التأليف و التفسير عند غادامير

غادامير

نيّف عمر الفيلسوف الألماني (هانز جورج غادامير) على المائة (1900-2000م ). عاش الحربين العالميتين، وحقبة الاحتلال الأمريكي الروسي لألمانيا، وتفكّك بلدهِ إلى ألمانيتين عاش و عمل في كليهما، وشهد توحيدهما و انهيار جدار برلين. سافر في طول العالم و عرضه و درّس في أكثر من بلد و بأكثر من لغة و التقى جلّ أقطاب الفلسفة في القرن العشرين، وعمل أستاذاً للفلسفة و رئيساً لجامعة و مؤسساً لمؤتمرات فلسفية و لجماعات فكرية، فخلال قرن و ثلاث سنين لم يسأم تكاليف الفلسفة و الحياة و احتضنهما حتى آخر رمَق. إنه الشاهد المطلق كما قال (جاك دريدا) …”

* من مقدمة الترجمة العربية لكتاب (التلمذة الفلسفية) لـ(غادامير).

عقَد (غادامير) في كتابه: (تجلّي الجميل) فصلاً بعنوان: “التأليف و التفسير” قال فيه:

لطالما كان هناك توتّر بين حرفة الفنان و حرفة المفسّر. فالتفسير يبدو من وجهة نظر الفنان أمراً تعسّفياً و هوائياً، إن لم يكن بالفعل أمراً لا غناء فيه و هذا التوتر يبلغ مداه حينما يتم إجراء لتفسير باسم العلم و بروحه.

فالفنان المبدع يجد أنه من العسير تماماً أن نعتقد في إمكانية التغلب على كل صعوبات التفسير من خلال اتخاذ موقف علمي. و هكذا فإن مشكلة التأليف و التفسير تمثّل بالفعل حالة خاصة فيما يتعلّق بالصلة العامّة بين الفنان المبدع و المفسّر.

و طالما كان الشعر و التأليف الشعري هو موضوع اختمامنا، فليس بغريب في هذه الحالة أن نجد حرفة التفسير و حرفة الإبداع الفنّي متحدتين في شخص واحد بعينه.

وهذا يوحي بأن التأليف الشعري تكون له – أكثر من الفنون الأخرى – صلة حميمة بحرفة التفسير.

و حتى عندما نطالب باتخاذ موقف علمي في تفسيرنا، فإن هذه الحرفة لاتبدو أمراً مشكوكاً فيه حينما يتم تطبيقها في مجال الشعر، على نحو مانؤمن بذلك بوجه عام. فالموقف العلمي نادراً ما بدو على أنه يتجاوز ما يكون متضمناً في أية حالة يكون فيها اشتباك فكري مع الشعر. و لن يكون هذا الأمر مثيراً للدهشة. حينما نتأمل فقط إلى أي حد قد تخلل التأمل الفلسفي الشعر الحديث في هذا القرن. و لذلك فإن الصلة بين التأليف الشعري و التفسير, لم تنشأ فحسب اخل سياق العلم أو الفلسفة وحدهما.

و إنما هي أيضاً تمثّل مشكلة داخلية بالنسبة للتأليف الشعري نفسه، و للشاعر و للقارئ بالمثل.

و يطرح (غادامير) هنا تساؤلاً بقوله:

مالذي يُفسّر لنا هذه القرابة بين التأليف و التفسير؟

من الواضح أن هناك شيئاً مّا مشتركاً بينهما. فكلاً منهما يحدث في وسيط اللغة. ومع ذلك فإن هناك اختلافاً بينهما. ونحن نريد أن نعرف مدى عمقه. و لقد أظهر بول فاليري هذا الاختلاف بقوة بالغة فلغة  الحياة اليومية – شأن لغة العلم و الفلسفة – تشير إلى شيء مّا بخلاف ذاتها و تختفي وراءه. و في مقابل ذلك، فإن لغة الشعر تُظهر ذاتها حتي حينما تشير لدرجة أنها تبقى ماثلة بذاتها وفقاً لحسابها الخاص.

فاللغة العادية تشبه عملة نتاولها فيما بيننا عوضاً عن شيء مّا آخر، بينما اللغة الشعرية تكون أشبه بالذهب نفسه.

أما من ناحية وجهة نظر الأديب في ذلك فيقول (غادامير):

و من الظاهر أنه حتى الأديب الأكثر عداءً لدعاوى التفسير لا يمكن أن يخفق في رؤية الصلة المشتركة بين التأليف و التفسير. و هذا الأمر يظل صادقاً حتى إذا كان واعياً تماماً بالطبيعة الإشطاليّة لكل تفسير و لكل ذاتي شعري بوجه خاص، و معتقداً – على اتفاق مع إرنست ينجر – بأن “أي شخص يقدم شرحاً على عمله، إنما يحظ من قدر نفسه” .

ماهو التفسير إذن؟

إنه بالتأكيد ليس شيئاً مماثلاً للشرح الذي يستخدم التصوّرات. و إنما هو يشبه إلى حد كبير فهم و إيضاح شيء مّا. و مع ذلك فإن هناك الكثير مما يمكن أن نقوله عن التفسير فضلاً عن ذلك.

إن التفسير في معناه الأصلي يتضمّن الإشارة في اتّجاه معيّن.

و من المهم أن نلاحظ أن كل تفسير يشير في اتجاه مّا و ليس نحو نقطة نهاية أخيرة، بمعنى أنه يشير إلى مجال مفتوح يمكن أن يُملأ على أنحاء متنوّعة.

و يقول في العلاقة الكائنة بين نشاط التفسير و نشاط الإبداع الفنّي:

” إن الفن يتطلب تفسيراً بسبب غموضه الذي لا ينضب معينه. فهو لا يُمكن أن يُترجم على نحوٍ مُرضٍ بلغة المعرفة التصوّرية. و هذا يصدق على الشعر بالمثل … “