السيد عمر وآخرون، في حديثهم عن مفهوم المفهوم

كثيرة هي الكلمات التي نستخدمها بشكل يومي ودائم، وعندما نتأملها أو نحاول تعريفها بكلمات محددة ودقيقة نواجه صعوبة شديدة، سنحاول من خلال هذا المقال أن نسلط الضوء على كلمة تُستخدم بالأساس للوصول الى المعاني والتعريفات فعندما نسأل – ما هو مفهوم كذا أو كذا؟ نقصد الوصول الى تعريف أو معنى،  ولكن هل سألنا أنفسنا يوما عن معنى المفهوم نفسه، أي مفهوم المفهوم وماذا نقصد به؟

يقول الدكتور (السيد عمر) في مقدمة بحثه (خارطة المفاهيم القرآنية):eeca72a4-e219-4f99-99e5-2a53e5613961

المفهوم بنية فكرية تتبلور فيها ملامح تجربة إنسانية بكل ملامحها الفكرية والمعرفية والنظرية والفلسفية.

ولا يكتفي بذلك بل يوسع الإطار إلى اكبر حد فيقول:

المفاهيم مشروعات كبرى للمعاني والدلالات، وهي شبيه بالكائن الحي.

ويحاول مضيفا الى الكائن الحي حركة حياة بقوله: “

المفهوم وعاء معرفي له هوية كاملة وله سيرة وصيرورة.

وحتى لا يختلط علينا الأمر بين المفاهيم والمصطلحات قبل أن نغوص أكثر في عمق المفهوم نشير إلى كلام مهم يذكره الدكتور (طه جابر العلواني) في مقدمة بحثه (حاكمية القرآن):

المفاهيم تختلف عن المصطلحات ففي حالة دراسة مصطلح من المصطلحات قد يكفي الباحث أن يقوم بتحديد جذر المصطلح اللغوي والإلمام بمعانيه ثم الانطلاق نحو استخدامات أهل الاصطلاح له في جوانبه المختلفة لكن المفهوم يمثل جذرا فلسفيا وفكريا وثقافيا متشعب الفروع ومتعدد الاتجاهات، ومن الصعب أن لا يكون لمفهوم يتخذ شكل المفهوم حقيقة ومعنى.

ولا يكتفي بذلك بل يدعو الى تتبع امتداداته فيقول:

كذلك لا بد من تتبع آثار المفهوم ونتائجه ثم مصادر بنائه وموارده في مختلف جوانب الحياة الفكرية والثقافية.

ويبدو هنا من الطبيعي مع تتبع الآثار أن تتواصل المفاهيم ببعضها أحيانا وتتداخل أحيانا أخرى، يقول الدكتور (السيد عمر):

وليست المفاهيم وحدات معرفية منفردة بل هي وحدات متفاعلة متكاملة ومتناغمة ولا يمكن بناء أي مفهوم بمعزل عن المفاهيم الأخرى.

وفي ظل هذه التفاعلات والتناغم بين المفاهيم تبرز الحاجة لوضع أوزان لتلك المفاهيم ومدى حاجة كل منها للتكامل يقول الدكتور (السيد عمر):

ليست المفاهيم على درجة واحدة من القيمة فثمة مفاهيم تتعلق بنواة العمران الانساني تمثل مجامع لغيرها من المفاهيم.

من هذا المنطلق والمقدمة التي حاولت تعريفنا على مفهوم المفهوم، وكفائدة من طرح هذا الموضوع بالأساس، من الممكن أن نطرح السؤال التالي: هل نحن بحاجة الى إعادة بناء المفاهيم ؟ وكيف السبيل إلى ذلك؟

يطرح الدكتور (السيد عمر) رباعية مقترحة لإعادة البناء ورسم المنهجية، وهذه الرباعية هي :

أولا : رصد حالة المفاهيم الأساسية في الفكر الاسلامي

ثانيا : رسم معالم كبرى للطريق إلى تأصيلها وإعادة بنائها

ثالثا : رصد السيرة التاريخية للمفاهيم الغربية السائدة وتفكيكها

رابعا : البحث في ضرورة استبدالها والسبيل اليه

ولاشك أن هذه الرباعية بحاجة إلى شرح وتفصيل، بل ومشاركة فاعلة من المتخصصين والمهتمين في هذا المجال، وخاصة أن الجهود مازالت تتكامل للوصول الى منهجية واضحة لأعادة بناء المفاهيم.

يدافع الدكتور السيد عمر عن الرباعية المقترحة وعن أسباب وجودها بأن المفاهيم الراهنة تعاني من مجموعة من الإشكاليات الكبيرة، وقد يصل الأمر في بعضها الى ما يسمى بالتيه المفاهيمي وعن أسباب ذلك التيه يقول :

ومن أهم أسباب حالة تيه المفاهيم الراهنة التدليس على العامة بالاستخدام المراوغ للمفاهيم والإسراف في التعاطي غير المنضبط مع قاعدة لا مشاحة في الاصطلاح مما أدى الى فوضى المفاهيم وتقليص الوعي بحدود الاختلاف المشروع في عالمها، والذي لا مشاحة فيه هو الخلاف اللفظي مع وحدة المعنى المستفاد أما الخلاف في المعنى ففيه مساحة.

ورغم وجود بعض التبريرات لهذا التيه والتي لا تنفي وقوع المشكلة كما ذكر الدكتور (بليل عبدالكريم) في مقاله (المفاهيم ومشكلة المعنى):

ومصدر اللبس أن الأفكار وهي تنشأ نسيجها المنهجي الخاص بها، تضطر لاستخدام نفس المصطلحات، والمفردات الشائعة التداول؛ للتعبير عن دلالات مُعينة في مجال البحث، غير أن هذه الدلالات – وهنا مصدر اللبس – إنما ترتبط بالمضمون المعرفي للفلسفة، والفكر، والعقيدة الذي أنتَجَها، كذلك دلالات الألفاظ والمفردات، إنما ترتبط باللغة التي نشأتْ في أُطر حقلها الثقافي والتاريخي؛ أي إن دلالة الألفاظ ترتبط بتصوُّر ذهني معين للشيء المشار إليه، وليستْ مجرَّد علامة عليه وإشارة.

إذاً لا بد من إعادة البناء والتي لا بد لها أيضا كعملية شاملة من مقدمات تستطيع التمهيد لها لتجنب إنتاج نفس المشكلات بأشكال وألوان مختلفة، ومن هنا يطرح الدكتور (السيد عمر) رباعية أخرى تسبق إعادة البناء وهي :

أولا : وعي الأمة لتناقض المفاهيم الحالي

ثانيا : إزالة الجفوة مع اللغة العربية

ثالثا : تحقيق الانفتاح على علم الدلالة وتحليل المعنى

رابعا : نقد المفهوم ومراجعته

ومن ثم ننطلق لإعادة بناء نسأل الله أن نكون وإياكم ممن يشاركون به بفاعلية وفهم.