الفرق بين الجوهر والتاريخ عند زكي نجيب

زكي نجيب محمود

يعد (زكي نجيب محمود) واحدًا من أبرز الفلاسفة في القرن الماضي، ويعد مؤسس الفلسفة الوضعية في عالمنا العربي.

والفلسفة الوضعية المنطقية التي تبناها (زكي نجيب)، ترتبط كثيرًا بشكل أو بآخر بالمذهب الوضعي في نظرية المعرفة والذي برز على يدي (أوغست كاونت). وقد تعرضت هذه الفلسفة لحملات مضادة كثيرة كانت سببًا في تعميتها ونقل أفكار مغلوطة عنها، بعيدًا عن الموضوعية. وانطلاقًا من فلسفته، وفي كتابه (نافذة على فلسفة العصر)، يبيّن (زكي نجيب) رأيه في مسألة يمكن عدها – وبحق – عماد الفكر الفلسفي المتعلق بنظرة الإنسان للوجود بشكل عام وللطبيعة بشكل خاص، ألا وهي مسألة ماهية الأشياء منطلقًا من الذرة، فيقول:

لم يكن تحليل الأشياء إلى ذرات يتألف منها بالفكرة الجديدة التي جاء عصرنا ليستحدثها من العدم.. لكن الجديد فيما استحدثه عصرنا هو بناء الذرة كيف يكون.

إن صورة الذرة بعد أن كانت – عند الأقدمين – أولية بسيطة صلبة، أصبحت عند عصرنا كيانًا مخلخلًا، يتشابه تكوينها مع تكوين المجموعة الشمسية مثلًا.. مما نستطيع مراجعته مبسطًا في كثير مما ينشر عن تبسيط العلم في الكتب والمجلات.

وعن علاقة الذرة بالنظرة الفلسفية يجيبنا قائلًا:

ولو كان قارئنا ممن ألموا بشيء من الدراسات الفلسفية – قليل أو كثير – لأدرك من فوره أن أهم فارق يميز هاتين الصورتين للذرة، هو أن الذرة في صورتها القديمة كانت “جوهرًا” بلغة الفلاسفة، وأما في صورتها الجديدة فهي “تاريخ“.

وبين هاتين الفكرتين يكمن الفرق العميق بين فكر قديم وفكر جديد.

وفي معرض بيانه لمعنى الجوهر –وهو ما دارت عليه رحى الفلسفة القديمة– يقول:

هو – أي الجوهر – من أي كائن ما يستحيل إزالته؛ لأنه بزواله يزول الكائن، أي أنه مهما تغير الكائن حجمًا ولونًا وشكلًا، ففيه عنصر ذو دوام، هو الذي يعطي الكائن هويته منذ لحظة وجوده وإلى لحظة فنائه.

خذ مثلًا  فردًا من الناس تعرفه وانظر، تجده متغيرًا أبدًا لا يستقر على حالة واحدة لحظتين، فقد كان رضيعًا ثم أخذ يتغير ناميًا، حتى بلغ ما بلغ. لكنه مع هذا التغير الذي لم يجمد دقيقة واحدة، كانت له “هوية” واحدة عرف بها وما يزال معروفًا.

فدوام هذه الهوية لهذا الإنسان كان على أساس ما نزعمه لأنفسنا في تكوينه، وهي أن مجموعة الظواهر امتغيرة فيه ليست هي حقيقته كلها، وإنما حقيقته هي “جوهره” وهو الذي تطرأ عليه التغيرات، حتى لقد قيل: إنه بغير افتراض ذلك الجوهر، لما أمكن أن يكون للتغير نفسه معنى.

وبعد عرضه لفكرة الجوهر وتمثيلها بأكثر من مثال، ينتقل للتصور الذي يراه أليق وأنسب لحقائق الأشياء، وهو “تسلسل الأحداث“، فيقول:

وأما فلاسفة عصرنا، فمعظمهم على اتفاق بأن كيان الشيء ليس في جوهر له مزعوم، وإنما هو في تسلسل الأحداث التي تصنع تاريخه، مضافًا إليه الطريقة الفريدة التي ربطت بها تلك الأحداث.

ولنلاحظ هنا أن افتراض جوهر للشيء، يتضمن أن ذلك الجوهر لا يتأثر بمرور الزمن، فالروح – مثلا – هي الروح، سواء مرت عليها ساعة واحدة أو ألف ألف عام، والمربع هو المربع بالتعريف الواحد الذي يحدد فكرته، لغض النظر عن زمن يطول بالكون ملايين السنين.

وهنا يكمن الفرق بين نظريتي الجوهر وتسلسل الأحداث، فيسترسل قائلًا:

وأما أن تجعل حقيقة الشيء مساوية للأحداث التي صنعت تاريخه، فمعناه أن الزمن عنصر أساسي؛ لأن الأحداث إنما تحدث على فترة من الزمن لا يكون الشيء في أولها هو نفسه في آخرها.

ثم يكمل قائلًا:

وهاتان الوقفتان تنعكسان – كما قدمنا – في تصور الإنسان للذرات الأولية ما وصفها؟

فمع تصور الدوام والثبات – أي فكرة الجوهر – كانت الذرة جسيمًا صلدًا أصم لا ينقسم ولا يتفتت ولا خلاء فيه، ومع تصورنا لحقائق الأشياء على أنها تواريخ يمتد كل تاريخ منها ما امتدت سلسلة الأحداث التي تكون هذا الشيء أو ذاك، تكون الذرة – كما نعرفها الآن – كهارب دوارة في أفلاكها حول نواة، وبفصل الكهارب بعضها عن بعض وعن النواة خلاء، فما تنفك الذرة في حركة، يؤخذ منها بالإشعاع أو يضاف إليها.