تحديات الترجمة برأي عبد العزيز حمودة

عبدالعزيز حمودة

د. عبد العزيز حمودة، ناقد مصري عريق، وأحد أساتذة الأدب الإنجليزي في جامعة القاهرة سابقا. أحدث زلزالا ثقافيا مدويا بتدشينه ملامح نظرية نقدية عربية حديثة في ثلاثيته: (المرايا المحدبة)، و(المرايا المقعرة)، و(الخروج من التيه).

في سياق المقارنة بين النصوص الأصلية، والنصوص المترجمة، يوضح حمودة في كتابه (المرايا المقعرة)، الشروط التي يجب توفرها لدى المترجم، لكي يؤدي عملية الترجمة باقتدار، فيقول :

إن ترجمة نص ما من لغته الأصلية إلى لغة أخرى يمثل بالدرجة الأولى مسؤولية المترجم أمام قرائه في اللغة الجديدة، فالإنسان لا يترجم للقارئ القادر على قراءة النص بلغته الأولى، فالقارئ المستهدف أولا وأخيرا هو القارئ غير القادر على التعامل مع النص الأصلي. ومن هنا يعتبر المترجم مسؤولا علميا وأخلاقيا أمام قارئه، والمسؤولية هنا لا تقبل التجزئة.

[…] أما المبدأ الثاني، وهو مبدأ عام أيضا، فهو أن عملية الترجمة تتطلب في المقام الأول، ليس مجرد معرفة باللغتين المعنيتين، بل تمكنا كاملا غير منقوص لناصيتيهما.
عدم التمكن من لغة النص الأصلية، يعني بالضرورة عدم فهمه، ومن ثم توصيل رسالة غير صحيحة إلى القارئ، إنه في حقيقة الأمر يقوم، من الناحية القانونية، بتزييف النص المترجم،  ولا يكفيه في هذه الحالة تمكنه من اللغة التي يترجم إليها، لأن الرسالة التي يتم توصيلها في تلك اللغة تكون زائفة، أو منقوصة، والشيء نفسه بالنسبة للغة المترجم، فعدم التمكن من ناصية اللغة، يعني الفشل في توصيل المعنى الأصلي، بصرف النظر عن تحقق فهم النص، في لغته الأولى.

[…] والمبدأ الثالث هو أن إجادة اللغتين وحده، لا يكفي لإنتاج ترجمة جيدة أو سليمة، على الأقل. إذ لا بد أن يتمتع المترجم بقدر كبير من المعرفة والعلم في المجال الذي يمارس فيه فعل الترجمة.

بعد أن يفرغ الكاتب، من ذكر الشروط العلمية التي يعتمد عليها نجاح الممارسة ، يشرع في ذكر مجالات الترجمة، من جهة ارتباطها بدرجة الصعوبة أو السهولة، وأي أنواعها تمثل تحديا حقيقيا لقدرات المترجم، فيقول:

ومن ثم يتفق المترجمون وعلماء اللغة، على أن الترجمة العلمية_ أي في مجال العلوم الطبيعية والتطبيقية_ أقل أنشطة الترجمة تحديا لقدرات المترجم والمتلقي، فالعلاقات بين الدوال والمدلولات محددة، تليها الترجمة في العلوم الاجتماعية، التي تتمتع فيه اللغة بدرجة من تحديد الدلالة، أما في العلوم الإنسانية فإن التحدي يصل إلى ذروته، خاصة أن أبرز تعريف للغة الإبداع هو أنها لغة رمزية، لا تقوم على المواضعة اللغوية، حيث يدل اللفظ على ما وضع من أجله، بل تقوم على القدرة الدائمة والمتجددة على الإيحاء بدلالات غير متواضع عليها.

وبحكم اشتغال الكاتب بالدرس النقدي الحداثي، يتساءل في الكتاب، بلهجة ملؤها الخوف والحذر، عن مدى إمكانية نقل النظريات الحداثية إلى اللسان العربي، فيقول:

وقد أكد النصف الثاني من القرن العشرين، أن ترجمة النظريات النقدية، خاصة الحداثية وما بعد الحداثية، تمثل أعلى درجات التحدي لقدرات المترجم ذهنيا ولغويا، فالمترجم هنا يجد نفسه يتعامل مع مصطلحات لغوية، مفردة أو مركبة، لم يحدث الاتفاق على دلالتها بعد بين أبناء الثقافة الواحدة، وأحيانا بين أبناء الثقافة التي أفرزتها، أو بين أبناء الثقافات المختلفة، هذا من ناحية. من ناحية أخرى فإن ارتباط المدارس النقدية الحداثية وما بعد الحداثية بالفلسفة الأوروبية الحديثة، خاصة الظاهراتية والهرمنيوطيقية، ونحت المصطلحات والمفاهيم من داخل البيت الفلسفي يجعل إدراك المعنى، حتى على القارئ من داخل الثقافة نفسها، تحديا آخر أكثر إجهادا للقارئ، فما بالنا بالمترجم؟ وفوق هذا وذاك، هناك العنصر الحداثي وما بعد الحداثي، القائم على تعمد الغموض والإبهام لتأكيد إبداعية النص النقدي وأهميته، هذه العوامل مجتمعة في نص نقدي حداثي غربي تضع المترجم، أمام مهمة شبه مستحيلة.

ثم ينتهي بعد هذا التساؤل المضني إلى هذه النتيجة المؤسفة :

ومتابعة سيل الترجمات الحداثية إلى العربية في العشرين عاما الأخيرة، تؤكد أن المترجم العربي عامة لم يكن على مستوى تلك المسؤولية.