الشيخ إمام عيسى، الضرير العاشق لمصر

تُنّحَت شخصية المرء عبر مروره بتجارب حياتية يختلف عمقها بحسب معطيات كثيرة، أهمها الاشخاص أصحاب مَلَكَة التأثير على من يكون في سياقها بشكل ساحر، ليست شيئاً ممنهجاً أو عبر أساليب مقننه ومختارة بعناية كما بعلم الاجتماع وإنما بشكل عفوي أخّآذ ينقلون لك معاني قد تختزل لك جوهر أصيل في هذه الحياة. شخصيات عظيمة، لا أقل من ذلك.

رغم قِصَر عمر تجربتي معه إلا أنها كانت عميقةً على كافة الأصعدة لأنني عشتها مع شخص فائض الحنان على جميع من حوله، “واحد من الناس” فعلياً ولا تتلقى أي اشارة أو احساس بأنه يملك أجندة خفيّة. شخص استطاع أن يزرع الابتسامة على من كان معه بشكل عفوي وتلقائي، استطاع أن يبلور معاناتهم وهمومهم وحبهم الجياش بصوت فيه من التجربة والصدق أن أنَزَل معاني المعاناة والحب الأدبية من أبراجها العاجية لأرضنا هذه لتتحسسها بأطراف أصابعك قبل ان تنسَلّ منك بشكل هادئ تاركةً أثرها عليك. ذلك الشخص الذي كسب حب الناس وجعلهم يتسابقون عليه فور خروجه من باب المسكن لإيصاله لوجهته أو لمدّ كاسة شاي أو رغيف خبز.

حاولت قدر الإمكان عبر هذه المقالة أن أوضح ولو بشكلٍ بسيط انحراف بوصلة التقدير لـ(الشيخ إمام) عن وجهتها الصحيحة وجعله رمزاً ثورياً فقط. هو أكثر من ذلك بكثير.

  • محطات مهمة :

نشأته في أحد عوائل قرية أبو النُمرُس الفقيرة التابعة لمحافظة الجيزة كانت عاملاً اساسياً فيما أصبح عليه لاحقاً من فقده للبصر والعيش فقيراً مجبراً قبل أن يختاره لاحقاً بعد أن أتيحت له المنافذ اللازمة للغنى. كان أبوه بائعاً للمصابيح ، يحملها على رأسه ويجوب بها شوارع القرية باحثاً عن الرزق بنفس الطريقة التي كان يحمل بها إمام أحياناً قبل ان ينزله بالكُتّاب ليأخذ دروسه اليومية في حفظ القرآن الكريم، حيث كان يُجهِّز بان يكون شيخاً وأحد القرّاء ومنشد ومقيم لبعض الشعائر الدينية المرتبطة بالكثير من العادات الاجتماعية بمصر – خصوصاً قُرًاها وأريافُها – والتي كان يعيش كامل تفاصيلها بأجواء قرية أبو النمرس الريفية. كان أحد المرشحين الدائمين لأفراد الكورال بحفل انشاد المولد النبوي مع قُرّاء القرية التي كانت تتم من غير تدريب أو بروفات مما يجعلها ذات هامش كبير للارتجال والذي برز فيه الشيخ ، وكان مشاركاً دائماً في مناسبات القرية الاعتيادية (الاعراس ، الحج ، تنقية الغلال ،  السلال …) مع نسوة القرية أصحاب المزاج الريفي والغناء الشعبي البريء صحبة والدته.

