جدل الثقافة و الحضارة عند برهان غليون

Syrian National Council 's President Bur

برهان غليون مفكر سوري فرنسي، يشغل منصب مدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون بالعاصمة الفرنسية باريس. لديه العديد من المؤلفات الهامة في مسألة النهضة والتحول الديموقراطي في البلدان العربية. في كتابه (اغتيال العقل) ناقش جدل الثقافة و الحضارة.

فقال في توطيده لفهم مسار الثقافة:

في عصرنا الرّاهن، أكثر من أية حقبة أخرى، لم تعد الثقافات القوميّة المختلفة تعيش في زجاجة مغلقة، و إذا كانت هذه الثقافات مازالت قائمة و مستقلّة نسبياً فهي لا تتمتّع بالدرجة نفسها من الانسجام و التكامل و الحيويّة و القوّة الذاتيّة. و ليس لها حظوظ متساوية فيما بينها من التطوّر و النموّ و الازدهار و التجدد. و كما أن الأنماط الثقافيّة المختلفة تتنازع فيما بينهما داخل كل ثقافة موقع الهيمنة و تؤكد تقدم فريق اجتماعي على الآخر أو تراجعه في النظام الاجتماعي، فإن الثقافات القوميّة تتصارع أيضاً فيما بينها للوصول إلى موقع الثقافة العالمية، أي الثقافة التي تصبح مصدر القيم الإنسانية الأساسية و مرجعها و كفيلها، و هذا الموقع هو الذي يعطي لقيمها مصداقيّة راسخة، و يؤكد بالتالي مصداقيّة و تفوّق الشعوب التي تتماهى معها. وهو الذي يجعلها منبع القيم و المعارف و العلوم التي تنهل منها الثقافات الأخرى الخاضعة و تقيس نفسها عليها.

أمّا عن طموح الثقافات في هذا فيُعقب بقوله:

كل الثقافات تطمح في الواقع إلى أن تكون عالميّة، إذ حتى تستطيع أن تعمل كمنبع لقيم إنسانية عامّة، لا بدّ لها أن تنكر طابعها القومي أو المحلّي و الشروط الاجتماعية و التاريخية التي ظهرت فيها. فالثقافات الحيّة هي التي تنظر إلى الإنسان كإنسان، وتخاطبه كمثال و نموذج للإنسانيّة جمعاء، قبل أن تنظر إليه كواقع قومي و محلّي ضيّق.
ومن خصائص لثقافات المتراجعة أنها تبرّر قيمها الخاصة من وجهة نظر قومية و تربطها بخصائصها الحلّية و لاتؤكدها كمنبع لقيم إنسانية عامّة و كونيّة.

و هذه الثقافة الحية أو العالميّة هي الثقافة الحاملة للحضارة و المدنيّة. ونظرتها الإنسانية الشاملة هي التي تسمح لها بالادّعاء و التّحقق كمنبع لقيم تتجاوز التأكيد على الهويّة في وجه الجماعات الأخرى، لتكون مصدر تكوين كل اجتماع بشري. فالحرية الفردية ليست اليوم، ولا تُرى كقيمة أساسية لبناء المجتمع الغربي، بل هي قيمة أساسية في قيام كل مجتمع مدنيّ في العصر الحديث.

و التناقض القائم في كل ثقافة بين واقعها كثمرة و نتيجة لسيرورة اجتماعيّة – تاريخية خاصة، و بين نزوعها لأن تكون ثقافة عالمية صالحة لكل زمان و مكان، هو مصدر الصراع و التفاعل و التبادل أيضاً بين الثقافات.
و الثقافة التي تؤمن بمحلّيتها تنغلق على نفسها، و هذا التبادل لا يمكن أن يتحقق إلا إذا توفّر لدى الجماعة الثقافية الاعتقاد بأن منظومة قيمها هي الأصلح إنسانياً، و أن على انتشارها يتوقف مصير تقدم البشرية وتطورها.

