جون كرايتون، والكتاب الغربي للموتى

نشر (جون و. كرايتون) الكتاب الغربي للموتى على جريدة سريّة أمريكية في ستينات القرن الماضي. في السبعينات قامت مطبعة (انتر فارسيتي) بنشر هذا الكتاب مرات عدة. أعيد طبع هذا الكتاب في نسخته الثانية في عام 2002 من قبل المطبعة ذاتها. ظهر اسم الكتاب كعنوان للحلقة الأولى من الموسم الثاني للمسلسل الأمريكي (True Detective) من كتابة الروائي والسيناريست الأمريكي (نك بيزولاتو).

التالي هو نص الكتاب مترجماً بالكامل، وبشكل حصري، إلى اللغة العربية :

الفصل الأول

في البداية – ، قبل البداية يمكن القول– لم يكون يوجد شيء. والمادة أتت من لاشيء. والمادة كانت فوضى.

الفصل الثاني

بشكل غريب، وبلا سبب أي كان، الفوضى بدأت في التحول. البساطة ولّدت التعقيد، العشوائية ولّدت النظام، والأكثر غرابة من كل شيء، المادة الجامدة أصبحت مادةً عضوية.

الفصل الثالث

العديد، العديد، العديد من السنوات مرت وكان ذلك بالصدفة تماماً، المادة العضوية تطورت في إتجاه غريب. أصبحت أكثر وأكثر تعقيداً، وثم بلا سبب ظاهر مطلقاً، أصبحت واعية بذاتها. سُميت بالعقل الواعي وأعطت لنفسها اسماً وذاك الاسم كان (إنسان).

الفصل الرابع

الآن الإنسان المجهّز بالعقل وجدَ أن العقل يلعب ألعاب غريبة عليه. وجدَ أنه بدلاً من تقبل نفسه كجزءٍ من المادة، كان لديه هذا الإشتياق بأن يكون ذا أهمية، رغبةً في أن يعيش لهدف. وبدلاً من أن تُحكمَ حياته بالفرصة العمياء، أراد أن يوجه شؤونه الخاصة بنفسه. وجدَ أيضاً أن هنالك حالة وجودٍ مُرضيّة كلياً وقام بتسميتها باسم (الحب).

الفصل الخامس

استمر الإنسان في البحث عن سبب ومعنى، وبعد فترة إشاعات غريبة بدأت في الانتشار – إشاعات تتحدث عن خالق – الرب الذي كان هو الحب، الذي خلق الإنسان على صورته. الكثير من الناس صدقوا هذه الإشاعات. لقد أعطت معنى لحياتهم. أخبرتهم هذه الإشاعات أن العالم لم يكن بلا معنى في نهاية الأمر. ومُلَهمين بالأمل بدأ هؤلاء المؤمنون بالكتابة، الرسم، والنحت. بعضٌ من هؤلاء الحرفيين كانوا موهوبين للغاية. بدوا كأنهم يُجسدون توق وطموحات كل البشر. اُعطيّ اسم لكل هذه القطع الحرفية المميزة، وهذا الاسم كان الفن. والناس الذين كتبوها، رسموها، أو نحتوها سَمُّوهم الفنانين. وكل فنهم كان يقول: الإنسان كائنٌ هام.

الفصل السادس

اُشيع أيضاً أن ابن الحب أصبح رجلاً، وعلّم الناس كيفية العيش، ثم مات. أسطورة تقول أن ابن الحب عاد من الموت ثم اختفى في غيمة. في بعض أنحاء العالم الغربي، المؤمنون بهذه الأسطورة يقومون بنشر صورة  مؤثرة جداً من الرسالة: الإنسان كائنٌ هام.

الفصل السابع

وُجدت هذه الحالة لعدة سنوات، لكن الإنسان أصبح قلقاً مع الوقت. هل كان ذلك حقاً؟ هل خُلق الإنسان من الحب؟ لماذا علينا أن نُؤمن بإشاعة؟ هل استعمل أي أحد منا منطقه – وهي حالة نشاط مميزة جداً للعقل أتبتت أنها ناجحة في فهم المادة – ليعرف إن كانت هذه الإشاعة حقيقية؟ هل تطابقت الإشاعة مع ما كان حقيقياً حقاً؟  ثم بدأ تحقيق شامل واستمر لعدة سنوات.

