الفنون والأعمال الأدبية عند ألبير كامو

Albert Camus

ألبير كامو (1913 – 1960) فيلسوف وجودي، وكاتب مسرحي، وروائي فرنسي. ونال جائزة نوبل للآداب بعام 1957 “على مجمل أعماله التي تسلط الضوء، بجدية ثاقبة، على كل المشكلات التي تُطرح في زمننا على ضمير البشر”. انتقينا لكم هنا من مذكراته كل ما يتعلق بالفنون والكتابة والأعمال الفنية، علنا بذلك نصل إلى صورة كاملة عن نظرته الفريدة. يقول (كامو) في بداية أحاديثه عن الفن:

الاعتراف ضرورة لمواجهة تأنيب الضمير، ينبغي الإقرار بذلك. ليس لدي الكثير لأقوله، سوى أنني لامست حياة الفقر، بين كل المتعجرفين والمتواضعين، لامست فعلًا  ما يبدو لي بأنه معنى الحياة الحقيقي. الفن بالنسبة لي ليس كل المعنى الحقيقي، ولكنه على الأقل وسيلة للوصول. [١٩٣٥]

 

فالفن هو وسيلة الوصول إلى المعرفة، وإلى معنى الحياة، كما يقول، وكما يؤكد ذلك في مقولة أخرى:

لا توجد معرفة نقية شاملة، أي نزيهة، مترفعة. الفن هو محاولة لمعرفة نقية، من خلال التفاصيل. [١٩٤٣]

