الانسان – فكرة، كما تقول جاكلين روس

18220971

جاكلين روس ، حاصة على الدكتوراه بالفلسفة والعلوم الانسانية، وكاتبة ومؤلفة موسوعية، لها مؤلفات عديدة باللغة الفرنسية، من بين كتبها المترجمة للعربية  هو : (مغامرة الفكر الاوربي : قصة الافكار الغربية)، تستهل جاكلين كتابها، بالحديث عن الافكار وعلاقتها مع الانسان :

إننا ورثة رؤيتين للكون ، كلتاهما ولدتاً مابين الفرات والنيل ، منذ آلاف السنين.

تستطرد جاكلين بشرح هذه الرؤيتين واثرهما بالفكر الغربي، والصراع الذي حصل بينهم :

نحت السومرين والمصريون مفهوم محيط أولي، وهو عبارة عن فوضى سائلة، من جوفها انبعث تلقائياًً مبدأ نظام – غالباً في صورة إله – ظهر من خلاله العالم، والآلهة، والبشر، الذين خُلقوا الواحد تلو الآخر، العالم والآلهة والبشر يشتركون في القوانين نفسها ويخضعون لها، وهي قوانين الطبيعة هكذا .. تتلخص الرؤية الاولى للعالم.

العبرانيون، اتبعواً مخططاً مختلفاً تماماً : يعتبرون أن قوة متعالية، هي الله، موجودة منذ الازل، وان الله خلق الكون من العدم، وخلق الانسان على صورة الإلهي، هذا الانسان الذي أراد أن يتشبه بالله، فأكل ثمرة شجرة المعرفة، وبالرغم العقاب الذي انزله الله له، الا أن بقى الانسان محور العالم الذي اعطي له، وكان عليه أن يحوله بعمله. في هذه الرؤية الثانية، رأى الانسان ان الله خصه بحرية اصيلة واوكل إليه مشروعاً اخلاقياً وهو أن يسيطر على الطبيعة ويعطيها معنى، ويسيرها بحسب مقاصد الله والانسان بما عند هذا الاخير من ذكاء وحكمة، لأنه االكائن الفريد الذي يتمتع بكرامة جديدة.

أعطى اليونانين الرؤية الاولى، افكار مازالت قوتها تجتذب العلم المعاصر، ببساطة كبيرة هي: صورة طبيعة فريدة ينظمها مبدأ (كالخير عند افلاطون مثلاً، والله، المحرك الاول عند ارسطو) ينتشر في العالم بواسطة العقل المشترك بين مجمل الكائنات، بناء على هذا فإن فكرة الطبيعة عند اليونانين هي المؤسسة. في المنظار الهليني، كل شئ، يتأتى من الطبيعة، وهي الى جانب اللوغوس (العقل) تضئ المعرفة، وتوضح تنظيم المدينة وايضاً الاخلاق، يشكل المذهب الطبيعي والمذهب العقلاني محورين أساسين في نظرة الهلنين الى العالم.

أما النظرة الثانية للعالم، التي تبلورت أولا في اليهودية، فإنها تبدو مختلفة تماماً، لم تعد الطبيعة التي يحركها العقل تشكل العمود الفقري، بل “الكلمة” أي الكلمة الآلهية، خالقة الكون، وتتحلى في القانون الالهي، وتعتبر تعليماً من تعاليم الوحي الآلهي، وحيث أن هذه النظرة تصب في فكرة خلق العالم وفكرة سقوط الانسان، فإنها تدخلنا في قصة انسانية مدعوة للالتحاق، يوماً بهذا الوجود الاعلى الذي فصلت عنه، هكذا يصبح الشعب العبري حامل رسالة عالمية الى ارجاء المعمورة، حولت المسيحية وجهة النظر العبرية نحو نقطة مركزية هي الانتصار على الموت: ضحى المسيح بذاته لينقذ الناس ويحمل إليهم الخلاص، سمحت ذبيحة الانسان – الإله ببناء الجسور بين الوجود الاعلى والانسانية، اما الكنيسة فهي مؤسسة رسولية عالمية، كونها المسيح، إنها ترتكز عليه وتنطلق منه ومن الاناجيل، لتنتشر البشرى الصالحة.

ستشكل المواجهة بين هاتين النظرتين، والتي تكون تاريخ الافكار في الغرب، على مدى العصور، مركباً متفجراً يصحبه شعور بالتأزم الدائم، لن ينفك الكتاب والمفكرون، والفلاسفة يعبرون عنه.

بعدها، (جاكلين روس)، تاخذنا الى رحلة تأملية عن ” الفكرة” .. فتقول:

ما الفكرة؟ هذه “كلمة- ملتقى” خضعت لتحولات دلالية عميقة عبر تاريخها : فالفكرة عند (افلاطون) تشير الى نموذج مدرك للواقع، اما عند (هيغل)، فهي مبدأ الجدلية عينه، تمثل الفكرة في نظرنا، شكلاً مثالياً يعطي العالم إطاراً ومعنى، ويوحد، وينظم، ذلك أن الفكرة تجسد وحدة جدلية حية، انها صورة غير ملموسة، لكنها تجمع أحداث التاريخ، وترشدها، وتنيرها، وتقودها، التطور، التاريخ، حقوق الانسان، العقل، العلم: كلها افكار ليست حيادية أبدا او خارجة عن ذواتنا، بل تشكل واقعاً موضوعياً كاملاً، وعالماً من التصورات العليا، ومجموعة من السلطات الخاصة والقائمة بذاتها.

تميز المؤلفة الفكرة عن الايدلوجيا:

تتميز الفكرة عن الايدولوجية التي هي نظام افكار ومفاهيم مجتمعة حول بعض المبادى الاساسية والهادفة الى تفسير العالم. يقول (ريمون ارون): ” نهاية الإيديولوجيات ، نهضة الافكار” وهو عنوان لأحد ابحاثه، فالايديولوجية، بالاشارة الى الماركسية، وهي الايديولوجية بامتياز، تتضمن عامة نقصاً، وعجزاً، وخطأ او مغالطة: فهي تعني مفهوماً للعالم وهمياً او مخادعاً، نوعاً من الخليط الذي تمتزج فيه اللاحقائق، لاتتماهى الفكرة مع الوهم الايدولوجي ، لانها انتاج روحي يرشد البشر وهو ضروري لهم.  من دون افكار ، لايمكن للفرد الا أن يتقهقر ويموت، يمكن للوجود أن يكون إنسانيا من دون اطار ايديولوجي، ضامن ومطمئن، ولكن لايمكنه أن يكون إنسانيا من دون افكار.

تبين المؤلفة أن الافكار، ليست حصراً على الفلاسفة فقط، فتقول :

لايمكن للفلاسفة أن يحصرو الافكار بذواتهم، إن الفنانين، والثوار، والعلماء، ومؤسسي الأديان، والشعراء ينظمون هم أيضاً العالم ويتفكرونه. هم أيضاً بحاجه الى تصورات كاشفة، وفئات روحية جامعة. سنة 1789، أعلن رجال الثورة حقوق الانسان وهي حقوق اساسية لكل الافراد، وضعت اليهودية والمسيحية فكرة الخلاص كمدحل لحالة الغبطة الأبدية بعد الموت، وكعودة الى الله المتعالي، الذي فُصل عنه الانسان بسبب خطيئة ادم، ثم لايمكن اختصار تاريخ الافكار بتاريخ المذاهب الفلسفية، تظهر الافكار هنا في المعنى الواسع للكلمة: انها تصنيفات فلسفية مجردة وايضاً مفاهيم تتعلق بالعلم، بالفن، أو بالدين .