الفصل الثامن

بعد عصر من التحقيق توصل الإنسان إلى عدة استنتاجات:

(1) الإشاعات كانت بالتأكيد خاطئة. وجد المنطق أنه لا يوجد أي دليل لتأكيد فرضية وجود الرب. الرب، كما قالوا، كان نتيجة أحلام يقظة توّاقة، من تلفيق الخيال – الذي كان انحرافاً مبكراً لعقل الإنسان البدائي، الذي هو الآن في سعادة كبيرة  كونه محكوم بالمنطق. ولو كانت إشاعة وجود الرب خاطئة، إذاً بالتأكيد الإشاعة المعقدة عن ابنه خاطئة أيضاً.

(2) الإنسان لم يكن كائناً سامياً هاماً. لقد كان على العكس من ذلك، لا أهمية له على الاطلاق – مجرد ناتج معقد من السبب والثأثير. قطعة لا معنى لها من المادة على قطعة أكبر من المادة لكن ذا أهمية تُدعى الأرض. لقد بزغَ الرجل من وحل بدائي ولم يكن لا أكثر ولا أقل من ذلك.

الفصل التاسع

في البداية لم يتغير أي شيء. لكن بعد مرور بعض السنوات لاحظ بعض الرجال الحكماء الفرق. الموسيقى لم تعد كما هي، الرسم لم يعد يبدو كما هو عليه، والكتب لم تعد تُقرأ بذات الطريقة. بعض الناس بدؤوا يشتكون، لكن الفنانين – الذين كانوا دائمين ناس صادقين شفافّين – قالوا ببساطة : “نحن نُؤول الواقع لكم. يجب عليكم ألا تُعطوا لأنفسكم أي أهوآء. أنتم لاشيء. أنتم مجرد بروتوبلازم واعي بعض الشيء ومحكوم عليه بالموت على هذا الكوكب.”

بعد هذا، توقفت الجماعة النقدية عن الانتقاد وبدؤوا يقولون كيف أن هذا الفن الجديد جميلٌ حقاً. لم يريدوا أن يستعملوا كلمة “جمال” لأن الجميع كان يعلم أنها لا تعني أي شيء، لكنها كانت موجودة منذ مدة طويلة، لماذا لا يتم استعمالها إذاً على أية حال؟

الفصل العاشر

بعدها أيضاً، لاحظَ بعض الرجال الحكماء تغيرات في تصرفات بعض الرجال والنساء. في مرة كانوا يحبون بعضهم البعض. وكان يُعتقد أن حبهم انعكاس للحب الذي كان هو الرب. لكن الآن لم يوجد إلا الجنس –  مجرد ارتباط لحظي. والعائلات بدأن  في الاندثار والأطفال بقوا لوحدهم تحت نزوات المحاكم. والناس سموا تلك الارتباطات بالحب بالرغم من أنهم كانوا يعرفون أن الكلمة لا تعني أي شيء.

الفصل الحادي عشر

كل أنواع العواقب المروعة حلت بعد ذلك. بعض الناس قالوا، “لو كان الإنسان فقط مجرد ألة عالقة في آلية الطبيعة الضخمة، لماذا لا نعامله على هذا الأساس؟” وهكذا بدأ المتلاعبون في العمل واستخدموا الناس كمجرد أغراض من الطبيعة. ومن ثم أتى نظام فعّال للغاية يُدعى يوتوبيا، وسُميَّ شاغلو هذا النظام بـ”النيكروفيليس” [1]. بالطبع لم يكن الأمر جديداً حقاً، حيث أن المتلاعبين أخذوا نموذجهم من “النمل”، جماعة من الكائنات الحية التي عاشت في سنوات ماضية في حالة نظامية مثالية. مجموعة آخرى من الناس قاوموا اليوتوبيا. قالوا، “بالرغم من كل ما أثبتته ذلك المنطق، نحن سنظل نؤمن أن توقنا وطموحنا لهما معنى.” لذا حاولوا نسيان يأسهم (وهو شعور يشعر به الإنسان عندما يريد أن يتحلى بالأمل وكان يتحلى بالأمل رغم معرفته أن الأمر بلا جدوي) عن طريق أخذ المواد الكيمائية والتصرف مثل الحيوانات، والعيش فقط للحظات متعاقبة والمحاولة بكل جهد يملكون جعل هذه اللحظات مليئة باللذة.

