المذكرات الأخيرة من رواية سحابة أطلس

في الرواية الشهيرة (سحابة أطلس)، والتي انعكست بعد ذلك إلى فيلم سينمائي شهير من بطولة (توم هانكس)، كتب (ديفيد ميتشيل) في روايته وعلى لسان إحدى شخصياته التي حملت اسم (آدم آيوينغ)، كمذكرات أخيرة للشخصية، في الصفحات الأخيرة من الفصل الأخير للرواية، وبترجمة حصرية تتشرف ساقية بنشرها:

مغامراتي الأخيرة حولتني إلى فيلسوف، خصوصا عندما يجن الليل، عندما لا أسمع سوى صوت النهر يطحن الجلامدة ويحولها إلى حصى في تؤدة أزلية. أفكاري تنساب كما النهر. يحاول الدارسون تبيان حركة التاريخ ثم يقومون بتصنيفها حسب قواعد تحكم على صعود وأفول الحضارات. ولكن إعتقادي مخالف. أقول أن التاريخ لايخضع لقواعد، هناك نتائج فقط.

وما الذي يشكل النتائج؟ الأفعال الشريرة والأفعال الخيرة. وما الذي يشكل الأفعال؟ الإيمان.

الإيمان هو هبة وساحة معركة في وقت واحد، داخل العقل، وفي انعكاسه: أي العالم. إذا آمنا أن البشرية هي مجموعة من القبائل، ساحة للمواجهه، للإستغلال وللتوحش، فإن مثل هذه البشرية سوف تظهر للوجود، وسوف يسود التاريخ أمثال هوركس المرتزق، والطفيلي بويرهاف و القاتل غوس. أما أنت وأنا، الأثرياء وأصحاب الامتيازات والمحظوظين، لن نجول بشكل سيء في العالم بسبب حظنا الجيد. وماذا لو حكّنا ضميرنا؟ لماذا نقوّض من سيادة عرقنا وأسلحتنا وتراثنا وآثارنا؟ لماذا نحارب النظام الطبيعي للأشياء؟

لماذا؟ بسبب التالي: يوم ما العالم الذي يعمه التوحش سوف يأكل نفسه. أجل، سوف يرضى الشيطان أن يجلس في الخلف إلى أن يتحول الأمام إلى خلف. في الفرد، الأنانية تجعل الروح قبيحة، ولكن بالنسبة للجنس البشري، الأنانية هي الإنقراض.

هل هذا هو الفناء المعجون في طبيعتنا؟

وإذا آمنا أن البشرية يمكنها أن تتسامى على الناب والمخلب، إذا آمنا أن الأعراق والعقائد المختلفة يمكنها أن تتشارك هذا العالم بسلام كما يتشارك الأيتام شجرتهم في ميتمهم، إذا آمنا أن قادتنا عليهم أن يكونوا عادلين، وأن يكمم عنفهم، وأن يحاسبوا على السلطة التي منحت إليهم، إذا تشاركنا خيرات الأرض ومحيطاتها بشكل متساو، فإن مثل هذا العالم سوف ينبثق للوجود. أنا لست مخدوعا. إنه أصعب العوالم على التحقق. يمكن للتقدم الشاق الذي تم تحقيقه عبر أجيال أن يذهب هباء بجرة قلم من رئيس قصير النظر أو سيف جنرال مغرور.

على الحياة أن تُنفق في سبيل تشكيل عالم أود لإبني أن يرثه، لا عالم أخاف أن يرثه، وهذا يبدو لي ما تستحق الحياة أن تُعاش من أجله. عند عودتي لمدينة سان فرانسيسكو، سوف أنذر نفسي لقضية إلغاء العبودية، لأني مدين بحياتي لعبد حرر نفسه، ولأني يجب أن أبدأ من مكان ما.

أتصور رد فعل حماي كالتالي: “يا للنزعة الليبرالية آدم، ولكن رجاء لا تحدثني عن العدالة. إذهب إلى تينيسي على ظهر حمارك وأقنع المحافظين بأنهم زنوج تم تبييضهم وأن زنوجهم هم بيض صُبغوا باللون الأسود. أبحر للعالم القديم وقل لهم أن حقوق عبيدهم غير قابلة للمصادرة تماما كحق ملكة بلجيكا! سوف تتحول لشخص فظ، فقير ورمادي في المؤتمرات الحزبية. سوف يبصقون عليك، يشنقوك بلا محاكمه، سيحاولون اسكاتك بالجوائز، يزدرونك ويعزلونك، بل ويصلبونك! آدم، أيها الحالم الساذج. من يحارب الهيدرا متعددة الرؤوس للطبيعة الإنسانية، عليه أن يتحمل عالما من الألم وستشاركه عائلته حمل وزر هذا الألم. وفقط عندما تلفظ أنفاسك الأخيرة سوف تدرك أن حياتك لم تساو أكثر من قطرة واحدة في محيط لامتناه!.”

ومع ذلك، ماهو أي محيط سوى عديد القطرات؟