الهويّات المتعدّدة عند طارق رمضان

 

في كتابه (الإسلام والحرّية) والذي تُرجم مؤخراً طرح المفكر الإسلامي (طارق رمضان) الكثير حول تجربته كمثقف مسلم يعدّ نفسه جزءاً من الثقافة الغربيّة ومسلماً ملتزماً في الوقت نفسه. يشرح بلغة سهلة قريبة المتناول رؤيته لحضور الإسلام والمسلمين في الغرب، ودعوته إلى ضرورة أن ينظر المسلمون إلى أنفسهم كمواطنين غربيين يدينون بالإسلام، وأن يتعامل معهم الغربيون “الأصليون” على أساس من المواطنة لا بالنظر إلى كونهم آخرين يدينون بالإسلام وشكلون خطراً على الهويّة الغربية وعلى التجانس السكاني.

ومما خطّه مقالاً حول الهويّات المتعددة جاء فيه:

العولمة، الهجرة، النفي، التحولات السياسية والاجتماعية المتلاحقة، كل هذه الظواهر تثير الخوف والقلق والتوتر. تبدو العلامات التي كان يستهدى بها، وكأنها من زمنٍ فات وعاجزة عن بثّ السكينة: من نحن في قلب هذا الجيشان؟ تنبع قضية الهوية من هذه الاضطرابات العميقة. وعندما لايعود الناس، المحيطون بنافي مجتمعاتنا ذاتها وبهذه الكثرة، مشابهين لنا، وعندما يبدون مختلفين لهذه الدرجة، يكون من الطبيعي أن تنشأ لدينا الحاجة لإعادة تعريف أنفسنا. وبالمثل فإن خبرة الانقلاع، خبرة النفي الاقتصادي والسياسي، تؤدي إلى البحث عن الهويّة في قلب بيئةٍ ليست بيئتنا الطبيعيّة. رد الفعل يمكن فهمه، لكن ما يتعيّن التأكيد عليه هنا هو أنه فوق كل شيء، رد فعل إزاء بيئة نشعر باغترابٍ عنها. وهكذا يحدد المرء هويته برد الفعل، بالتمايز، بمعارضة ما ليس هو، بل وحتى بأن يكون ضد الآخرين. والسياق سياق طبيعي والطبيعي بالقدر ذاته هو أن تصبح المقاربة ثنائية وأن تنشأ بالتالي “هوية” يتم تركيبها، على نحو أو آخر، ضد هوية أخرى، ثم إسقاطها على “الآخر” أو “المجتمع”. والهويّات التي تتحدد على هذا النحو، الهويات القائمة على رد الفعل، هي في جوهرها فريدة وإقصائيّة، بسبب الضرورة التي نشأت عنها: النقطة المهمة هي أن يعرف المرء ماهيّته بوضوح، وأن يعرف ما يُخالفها.
يطرح تساؤلاً بقوله: ما إذا كان المرء “مسلماً”، “استرالياً”، “فرنسياً”، “هولندياً”، أو “كندياً “؟
في عالم الدين والفلسفة، ذلك الذي يعطي معنى للحياة، الإنسان هو، أولاً وقبل كل شيء، إما ملحد او بوذي أو يهودي أو مسيحي أو مسلم: فجواز السفر أو الجنسيّة ليس بوسعهما الإجابة عن السؤال الوجودي. وعندما يتعيّن على فرد أن يصوّت لمرشّح في الانتخابات، فإنه “هو أو هي” أولاً مواطن أمريكي، أو إيطالي، أو فرنسي أو برسطاني منغمس في الشؤون الوطنية. ووفقاً لمجال النّشاط، أو لحقله، يُقدّم المرء هويّةً أخرى، وليس هناك من تناقض.
وفي كلمةٍ ألقاها (طارق رمضان) في اليونان عبّر الاقتصادي (أمارتيا سين) عن موافقته لفكرة (طارق) حيث وضّح ذلك بقوله:
افترض أنك شاعرٌ ونباتيّ: فإن كنت ضيفاً على العشاء فهذا ليس مجال إصرارك على هويّتك كشاعر، ولا هو وقته، في حين أنك عندما تتواجد في حلقة شعريّة، فمن المؤكّد أنك لن تقدّم نفسك كنباتيّ، وإلا بدوت غريب الأطوار. وبتعبير آخر، فلديك أكثر من هويّة. وأنت تقدّم هوية على الأخرى، بحسب البيئة أو الحالة، دون أن يؤثر ذلك على نسق من أنساق الانتماء أو سواه. فالشّاعر الذي يقول، أثناء تناول الطعام، إنه نباتي، لاتنزل درجته كشاعر!
يُعقّب (رمضان) على ذلك بقوله:
يتعيّن على المرء أن يقاوم غواية اختزال هويته في بُعد واحد، تكون له الأولوية على كل ماعداه. من المؤكد أن هذا يمكن أن يكون باعثاً على الطمأنينة لكنه، فوق كل شيء يفقر الشخصية ويمكن في زمن التأزّم والتوتّر أن يؤدي إلى الرّفض، والعنصريّة والصراعات الكامنة أو المتأجّجة حول الهويّة، أو الثقافة، أو “الحضارة“. لا بدّ لنا من التوصّل إلى رؤية أوسع لأنفسنا ولمواطنينا: لكل واحدٍ منّا هويّات متعدّدة يتعيّن عليه القبول بها، وإنعاشها، وتنميتها. ولطالما كررت على مسامع المسلمين وعلى مسامع مواطنيّ أني سويسري بالجنسيّة، مصري بالذاكرة، مسلم بالديانة، أوروبي بالثقافة، عالمي بالمبدأ، ومغربي وموريشيوسي بالاكتساب.
تعدد الهويّات ليس إشكالاً عند (طارق رمضان) يقول:
أنا أعيش مع هذه الهويّات، وقد تتخذ هذه الهويّة أو تلك موقع الصدارة، حسب السياق أو المناسبة !