بيسوا يكتب عن الخوف والجنون

بيسوا

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا (1888– 1935) هو شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، كما أنه كتب وترجم من اللغة الإنجليزية والفرنسية. اشتهر (بيسوا) بكتاباته التي لا تحمل اسمه، وإنما بأسماء مستعارة أخرى. ففي عام 1906، نشر قصة قصيرة باللغة الإنجليزية تحمل عنوان (الباب)، تحت اسم (ألكسندر سيرش). وقد جمعت هذه القصة، وأخريات في كتاب واحد مؤخرًا، حمل اسم: (الباب وقصص أخرى). يفتتح هذه القصة بمقالة قصيرة، يقول فيها:

ثمة معنى عميق للأشياء، تشابه فظيع بين أرواحها يُشعرُ منطِقنا بالرعشة تجاهه، لكن الشيء الذي لا يزال مهيمنًا على القدرات العليا للإنسان هو الغريزة. وبعض الناس ممن يسمّون مجانين، أو ربما مهووسين وحالمين، ينظرون إلى الأشياء في كنه جوهرها، ولذلك يتألمون ويعانون من الحقد والكراهية.

يقول بعد ذلك في موضع آخر:

إن مقبض الباب، أو أي كلمة مكتوبة أو شفهية، أو أي رائحة ليست، كما نراها، شيئًا يولّد الخوف. إذا ما وَجَد شخص في هذا الأمر ما يخيفه، فبديهي أنه يرى الأشياء بطريقة تختلف عن طريقتنا. ستقولون أن الفارق يكمن في الشخص، وأن الشيء كما يراه هو يُوجَد في نفسه، سأرد عليكم بالقول إن الشيء كما نراه نحن هو في أنفسنا. هذا ما يدل عليه العلم ويثبته المنطق. اللون، الضوء، الصوت، كل هذا نسبي. الشكل، الزمن، الفضاء، هي أشياء نسبية أيضًا. لا وجود للأشياء، بل توجد أشياء نشعر بوجودها. ستقولون إنه واحد ونحن كثرة؟ لكن قد يكون هو أكثر تطورًا منا، ربما يسبقنا في مسار تطوره.

ويتابع:

إن الأفكار العادية للبشر تختلف عن أفكار المجانين سواء في طبيعتها أو في درجتها فقط. إذا كانت تختلف في طبيعتها، فكيف لنا أن نقول إنها غير طبيعية؟ واستنادًا إلى أي تجربة يمكننا أن نحكم عليها؟ وفوق ذلك، كيف نكون واثقين من أنها تمثل أول مظهر لشكل جديد من الحياة الفكرية؟ ثم، هل يمكن الدفاع عن هذه الفرضية؟ هل يختلف إنسان عن إنسان آخر في طبيعة قدراته الفردية؟

لا. لو كان الفرق فقط في الدرجة، كيف بإمكاننا نحن، ما دام تصورنا وإدراكنا للأشياء يختلفان من إنسان إلى آخر، أن نقول أين يوجد إنسان مجنون؟ لو كان كل إنسان حَكَمًا لكان بقية الناس كلهم مجانين. ولو قال أحدهم إن الفرق بين الناس الأسوياء قليل، لكنه كبير بين الإنسان العادي والمجنون، فإن كل ما أستطيع قوله هو إنه حيث لا وجود سوى لدرجات فقط لا يمكن أن يوجد فرق. هذا الإنسان سوي، وهذا الآخر سوي أيضًا، إذ لا يختلف عنه إلا قليلًا ؛ وذاك الثالث أيضًا، لأنه يختلف قليلًا عن الإنسان الثاني، ذاك السوي، وهكذا دواليك بدرجات طفيفة، بحيث إن كل البشر أسوياء إلى أن نقوم بمقارنة آخر إنسان فنجده سويًا مع الأول، الذي كان هو منطلقنا، فنُدرك أن الفرق بينهما هو الفارق بين “المجانين” و”الأسوياء”. فماذا يمكن القول إذن عن المجانين؟ هل يمكننا أن نقول، دون الوقوع في الخطأ، إنهم مخطئون؟ هل يمكننا أن نؤكد بكل قناعة إن هؤلاء التعساء، بسبب “هذيانهم ومخاوفهم”، هم الأقرب إلى الدوافع والأسباب الموجودة في كنه روح الأشياء؟