ترك القرية وهو ذو 11 سنة للإلتحاق بالجمعية الشرعية بالقاهرة بعد أن أتم حفظ القرآن بالكتّاب. ذهابه للقاهرة لم يكن غريباً حيث كان يتردد عليها مع أقاربه ، لكن هذه المرة لم تكن زيارةً عادية وإنما تجربة حياتيه كاملة ، حيث سكن في حي عمّالي حِرَفِي مليء بمظاهر الكدح والبحث عن الرزق ومحافظ على خصوصيات الأقليات المناطقية التي تسكنه حيث أنها لم تنجرف كثيراً بالتطبع المدني الأبيض – لغة وعادات بيضاء جماعية –  أكمل ما يقارب 4 سنوات بالجمعية الشرعية حتى فُصل منها لدواعي استماعه للشيخ رِفعَت عبر الراديو  الذي كان محرماً آنذاك – أسوةً بشرب السجائر وارتياد القهوة – على أعضاء الجمعية مما أدى إلى غضب الأب وسبب القطيعة معه ومع قرية أبو النمرس حتى مات. فصله من الجمعية وقطعية الأب أثرت بشكل محوري في خلق صدفة التقاءه بصديق عمره الاستاذ محمد عليّ أثناء بحثه عن مسكن ، حيث كان مسكن محمد هو ماجمع الثلاثي (الشيخ امام ، أحمد نجم ، محمد علي) لاحقاً.

من الملاحظ بأن خلفية قُرّاء القرآن الكريم الفنية لطالما كانت بصمة واضحة في أداءهم الغنائي / التطريبي لاحقاً لإهتمامها القوي بقواعد النطق المتصلة بالتلاوة وما يحتويه علم التجويد من ضوابط وأزمنة مدودية كثيرة للنَفَس ومخارج الحروف وما إلى ذلك واعتماد القراءة على الارتجال والتلقائية التي تتوج لاحقاً بإتقان المقامات والأوزان الموسيقية ليتكون مزيج فريد جداً من نوعه (طرب المشائخ). يمتد تاريخ هذا النوع إلى ما قبل بداية القرن العشرين بالمدرستي المصرية والسورية التي كانت تنتج قراء على مستوى عالٍ من الجودة إضافةً إلى أن البعض كان عازفاً بارعاً وليس مؤدياً فقط ، ولكن هذا لم يكن كافياً لاحتسابهم على السلك الغنائي خصوصاً وانهم يلتزمون بحدود نادراً أن يتجاوزونها في تقديمهم لمنتجاتهم الطربية التي كانت في حدود الموشحات والمواويل والقدود الحلبية ، لذلك هذا النوع لم يولد مع الشيخ إمام وإنما كان هو بذاته حالة شديدة الفرادة ، حيث أنه اعتزل هذا المسار وأصبح محسوباً على السلك الغنائي الذي كانت أبرز علامات خطوته هذه اجتماعياً هي استبدال ملابس الأزهر بملابس العامة مع احتفاظه على كامل الخلفية الفنية للقراء وتفعيلها بشكل رئيسي بالأغنية التي أنتجها لاحقاً.