يُلخص ذلك بقوله:

نستطيع أن نقول بشكل عام إن الثقافات التي لاتتمتع بنظرة إنسانية عالمية، ولا تتصارع مع غيرها، لا تتبادل شيئاً و لا تطمح إلى معرفة الثقافات المحيطة بها.
إنها تعيش خارج التاريخ العام، وتحكم على نفسها بالتقهقر و الموت البطيء.
إن الثقافات الكبرى التي مازالت قائمة حتى اليوم هي تلك التي خرجت من صراعات عنيفة إقليمية و عالمية، و مازالت مستمرّة فيها إلى اليوم.

إن أحد مصادر الفهم الخاطئ للثقافة هو الخلط الدارج بينها و بين الحضارة. و لهذا الخلط عدّة أشكال تبدأ بخلط المعنيين بحيث تصبح الثقافة رديفاً للحضارة، و عندئذٍ تُستخدم للتمييز بين الشعوب البدائيّة التي تفتقر إلى الثقافة بمعنى الكلمة و تلتصق بالطبيعة أو الفطرة و الغريزة. و الشعوب التاريخية التي تشكل الثقافة بعداً أساسياً من حياتها السياسية و المادية و الروحيّة.

و الشكل الثاني لهذا الخلط هو اعتبار الحضارة الترجمة الماديّة للقيم الأساسية الكامنة في كل ثقافة، واستخدامها في هذه الحالة كمؤشّر على صلاحية هذه الثقافة أو أهليّتها.
و في هذه الحالة الأخيرة لاتكون الحضارة إلا امتداداً للثقافة وتجسيداً تاريخياً لها. و الشعوب التي لم تسطع أن تماشي الحضارة الحديثة يجب أن تعترف بعدم صلاحيّة ثقافتها، و ليس لها إذا أرادت أن تستوعب الحضارة التقنية أو العلمية الراهنة الصّادرة عن ثقافة توصف عادةً بأنها عقليّة أو علميّة، إلا أن تترك ثقافتها و تتبنّى قيم و أنماط الثقافة الجديدة.

و الثقافة العالميّة ليس الشرط الوحيد لنشوء الحضارة. فتقدم الثقافات كثيراً مايرتبط هو نفسه بمحصّلة الصراعات التاريخية الاقتصادية و العسكرية. و لكن الحضارة لا يمكن أن تخصب بدون هذه الثقافة العالمية، وقد يكون تقدّم هذه الثقافة و توسّعها ثمرة لهزيمة عسكرية أكثر مما هو ثمناً للنصر. فالثقافة الغربية انتشرت في بلدان العالم الثالث بعد الاستقلال أكثر بكثير مما انتشرت قبله.

يصِل بنا من ذلك إلى قوله:
الحضارة، بعكس الثقافة، ظاهرة عالمية بالضرورة، شرطها الأساسي تجاوز الثقافات و امتزاجها و انفتاحها بعضها على البعض الآخر، وغالباً مايحصل هذا الانفتاح بالقوة و العنف. و هي بعكس الثقافة أيضاً لا تقوم على توازنات روحيّة و عقلية ثابتة، إنما تنطلق بحصول ديناميّة تراكميّة و منتجة تنقل هذه التوازنات القلقة التي تعيش عليها الثقافات إلى توازنات و مؤسسات مادية و موضوعية و إلى نظم متميزة لتحرر الفرد من قبود التماهي الآلي مع الجماعة و تحرر الجماعة من التماهي مع الطبيعة و الخضوع لها. فإذا كانت الثقافة هي الفهم، فالحضارة هي العلم بما هو تنظيم للمعارف أي وضعها و صياغتها في نظام لا يخضع لحدس الفرد العالم ولا لنفاذ بصيرته، و إنما لأسس تسمح لكل متعلم أن يدركه ويستفيد منه.
وفي العلم تجاوز عظيم للمعرفة من الخاص إلى العام، و من الذاتي إلى الموضوعي، و للجماعة القوميّة الضيقة إلى الإنسانية الواسعة وهذا مايسهّل انتثال المعارف عبر الثقافات و انتشار الخبرة و تعميمها على نطاق المعمورة.

إن تاريخ الحضارة مرتبط بتاريخ تطوّر التنظيم الإنساني، تنظيم المعرفة أو تنظيم النشاطات الأخرى، و إن هذا التنظيم بقدر ما يتحول إلى منظومة مستقلّة عن كل الثقافات و متميّزة عنها، أي إلى منظومة علمية و قائمة بذاتها و موضوعية يصبح في متناول كل مجتمع بشري. ولا تقوم الثقافات المختلفة التي تحتضن الحضارة بين فترة و أخرى، إلا بتطوير هذه المنظومة ووضع مساهمتها و تجربتها فيها قبل أن تنتقل إلى منطقة أخرى.

