التعريف الجمالي عند ابن عقيل الظاهري

ابن عقيل الظاهري، من مواليد 1938 بمدينة شقراء بمنطقة نجد. وهو عالم سلفي ظاهري، وأديب سعودي.

يقول (ابن عقيل الظاهري) في تعريف الجمال:

تعريف الجمال (مُمْتَنِع) بالنسبة للكسول المُسْتسلمِ لشتاتِ معاني المُفْردات اللغوية التي في كل واحد منها معنى مُرادفٌ معنى الجمال.. والتعريف سهلٌ غيرُ ممتنع على الجادِّ الصبور المُتَأنيِّ، وصِفَتُه أنه يُنسِّق المُفْردات الاصطلاحية ومرادفاتها ترادفَ مطابقة جزئية، وَيَسْتيقظ فِكْرُه عند تَلَقِّيهِ معاني أضدادها ومرادفات أضدادها ترادفَ مطابقةِ أو جزئية مع ضرب الأمثلة،وتجسيد الفوارق وأوجه الشبه؛ وهذا يُكلِّف رَصْدَ كلِّ الألفاظ الدائرة في دنيا الأدب خاصة، ودنيا الفنون الجميلة بصفة عامة.. وهناك مصطلحات لا تُحقِّق مفهوماً جمالياً إلا عن طريق التشبيه كالحلاوة؛ فليس في الفن ما يتصف بحلاوةٍ تُذاق بطرف اللسان، وإنما تجوَّزوا في التعبير على التشبيه.. أي تشبيه أثر الفن الجميل في النفس بأثر ما كان مذاقُه حلواً، وقل مثل ذلك عن البرودة والعذوبة..

ثم يقول في موضع آخر، للتفريق في ما بين القبح والجمال:

حسبي ههنا أن معنى (القُبْح) في اصطلاح (الاستاطيقا) – وهي مُسَلَّمٌ بها في الاصطلاح العربي – مُحدَّدٌ جداً بما هو نقيض (الجمال) الذي هو لذة وسرور وبهجة (وهكذا كلُّ ما يرادف ذلك): تأتَّى من موجود خارجيٍّ بالنظر أو السماع لا غير؛ فالنظرية الجمالية لها هذا المقدار مِن نقيض معنى الجمال سماعاً أو رؤية، ويبقى في مادة القاف والباء الموحَّدة من تحت والحاء المهلمة (القبح) معانٍ أخرى تُحْمَل معانيها على دلالتها غيرِ المناقضةِ معنى الجمال؛ لأن القبح من جهات أُخَرَ نقيض (الحُسْنِ)؛ فلا تتصور معاني القبح الاصطلاحية إلا بعد العلم بالمعاني الجامعة للحسن، وهي باستقرائي ثلاثة لا رابع لها: المعنى الجامع الأول بمعيار الحق، وهو مجازي قليل؛ فالخطأُ مُسْتَقْبَحٌ مجازاً؛ لأن النفس ترتاح وتستقرُّ إذا كان الصوابُ وِجْدانَـها، وهكذا كل ما خالف معيار الحق فهو خطأ مَعِيب يوصف بالقبح تجوُّزاً؛ لأن النفس لا تَسْتَقِرُّ على وِجدانه كما ترتاح وتُسَرُّ بالجميل من وِجدانها.. والمعنى الثاني الجامع بمعيار الخير والشر اللذين مصدرهما الدين والعقل (العقل العَمَلي)؛ فهذا ألصق بالنظرية الجمالية؛ لأن الجلال والكمال المانعَ من الذم والعيب والمهالكَ، الجالبَ المدح والسلامة: هو الشرط للجمال الأسمى كما بينت ذلك آنفاً.. والمعنى الثالث الجامعُ كلَّ ما هو نقيضُ الحُسْن بمعايير الوجود الثلاثة مجتمعةً (الحق، والخير، والجمال)؛ فالحسن في معناه الحقيقي هو الإتقان وَفْق مُراد صاحب الإحسان بمعيار الحق..ألا ترى أن الفُويسقة الفأرة قبيحة المَنظر، ولكنها إتقانٌ وَفْق مرادِ خالقها من الحكمة.. هي قبيحة المنظر ويشتد قبحها بقبح صوتها، ويكون القبحُ أشدَّ من جهة ارتباطِها، بما في ذاكرتنا من نجاستها، وما فيها من الداء.. وبمعيار الحق (العقل العلمي) فهي حَسنة؛ سواء أظهر ذلك من علم الأحياء، أو كان ذلك مُغيَّباً في حكمة الله، أو ما ظهر في تجربتنا العادية كالانتفاع بها في بعض هِواياتنا وحاجاتنا كتدريب الطير الجارح الوحش على اصطيادها؛ فذلك من تعليم الجوارحِ الصيدَ، أو إجراء التجارب العلمية عليها.. وأما المِعيار الجمالي فقد أسلفتُه.. وهكذا صوت الحمير؛ فهو أنكر الأصوات، ونكارته قبحٌ في إحساس النفس، وبالمعيار الخُلقي ففيه منفعة في حكمة الله ظهر لنا منها من ظاهرة الإتقان [التي هي من قيمة الحقِّ] مناسبةُ صوتِه لبشاعة ما رآه؛ ولهذا أَمَرنا الشرع بالتعوُّذ عند سماع صوته.. وبالمِعْيار الجمالي فأَمثلته كثيرة في المَسْموع والمُبصر؛ فَبهاءُ العافية والإيمان في الوجه حُسنٌ، وهو الجمال بعينه؛ ولهذا قال الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى في مداواة النفوس/ ضمن رسائل ابن حزم/ 1/375: «الحسن هو شيئ ليس له في اللغة اسم يُعَبَّر به غيرُه؛ ولكنه محسوس في النفوس باتِّفاق كل من رآه، وهو بُردٌ مكسوٌّ على الوجه، وإشراقٌ يستميل القلوب نحوَه؛ فتجتمع الآراء على استحسانه وإن لم يكن هنالك صفات جميلة».

المصدر