المسؤولية في المذهب الوجودي بشروحات سارتر

سارتر

جان بول سارتر (1905-1980) هو فيلسوف وروائي وكاتب مسرحي وناقد أدبي فرنسي. عُرف (سارتر) بأعماله الغزيرة، وبفلسفته الوجودية، وبالتحاقه بالحزب اليساري المتطرف. في محاضرة له قدمها في باريس عام 1945، نُشرت بعد التنقيح في كتاب حمل اسم (الوجودية منزع إنساني)، تكلم (سارتر) بإيجاز عن الملامح الأساسية للمذهب الفلسفي الوجودي الذي يتبناه.

في البداية بدأ (سارتر) بتقسيم الوجوديين إلى مدرستين رئيسيتين:

أولهما الوجوديون المسيحيون، وأذكر منهم (ياسبرس) و(غابرييل مارسيل)، ذوي العقيدة الكاثوليكية. وهناك من ناحية أخرى، الوجوديون الملحدون، وندرج ضمنهم (هايدغر) والوجوديين الفونسيين أيضًا وأنا نفسي.

أما عن الرابط بين هاتين المدرستين فيعبر عنه قائلًا:

وما يشتركون فيه هو ببساطة أنهم يعتبرون الوجود سابقًا على الماهية، وإن شئتم، أنه ينبغي الانطلاق من الذاتية.

فالماهية هي مجموعة الصفات والوصفات التي تعرِّف وتسمح بالصنع.

لدينا هاهنا إذًا رؤية تقنية للعالم نقول ضمنها أن الصنع يسبق الوجود. […] وهكذا فإن مفهوم الإنسان، عند الله مماثل تمامًا لمفهوم قاطعة الورق في ذهن صانعها ؛ فالله يخلق الإنسان تبعًا لتقنيات وتصوّر، تمامًا مثلما يصنع الحرفي قاطعة الورق طبقًا لتعريف ما وتقنية ما. فالإنسان الفرد إذًا يحقق مفهومًا معينًا موجودًا عند الإله قبل عملية الخلق.

أما عن المدرسة الأخرى فيقول:

إن الوجودية الملحدة التي أمثلها، تبدو أكثر تماسكًا. فهي تعلن أنه إذا لم يكن الله موجودًا، فيوجد على الأقل كائن يكون الوجود لديه سابقًا للماهية، كائن يوجد قبل أن يكون قابلًا للتعريف وفق أي مفهوم، وأن هذا الكائن هو الإنسان أو الواقع الإنساني كما يقول (هايدغر). ماذا يعني هنا أن الوجود سابق للماهية؟ هذا يعني أن الإنسان يوجد أولًا، يلتقي بالعالم وينبثق فيه، ثم يعرّف بعد ذلك. وإذا لم يكن الإنسان على نحو ما يتمثله الوجودي قابلًا للتعريف، فذلك لأنه لا يمثل شيئًا في المنطلق ولا يكون كذلك إلا لاحقًا، ولا يكون إلا على النحو الذي سينشئه نفسه.

وبذلك يكون التصور الوجودي هو أول مبادئ الفلسفة الوجودية:

لا يكون الإنسان على نحو ما يتصوّره عن نفسه، كما يريد، لن يكون الإنسان شيئًا آخر سوى ما ما يصنعه بنفسه بعد هذه الوثبة نحو الوجود. ذلك هو أول مبدأ للوجودية.

وبهذا، فالوجودية تضع المسؤولية كاملة للإنسان. يقول:

فإن أول مسعى للوجودية يتمثل في جعل كل إنسان متملكًا لوجوده، وتحميله المسؤولية الكاملة عن وجوده. وعندما نقول بأن الإنسان مسؤول عن ذاته، فإننا لا نريد أن نقول بأن الإنسان مسؤول عن نفسه كفرد، وإنما عن كل الناس.

فالإنسان هو الذي يختار كل أفعاله وأقواله، وعن كل ما يصيب البشر أيضًا، بذلك يتحول إلى نقطة أخرى، وهي القلق. فنتيجة المسؤولية الضخمة التي يكون الإنسان فيها، يكون القلق نتيجة إلزامية. يقول (سارتر):

إن الإنسان الذي يلتزم وينتبه إلى أنه ليس من يختار ما يكون عليه فقط، وإنما يكون مشرّعًا يختار نفسه في الوقت الذي يختار فيه الإنسانية برمّتها، لن يكون قادرًا عندها على الإفلات من الشعور بمسؤولية تامة وعميقة.

لأنه الإنسان الذي يشعر بمسؤوليته لن يرضى بالخطيئة. فعندما يقوم المخطئ عمدًا باختيار فعلٍ عن سوء نية لا يستشعر أنه بفعلته هذه يضفي إلى الخطيئة المعنية قيمةً كونية. ولكن أليس هذا القلق الكبير مثبطًا ضد الفعل؟ ألن يشعر الجميع بمسؤولية كبيرة تمنعهم من القيام بواجباتهم اليومية؟ يقول مجيبًا:

ولا يتعلق القلق هنا بقلق يقود الدعة والجمود، وإنما هو قلق بسيط يعرفه كل من اضطلع بمسؤوليات.