بيلنياك، إله الكتابة، والأدب الإيروتيكي

index
شهد الفضاء الثقافي العربي في السنوات الأخيرة موجة لافتة للنظر من الأدب الإيروتيكي النسوي، وخصوصاً في مجال الرواية، منها رواية (نساء عند خط الاستواء) لـ(زينب حفني)، و(على فراش فرويد) لـ(نهلة كرم)، و(أنا هي أنتِ) لـ(إلهام منصور)، و(خارج الجسد) لـ(عفاف البطاينة)، و(مرافئ الوهم) لـ(ليلى الأطرش)، و(أصل الهوى) لـ(حزامة حبايب)، و(برهان العسل) لـ(سلوى النعيمي)، و(صمت الفراشات) لـ(ليلى العثمان)، و(الغلامة) و(المحبوبات) لـ(عالية ممدوح)، وغيرها كثير. هذه الموجة لا ترتبط بتطور المجتمعات العربية – التي تشهد تضييقاً شديداً على حرية المرأة وهضم حقوقها و فرض الحجاب والنقاب عليها بالقوه باسم الشريعة.ولو قارنا بين العهدين الملكي والحالي في العراق، لرأينا بوناً شاسعاً بينهما في مدى الحرية الممنوحة للنساء.
 في العهد الملكي كانت المرأة العراقية حرة وسافرة تعمل وتبدع الى جانب الرجل، في شتى مجالات الحياة، أما في العهد الحالي، فقد تفشى الفكر الغيبي المتخلف في المجتمع العراقي واتسع نطاق المحرمات والمحظورات، التي ألصقت بالدين الإسلامي الحنيف ظلماً وبهتاناً.
 ولم يقتصر هذا التراجع الحضاري على العراق، بل شمل حتى مصر الكنانة، مصر (قاسم أمين) و(هدى شعراوي)، مصر الحضارة والتمدن. فقد رأينا بالأمس مباراة الكرة الشاطئية للسيدات، التي جمعت بين منتخب مصر ونظيره الألماني في أوليمبياد ريو 2016،  ظهرت خلالها لاعبات منتخب مصر، يرتدين الحجاب وبنطلون وتيشيرت بأكمام طويلة، فيما كانت الألمانيات يرتدين “البيكيني” وهو الزي المعتاد في مثل هذه الرياضة. كان الفرق صارخاً بين ثقافتين مختلفتين تماماً. كل ذلك يدل دلالة قاطعة على زيف الأدب الإيروتيكي النسوي المفتعل التي تنشرها دور النشر العربية التجارية لكاتبات “الستريبتيز“، وتطرحها في السوق كسلعة بورنوغرافية لتحقيق اقصى الأرباح، تحت مسميات شتى، مثل تمرد الأنثى على القيم الذكورية، وإنتزاعها لحريتها، وإنطلاقتها الجديدة، ولا أدري عن أي تمرد وحريةوإنطلاق تتحدث دور النشر العربية في ظل الأنظمة الظلامية،  فالواقع يكذّب هذه المزاعم جملةً وتفصيلاً.
 الكتابة عن الجسد والعلاقات العاطفية الحميمة بين الجنسين، لا ضير فيها، إذا ما وظفت لخدمة الفن، ففي الأدب العالمي نماذج راقية من الأدب الإيروتيكي. ولكن ثمة حد فاصل بين الفن واللا فن، وبين الإبداع والإفتعال، وبين عمق تصوير عاطفة الحب السامية، وبين السرد الجنسي المباشر، و وصف ما لا ينبغي وصفه. في روايات كبار كتاب العالم مقاطع ايروتيكية رائعة. فالكاتب الجاد يعرف حدود الفن ولا يلجأ الى المباشرة والإبتذال أبداً.
معظم قصص (ايفان بونين) هي عن الحب العارم بين الرجل والمرأة ، بشتى تنويعاته وأشكاله وصوره ، حتى نعته بعض النقاد بـ“موسوعة الحب”، ولا نغالي اذا قلنا انه لا يوجد في الأدب العالمي نظير له في عمق وجمال تصوير الحب الحقيقي اللاهب. يكفي أن تقرأ بعض قصصه مثل (ضربة شمس) و(في باريس) لتتأكد أن الكاتب المبدع يستطيع أن يصور كل الإنفعالات البشرية الروحية والحسية والجسدية بعمق أخاذ ولغة شاعرية وجمال استيتيكي دون أن ينزلق الى حضيض الأدب المكشوف.