كان قد بدأ التلاوة في البيوت والمحلات لجلب الرزق بحكم احترافه بالجمعية الشرعية. ومشارك رئيسي بجلسات الذكر والتهليل الدائمة التي كانت حدثاً اعتيادياً بالحارة و إحياء الامسيات الدينية ، رغم تقديمه لنفسه كـ شيخ إلا أنه حرص كثيراً مشاركة الجو العمّالي مع أهل الحارة ، فقد كان يمر على المحالات وينشد ويغني أغانيهم الخاصة مما قاده إلى اتقان كبير لأنواع متنوعه من الأنماط (الفلاحة ، الفواعلية ، الطلاب ، العمّال ، الباعه …ألخ). كان يتلو مره في أحد الحوانيت بحضور الشيخ درويش الحريري أحد رواد الفكر الموسيقي بمصر بتلك الفترة فسمعه وأعجب به ، وبادره الشيخ إمام بطلب التعلّم على يديه أصول المقامات الموسيقيه والذي تم عن طريق الموشحات الأندلسية والدينية، لكنها كانت المبادئ النظرية للغناء والتي أتبعها بأداءها. إلا انه لم يخطر ببال الشيخ امام بأن الكفيف قادر على تعلم العزف وأنها مهارة تحتاج للبصر ، حتى التقى لاحقاً بصديقه كمال الحمصاني وسمعه يعزف وهو كفيف فعلّمه السلم الموسيقي على العود وأنطلق يتعلم ذاتياً منه.جمعته الصدفة بمرحلة لاحقة بالملحنين الكبار وأهمهم زكريا أحمد ومحمود صبح ومكث يرتشف من هذه المناهل في أثناء دراسته للقرآن حتى سنة 1945م حيث قرر التحول والالتزام بالغناء بشكل رئيسي ليحيي بعض المناسبات البسيطة مثل أعياد الميلاد وطهور الأطفال وما إلى ذلك إضافةً إلى استمرار ارتباطه الوثيق بزكريا أحمد خصوصاً بعد وصول أصداء الحرب العالمية الثانية – بناءً على شاكر النابلسي – “والتي كان الاقبال على الفن كبيراً وكأن المصريين يتغلبون على شقاء الحياة بالغناء والموسيقى والفن ، فقد غنى المصريون خلال سنوات الحرب كما لم يغنوا من قبل.”  كان زكريا أحمد قد عهد للشيخ مقعد في فرقته الخاصة التي كانت تحيي أمسيات لكبار الشخصيات بالبلد ولها وصلة غنائية دائمة في أوائل الخمسينات اثناء انعقاد الندوة السنوية الفنية في معهد الموسيقى العربية التي كان يحضرها الكثير من المطربين والملحنين، وكان يعهد له بعزف العود الذي كان دور محوري ونقلة نوعية للشيخ امام قبل أن يكشفه زكريا احمد إثر تسرب الألحان الجديدة التي يلحنها لأم كلثوم قبل غناءها لها بأسابيع بسبب أن الشيخ كان يغني الالحان الجديدة ببعض المناسبات البسيطة (في المواليد والزواجات …ألخ) لتنتهي العلاقة

إلى سنة 1961 حيث اجتمع مع أحمد فؤاد نجم وبدأت الشراكة العصامية ، وانضموا لاحقاً معه على سبيل المشاركة شعراء من نفس التوجه مثل أحمد فؤاد قاعود ، نجيب سرور ، نجيب شهاب الدين وغيرهم الداعمين للتوجه الثوري العمّالي. تقريباً من 1962م وبعد التقاءه بأحمد فؤاد نجم كانوا ينتجون أغاني من كلمات أحمد والحان الشيخ ويركنونها ولايذيعونها بالراديو لرفضهم توجه الراديو آنذاك حيث أنهم يرون أن ما يذاع عبره ما هو إلا محتوى لا يمت بآلام الشعب ولا آماله بصلة والكلمة الصريحة كانت ممنوعة ، وإنما كانوا يغنون لأصدقائهم وزوار الشقة والحيّ الذين بدورهم يجلبون أشخاص آخرين ، وهكذا فكانت الاغنية تنتشر من السكن للحارة ومن الحارة للشارع المصري بجميع أصناف متلقيه حتى بدأت حملات الاعتقالات لإسكات هذا الصوت، خصوصاً أثناء نكسة  1967 بعدما أنفعلوا امتداداً لإنفعال الشعب وهاجموا الأوضاع التي كانت سبباً للنكسة في وقت كان صوت المواطن مكتوم طالما كان ضد الحكومة.

