اليوتوبيا عند إميل سيوران

إميل سيوران

ولد إميل سيوران في الثامن من إبريل عام ١٩١١م، في قرية رازيناري، بمقاطعة ترانسلفانيا الرومانية، كان والده قسيسًا أرثوذكسيًا نشطًا ومؤثرًا، و كانت أمه لا تخفي سوء ظنها بكل ما يتعلق بالدين واللاهوت، هذا الجو المتناقض هو المناخ الذي نما فيه (سيوران).

و تأثر في بدايات شبابه بفلسفات وجودية وفاشية، وقادته اصابته المستمرة بالارق للتفكير بالانتحار وصياغة فلسفته  التشاؤمية، فكانت بدايته في عمر الثانية والعشرين باصدار كتابه (على ذرى اليأس) عام 1934.

يبدأ (سيوارن) رأيه باليوتوبيا متسائلاً: “من أين يمكن الحصول على هذا القدر من السذاجة أو الجنون؟”، ذلك اثناء انكبابه على كتب الادب الطوباوي في محاولة منه لاعطاء هذا التصنيف قيمةً اكبر، دون جدوى، خالصاً الى انه أدبٌ منفر وساذج وان اليوتوبيا الوحيدة القابلة للقراءة هي الطوباويات المزيفة التي كُتبت على سبيل اللعب، بغاية التسلية او  كرهاً للبشر وهي بذلك يوتيوبيا “بلا امل” لا تؤخذ كمشروع ينظر في تطبيقه، و لا تربي أي امل لدى الافراد الذين يتعلقون بالاوهام اكثر من الحقيقة الجلية امامهم.

على الرغم من اعتبار (سيوران) للادب الطوباوي انه مزيف و كريه الا انه اقرّ باغتنائه بالدروس، كدوره في توضيح فكرة السعادة، لا السعادة نفسها. حيث انها اشتغلت كمحرك لطاقات الافراد الموعودين بالسعاده الموهومة من خلال صناعة يوتوبيا خاصة بمجتمعهم، ما من شأنه ان يجعلهم مدفوعين بالوهم لتحقيقها، ذلك ان الافراد لا يتحركون الا “منبهرين بالمستحيل”.

يروي كامبانيلّا في كتابه مدينة الشمس:

كل شيء وفيرٌ في مدينة الشمس ؛ لأن كل عامل حريص على ان يتميز في عمله . أما القائد الذي يشرف على كل شيء فيسمى الملك . وأما الرجال والنساء المقسمون الى جماعات فهم منصرفون الى عملهم دون ان يعصوا شيئا من اوامر ملكهم ، ودون ان يظهروا البتة انهم تعبوا مثلما كنا لنفعل لو كنا محلهم ،وهم ينظرون الى قادتهم كأنهم ينظرون الى آباء او اخوة كبار.

هنا تكمن اهمية الكتابات الطوباوية، حيث انها تفضح مدى وهميتها وجهلها بالطبيعة الانسانية، اذ ان اكثر معالمها بروزاً هو “غياب الحدس والغريزة السايكولوجية ، مما جعل من شخصياتها كائنات خيالية ، ورمزية ليس من بينها شخصية واحدة حقيقية” و هذا صُلب ما حاربه (نيتشه) عندما انتقد المثالية والطوبويات التي تحاول رسم صورة كاملة للانسان ليصبح معها تافهاً وعاجزاً وآلياً. ففي الوقت الذي يشك او ينكر فيه كتّاب اليوتوبيا شر الانسان ويتكلمون بلسان واثق عن الكمال البشري وعن قدرة الانسان على كبح الشر الذي قد يطرأ، يدافع (نيتشه) كما (سيوران) عن الشر باعتباره مكون رئيسي في ازدواجية الانسان ومحاربته هي محاربة للانسان نفسه الذي يغريه الشر كما الخير للانغماس فيه والغوص فيه تعبيراً عن ذاته وادراكاً لانحطاطه.

فيتكلم (سيوران) في فظاعة اليوتوبيا:

حتى الاطفال يفقدون فيها ملامحهم، حيث ان مورييه في كتابه الدولة التعاونية صورهم على انهم انقياء لدرجة يجهلون معها غواية قطف تفاحة من شجرة. ان ما صورته كتابات الطوباويين حول مدنهم التي يسعون الى اقامتها، بينت ان ما اعتبرته كمالاً هو في نظرنا عيوباً، وان  هذا المجتمع الذي تم تصويره بحماس وغنائية هو مجتمع لا يُطاق.

دور المسيحية في نشأة اليوتوبيا عند سيوران

إثر فشل المسيحية في تلبية حاجات النفوس رأى (سيوران) ان المسيحيين اصبحوا عاجزين عن اقامة مملكة الرب في نفوسهم فقاموا بذكاء بإحالتها الى المستقبل، كما لو أن الفردوس الحقيقي قد أقفل من جديد بعد ان فُتح مرة بلحظة الفداء، قام الافراد باقامة تصور جديد لفردوس ارضي محولين الحنين “الذي كان يبحث في عزاء بعيد ، سحيق ، كأنه أسبق من الصيرورة ، يشكو قطيعة تعود بتاريخها إلى البدايات . الى حنين مقلوب ، مشوه ومزيف ، مشدود نحو المستقبل ، وقد استحوذت عليه فكرة التقدم كنسخة زمنية ومسخ للفردوس الاصلي”.

وكأن القيامي والطوباوي اصبحا متداخلان لحد نسيا معه مخالفه الطوباوية لطبائع الانسان الذي اعتاد الشقاء والتعب على هذه الارض منذ القرون القديمة مستعملا الكدّ والعرق كوسيلة للبهجة والكبرياء. ساعياً لأن يأخذ اسماً يحمله الى التميز والتفرد في صراعه مع تحقيق الذات والمجد. متجاهلين الارادة التي حصل عليها بمجرد ان طُرد من الفردوس وحرم منه كما يبدو الى الابد، مشككين برغبة الانسان في الهلاك وجاعلين للكمال قابلية تحقيق !

و بالنهاية:

علينا ألّا ننسى أن اليوتوبيا تعني اللامكان.