ولدي دليل بليغ وقاطع في الفرق بين الأدب الحقيقي وأدب الإثارة الزائف. ففي شهر ايلول من العام الماضي وخلال زيارتي لمعرض الكتاب الدولي في موسكو ابتعت كتاباً رائعاً بعنوان (دروس الحب الروسي) وهو كتاب ضخم يتألف من 600 صفحة من القطع الكبير. ويضم مقتطفات عن الحب في مائة قصة روسية. لعدة أجيال من الكتّاب الروس، من عمالقة الأدب الروسي وصولاً الى الروائيين الروس المحدثين، وكتاب ما بعد الحداثة، بينها قصص عاطفية لعدد من الكاتبات الروسيات. قصص شديدة التنوع من حيث المضامين  والأساليب الفنية، ولكنها تتصف جميعاً بسمة الإبداع الحقيقي. ومهما حاولتَ البحث بين دفتي هذا الكتاب الضخم عن وصف مكشوف أو فاضح، فلن تجده أبداً، فهي مقاطع  تلمح ولا تصرح، وتشف ولا تكشف. في حين تتمتع المرأة الروسية بحرية شخصية مطلقة في حياتها، والمساواة التامة مع الرجل في كل الحقوق والواجبات، وفي تناول موضوعة الحب في نتاجاتها، ولا يمكن مقارنة وضعها بوضع المرأة في المجتمع العربي.
الروايات الإيروتيكية النسوية في الأدب العربي المعاصر، زاخرة بالمشاهد الصريحة غير المألوفة في أدب النساء، وتتسم بالبؤس الإبداعي والخيالي، وضعف التقنيات الفنية، وركاكة اللغة والضحالة الفكرية، حيث يتخذن من الفضائحية طريقاً للشهرة . هذا النوع من السرد الروائي والقصصي يستهوي المراهقين فكرياً وثقافيا، وهو تقليد أعمى لما يسمى “ادب اللذة” الذي ظهر في الأدب الغربي عقب الحرب العالمية الثانية، وشاع بعد الثورة الجنسية في الستينات من القرن الماضي. روايات خفيفة مسلية للباحثين عن الإثارة يطويها النسيان فور الإنتهاء من قراءتها، ولا أحد من النقاد والباحثين في مجال الأدب يعتبرها أدباً جاداً، فهي ولدت لتموت سريعا. وثمة عدد كبير من كتاب “الرواية” في العالم ، تخصصوا في انتاج هذا النوع من الروايات، وتطرح دور النشر الغربية المتخصصة عدداً هائلاً منها في السوق كل عام، فهي كتابة تلفيقية سهلة، لا تتطلب ثقافة أو جهداً كبيراً، بل وسيلة للحصول على المال من اسهل الطرق.
كاتبات الإيروتيكا العربية يستخدمن لغة فاحشة لا تجدها حتى في أكثر الروايات الجنسية الغربية إبتذالاً، فهن يلجأن الى كل ما هو غريب ومنحرف في السلوك البشري من اجل إثارة الاهتمام وولوج الأدب من أسهل أبوابه.
ومن الطريف ان ثمة في بريطانيا والولايات المتحدة جوائز لمثل هذه الكتابات تحت اسم “أسوأ وصف ايروتيكي”. ولا شك في ان اي رواية إيروتيكية نسوية عربية حديثة، ستفوز بهذه الجائزة حتماً لو ترجمت الى اللغة الإنجليزية.
لإستجلاء الفرق بين الفن الإيروتيكي الراقي، كما في روايات كبار كتّاب الرواية في العالم وبين الوصف الإيروتيكي السطحي الفاجر، مثل الروايات التي أسلفنا الإشارة اليها فيما تقدم، نتناول بإيجاز قصة رائعة للكاتب الروسي (بوريس  بيلنياك) ( 1896- 1938)  بعنوان (إله الكتابة) عن حكاية حب مؤثرة بين إمرأة روسية وضابط أجنبي. ففي أوائل العشرينات من القرن الماضي عندما كانت اليابان تحتل بعض مناطق الشرق الأقصى الروسية وبضمنها مدينة فلاديفوستوك الواقعة على ساحل المحيط الهاديء، وقع “تاغاكي”، وهو  ضابط ياباني، رفيع المستوى، ويتقن اللغة الروسية، في حب (صوفيا فاسيليفنا غينديغ)، وهي شابة روسية تعمل معلمة في المدينة. وبعد اسبوع واحد من اعلان خطبتهما، غادر الى بلده بعد ان ترك لها مبلغاً من المال لتغطية كلفة سفرها بالباخرة من ميناء  فلاديفوستوك الى مينا تسوروغا اليابانية. وفور وصولها تزوجا رسمياً، وبذلك خالف هذا الضابط قانون الخدمة العسكرية في بلاده، مما أدي الى فصله من الجيش وفرض الإقامة الجبرية عليه في منزل والديه على ساحل بحر اليابان. كان الضابط ينحدر من أسرة ارستقراطية عريقة. وقد أثار زواجه من امرأة عادية غضب معظم أقاربه،  فقطعوا علاقتهم به، بسبب إنتهاكه لتقاليد الساموراي الموروثة. وبذلك أصبح خارج شريحته الاجتماعية، ولم يعد بوسعه الإختلاط  حتى بمعارفه ومعارف عائلته السابقين، عاش الضابط وزوجته في منزل الأسرة على سفح جبل يطل على البحر.
