الأسس الأخلاقية في العصر الحديث عند تشومسكي

تشومسكي

 

نعوم تشومسكي (مواليد 1928) هو أستاذ لسانيات أمريكي، وفيلسوف وعالم بالإدراك والمنطق، ومؤرخ وناقد وناشط سياسي.

في حوار أجراه (جون بريكمان) مع (تشوميسكي) حول رهان باسكال، تم نشره بالعربية ككتاب بعنوان (العقل ضد السلطة)، انتقينا منه السؤال التالي:

على أي أساس تقوم أخلاقياتك ؟ فأنت كثيرًا ما تقول أن الناس مسؤولون عن العواقب المتوقعة لأفعالهم. لكن كيف تقيّم هذه العواقب ؟ وما الذي يجعلها حسنة أو سيئة ؟ وكيف تقيّم ذلك بصورة موضوعية ؟ هل تستند إلى المبادئ النفعية (أكبر سعادة لأكبر عدد) ؟ وتتحدث أحيانًا عن جوانب أساسية في الطبيعة البشرية، لكنك تشدد كذلك على أننا لا نعرف شيئًا ذا بال في هذا الموضوع. فكيف يكون في الإمكان توظيف الطبيعة البشرية في إصدار أحكام أخلاقية ؟

والذي أجاب عنه (تشومسكي) بعد ذلك:

لا ينبغي أن يساورنا شك كثير في وجود طبيعة بشرية صميمة، وأن هذه الطبيعة تشتمل على (كفاءة أخلاقية) للأسباب التي عبّر عنها (هيوم) بكثير من الوضوح. وهي أسباب أصبحنا اليوم نفهمها بشكل أفضل مما كُنا من قبل. لكن حتى وإن كنت تفهم كل شيء في هذا الموضوع، فإن ذلك لن يقدم إليك الأساس للأحكام الأخلاقية، والذي يتطلبه السؤال. والواقع إن الأمر يتعلق بشرط بالغ القوة، حتى على العلم. وقد كان المؤرخ المرموق للعلم (ريتشارد بوبكين) على صواب حين قال إنه “منذ أن وقعت الأزمة التشكيكية في القرن السابع عشر والناس يدركون أنه لا يمكننا أن نقيّم معارفنا على أسس يقينيّة مطلقة“، وإن قصارى ما يمكننا أن نأمل في استعمال وتجويد “معاييرنا لتقييم حقيقة ما اكتشفنا بشأن العالم ومدى قابليته للتطبيق” أي “أن نقبل بالمعرفة نفسها، ونزيد في التوسيع منها“، مع الإقرار بأن “أسرار الطبيعة وأسرار الأشياء في حد ذاتها، قد احتجبت عنا إلى الأبد“. والتحولات التي وقعت في ما بعد لم تزد على أن زينت هذا التفسير. وإن من الخَرَق أن تطلب أحكامًا أخلاقية في شيء من اليقين لا يمكن أن ننتظره من العلم.

إننا ننحو في أحكامنا الأخلاقية على الطريقة نفسها التي تجري في العلوم: فنحن نسعى بأفضل ما نستطيع لنُعمل معاييرنا في التقييم ونشذبها من خلال التجربة، واستكشاف طبيعتنا الأخلاقية. وقد عرفت معاييرنا تحسنًا كبيرًا على مر الزمن – من وجهة نظرنا. واتسع نطاق الأحكام الأخلاقية لتشمل النساء، والمجتمعات الأخرى، والأطفال والحيوانات. والمواد المكونة للإعلام العالمي لحقوق الإنسان – الذي ليس هو بـ(البناء الغربي) بخلاف الخرافة الشائعة – ليست منزّهة بأي حال عن أي نقد، لكنها كانت انعكاسًا في فترة معينة من التاريخ، للقدرة على بناء معايير أخلاقية مقنعة على أساس من الحدس والتجربة.

ونحن نعرف جميعًا أن في العلوم مهما بلغت  كثرة البراهين التي بين أيدينا، فسيكون هنالك على الدوام ما لا عد له من النظريات المتمايزة يمكنها أن تُحيطنا بالواقع. إن المناهج التي نتوسلها إلى انتقاء النظريات – ما كان يدعوه (شارلز ساندرس بيرس) بـ”السيرورة الافتراضية” – لا تجد الكثير ممن يفهمونها. والوصف الذي جاء به (بوبكين) لكيفية العمل في المجال العلمي يبدو شيئًا صحيحًا. فالأحكام الأخلاقية تنبني على أقرب من هذا المنوال. فهذه الأحكام لا تُختزل في القدح والطعن في الذات. ويمكن أن يؤتى ببحث عقلاني في الأسس المشتركة ودراسة ممحصة لمختلف الوضعيات. وهو أمر لن يؤدي بالضرورة إلى اتفاق، لكن يمكن أن يتحقق به تقدم، وبذلك يصير في الإمكان أن يتحقق تلاقٍ في المستقبل. ذلك هو الشرط الإنساني. فنحن مخلوقات عضوية، ولسنا ملائكة. ولا يمكننا أن نخرج عن أجسادنا، أو نخرق سقف قدراتنا المعنوية والمعرفي، التي لها أهميتها، ولها حدودها الذاتية – ثم إن الاثنتين على اقتران وثيق.