عند ذلك السبيل المقطوع ماؤه، و امشِ في الزقاق على طول الأمكنة المحروقة”.

غير هذا سيقلق الغريب مما يراه في تلك الأزقة الفقيرة. يُمكن أخذ مثالاً على التعيين من قصة لأحمد راسم و هو أحد كبار كتّاب إسطنبول الذي عنوانها: ” بديعة و إيلين الجميلة: “اعبروا حمام إبراهيم باشا. تقدموا قليلاً، سترون على يمينكم بيتاً مهلهلاً يطلّ على خرابة حمام في أول الزقاق”.

أمّا من ناحية مُغايرة كالتفاؤل مثلاً يُعقّب (أورهان باموق) بقوله:

الاسطنبولي متفائل أكثر، يُمكن أن يدلّ على العنوان كما يفعل الجميع بالإشارة إلى أغنى مافي اسطنبول وهي البقاليات و المقاهي. لأن الطريق الأفصر للتخلص من حزن كونهم بقايا امبراطورية قوية هو عدم الاهتمام أبداً بالأبنية التاريخية، وعدم الانتباه أبداً إلى أسماء تلك الأبنية وخصوصيتها المعماريّة التي تميّز أحدها عن الآخر. هكذا يفعل الاسطنبوليون بمساعدة الجهل للفقر. إنهم يتفهّمون فكرة التاريخ تماماً، مستخدمين حجارة من أسوار المدينة لاستخدامها في أبنيتهم معتبرين أن تلك الأبنية قد أنشئت اليوم، أو إنهم يحاولون إصلاحها بواسطة الإسمنت المسلّح. و من طرق النسيان أيضاً همها و إنشاء بناء ” غربي معاصر” مكانها.

 شعور الحزن الذي طوّره ألم الهدم و الضياع و الفقر يهيّئ الاسطنبوليين لهزائم جديدة، و أشكال أخرى من الفقر.