كانا يمضيان كثيرا من الوقت في قراءة الكتب، وكان الزوج مشبوب العاطفة، يتقن فنون الحب التي وصلت اليه عبر ثقافة الأجداد، تلك الثقافة الغريبة عن الأوروبيين. ففي اليوم التالي لزواجهما قدمت لها ام زوجها صوراً ايروتيكية مطبوعة على الحرير.
كانت (صوفيا) تحب وتحترم وتخشى زوجها في آن واحد؛ تحبه لأنه كان قوياً، ونبيلاً، وصموتا، ومثقفاً واسع المعرفة، ولتضحياته من اجلها. كانت تحبه وتخشاه، من اجل حبه الجارف المهيمن، الذي كان يتعبها ويتركها منهوكة القوى، في حين أنه لم يكن يتعب قط . وخلال النهار كان صموتاً ومهذباً وحانياً في نبل صارم. والواقع انها لم تكن تعرف عنه وعن عائلته الا القليل، وقد تناهى الى سمعها أن والده يمتلك، في مكان ما مصنعا لغزل الحرير.
كان زوجها رجلا مثقفا لديه حاجة روحية-جمالية، فقد كان يقضي امسياته في غرفته منهمكاً بالكتابة. وبعد عدة أسابيع من إنتهاء مدة إقامته الحبرية، حدث أمر مثير، حيث تدفق الصحفيون الى المنزل على حين غرة، وأخذوا يصورونها وزوجها و كل شيء يخصهما. وشاهدت (صوفيا) على صفحات المجلات اليابانية صورها وصور زوجها؛ صورتهما معا في داخل المنزل وقرب المنزل، وخلال نزهتهما على شاطيء البحر، وامام المعبد. هي في الكيمونو الياباني، هو في اللباس الأوروبي.
وقد اخبرها الصحفيون أن زوجها كاتب مشهور، فقد كتب رواية تصدرت قائمة المبيعات، وحصل على مردود مالي كبير، كما انها -الزوجة- اصبحت مشهورة على مستوى اليابان.
كانت قد تعلمت اللغة اليابانية قليلاً، واعتادت على دور زوجة الكاتب الشهير، ولم تلحظ في نفسها ذلك التغير الغامض الذي حدث لها، فلم تعد تخشى الناس الغرباء من حولها. واصبح من المألوف لديها ان هؤلاء على استعداد دائما لتقديم أي خدمة تطلبها. واصبحت لديها طاهية في المنزل، وتسافر الى المدينة في سيارة فارهة، وتصدر الأوامر للسائق باللغة اليابانية، وعندما جاء والد زوجها لزيارتهما انحنى لها على الطريقة اليابانية اكثر مما انحنت هي تحية له.
كانت (صوفيا) امرأة صموت، وقد اكتسبت خلال السنوات التي قضتها في اليابان رزانة الساموراي، وقررت ان تسأل  زوجها: “ما الذي حدث؟”. لم تكن تتقن اللغة اليابانية الفصحى على نحو يسمح لها بقراءة وفهم الرواية، لذلك سألت زوجها  عن محتوى الرواية، ولكنه لاذ بالصمت في أدب جم، ونسيتْ أن تسأله مرة أخرى، لأن ذلك في الواقع لم يكن بهمها كثيراً.
ذات مرة جاء الى منزلهما مراسل صحيفة تصدر في طوكيو. وكان يتكلم الروسية. لم يكن زوجها موجودا، فأخذا يتنزهان على ساحل البحر القريب من المنزل ويتحدثان حول موضوعات شتى، وخلال حديثهما وجهتْ سوالاً الى الصحفي عن سبب رواج رواية زوجها، وما الأمر المهم فيها؟ وعرفت منه ان الرواية هي عن حياتها بالذات.
وخلال الأيام والأسابيع اللاحقة انكبت على قراءة الرواية ولكن ببطأ شديد وبعد عدة أسابيع اكتشفت ان زوجها كان يراقبها في المنزل ويسجل كل خطواتها وحركاتها وعاداتها، وان الرواية بأسرها هي عن حياتها بأدق دقائقها؛ كيف تأكل، وكيف تنام أو تغتسل، وحركاتها الدالة على الأستمتاع بمباهج أنوثتها، وارتعاشات جسدها البض، والأصوات التي تصدر عنها في ذروة لقاءهما الحميمي.
لم تكن بوسعها ان تغفر له فضح ادق تفاصيل حياتها الشخصية الحميمة. وعرضها للبيع. لملمت حوائجها  الضرورية فقط وصرفت ما كان لديها من نقود مدخرة لشراء بطاقة العودة بالباخرة الى مدينتها فلاديفوستوك. وفيما بعد تجاهلت رسائله الكثيرة اليها !
ويمضي (بيلنياك) الى القول:
أن الثعلب شخصية مخاتلة في الفولكلور الياباني. الثعلب مطبوع على المكر والغدر والخيانة. واذا سكن روح الثعلب في الأنسان أصبح ملعوناً. الثعلب – إله الكتابة.