فالفن إذًا يخلق معرفة كاملة للحياة من خلال تدعيم التفاصيل، حتى تتراكم مع بعضها البعض. يقول بعد ذلك:
والفنانون وحدهم هم المحسنون إلى هذا العالم. [١٩٤٣]
فمن مبررات الفن برأيه:
إن العمل الفني الحقيقي مُعينٌ على الصدق، إنه يعزز التواطؤ فيما بينهم. [١٩٤٤]
ومن هذا ينساق تعريفه للفنان، ووظيفته:
الفنان هو المكلف بالوعظ في عالمٍ ما عاد يؤمن بالخطيئة. وكما أن كلمات الكهنة كانت تستمد قوتها من وجود الأنموذج، فالفنان أيضًا يحاول أن يكون هو أنموذجًا. ولذا فتجده يُعدم تارة بالرصاص، أو يُرمى إلى معسكرات الاعتقال، وسط دهشته مما يحدث له. المعركة غير متكافئة، فالتعوّد على الفضيلة يستهلك وقتًا أكثر مما يستهلكه تعلم استخدام الأسلحة. [١٩٤٨]
ثم يصف العالم الحديث فيقول:
بعد القضاء على الجمال الطبيعي، وبعد ردم المساحات الشاسعة بالنفايات الصناعية، وُلدت الحضارة الصناعية، ووُلّدت الحاجات الاصطناعية وتم استحداثها. مما جعل الفقر وتحمله مستحيلين. [١٩٥٦]
ويقول في موضع آخر:
يحاول الفن الحديث أن يسترجع الغرض من وجوده، بعدما نسي الطبيعة. فهو الآن يعيد صناعة الطبيعة، وهو أمر ضروري لأنهم نسوها. عندما ينتهون من صناعة الطبيعة، قد تكون هناك سنوات فنية عظمى. [١٩٤٨]
أما الآن، فحتى المغامرين:
.. لديهم شعور واضح بأنه لا يوجد ما يمكن تقديمه للفن. لا شيء عظيم أو جديد ممكن، في ثقافة الغرب هذه على الأقل. لم يتبقَ سوى التطبيق. لكن أولئك المتمتعين بأرواح عظيمة لن يشاركوا في هذا التطبيق إلا بيأس. [١٩٣٥]
ويقول أيضًا:
إن هدف العمل الأدبي هو خلق الأشكال لكل ما لا يملك شكلًا. لا وجود للإبداع في ذلك، وإنما هو تصحيح للمفاهيم. من هنا تكمن أهمية الشكل. [١٩٤٧]
بما أننا لا نفكر إلا من خلال الصور، فإذا أردت أن تكون فيلسوفًا، فاكتب رواية. [١٩٣٥]
أن تكتب هو أن تفقد الاهتمام. الفن هو نوعٌ من التخلّي. [١٩٣٥]
 ثم يورد بعد ذلك بعضًا من النصائح للفنانين والكُتّاب. فيقول مثلًا:
إن أول ما على الكاتب تعمله، هو فن نقل وتحويل ما يشعره، إلى ما يريد الإشعار به. في المرات الأولى، قد ينجح ذلك مصادفةً، ولكن بعد ذلك ينبغي على الموهبة أن تحل محل المصادفة. هناك شيء من الحظ في أصل النبوغ. [١٩٤٢]
ويقول ناصحًا في موضع آخر:
كريهٌ هو الكاتب الذي يحكي ويستغل ما لم يعِش أبدًا. لا أقول بأن القاتل هو أفضل من يحكي عن الجريمة (بالرغم من أن ذلك قد يكون صحيحًا). ينبغي تصوّر مسافة ما بين الخلق والفعل. فالفنان الحقيقي يقف في منتصف المسافة بين مخيلته وأفعاله. وهو القادر على أن يكون هو ما يصف، وأن يعيش ما يكتب. الفعل وحده هو ما يُحِدّه، وقد يكون هو الفاعل أحيانًا. [١٩٤٢]
ويقول أيضًا:
لا يموت الأدب بشدة توجيهه لخدمة الأفكار، وإنما لانقطاعه عن الآداب الأخرى، فكل فنان لا يكون منفتحًا على ما سبقه، هو فنان مقطوع. [١٩٥٤]
أما نصيحته الذهبية فتقول:
لكي نكتب، علينا أن نرضى بالقليل من التعبيرات. الثرثرة ممنوعة في جميع الأحوال. [١٩٣٨]
يشرح ذلك فيقول:
التحفة الفنية الحقيقية هي التي تقول الأقل. توجد علاقة ما بين التجربة العامة للفنان (فكره وحياته)، والعمل الذي يعكس هذه التجربة. ستكون هذه العلاقة سيئة إذا ما قام العمل الفني بنقل كامل التجربة، مع تذييلها بشيء من الأدب. وستكون في حالٍ جيدة إذا ما كان العمل الفني مقتطع من التجربة، كمثل الألماس نختصره في بريقه. في الحالة الأولى، هناك حشو وأدب. أما الثانية فهي عمل مثمر بسبب الدلالة الضمنية الكاملة لتجربة نحرز ثراءها.
المسألة هي اكتساب معرفة التصرف التي تتخطى القدرة على الكتابة. وفي النهاية، الفنان العظيم هو قبل كل شيء محب للحياة متمتع بالعيش. [١٩٣٨]
ويقسم بذلك الأعمل الأدبية إلى قسمين:
التوفيق بين العمل الأدبي الذي يصف والعمل الأدبي الذي يشرح. منح الوصف معناه الحقيقي. حين يكون وحده، يكون الوصف رائعًا لكنه لا يحصد شيئًا. يكفي إذًا أن نلمح إلى أن حدودنا موضوعة عمدًا، هكذا تختفي ويظهر العمل. [١٩٣٩]
ويقول عن الحكمة في الفن التشكيلي:
الفن التشكيلي يختار. إنه يعزل وهذه هي طريقته الوحيدة في التوحيد. المنظر يعزل في الفضاء، ما يضيع بشكل طبيعي في المنظور. فرسم المناظر يعزل في الزمن، الحركة التي تضيع عادة في حركة أخرى. الرسامون الكبار هم الذين يعطون الانطباع بأن المنظر قد جُمد لتوه، كما لو أن أداة عرض العرض قد توقفت بشكل لحظي. [١٩٤٧]
وباختصار:
في الفن، لا ينبغي الخوف أبدًا من المبالغة .. إنما على المبالغة أن تكون مستمرة. متناسقة مع بعضها. [١٩٤٢]
ولكن، ماذا عن مقولته بأن: “الفنان العظيم هو قبل كل شيء محب للحياة متمتع بالعيش” ؟ يقول:
إن مضاعفة السعادة في حياة إنسان هي إطالة المأساوي في شهادته. على التحفة الفنية المأساوية فعلًا  (إذا ما اعتبرناها شهادة فعلًا) أن تكون نتاج الإنسان السعيد. ذلك يعني أن الموت هو ما سيملي هذه التحفة الفنية بأكملها. [١٩٣٨]
كل هذا لا يتعارض إذا ما شرحه بقولته:
الفنان التراجيدي ليس متشائمًا. فهو يتقبل كل ما هو إشكالي وفظيع. [١٩٣٩]
ويقول أيضًا:
يخضع المبدع بشكل أساسي للمتعة. [١٩٥٤]
ويحكي قصة أخيرة في الختام:
ذهب فنان تشكيلي إلى بورت – كروس لكي يرسم. كل شيء هناك فائق الجمال لدرجة أنه اشترى منزلًا، وضع لوحاته جانبًا، وما عاد مسّها. [١٩٣٩]
وختامًا ؛ يقول (ألبير كامو):
الجمال هو الحرية الكاملة. [١٩٥٤]