بدأت الحكومة بمحاولة المداهنة لكي يخرجوا عن هذا الخط ، أول المحاولات كانت عند اعداد امسية فنية في سنة 1968 في نقابة الصحفيين حيث كان أول لقاء بين الشيخ والجماهير بشكل رسمي وكانت بتوجه ثوري لاقت صدىً كبير بين الجمهور والصحف لاحقاً (على غير ما خُطط له). مباشرةً تم التنسيق معهم عبر منسق اعلامي لاستضافهم من باب التخطيط لنشاطهم الاعلامي المقبل، وتمت المقابلة بمكتب المنسق الاعلامي وفي خضم النقاش اخرج شيك بإسم الشيخ بقيمة 25 ألف جنية وعرضه عليهم مقابل توجيههم والتزامهم بالخطة الموضوعة لهم والمختصة بنشاطهم الاعلامي ، رفضها الشيخ مباشرةً حيث أنه اعتبرها رشوه وكتم أنفاس والتي كانت بداية الصِدام بشكل رسمي ضد الحكومة لِتُلَفّق عليهم قضية مخدرات لاحقاً لدحضهم والتي من سخرية القدر فشلت لأن مبالغ الكمية أكثر بكثير من ما يمكن أن يملكونه مما أثار حفيظة القاضي واعتبرها أمر غير منطقي لتفشل القضية. بعد احتراق ورقة القضاء أُصدر قرار اعتقال لمدى الحياة من الأمن العام مباشرة ليدخلوا السجن والذي كان يُروى بأن أحمد فؤاد نجم كان يقضي وقته فيه في الكتابة ليزوره الشيخ امام اثناء الاستراحة ليستلم منه ما كتب ويبدأ بالتلحين فيما تبقى من اليوم. تواجُد الثنائي في بيئة مثل المُعتقَل – التابع للمباحث –  الذي كان مليئاً بالمعتقلين السياسيين كان دعامة للتوجه الثوري بشكل غير مخطط له حيث أستطاع صوت الشيخ امام وكلمة أحمد نجم أن تجمع مساجين المعتقل لأنها كانت تستهدف عامة الشعب والأوضاع السياسية، فكان السجن يتحول إلى حفل غنائي يجوبه عاصفة تصفيق وغناء الشيخ كل ليلة ، ورغم غرابة القصة إلا أن وجودها للمتتبع لحياة الشيخ تعطي صورة واضحة عن أنه تحول رمز للثورة. أُطلِق سراحهم عام 1971م بعد ما أتموا 3 سنوات بعدما أكسبهم المُعتقَل سمعة رنّانة والتي كانت بمثابة الحملة الاعلامية الناجحة لهم مما دفعت بطلاب الجامعات والعمال من المجتمعات والنقابات العمالية بأن يكونوا أول من يحتضنهم بعد الخروج ويدعونهم لإحياء الحفلات والامسيات الفنية التي كانت دائماً ما تنتهي بالقبض عليهم جميعاً.

لم يكن للشيخ أي تواجد اعلامي رسمي حيث أنه مُنع من ذلك ، وكان إذا ما ضُبِط أحد المواطنين ومعه كاسيت للشيخ يعاقب بشكل كبير. وكانت تمرر كاسيتات عن طريق الخلسة خارج مصر للشعب العربي ، حيث يقول عصمت النمر بإحدى مقابلاته بأنه أثناء سفرِهِ لتونس بأنه ركب تاكسي لكي يقلّه الى احد الفنادق بالعاصمة التونسية ، وأول مفاجأة له كانت أن سائق التاكسي يسمع كاسيت للشيخ امام بالطريق مما أدى إلى سؤال عصمت للسائق :”انت تعرف مين اللي بيغني ؟”  قال: “اه طبعا مولانا الشيخ امام.” هكذا بكل سلاسة ! ليحكي بعدها “ولما كنت نازل لمصر بعد انقضاء زيارتي لليبيا حدثت صدفة عجيبة. وانا راكب الاوتوبيس من طرابلس للقاهرة لاقيت جنبي على الكرسى المجاور لي شابين من تونس نازليين مصر سياحة. تصادقنا كأننا نعرف بعض من سنين. وانا باسألهم اشمعنى نازليين مصر سياحة ؟ قالوا لي نازليين اساساً عشان نزور الشيخ امام …قلبي كان هايقفز من قفصه من السرور. ياعيني يامولانا. سجنوك ومانعيين اغانيك لكن لانك بتحب الناس وبتغنى للناس, الناس اهي بتحبك.”