معظمهم اُنهكوا بعد فترة وهم يلعبون هذه الألعاب  وبدؤوا يتخلصون من أنفسهم بطرق مختلفة. بعضهم ذهب للموت، بعضهم إلى سايكيدليا [2] (بلد جميل بمناظر طبيعية مُشبعة بالسينستيسيا) [3]، وبعضهم إلى النيرفانا [4]. وبعضهم ذهب حتى إلى اليوتوبيا. وهكذا إذاً تم تقديس الهراء على حساب المعنى (سموا ذلك العبث). هُجِرَ المنطق – لأنه كما ترى، لم يكن باستطاعته إعطاء أجوبة على الأسئلة الكبيرة جداً بعد كل شيء. فحلَّ في مكانه اللامنطق (سموا ذلك اللاعقلانية). والأخلاق هُجِرَت  – لأنهم اعتبروا أن تلك القدرة على التمييز بين الشيء الجيد والشيء السيء مجرد مسألة ذوق أو هوى. الشيء الجيد والشيء السيء كانا في يوم ما ذائعيّ الصيت، لكن ذلك كان في الوقت التي كانت فيه إشاعات وجود الرب ذائعة الصيت أيضاً. الشيء الجيد كان شخصية الرب المقدسة وكان يجب اطاعتها. الشيء السيء كان عدم الاطاعة أو الثورة على الشيء الجيد. لكن الشيء الجيد والشيء السيء رحلا مع المنطق والرب. والآن لم تعد توجد أية مأساة –  فقط البؤس.

الفصل الثاني عشر

وهكذا توقف الإنسان عن كونه إنسان – عقلاني، مخلوق أخلاقي، كائن حي تفوّق ذات مرة على سببيّة الطبيعة. بدلاً من ذلك أصبح بلا معنى،مبهم كألة ما مصنوعة من المادة. حتى من المتلاعبين الذي تحكموا في اليوتوبيا توقفوا عن كونهم رجالاً بالمعنى القديم للكلمة.  وبعد أن أنكروا رجوليتهم لمدة طويلة، فقدوها في النهاية، وهكذا أصبحوا أكثر الحيوانات ترعيباً على سطح الأرض.

ملحق

الإشاعات القديمة ما تزال مستمرة – موجودة في المناطق النائية وفي جيوب المعارضة في اليوتوبيا – أن الحب حقيقة. البعض مازال يقول أن الإنسان حقيقة. لكن هؤلاء هم ذاتم الذين يقولون أن الإنسان لم يمت أبداً في الحقيقة، وحتى أن الإنسان القديم مازال على قيد الحياة (بعضٌ منهم، والبعض الأخر لا) وأنه يعيش في العالم الآخر. يتم قمع هذه الإشاعات أينما توجد.

هوامش المترجم:

[1] نيكروفيليس : الأحياء الموتى.

[2] سايكيدليا :  اشتقت من كلمة (Psychedelic) التي تعني (كيواني) وهي كلمة فارسية تعني المكان البهيّ الجميل.

[3] السينستيسيا : هي ظاهرة عصبية تتمثل بالمزج بين الحواس المختلفة، بحيث بالإمكان أن ترتبط الألوان بالحروف والأرقام، وأن ترتبط الرائحة والمذاق بالموسيقى، وأن يرتبط الملمس بالبصر.

[4] نيرفانا : حالة سلام كامل، خالية من أي مشاعر دنيوية. حالة وعي روحاني لاشعوري بالجمال والسلام والتقبل المطلق.