الهويات والعولمة عند د.علي حرب

6872902b5fcaa7667c3d0934d8e751fd

د. علي حرب هو كاتب ومفكر علماني لبناني، له العديد من المؤلفات منها كتاب (نقد النص) و(هكذا أقرأ: ما بعد التفكيك) ويعرف عنه أسلوبه الكتابي الرشيق وحلاوة العبارة. كما أنه شديد التأثر بجاك دريدا وخاصة في مذهبة فيالتفكيك.وهو يقف موقفاً معادياً من المنطق الصوري القائم على الكليات العقلية التي يعتبرها علي حرب موجودات في الخارج وليست أدوات وآليات فكرية مجردة للنظر والفكر. فهو يتبع منهج كانط في نقد العقل وآلياته وبنيته الفكرية. في كتابه (حديث النهايات: فتوحات العولمة ومآزق الهوية) يقول عن الحداثة والهويات في العصر الحديث:

إن الحداثة ليست نفيًا للتراث، بقدر ما هي قراءة حية وعصرية ؛ وكما أن العالمية ليست نفيًا للخصوصيات، بل ممارسة المرء لخصوصيته بصورة خلاقة وخارقة لحدود اللغات والثقافات؛ وكذلك فإن العولمة لا تعني ذوبان الهوية، إلا عند ذوي الثقافات الضعيفة، وأصحاب الدفاعات الفاشلة، ممن يلقون أسلحتهم أمام الحدث، فيما هم يرفعون شعار المقاومة والمحافظة.

أما الفاعل البشري المسؤول والخلاق، المبتكر للإمكانات والمنتج للحقائق، فإنه يفكر في عولمة هويته، لكي يمارس علاقاته بوجوده على سبيل الإبداع والفيض والإزدهار. ولذا فهو لا يخشى ما يقع، بل ينخرط في ورشة الخلق الجارية للمساهمة في إنتاج المعلومة الكونية وإدارتها بصورة تواصلية عالمية أو كوكبية. من غير ذلك يصبح الكلم على أفخاخ العولمة، دفاعًا عن الهوية، فخًا ينصب للهويات العاجزة والكسولة، لكي تزداد عجزًا وفقرًا وتراجعًا.
ولعله لا حاجة إلى التأكيد بإن العولمة، كثورة تقنية أنتجت تآكل الحدود بين الدول وتعميم التبادلات بين البشر على مستوى كوني، قد وُلدت في المجتمعات الغربية ومنها انطلقت وتوسعت. فالغرب، الذي يقود مسيرة البشرية، هو السبّاق إلى خلق الظاهرة في إدارة عملياتها. الأمر الذي قد يولد المزيد من التفاوت في الثروة والمعرفة والقوة، بين المجتمعات الغربية وبقية المجتمعات. ومن السذاجة إنكار ذلك أو إغفاله. ولكن لا يمكن مجابهة ذلك الواقع برفض العولمة ولا بالتصفيق لها، بل بابتكار المعادلات الوجودية والصيغ الحضارية، التي تمكن أصحابها من تشغيل عقولهم وسَوْس هوياتهم وإدارة واقعهم، بصورة يحولون بها مواردهم ومعطيات عصرهم إلى طاقات غنية ومشروعات مثمرة.
 ثم يقول مختتمًا حديثه عن الهويات فيقول:
إن هوياتنا ليست ما نتذكره ونحافظ عليه أو ندافع عنه. إنها بالأحرى ما ننجزه ،نُحسن أداؤه، أي ما نصنعه بأنفسنا وبالعالم، من خلال علاقاتنا ومبادلاتنا مع الغير. مثل هذا المفهوم المنفتح والتحويلي للهوية يتعارض مع مفهوم الهوية الثقافية الذي هو اختراع إناسي أريد لنا من ورائه أن نكون دومًا (الآخر).