من المغالطات التي حسبت على الشيخ امام بأنه كان يتبع أحد الاحزاب السياسية التي كانت تضج بها القاهرة آن ذاك سواءً أكانت اليسارية الاندرجرواند الى احزاب يسارية علنية كحزب التجمع أو احزاب يمينية كحزب الوفد رغم تأكيد المقربين له بأنه لم يشترك في ايّ حزب ، رغم ان منزل الشيخ امام كان يعجّ بالأصدقاء من كل التيارات السياسية. حيث كان يكرر دائماً بمقابلاته “احنا موش بتوع حزب معين, نحن عشاق لتراب هذا الوطن ندفع عن طيب خاطر انفسنا وعمرنا من سجن الى تشتيت واهانة فى سبيل هذا الوطن”.

الحفلات :

الشيخ ومن معه يملكون تاريخ متميز واستثنائي فيما يخص الحفلات ، بعضها أراها شخصياً كفلم سينمائي لا يمكن اعادة انتاجه بنفس الجودة في تقديم هستيريا الثورة السياسية – عبر الأغنية على المسرح. تجربتهم مع الاعلام والتلفزيون والمسرح عموماً معدومة داخل مصر بسبب الحصار المفروض عليهم ، اغانيهم كانت بالحارات الشعبية وبالغرف فقط ، تجاربهم التلفزيونية والاعلامية كانت كلها خارج مصر ، ومن أغربها عندما شد الرحال للجزائر مباشرةً بعد خروجة من السجن والتي تكفلت الحكومة الجزائرية بمصاريفها كاملةً من سكن ووسائل نقل وفتحوا لهم القاعات الرئيسية مثل قاعة الاطلس وقاعة ابن خلدون وتم استقبالهم فيها استقبال القادة :

قد يعود ذلك إلى أن الجزائر وبعد تحررها من الاستعمار الفرنسي – قبل 20 سنة من تاريخ الحفل – لازالت تعيش هذه النشوة ، نشوة التغيير والثورة ، وكانت تملك أحزاباً سياسية وحراك ثوري كبير خصوصاً بعد تسلم الشاذلي بن جديد للسلطة وتوجهه بتعزيز الاقتصاد الجزائري الذي حمل جملة من التغييرات التي قوبلت بمعارضة كبيرة مما صنع المناخ العام لليسار.

وهنا حفلته العصامية في تونس التي تعتبر أكثر دولة ارتبطت مع الشيخ امام خارج مصر وتكونت مجموعات من محبّي الشيخ لمتابعته ودعوته بشكل مستمر. ونسمع الجمهور بدأ بالنشيد الوطني التونسي (حماة الحمى ياحماة الحمى ، هلمّوا هلمّوا لمجد الزمن) فور انقضاء الشيخ من الغناء في أجواء لا تتكرر.

عن فلسطين في تونس

ليبيا وتكريمه

(ليون – فرنسا 1984م)

(ليل – فرنسا) / الشيخ أسر الجميع وأولهم أحمد فؤاد نجم الذي فضحته لمسته لكتف الشيخ في قمة أداءه

بحبك يامصر في فرنسا

الملحن :

هذا الجزء بالذات هو أكثر ما ظُلِم به الشيخ امام ، حيث أنه من الملاحظ بأنه لم يُعطى أي أحقية بهذا المحور الفنّي وغُيِّب تماماً ، بالرغم من أنه كان موسوعي بالتراث الشرقي الذى كان ملماً به بإقتدار ، ربما لطغيان النزعة السياسية المميزة جداً التي قدم بها نفسه أو لضعفه الشخصي بتسويقها للعموم خصوصاً وأنه في كل فرصة أو مقابلة معه يقوم بتقديم نفسه بالشخصية السياسية الثورية. كان الشيخ وبشكل رئيسي عاكف على تلحين ما يقع بين يديه من نصوص قدر الامكان مما أثّر بشكل رئيسي بإنتاج الشيخ من ناحية الكم ، كان غزير الانتاج بشكل يفوق التوقعات وأضطر مجموعة من محبين الشيخ إلى إنشاء تجمع يضم هذه التركة المشتتة !.  وهذا طبيعي لشخص ذو علاقة ذات طابع شغفي مع ريشة العود وذو مزاج طربي من الطراز الرفيع ولا يمانع باستقبال الزوار بمسكنه بشكل مستمر.