إن العلاقة بين الحضارة العالميّة و الثقافات، تختلف حسب قدرة كل ثقافة على إدماجها في بنية مفاهيمها و قيمها الخاصّة، وحسب البيئة التي تعيش فيها هذه الثقافة. وعن هذا الاختلاف تثدر المدنيات و تتميز داخل نطاق كل حضارة، أي تتحدد درجة تمدّن كل مجتمع و أسلوبه. فقد فجرت الحضارة الصناعية مثلاً البنية العائلية في أوروبا وحلت كل التجمعات الاقطاعية التقليدية، بينما ساهمت في اليابات في تدعيم القيم الجماعية، و أصبح المصنع ذاته إطاراً جديداً لترسيخ علاقات التبعية الشخصية.
ولم يؤثر ذلك سلباً على نموّ النظام الصناعي، بل فتح له آفاق تطور أكبر كما هو معروف، وذلك على عكس ماتردده بعض النظريات الاجتماعية.

و بالمثل، ذكر علماء الاجتماع في بداية هذا القرن و أهمهم (ماكس فيبر)، أن الصناعة لا يمكن أن تتطور إلا في إطار منظومة قيم تركز على الفردية وتشجّع عليها.
بيد أن التطور الصناعي في بلدان الكتلة الشرقية لم يظهر فقط أن من الممكن قيام عملية تصنيعية ناجحة على أساس تعميق القيم الجماعية، بل إن ترسيخ هذه القيم يمكن أن يشكل قاعدة لنمو صناعي أسرع، ويساهم في تجاوز العديد من التناقضات الاجتماعية التي تفرزها العملية التصنيعية، خاصة في مراحلها الأولى.

و بيّنت تجربة البلدان النامية اليوم أن من الممكن نقل وسائل الحضارة و منتجاتها و نظمها الصناعية و العلمية دون الحصول على أي تطور حقيقي و ذاتي، أي دون أن تؤدي إلى نشوء المدنية، بل مع تعميق الاتجاهات نحو التحلّل و الانحلال الاجتماعي و الثقافي.
وهذا يعني أن دراسة الصيرورة الحضارية هنا أو هناك تقتضي دراسة شروط التفاعل بين الحضارة و الثقافة، وهي شروط خاصة بكل جماعة تبعاً لتاريخها و بيئتها السياسية و الاجتماعية و الطبيعية.

و يمكن لهذه الدراسة وحدها أن تُبين لنا مشكلات النهضة و التخلف، أي الصراعات و المشكلات و التناقضات التي يتوجب على المجتمع أن يجد لها حلاً كي يحقق توازنه الذاتي و يستكمل تطوره.
فلا تستطيع جماعة أن تتطّور، أي أن تحظى بدينامية تراكمية إلا إذا نجحت في التوفيق بين السيرورة الحضارية العالمية و سيرورتها الثقافية الخاصّة.

و حول الصراع بين الثقافات يقول:

كل ثقافة ليست مؤهلة ذاتياً وموضوعياً كي تكون ثقافة الحضارة، أي الثقافة التي تستقطب الإبداعات و المكتشفات العقلية و التقنية للبشرية و توطّنها. و الثقافات التي نجحت في حقبة أو كان بإمكانها أن تنجح في الماضي لا تنجح بالضرورة في الحاضر أو المستقبل. ولا تعتمد الفتوح الثقافية على وسائل واحدة أيضاً.

و يتطرّق أخيراً إلى عامل أساسي في تقرير مستقبل الأمم و الشعوب و الجماعات و مصيرها ألا وهو: التنافس الثقافي. ويقول فيه:

و لاتتخلى جماعة عن ثقافتها أو تمايزها الثقافي مهما كانت درجة هذه الثقافة من الضعف, إلا إذا قررت الانتحار الذاتي و الاندماج في غيرها من الجماعات.

 

 

 

اقرأ أيضًا عن الفرق الدقيق بين الثقافة والحضارة كما يراه بيغوفيتش.