يقول بعد ذلك:

أولئك الذين تجاوزوا بالحدس درجة تطورهم، أولئك الذين تمرّدوا على العادي، أدركوا من قرب، من حيث لا يعلمون، سر الكون، لأنهم لا يمكن أن يعلموا أكثر من هذا -إنهم يشعرون بالسعادة وهم في الواقع سعداء لهذا السبب بالضبط. لو أن كلبًا فكّر مثلما نفكّر نحن [فرضية مستحيلة]، ألن يعتبره بقية الكلاب رفيقًا مجنونًا، ألن يبعدوه عنهم، أو ربما يقتلونه؟ سيقومون بذلك، لكن الضحية الأقرب هو إلى الحقيقة. هذا ما حدث لنا أيضًا. وكما أن الحيوان الذي أتخيله قد يخوض ذهنيًا في شتى التعقيدات والفظائع بسبب وجود عنصر جديد في ذاته، عنصر يتجاوز طبيعته، فإن البشر الذين يعرفون أكثر من أشباههم الآدميين يعانون بسبب مخاوفهم غير العادية، وتطاردهم الأشباح والكوابيس.

يدافع بعد ذلك عن الخائفين والمجانين، فيقول:

إن إنسانًا يشعر بالخوف يخشى شيئًا له علاقة بالغريزة الإنسانية، وحين يفكر لا يدرك بأنه يفكر، قد يشعر فقط أنه يفكر، كذلك هو حال المجانين، إذ يعرفون شيئًا لا يعرفه الآخرون، يشعرون أنهم يعرفون من طريق فظائع لا يمكن الحديث عنها، وبسبب مخاوف لا يمكن التعبير عنها.

إن إنسانًا يشعر بالخوف يخشى شيئًا ما ؛ إن إنسانًا له رغبة يرغب في شيء ما، مهما كان غامضًا فهمه لهذا الخوف أو تلك الرغبة التي يشعر بها. عندما يكون ذلك الأمر الذي يخشاه الإنسان، يكرهه، يرغب فيه، شيئًا يستطيع فهمه كغاية، أو كسبب لهذه الأحاسيس، شيئًا يمكن أن نخشاه، أن نكرهه، أن نرغب فيه، لا يمكننا أن نقول عن هذا الإنسان سوى أنه يخشى، ويكره، ويرغب، لكن، عندما يكون ذلك الأمر الذي يخشاه الإنسان، ويكرهه، ويرغب فيه، شيئًا لا يمكننا أن نفهمه كمُثير للانفعال، شيئًا لسنا بقادرين على أن نخشاه، ونكرهه، ونرغب فيه، نعلن أن هذا الإنسان مجنون. كم هو خدّاع وكاذب هذا الأمر.

يحاول أن يضرب مثلًا كيف أن أمورًا صحيحة قد تكون ضربًا من الجنون، فيقول:

حاولوا أن تقنعوا إنسانًا سويًا يجهل علم الكيمياء بأن الماء يتكون من غازين مختلفين. حاولوا أن تقنعوا زنجيًا ذكيًا بأن الشمس لا تتحرك في كبد السماء. لن تفلحوا. ما يراه الإنسان يؤمن به ماديًا وذهنيًا. وما لا يراه لا يؤمن به. الإنسان يؤمن في حدود ما يراه ولا شيء غير ذلك.

يختتم مقالته قائلًا:

إذن لا تقولوا إنه مجنون من يرتعش أمام مسمار، من يرتجف أمام حذاء، من يخشى الفضاءات الفارغة. لا تقولوا إن المتصوف يهذي، وأن “لا شيء” يطارد الإنسان الذي يقول بأنه مُطارد. لا تقولوا شيئًا، لأنكم أولًا لا تعلمون -لأن لا أحد يعلم- ما معنى أن يكون المرء مجنونًا، وثانيًا، لأن الأوضاع الفكرية لهؤلاء الأشخاص تفوق أوضاعكم الفكرية، فأنتم لا ترونهم، وليس لديكم أي إحساس بهم. ولا تقولوا إنها كذب تلك الأوهام الأكثر خَرَفًا، والأحلام الأكثر غرابة. لا، لأنها حقيقة، حقيقة مثل الشمس والنجوم، حقيقة مثل العالم الذي نعرفه ونعيش تحت سيطرته.