  • اللون الاجتماعي :

أثبت الشيخ بأنه شخص ذو قدرة فائقة على ترجمة الأجواء المصاحبة للمعنى بالكلمة إلى لحن ، يملك زخم موسيقي خيالي صاحبه خلفية متمكنة جداً بالتلاوة والموسيقى ساهمت بشكل كبير بإرتكازه عليها لإنتاج أعماله. المميز هنا أنه اضافةً على هذا الزخم فهو يملك خلفية اجتماعية مليئة جداً بالأدبيات العمّالية مما مكّنه من ضبط ألوان موسيقية ولحنية شديدة الخصوصية مثل ألحان الفواعلية ( أولائك الذين يحملون “المونة” للبنائين بأعلى المبنى) ، والسقائين ( من يقومون بتوزيع الماء بالبيوت قبل الحنفيات) ، والفلاحين ، والصعيد، ، والصيادين والعائلة وأعياد الميلاد وغيرهم .. كل نوع من هذه الأنواع لها أساليب غنائية شعبية خاصة استطاع الشيخ وضعها في صيغة لحنية خاصة به. كانت اعمال عبقرية بمعنى الكملة. طبعاً وبعد اكمال صياغتها اللحنية ، تكمن المفاجأة بإجادته لأدائها بشكل عجيب ، يؤديها كواحد من الناس وصانع من الطراز الرفيع لهذه الأجواء لدرجة أن أوجه الحاضرين تشي بأثره عليهم. وصف زكريا أحمد صوت الشيخ بأنه ليس صوت صدًاح ، حلو ، ومعسول .. ولكنه صوت مؤدٍ مقنع وباقتدار وهي ملاحظة ذكية وافقه فيها الشيخ الحريري بها وأكد بأن مقاييس الجمال الموسيقي ترتبط بتناسب الأصوات وطريقة الأداء وليست جمال الصوت نفسة كقيمة ثابته وكافية. وقد يكون ساهم بهذا الشيء علاوةً على تركيزه في الكثير من المواضيع الحياتية الشخصية التي تمس الأفراد بشكل مباشر ، وجودها الحقيقي بحياته والذي صنع رابطة وثيقة بينه وبين الموضوع المُغَنّى، حيث أن الرابط بين الشيخ والموضوع المُغَنّى ليس رابطة أداء جيد وصوت حسن فحسب، بل تأخذ طابع أكثر مصداقية بكثير، فهو مثال نادر ومعاكس لصورة المغني التقليدي صاحب الصوت الشجي الذي يجذبك بشكل ميكانيكي للأغنية فقط، هو شخص عاش التجربة بكل ما بها من معانٍ ويمررها لك بدون أية حواجز طبقية أو اجتماعية لتجد نفسك في وسط التيّار لا حول لك ولا قوة … مثل صعوبة الحياة التي عانى منها وقطيعته مع قريته (أبو النمرس) والغربة التي تسببت بعدم تواجده باللحظات الأخيرة لوالدته ولا في مراسم العزاء، وحب الأرض والوطن التي دفع ثمنها سنوات في السجن أضافة إلى المواويل والألوان الشعبية والأفراح وغيرها التي كان يعيشها دائماً مع رفاقه والعوائل التي من حوله .. كان يؤديها بدون أي ابتذال ، فعلاً كواحد من هؤولاء الناس.

