الغاية الحقيقية من القراءة عند مصطفى ناصف

Mustapha_Abdo_Nasif08ar

الدكتور مصطفى ناصف، ناقد ولغوي المصري، ألف عدد من الكتب الفذة في الأدب العربي ك “قراءة ثانية لشعرنا القديم” و “محاورات مع النثر العربي“. في كتابه المهم “اللغة والتفسير والتواصل” (نسخة الكترونية) المنشور ضمن سلسلة “عالم المعرفة” أفرد فصلاً هاماً عن أنماط القراء والقراءة؛ يوضح عدد من الآراء النافذة حول الطريقة التي يجب أن نرى بها القراءة بالعموم.

يبدأ ناصف الفصل بفقرات توضح نوعين من القُراء بينهم فرق كبير للغاية، حيث يقول

الناس مشغولون بالحكم على ما يقرؤون. وهم يقسمون الكتب قسمين كبيرين ، ماذا علينا لو جعلنا همنا التفريق بين قراءة جيدة وقراءة رديئة ؟ ألا نستطيع أن نزعم أن الكتاب الجيد كتاب يُقرأ بطريقة خاصة ؟ هذه محاولة تستحق العناء. لنفرض أننا نقول إن (أ) معجب بمجلات النساء ، و إن (ب) معجب بشعر أبي العلاء ، هنا نتصور أن كلمة معجب ذات معنى واحد في الحالين، أو نتصور أن النشاط الذهني متشابه وإن كان موضوع الإعجاب مختلفاً، وهذا خطأ. [ولإيضاح الخطأ] فيكفي أن نذكر الفروق بين القراء: فالذين يقرأون المجلات الإسبوعية ربما لا يتمتعون بالنشاط الذهني نفسه الذي يتمتع به قارئ لمجلة أدبية رفيعة. لا بد أن نتمعن في أنماط القُرَّاء وأنماط القراءة. كثير من الناس لا يقرؤون شيئاً واحداً أكثر من مرة ، فإذا عرضت عليهم كتاباً كان الجواب المتبادر : لقد قرأت هذا من قبل ، كيف إذن يفكر في إعادة قراءته؟

كثير من الناس يكتفون بقراءة واحدة. وهم يعاملون الكتاب بطريقة خاصة. مَثَلُ الكتاب عندهم مثل عود الثقاب يشتعل مرة واحدة، أو مثل تذكرة القطار تستعمل مرة واحدة أو مثل الصحيفة اليومية. ولكن قليلاً من الناس يقرؤون الكتاب مرات متعددة في حياتهم. كثير من الناس يقرؤون مضطرين.. القراءة عندهم لهوٌ ينصرفون إليه في الأسفار والمرض ولحظات الوحشة واستدعاء النوم، وقد تصحب القراءة عندهم نشاط ثانٍ مثل الاستماع إلى الراديو. لكن قليلاً من الناس يقرؤون قراءة مُصغية نشيطة متأنية. وقد يشعرون -إذا لم تتح لهم هذه القراءة- بأنهم فقراء. تراهم في بعض الأحوال يقرؤون قراءة محب أو قراءة متدين أو محروم، هؤلاء تغير القراءة عقولهم وأشخاصهم.. لكن معظم الناس في مجتمعاتنا لا يكادون يتأثرون بما يقرؤون.

القراءة إذن نشاط مختلف الأنواع. قلة قليلة تستمتع بما تقرأ وتستمتع بتذكره وقد نردد بعض فقراته إذا خلونا إلى أنفسنا، وقد يحلو لنا أيضاً أن نتحدث إلى الآخرين عما قرأنا. لكن معظم الذين يدرسون في المدارس والجامعات نادراً ما يفعلون. إذا تحدثوا عن الكتاب كان حديثهم خلوا من الحماسة، إنهم يتهمون الآخرين بالسرف في العناية. لايزال الكتاب عند جمهور كبير من الناس هامشياً . وبعبارة بسيطة هناك اتجاهات مختلفة من الكتاب والقراءة. لقد قل الإهتمام بتجربة القراءة ذاتها، كثر الكلام فيما يسمونه مناهج البحث والنقد وصناعة الرسائل وإخضاع الكتاب لطائفة من النزوات والأدوات والتقاتل حولها . كل ذلك ظاهره العافية وباطنه غير ذلك.

ثم يواصل حديثه في موضع آخر عن الحال المؤسفة التي وصلنا إليها في تضييع الهدف الحقيقي من القراءة، حيث يقول

لقد جعلنا الجدل حول الكتاب والنص صناعة ماهرة مغرية. وفي خضم هذه الصناعة ضاع قدر من الإهتمام الإنساني الحق ، واختلط البحث عن الدراسة وقراءة الكتاب. إننا نتحدث عن الكتاب أحياناً حديث من يريد أن يفسح لنفسه السبيل في الدنيا. إننا حتى الآن لا نعرف يقيناً كيف يمكن أن تكون القارءة أداة نمو وكمال ، أداةَ كسبٍ للإخلاص والتواضع وحسن الإصغاء.

[…]

إن الناس يتوهمون أنهم يحبون الأدب والكتاب القيم، وهم يحبون في الغالب أنفسهم، لا يريدون أن يفارقوها أو لا يستطيعون. قد يخيل إلينا أننا معنيون بما يسمونه الثقافة، إننا نتناسى الأصل الاشتقاقي للكلمة، ومن ثم تصبح الثقافة مطلباً أو إطاراً محدوداً… وفاتنا -كما فات الشباب- أعز شيء في الحياة: أن نحب صوت إنسان، أن نقرأ بقلب خالص، أو نستقبل النص أو الكتاب في احتفاء و وُد وتكريم. فاتنا أن نتحرر: ألا نخجل من قراءة شيء قُصد به الإضحاك والتسلية.. فاتنا أن نصغي للشيء البسيط لا تعقيد فيه ولا تركيب، فاتنا أن نفضل الإصغاء على الكلام، أن نفضل القراءة على النقد، أن نحتوي ما نقرأ لا أن نضعه في قالب معلوم.

ولكن؛ ماهو الهدف الحقيقي من القراءة -في نهاية المطاف- ؟

والسؤال هو هل نحب ما يحقق أمانينا الشخصية فحسب (من القراءة) ؟ إن القراءة هدفها الحقيقي هو تربية الحرية، أن نرى ما يجاوز مخاوفنا وتطلعاتنا وهمومنا الخاصة. ليست المسألة إذن وقفاً على أن ننتقل مع الطلاب من بدع نقدي إلى بدع ثالث، إننا بشر لا أدوات مسخرة في أيدي البارعين من صناع النظرية الذين لا يحفلون باستقلال أفق الممارسة أو تميزه أو استعلاء.