التفكير في معنى الحياة عند عبد الكريم سروش

soroush-berlin sorosh

 قد تلتفت إلى جانب وتغفل عن جانب آخر لا لشيء إلا أنك قد غفلت فقط . من هنا يذكر د. عبدالكريم سروش الفيلسوف والباحث الإيراني الشهير حكاية الحطّاب والأفعى في كتابه “التراث والعلمانية” تنبيهاً للغافل ومشيراً لكوامن النفوس وهو يشرح حكاية أسطورية لجلال الدين الرومي . 

عندما يطرح جلال الدين الرومي في ديوانه المثنوي قصة الحطّاب والأفعى فإنه يقصد هذا المعنى منها حيث يقول إن هذا الحطّاب عثر في الجبل على أفعى متجمدة فأخذها وجاء بها إلى المدينة ليتفرج الناسُ عليها ويكتسب بذلك بعض المال. فكان هذا الحطاب يتصور أن هذه الأفعى ميتة فجاء بها إلى إحدى مدن العراق ولكن تلك الأفعى لم تكن ميتة بل متجمدة. وعندما جاء الحطاب بهذه الأفعى إلى المدينة وضعها على الجسر ليتفرج عليها الناس الذين اجتمعوا من كل مكان ليشاهدوا هذه الأفعى وحينذاك وبسبب حرارة أشعة الشمس دبَّت الحياة في الأفعى من جديد ، وتحركت روحها وهجمت على الناس وقتلت بعض الأفراد . 

هذه الحكاية الأسطورية التي يذكرها المولوي في ديوانه المثنوي يقصد منها بيان عدة نتائج مهمة إحداها نتيجة أخلاقية وعرفانية مهم وهي أن معظم الناس يعيشون في باطنهم عناصر الرذيلة والخصال السيئة بصورة متجمدة فإذا أشرقت عليها الشمس واكتسبت حرارة منها فإنها ستحيى من جديد ولذلك من الأفضل للأشخاص الذين ما زالوا يملكون خصالاً ذميمة في أعماق وجودهم ألا يعرضوها للحرارة ، لأن تلك الحيَّات والعقارب ستنشط وستقضى على صاحبها .

وهذا الموضوع يصدق في كثير من الموادر على العاملين في الحقل السياسي معظمهم أشخاص جيدون أو عاديون ولكنهم عندما يصلون إلى مرتبة معينة أو منصب رسمي فإن شمس السياسة ستشرق على الأفاعي النائمة في أنفسهم من قبيل الأنانية والحرص وستحيى هذه الأفاعي من جديد وإذا بهذا الشخص سيتحول فجأة إلى شيطان يمارس سلوكيات عجيبة بعيدة عن القيم والمثل الإنسانية . هؤلاء الأشخاص إذا استمروا في حياتهم الطبيعية فسوف يكون حالهم حال الأشخاص الآخرين ويسلكون طريقاً معروفاً ولا يلحقون ضرراً بالآخرين ، ولكن عندما تشرق عليهم شمس العراق فإنهم ( على حد تعبير الرومي ) سيعيشون الشيطنة  ويبتلون بالآفات وهذا المعنى يصدق على كل شخص .

الأمر الآخر إن المولوي يستنتج من هذه القصة نتيجة أخرى تنفعنا في هذا البحث ، حيث يقول : انظر إلى عمل الناس حيث إنهم بدلاً من التفرِّج على أنفسهم فإنهم يتفرجون على الأفعى ، في حين أن الإنسان في حدِّ ذاته مخلوق عجيب يستحق التفرج عليه وأن سائر المخلوقات يجب أن يتفرجوا على هذا الإنسان .

إذا عاش الإنسان الغفلة في حياته من خلال وسائل المرح والترفيه الحديثة فسوف يرى أن الغاية من حياته قد تغيرت وأن الناس يهربون من التفكير في الغاية من حياتهم ولا يحبون التفكير في معنى الحياة .