الرافعي عن وهم الحياة

الرافعي
مصطفى صادق الرافعي (1880 – 1937) ولد في بيت جده لأمه في قرية بهتيم بمحافظة القليوبية في أول يناير وعاش حياته في طنطا. ينتمي إلي مدرسة المحافظين وهي مدرسة شعرية تابعة للشعر الكلاسيكي. لُقّب بمعجزة الأدب العربي.
في الفصل الأول من كتاب (الرافعي)؛ (المساكين) كان حاملًا  عنوان “الشيخ علي”. وفي تعريف الرافعي عنه:
كان رجل تراه في ظاهره من الدنيا ؛ ولكن باطنه يلتحق بما وراء الطبيعة، كان ينبغي أن لا يقوم مثله على مسرح الخلق إلا مُمثّلًا وأن لا يمثِّل إلا الوجه المطلَق من الحياة.
يصفه بالجنون الهادئ ومنظره مثل عاصفة نائمة.
وأنه كان يردِّد: “اللهمَّ لم يبقَ من الإنسانية إلا حشاشة تسوق بنفسها وكل رجل من هؤلاء صورة مقلَّدة فأين الأصل؟”
نشر (الرافعي) في الكتب وصف لـ”الشيخ علي” الذي أُسنِد إليه الكلام، وجعله فيما استوحاه كمال قال:
كالخيط من شعاع السماء تهبِط عليه تلك المعاني التي خلد عليها جمال الخُلد.
فـ”الشيخ علي” هذا : هو رمز في كل دهر لثبات الجوهر الإنساني على تحوُّل الأزمنة في أشكالها المختلفة، ومن ثمَّ يعيش القارئ مع الإنسانية في معاني الكتاب ..
عن الحياة ؛ كان الرافعي يتساءل: ما الحياة ؟
قال الشيخ (علي):
الحياة .. إنها ليست طريقًا مسافته كذا ، ولا قِياسًا ذراعه كذا ولا وزنًا مبلغه كذا ، ولا شيئًا من هذه المعاني التي تضرب الأقلام والألسنة في مفاصِلها بل هي فيما وراء ذلك من عالٍ إلى بعيدٍ إلى غامض إلى مُبهم حتى تنتهي إلى منبع النور الذي تلتطم على ساحله موجةُ الأبد.
يكمل قوله في الناس:
ولستُ أعرفُ الناس قد غالوا بشيءٍ قطّ مغالاتهم في قيمة هذه الحياة ، فقد والله استجمعوا لها كل ما في الرغبة من الحرص ، وكل ما في الخوف من الحذر، وكل ما في الأمل من الترقُّب ، وكل ما في الحُبّ من الخيال ؛ واستجمعوا فوق ذلك تلك المعاني التي لا قرار لها في الأرض ولا في السماء ، معاني النظرات الوهمية التي يرسلها المخلوق من أرضه إلى عرض الله، كأنّه لا يجرؤ على أن يشك في نهاية الحياة إذ تنتهي على أعيُن الناس ولا أن يُجزم بهذه النهاية إذ هو لا يريد الموت وكأن الحياة لا تكفيه!
– ما الحياة ؟
أفلا ترانا نُخادع أنفسنا إذ سألنا عن الحقيقة التي يسوؤنا أن نعرفها ، فنحرِّف السؤال إلى جهة بعيدة لكيلا نرى الجواب الصحيح مُقبلًا علينا ولكن مُدبرًا عنَّا ؟
فما عسى أن تكون هذه الآمال وهذه المنافسات وهذا النزاع وهذه الأفراح وهذه الأتراح وكل ما إلى ذلك مما هو من مدلول الحياة ؛ إلّا باطلًا فنستمتع به قليلًا ثم يظهر أنه متاع الغرور؟
يختم كلماته الشيخ (علي):
خُذْ الحياة حقيقةً لا وهمًا ، وعملًا لا علمًا ، واسمع الحياة إن كنتَ تعرف لغتها ، أو اسمع للموت الذي يعرف كل إنسان لغته، فإن كل ذلك يُعلمك أن الرجل الحرّ لا يعرفُ على أي حالةٍ يعيش إلّا إذا قرَّر لنفسه على أي حالة يموت ..
فلا تسأل يا بُني ما هي الحياة ؟ ولكن سَلْ هؤلاء الأحياء: أيُّكم الحي ؟