العقل عند المتصوفة

iruxzzm

لم تدان طبقة كما يتم إدانة المتصوفة وخاصة فى العالم الإسلامى منذ قديم الأزل، فى كتاب (ولاة و أولياء) حاول (محمد حلمى عبد الوهاب) أن يلم إلماماً شاملاً بالتصوف و المتصوفة، وتأثيرهم في الحياة السياسية الإسلامية، وفى هذا الجزء من الكتاب يتكلم عن مكانة العقل عند المتصوفة من خلال أحاديثهم

قال رجل للنورى: ما الدليل على الله ؟ قال: الله . قال : فما العقل ؟ قال: العقل عاجز و العاجز لا يدل إلا على عاجز مثله، فسلطان العقل عند المتصوفة، عاجز، ناقص  وزائد، و هو متبوع متفرع لا يقوى بقوة أركانه و يزداد بزيادة سلطانه، فكيف يدرك المتناهى اللامتناهى؟ و كيف يقف الناقص على طبيعة الكامل؟

لا يقبل قول المتصوفة بنقصان العقل كما هو وبالكلية، إنما برهنوا على نقصانه وعجزه فى معرض حديثهم عن أدلة وجود الله، و كيفية الإتصال به، فلولا النور الإلهى لما عرف العقل خالقه، قال (أبو بكر السباك) : لما خلق الله العقل، قال له: من أنا؟ فسكت، فكحله بنور وحدانيته، ففتح عينيه وقال :أنت الله الذى لا إله إلا أنت، فلم يكن للعقل أن يعرف الله إلا بالله .

ويميز الحكيم الترمذى بين ثلاثة أنواع من مقامات العقل: أولها عقل الفطرة، وهو الذى يخرج الصبى والرجل من الجنون، فيعقل ما يقال له لأنه يُنهى و يؤمر، و يميز بين الخير والشر، و يعرف به الكرامة من الهوان، و الربح من الخسران .
و ثانيها عقل حجة، و به ستحق العبد من الله تعالى الخطاب، فإذا بلغ الحلم يتأكد نور العقل الذى هو وصف بنور التأييد، فيؤيد عقله، فيصل إلى خطابا لله تعالى .
و ثالثها عقل التجربة، و هو أنفعها جميعاً و أفضلها كذلك، لأنه يصير حكيماً بالتجارب، و يعرف ما لم يكن بدليل ما قد كان

و هذا هو مقام العقل عند المتصوفة بإيجاز ، وفى مقتطف أخير يعرف الكاتب التصوف بأنه :

هو – فى الأساس – استجابة لرغبة لا يمكن قمعها، استجابة صادقة للحياة الروحية، وتتجلى هذه الرغبة الجامحة بكل عنفوانها، كلما أصبحت القوى المادية طاغية مفرطة الإحكام، كما إنها لا تؤمن إلا بما يتوافق مع إقتناعاتها السياسية ومصالحها الذاتية، فيما تمثل التجربة الصوفية قوة تفرض التنوع و الاختلاف، وتقر بالفوارق الذاتية باعتبارها مكونة للشخصية وميسرة للخلق والإبداع ، ومن ثم تبذر بذور الحرية في رحم كل من أشكال التسلط والقهر والاستبداد