الاستنباط عند الصوفية

iruxzzm

أورد عبدالوهاب عزام (1894-1959) في كتابه: التصوف و فريد الدين العطار (تحميل) – ويُعد الكتاب نفيسة من نفائس المذهب الصوفي – فصلاً عن تصوّف العطار والإسلام، والعطار من كبار المتصوّفة الفارسيين وقد نظم زُهاء أربعين منظومة في التصوف و أشهرها: منظومة منطق الطير.

يُوجز عزام طريقة الصوفية في الاستنباط فيقول:

” إن الصّوفية حينما استوى مذهبهم رجعوا إلى الإسلام يُفتشون عمّا يُواتي طريقتهم من الآيات، و يستخرجون ما يُلائم تفكرهم من الدقائق، ويؤولون آياتٍ تأويلاً يُحيلها عن معانيها الظاهر إلى معانٍ باطنة.”

و قبل تبيين طريقتهم في التأويل و الاستنباط نُقدم هذه الكلمة في التأويل عامة:

قد أوّل اليهود و النصارى التوراة و الإنجيل تأويلًا يُلائم بينها و بين العقائد الدينية التي اعتقدوها، و المذاهب الفلسفية التي ذهبوا إليها، وطرق التنسّك التي سلكوها، ومن نساكهم المؤولين إسحاق النينوي.

و كذلك فعلت فرق من المسلمين: فعله الفلاسفة و الشيعة و الصوفية.

و حسبنا من الفلاسفة ابن رشد في كتابه ” فصل المقال فيما بين الحكمة و الشريعة من الاتصال “،

ففي هذا الكتاب يرى ابن رشد أن القرآن يُخاطب طبقات مختلفة من الناس؛ منهم من لايفهم إلا الظواهر و الأمور الخطابية، ومنهم الخاصة الذين يفهمون الحقائق و الأمور البرهانية، فوجب أن يلتمس معانٍ باطنة وراء المعاني الظاهرة في بعض الآيات!

و قد احتجّ لرأيه بالآية الكريمة:

( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) الآية.

أما الشيعة؛ فقد توسع بعضهم في هذا توسعاً و لاسيّما الباطنية؛ جعلوا لكل آية ظاهراً و باطناً، وأتوا ببواطن زعموها لاعلاقة بينها و بين الظواهر.

و أما الصّوفية؛ فقد ذهبوا في ميلهم المعروف إلى تجاوز الصور إلى الحقائق، و النفور من الظواهر و الأشكال، ذهبوا إلى تأويل يرد الأمور المحسوسة إلى المعنوية، أو أخذوا منها إشارات إلى أمور روحيّة.

و قد بلغ بهم التدقيق في المعاني القرآنية و الاستنباط منها أن اجتمع لهم جملة كبيرة من التفسير كما في تفسير سهل بن عبدالله التستري، بل كان من تدقيقهم و تلمّسهم الإشارات و المناسبات بين المعاني الظاهرة في الآيات و غيرها أن فهموا من الحروف المفردة دلالات، فكان فهمهم الآيات شبيهاً بالتفكير في موضوعها، والمفكّر يخرج من موضوع إلى آخر يُناسبه فيتسلسل الفكر إلى غير حدّ.

 

في كتاب ” اللمع ” لأبي نصر السراج باب للمستنبطات قال فيه:

المستنبطات ما استنبط أهل الفهم من المتحققين بالموافقة لكتاب الله – عزوجل – ظاهراً و باطناً، و المتابعة لرسول الله صلى الله ظاهراً و باطناً، والعمل بها بظواهرهم و بواطنهم.

فلما علموا من ذلك ورثهم الله – تعالى – علم مالم يعلموا، و هو علم الإشارة و علم مواريث الأعمال التي يكشف الله تعالى لقلوب أصفيائه، من المعاني المذخورة و اللطائف و الأسرار المخزونة و غرائب العلوم و طرائف الحكم في معاني القرآن و معاني أخبار رسول الله ….

 

و قال السراج في باب كيفية الاختلاف في مستنبطات أهل الحقيقة:

” إن اختلاف أهل الظاهر في الاستنباط يؤدي إلى الغلط، و الاختلاف في علم الباطن لا يؤدي إلى ذلك؛ لأنها فضائل و محاسن و مكارم، و أحوال و أخلاق و مقامات و درجات “

و معنى هذا: أن اختلاف الفقهاء – مثلاً – يؤدي إلى إصابة واحد و خطأ الآخر؛

لأنهم يبحثون عن أحكام ثابتة لأعمال معينة،

أما استنباط الصوفية فهو: أن يفهم أحدهم من أيّة إشارة إلى فضيلة أو خلق، ويفهم غيره إشارة أخرى إلى فضيلة أو خلق، وليس بين الإشارتين تعارض؛ لأن كل مافهمه المختلفون من هذه الإشارات مطلوب محبوب.

 

و ذكر السراج في باب آخر أمثلة من خطأ المستنبطين و صوابهم،

فذكر ممن أصابوا أبا بكر الشبلي: سُئل عن قوله تعالى: ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم )

فقال: ” أبصار الرؤوس عن محارم الله تعالى و أبصار القلوب عمّا سوى الله تعالى “

 

و يُعقّب السراج بقوله:

فأنت ترى أنه ذكر المعنى المقصود من الآية و تجاوزه إلى المعنى الثاني؛ و هو في نفسه حسن، ولكن لاتتضمنه الآية بالحقيقة أو المجاز، بل تدقيق الصوفية و التماسهم كل مناسبة؛ لبيان مقاصدهم أخرج من الآية هذا المعنى.

و هذا التفسير من طريق الفهم،

أما من طريق الإشارة ففي تفسير القرآن للتستري أمثلة كثيرة من تفسير الصوفية .

نورد منها على سبيل المثال لا الحصر :

 

1) في تفسير الآية: ( و اتّخذ قوم موسى من حُليّهم عِجلاً جسداً له خُوار )

” عجل كل إنسان ما أقبل عليه فأعرض به عن الله من أهلٍ وولد، ولايتخلّص من ذلك إلا بعد إفناء جميع حظوظه من أسبابه؛ كما لم يتخلص عبدة العجل من عبادته إلا بعد قتل النفوس.”

 

2) في تفسير الآية في قصة إبراهيم عليه السلام: ( و فَديْناه بذبحٍ عظيم )

” إبراهيم عليه السلام لما أحب ولده بطبع البشرية تداركه من الله فضله وعصمته حتى أمره بذبحه؛ إذ لم يكن المراد منه تحصيل الذبح، و إنما كان المقصود تخليص السر من حب غيره بأبلغ الأسباب، فلما خلص السر له و رجع عن عادة الطبع فداه بذبحٍ عظيم “