يا بلح ابريم – أجواء خيالية :

الفواعلية

وهبت عمري للأمل – موال الارض

أيوب

حَلّو المراكب – عمل غنائي ودرامي عظيم جداً عن الغربة

البحر بيضحك ليه ؟

يا بحر

قيدو شمعة

 

ياصلاة الزين – زواج:

حلاوة الدنيا عندما تتجسد في ابتسامة شخص:

الحمام الأمري

صياد وعصفور

طلع الصباح

الليلة آدي عيد ميلادك يا منار

الشيخ امام مع أصدقاءه:

(الشيخ امام) في ضيافة عائلة (معلّى) التونسية:

  • مصر .. مدينة الشيخ إمام الفاضلة :

ان كانت تعتمد مدينة (أفلاطون) الفاضلة على تأسيس مدينة يقودها الفلاسفة والحكماء ليجد فيها المواطن والمقيم والزائر أرقى وأكمل أنواع الخدمات وبأسلوب حضاري راقي تثبت فنتازيتها بشكل صلف وطارد !. فمدينة الشيخ إمام الفاضلة مختلفة تماماً، وجودها حقيقة محسومه، تعيش وتمارس الجذبة الصوفية معها وتتلقى عيونك نظرات حب السكّان المطبوعه على البيوت والمزارع بإستمرار. تتأسس على حب غير مُتَطلِب بتاتاً .. حب صافي مستمر للكينونة ذاتها لا لما تقدمها، ولهذا حبه لها بقي خالداً. مصر عند (الشيخ امام) مُستَحِقه للحب بدون الحاجة إلى إعمال علاقة العلّية التي تربط هذا الوجود، معطاءه، ومحبة للجميع كـ كيفية محسوسة راسخة كما بتصنيفات الفلاسفة للكيفيات بالوجود … مصر شيء استثنائي عاش معها قصة حب لا تتكرر … يعرّفها الشيخ بالأبيات التالية من أغنية السلام:

هيّه جنّة إنسانيه للبنية وللبنين
فيها غيط القمح كافي يِدِّي كل المحتاجين
فيها نهر الحب وافي يسقي كل العطشانين
فيها نور البدر صافي يهدي كل الحيرانين

الممنوعات – وكل يوم في حبك تزيد الممنوعات، وكل يوم بحبك أكثر من اللي فات:

سلامي إليكِ يابلدي

لو خذوا منّي العمر شويّة، بس أشوفك ملوَ عنيّه:

اسكندرية

أهيم شوقاً

كل عين تعشق حليوة

قصيدة وصية الشهيد (سليمان خاطر)

طنبور

بستنظرك – “أمدّ لك ايدي اللي شققها العمل”

قد إيه برتاح أنا لحظة ما أقابل بسمتك:

التغزل بالنيل:

أبّوح:

من عذابي في هواكِ:

  • الأغنية الصوفية والابتهالات:

هذا اللون شديد الندرة حيث أنه مختلف عن “الإنشاد” الصوفي المعتاد رغم أنه يشاركه من ناحية اللون العام، حيث أن الشيخ أعطاه صيغة لحنية مميزه ويؤديه بوتيره مابين الغنائية والانشادية .. كان تأصيل الشيخ أثناء دراسته بالجمعية الشرعية وعملة كقارئ ومحيي للمحافل الدينية ركيزة أساسية بهذا اللون.

اقرأ

اشرق النور:

لا اله إلا الله:

هي ايها الساقي:

الكلاسيكيات الشرقية :

كان الشيخ امام محب وهاوي للأغنية الكلاسيكية العربية ويستمع لها بشكل دائم ويقوم بغنائها بين أصحابه خصوصاً وانها كانت دارجه بين الناس آن ذاك فلا يخلو مجلس من طلبها. اضافةً إلى أنه كان يستمع بشكل مستمر لما يطرح في الساحة الفنيّة ، ويتلذذ بالكلاسيكيات المصرية منذ بداياته في المجال، وهنا إحداها مع (ام كلثوم). نسمع هنا بوضوح القدرة الفائقة على إجادة هذه الكلاسيكيات باقتدار وتمكن تثبت أن الشيخ امام واحد من النخبة الموسيقية الذين لم يسعفهم السياق للتوسع بالشكل المطلوب، وربما كان هذا باختياره:

