إرادة البحث عند برتراند راسل

Bertrand Russell

براترند راسل (1872-1970) فيلسوف وعالم منطق ورياضي ومؤرخ وناقد اجتماعي بريطاني، في محاضرته “البروباغندا الرسمية والتفكير الحر” والتي ترجمها عدي الزعبي يبشر راسل “بإرادة الشك” في مقابل “إرادة الاعتقاد” وفي ذلك يقول:

اعتاد وليم جيمس أن يبشر “بإرادة الاعتقاد” من جهتي أريد أن أبشر بإرادة الشك، فكل معتقداتنا ليست صحيحة تمامًا، في كل منها غمامة من الغموض والخطأ، طرق زيادة درجة صحة معتقداتنا معروفة جيدًا، وتكمن في الإنصات إلى كل الأطراف، ومحاولة التحقق من كل الوقائع ذات الصلة والسيطرة على انحيازاتنا عن طريق النقاش مع من يحملون انحيازات مختلفة، وتطوير استعداد للتخلي عن أي فرضية تثبت خطلها، تُمارَس هذه الطرق في العلوم، وقد أسست مجموع المعرفة العلمية، كل من يملك النظرة العلمية حقيقة مستعد للاعتراف بأن ما نعتبره معرفة علمية في الوقت الحاضر يتطلب بالتأكيد تصحيحًا مع تقدم الاكتشافات، مع ذلك، هذه المعرفة قريبة بما يكفي من الحقيقة في معظم الأمور العملية، وليس جميعها. في العلوم، حيث نجد ما يقارب المعرفة الأصيلة فقط، موقف الإنسان متردد ومليء بالشك.

على العكس من ذلك، في الدين والسياسة، وعلى الرغم من غياب ما يقارب المعرفة العلمية حتى الآن، يرى كل إنسان أنه من الضروري أن يملك رأيًا دوغمائيًا، وأن يدعم موقفه بنشر المجاعات والسجون والحروب، وأن يحرس نفسه جيدًا من أي منافسة مع الحجج المختلفة، لو أمكن فقط إقناع الناس بتبني إطار فكري مؤقت لا أدري في هذه الأمور، لأمكن علاج تسعة أعشار الشرور في العالم، ستصبح الحرب مستحيلة، لأن كل طرف سيدرك أن كلا الطرفين على خطأ، سيتقلص الاضطهاد، سيهدف التعليم إلى توسيع العقل، لا إلى تقليصه، سيتم اختيار الناس للعمل بناء على ملاءمتهم له، وليس لقبول الدوغمات اللاعقلانية لأولئك الذين في السلطة، الشك العقلاني وحده، إن وجد، سيكفي للوصول إلى الألفية.

ثم يتحدث عن النظرية النسبية لأينشتاين واستقبالها عالميًا كنموذج رائع عن المزاج العلمي في السنوات الأخيرة، رغم أنها قلبت كامل الإطار النظري للفيزياء التقليدية، وتضرر منها علم الديناميك التقليدي بنفس الطريقة التي أضر داروين بها سفر التكوين، ورغم ذلك أبدى الفيزيائيون استعدادهم للتقبل طالما حضر الدليل دون ادعاء منهم أو من أينشتاين بأنه قال الكلمة الأخيرة ويرى أن هذا التقبل المنفتح النقدي هو السلوك الحقيقي للعلم .. ويتساءل:

ما الذي سيحدث لو قام أينشتاين بتقديم شيء مساوٍ في جدته في حقل الدين أو السياسة؟ سيجد الإنكليز عناصر من البروسانية في نظريته، وأعداء السامية سيعتبرونها خطة صهيونية، القوميون في جميع البلدان سيجدونها ملوثة بدعوة سلمية مفرطة، وسيعلنون أنها مجرد محاولة للتهرب من خدمة العلم، كل بروفيسور من الطراز القديم سيطلب من “اسكوتلند-يارد” أن تمنع استيراد كتبه وسيطرد الأساتذة المقتنعون بنظرياته.

أما هو سيسيطر على أحد البلدان المتأخرة حيث سيصبح من غير القانوني تعليم أي شيء عدا نظرياته، التي ستنمو لتصبح مجموعة تعاليم مبهمة لا يفهمها أحد، سيتم تقرير صحة أم خطل معتقداته على أرض المعركة، دون جمع أي دليل جديد معها أو ضدها. هذه الطريقة هي النتيجة المنطقية لتعاليم وليم جيمس في إرادة الإيمان.

المطلوب ليس إرادة الإيمان، بل إرادة البحث، والتي تشكل بالضبط النقيض لها.