زوروني كل سنة مرة:

الامل لـ(أم كلثوم):

زدني بفرط الحب فيك تحيرا – لسلطان العاشقين (ابن الفارض):

يامليح اللمّا :

ياللي جفاك المنام – لـ(أم كلثوم):

ليه يابنفسج – لـ(صالح عبدالحي):

دور البلبل جاني وقال لي – دور مشهور غناه أكثر من مغنّي قديماً (سليمان ابو داوود)، (عبدالحي حلمي)، (يوسف المنيلاوي):

ياللي تشكي من الهوى – لـ(أم كلثوم) :

نور جمالك آية:

أنا هويت وانتهيت:

انسى الهموم:

اللون السياسي :

الأصالة تطفح باللون السياسي الذي ارتبط معه بشكل فريد جداً اسم (الشيخ امام) كالشخص الوحيد الذي قدمه هو اللون السياسي الهزلي، والذي ارتبطت معه انا شخصياً بشكل ضعيف صراحةً لكن هذا لا يلغي أنه كان مزيج فريد جداً من نوعه حيث لم يعرف العالم العربي الأغنية السياسية الشعبية بهذا الأسلوب، لذلك كان يقدم ولأول مره على الساحة وحقق انتشار واسع وغير متوقع كما بتجربة عصمت النمر المذكورة سابقاً. بل وأجزم شخصياً بأنها ذات خصوصية وفرادة مشابهه لفرادة مسرحيات (الرحابنة) السياسية بلبنان وذات انتشار عربي شعبي أكبر.

بسبب التغطية القوية بهذا الجانب له وانتشاره أردت عدم التركيز عليه وارتأيت التركيز على جزئية أن الشيخ لم يحتكر نفسه لأحد كما بالصورة النمطية عنه، بمصر مثلاً لم يحتكر نفسه لـ(أحمد فؤاد نجم) فقط ، وإنما لحن وغنى لـ(نجيب سرور)، و(فؤاد قاعود)، و(زين العابدين فؤاد)، (نجيب شهاب الدين)، (محمود الطويل)، (محمد جاد). وغيرهم إضافة إلى الفولكلوريات الشعبية والدينية الدارجة بذلك الوقت. أيضاً  خارج مصر كان لديه اطلاع على الانتاج العربي خصوصاً ما ارتبط بنمط الثورة، من فلسطين لحن وغنى لـ(توفيق زياد)، (سميح القاسم)، (فدوى طوقان). بل وكان مناصر وداعم قوي للثورة الفلسطينية ضد الكيان الصهيوني وقدم منتجات خالدة. أيضاً دعموا الحركات والرموز الثورية العالمية، مثل (تشي جيفارا)، و(سايبون) التي رجعت لأهلها الثوار، والزعيم (موشيمنا):

اصلي على النبي :

فلسطين دولة

لينا

غزة في قلب العرب :

في ذكرى الميلاد العشرين

سالمة ياسلامة

من أحيوا الشيخ امام حتى الان ؟

لاشك بأن تراث بهذا الزخم وفي وقت كانت أدوات التسجيل به محدودة مما نتج عنه صعوبة كبيرة في عملية الأرشفة ، اضافةً إلى تعدد مصادرها الجغرافية لتخللها مناطق ومدن وعوائل مختلفة. أشكر هذه المجموعة الشكر الجزيل على جميع الجهود التي بذلوها لأرشفة إرث لشخص سيبقى علامة مرجعية لي ، لولاهم لم نكن لنعرف شخصاً بإسم (الشيخ امام): عصمت النمر، عايش عبيد، محمد معاذ، سيد عنبة، موقع الملتقى،الاستاذ كريم، قناة الشيخ امام في اليوتيوب، قناة يامولانا في الساوندكلاود 1 و 2

 



الوسوم: